سلمان الغرايري كتب:
** كيف توصّلنا أنّ النّهضة الصّحيحة لا تكون إلاّ بحلّ العقدة الكبرى حلاّ صحيحا يوافق الفطرة ويقنع العقل.**
**بداية فإنّ المفاهيم هي مجموعة القناعات المطابقة للواقع ( المحسوس والمغيب ) جرى التصديق الجاذم بها عن طريق عقلي ، وأخذت من الشخص موضع التنفيذ والتقيد وجعلها الموجه للأفعال. وهذا يعني أنّ المفاهيم هي الموجه الحقيقي للإنسان المكيفة لسلوكه، كما أنها هي التي توجه حكمه على الأشياء وعلى الواقع، وتقوده للفعال ايجاباً أو سلباً. فالسلوك الإنساني مرتبط بالمفاهيم، فتغيير السلوك الإنساني مرتبط بالمفاهيم ، فتغيير المفاهيم عند شخص يعني تغيير السلوك ولا بُد.
وهذه المفاهيم هي الفكر الأساسي المتعلق بوجهة النظر عن الحياة الدنيا وما يتعلق بها، أي انه الفكر عن الموجودات ( الحياة والكون والإنسان ) فهو المكون لوجهة النظر الثابته عن الحياة الدنيا وعما قبلها وعما بعدها.
والطريق الوحيد لتغيير المفاهيم عند افنسان هو ايجاد الفكر الثابت عنده عن الحياة الدنيا بهدف ايجاد المفاهيم الصحيحة عنها. مما لا يتوفر حتى يتركز الفكر الصحيح عن الكون والحياة والإنسان مربوطاً بفكر صحيح وواضح عما قبل الحياة الدنيا، وعما بعد الحياة الدنيا أيضاً، وعلاقة هذه الحياة الدنيا بما قبلها وبما بعدها، فيجري اعطاء الإنسان فكرة كلية شاملة عن الموجودات وعلاقتها بما قبلها وبما بعدها، وتركيز هذه الفكرة الكلية لديه لتكوِّن لديه مفهوماً ثابتاً مصدقاً لديه تصديقاً لا يتطرق اليه أي شك أو ارتياب بحيث يكون هذا التصديق موجهاً لسلوكه في الحياة.
واقع إعطاء الفكرة الكلية الشاملة للإنسان يعني حل مشكلة المشاكل عنده وفك العقدة الكبرى عنده، وواقع هذه العقدة الكبرى أنها الأساس الواجب أن تبنى عليه كافة أفكاره لأنّ ما عداها ليس سوى عقد جزئية. فما لم تحل العقدة الرئيسية حلاً صحيحاً لا يمكن حل العقد الجزئية لأنّ حلها مرتبط بحل العقدة الكبرى التي هي الأساس الموجه لغيرها من العقد. إلاّ أنّهُ يجب ملاحظة أنّ حل تلك العقدة يوجد نهضة ليس إلا بغض النظر عن الصحىة من عدمها. أما النهضة الصحيحة فلا يتأتى ايجادها إلا إذا كان هذا الحل مستنداً لأساس روحي. فهذا الحل هو الموافق لفطرة الإنسان فيُقنع العقل ويملأ القلب طمأنينة ويكون الأساس الثابت الراسخ.
وواقع تغيير المفاهيم بإعطاء الفكرة الكلية الثابتة يعني أن يكون عن طريق الفكر المستنير. فلا يتأتى إعطاء الحل الصحيح لأسئلة الإنسان عن الكون والحياة والإنسان إلا بواسطة الفكر المستنير وبغير الفطر المستنير لا يتأتى اعطاء المفاهيم الصحيحة التي تقنع العقل وتطمئن الإنسان بموافقة فطرته، لذا وجب على المتطلعين للنهضة ورقي الإنسان أن يحلوا له عقدته الكبرى عن طريق الفكر المستنير أي ( تغيير العقيدة ) التي هي القاعدة الكبرى والأساسية التي يُبنى عليها كلّ فكر فرعي يتعلق بالسلوك في الحياة وحول أنظمة الحياة.
إنّ الإسلام قد عمد إلى هذه العقدة الكبرى فحلها له حلاً جذرياً شاملاً أنتج عنده:
1- كان هذا الحل موافقاً لفطرة الإنسان.
2- ملأ العقل قناعة
3- ملأ القلب طمأنينة
لذا فالدخول في الإسلام يتوقف على الإقرار بهذا الحل إقراراً جازماً لا ريب فيه ولا شك، وأن يكون هذا الإقرار صادر عن العقل أي بعد البحث العقلي الموجد فعلاً للإيمان والتصديق بتلك النتيجة،لذا فالإسلام قد بني على أساس واحد وثابت ألا وهو العقيدة التي هي الفكرة الكلية الشاملة عن الكون والإنسان والحياة وعما قبل الحياة وعما بعدهاـ وعلاقتها بما قبلها وبما بعدها. وما دام هذا هو واقع العقيدة كانت عقيدة الإسلام مرتكزة على :-
1- أن وراء هذا الكون والحياة والإنسان خالقاً خلقها من عدم، وخلق كل شيء وهو الله تعالى.
2- أن هذا الخالق أوجد الأشياء من عدم.
3- أنّ هذا الخالق واجب الوجود.
4- أنه غير مخلوق، وإلاّ لما كان خالقاً.
5- أنً إتصافه بكونه خالقاً يقضي بداهة أنه غير مخلوق وأنّهُ واجب الوجود لأنّ الأشياء كلها تستند إليه ولا يستند هو إلى أي شيء منها.
6- أنّ جميع الأشياء لم توجد صُدْفَةً ولا طَفْرَةً.
7- أنّ هذه الأشياء لم تخلق نفسها.
8 - أنّ الله وحده هو ما قبل الحياة الدنيا.
9- أن البعث والحساب هو ما بعد الحياة الدنيا
10 - التقيد بشرع الله الذي سيحاسب الإنسان عن أعماله سلباً أو ايجابا .
11- لا يُطلب من كل من لم يدخل الاسلام تقيد بأحكام الإسلام، فالأصل الايمان يتبعه دخول في دين الله… وبعدها يُلزم بالتقيد بالأحكام الشرعية.
لقد ركز الإسلام على حل تلك العقدة وترسيخ العقيدة، مع انبثاق الأحكام الشرعية منها الواجبة التقيد بها، وقد أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً من عمر الدعوة يدعوا الناس ويخاطب عقولهم للتفكر في الخلقب وايجاد الفكرة الكلية الشاملة المرتكزة على الأساس الوحيد الصحيح وهو انّ كلّ الموجودات هي مخلوقة لله تعالى ، ومن هذا المنطلق انطلقت دعوة افسلام تحمل شريعة التوحيد للعالمين.**