الاقتصاد السياسي والسياسة الاقتصادية[

**بسم الله الرحمن الرحيم

الاقتصاد السياسي والسياسة الاقتصادية

جواد عبد المحسن ( الخليل - فلسطين )

لم يكن نشوء المبدأ الرأسمالي نشوءا مفاجأ بين عشية وضحاها, بل جاء نتيجة إفرازات عديدة أدت بمجملها إلى تبلور عقيدة هذا المبدأ قبل أن يتبلور نظامه…ويمكن لنا أن نوجز هذه الإفرازات مثل ظهور النظريات الفلسفية وحركة الإصلاح الديني ودعاوى الإلحاد وسيطرة الكنيسة والإقطاعيين والظلم على العامة,

وحتى تتضح الصورة…فلقد كانت المؤسسة الكنيسة من الناحية المالية أهم مؤسسة في البلاد ,فهي تملك مثلا ما بين 55 ? 60% من الأرض وأملاكا أخرى تقدر قيمتها في مجموعها بمبلغ يتفاوت بين ( بليوني جنيه وأربعة بلايين جنيه استرليني ذهبي ) سنة 1789م يضاف إلى هذا المبلغ دخله السنوي المقدر ب( 120 ) مليون جنيه و ( 129 ) مليون جنيه عشور تجبى من غلات الأرض … ومع كل ما هو موجود تحت يد الاكليروس والرهبان إلا أن كثراً منهم هجر الرهبنة … ويصف آرثر ينج الوضع فيقول ( إن الحقول مسرح للإدارة المهلهلة… كما إن البيوت شاهد على الفقر المدقع … ومع كل هذا فان هذه البلاد كلها قابلة جداً للتحسن لو عرفوا ما ينبغي ان يصنعوه بها ).

وترافق مع هذا وذاك ظهور الاكتشافات العلمية واكتشاف العالم الجديد والحاجة إلى الأيدي العاملة مما حدا بهم إلى الذهاب إلي شرق إفريقيا وسرقة الناس والاتجار بالرق ففي عام واحد سنه 1788 شحن تجار الرقيق الفرنسيون أكثر من ( 29) إلفا إلى هاييتي فأصبح (30) ألفا من البيض يستخدمون (480) إلفا من السود .

وقد أدى هذا الأمر إلى نشوء ما يسمى بالطبقة البرجوازية وهم طبقة التجار و رجال الأعمال و الصناعيين الذين طالبوا الدول برفع القيود عن العلاقات التجارية و تحت ضغطهم تنازلت الحكومات ولبت كثيرا من مطالبهم مما حسن حركة التجارة ، فمثلا بلغ حجم التبادل التجاري بين فرنسا وبريطانيا في عام 1788م بليون فرنك وكان النهم يزداد يوما بعد يوم صرحت غرفة تجارية تصريحا يعبر عن هذا النهم حين قالت(إن فرنسا تحتاج إلى مستعمراتها لصيانة اقتصادها) ولقد احتاجت المشاريع الصناعية والاستعمارية إلى رأس المال, وولدت سلالة من المصرفيين وعرضت شركات المحاصة السندات وطرحت الحكومة السندات وأسهم القروض وتطورت المضاربة في بيع وشراء السندات المالية …حتى شارك أعضاء الوزارات في المضاربة…فأصبحوا خاضعين لضغط المصرفيين ونفوذهم … وكانت كل حرب تزيد من اعتماد الدولة عليهم … مما أدى إلى إخضاع القرار السياسي لمصلحة رجال الأعمال أو إلى آلهة المال كما يسمونهم …وليس هذا الأمر في أوروبا وحسب بل في الدولة الناشئة حديثا في أمريكا .

لقد أدى هذا التطور في النظام الرأسمالي بعد استقرار عقيدة فصل الدين عن الحياة وتحجيم الكنيسة وعدم تدخلها في القرار السياسي ( الحرب و السلم ) إلى وجود الحاجة للاستعمار لأنه من وجهة نظرهم ? حاجة اقتصادية ? بعد أن كان في أصله حاجة مبدئية أو مصلحة يمليها المبدأ ويصف هذا الأمر ( روبرت كوبر) مستشار توني بلير في السياحة الخارجية فيقول ( الحاجة إلى الاستعمار اليوم ماسة كما كانت في القرن التاسع عشر لحمل مبادئ النظام والحرية والعدالة التي تعتنقها مجتمعات ما بعد الحادثة) .

ولقد نشئ ما يسمى بالمثالية الولسونية ? نسبة إلى(رودو ويلسون الرئيس للولايات المتحدة 27 من سنة 1856 ? 1924 ) , ووجهة نظره هي تفويض نخبة من الوجهاء والأعيان من ذوي المثل العليا سلطة حفظ الاستقرار ووضع الجمهور في مكانه الصحيح… وهذا الانتداب في رؤية السلطة إنهم لفيف من الناس ممن يعون دور الحكومة وهو (حماية الأقلية الثرية من الأغلبية) وهذه المثالية كما يقول ( نعوم تشومسكي ) يمكن تلخيصها بأنه يجب على أمريكا أن تؤدي دورها التاريخي بصفتها الطليعة ، وأن تغير النظام العالمي ومن خلال هذا الإدراك أن تديم هيمنتها عملا بحتمية التفوق العسكري وأن تجعل العالم قاب قوسين أو أدنى من الدمار حتى يمكن لك أن تستثمر هذا الأمر لمصالحك من دون مجازفة وشطب المشاركة السياسية للأكثرية العددية في الداخل من خلال التضخيم الإعلامي للحدث لإسكات المعارضين بتصوير الأمر بأنه تهديد مباشر للأمن في أمريكا وواجب على أمريكا حماية أمنها بالحروب الإستباقية وصناعة الرأي العام إعلاميا , كما حصل مع العراق و الكنغو وكوبا وفي أمريكا الجنوبية بتدبير الانقلابات وفي ملخصه أن العلاقات الخارجية لا تبنى على أساس المصالح المشتركة بين الدول وإنما على أساس إدارة صراعات ويصف هذا الأمر جورج شولتز وزير خارجية رغين 1986م بقوله ( أن التفاوض تعبير ملطف للاستسلام .. إذا لم يسقط ظل القوة على طول طاولة المفاوضات ) ولقد سقط ظل هذه القوة وتمثل بمشروع مارشال لإعمار أوروبا و وصفت(مجلة ترست ويك) تصف مشروع مارشال ( بأنها التعبير الاقتصادي للإطار السياسي الذي أرساه صناع السياسة في حقبة ما بعد الحرب ). بعد انتهاء الحرب وتمثله بقانون ( الإعارة والتأجير) قبل الحرب وابتزاز بريطانيا الحرب اقتصاديا , وبل ويصف أحد خبرائهم السياسة بأنها ظل المشاريع والأعمال الضخمة على المجتمع وهو التسامح مع التغلغل الاقتصادي الأمريكي في أي بلد وعدم التسامح مع أي منافسة ويستشهد بقول( ثوسيديس ) وهو قائد يوناني 460 ? 403 ق.م بقوله ( للأمم الكبيرة أن تفعل ما تشاء وللأمم الصغيرة أن تقبل ما يتوجب عليها فعله ) مثل الاتفاقية الأمنية العراقية أخيرا.

وليس هذا فقط بل كما أن العلاقات الخارجية تخضع لإرادة آلهة المال ومصالحهم فكذالك الأمر الأمر بالنسبة للعلاقات الداخلية حين قال الرئيس الأمريكي ( مديسون ) ( حراسة المصالح العامة من أذى الديمقراطية ) فكانت سياسة التصنت وتقييد الحريات وحماية الاحتكارات وغض الطرف عن إنشاء البنوك الاستثمارية التي لا تخضع للرقابة الحكومية وهذا ما شاهدناه ورأيناه من مسلسل الانهيارات المتلاحقة وحمى الإفلاس الجماعي ، وهذا ما أدى إلى أن نسمع أصواتا تنادي بضرورة التغيير واستبدال هذا النظام الاقتصادي بغيره من النظم لأنه ثبت فشله ولا مجال لإصلاحه و هذا ليس عندهم فحسب بل إنه قد تعداهم حتى وصلنا نحن المسلمين لأننا نحكم بالنظام الاقتصادي الرأسمالي عمليا وفي جميع نواحي حياتنا الاقتصادية .

وأما السياسة الاقتصادية عندنا كأمة عريقة في الفكر المستنير فإن التأصيل في الفهم بناءا على قاعدة فكرية واحدة لم تتغير منذ أن نزلت آية ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) وإن ما حصل اختلاف في فهم النصوص وهذا الاختلاف في الفهم لا يعني الاختلاف على القاعدة مطلقا وهذا ما تبناه الحزب حين بين أن الأمة يمكنها أن تعيد بناء ثروتها المادية ما دامت محتفظة بثروتها الفكرية وأن النهضة الفكرية هي النهضة التي تتعلق بها كل نهضة يمكن أن توصف بأنها نهضة ومثال ذلك أن التتار قد اجتاحوا بغداد سنة 656هـ ولكن الأمة سرعان ما استعادت زمام المبادرة وانتصرت في عين جالوت سنة 658هـ لأنها لم تفقد ثروتها الفكرية ولا بوصلتها .

إن الجانب الاقتصادي في المبدأ الإسلامي ليس مفصولا او مفضولا عن غيره من الجوانب ومشاكله ليست مقدمة أو مؤخرة عن غيرها فنظام الحكم والنظام الاجتماعي والعلاقات الداخلية والخارجية وأحكام الأراضي وأحكام الفيء والغنائم والعبادات وغيرها كلها يشملها نظام واحد ومبدأ واحد، ولا يمكن تفصيل هذه الأمور وجعلها تابعة للجانب الاقتصادي فأي مشكلة تقع في جانب من جوانب الحياة المتعددة هي قضية إنسانية وبحاجة لحل وهذا الحل موجود في هذا المبدأ وصدق الله العظيم( ما فرطنا في الكتاب من شيء) ولا تحل بناءا على قاعدة اقتصادية مطلقا .

لقد مورست سياسة الترقيع منذ أن طُبّق أول قانون وظهور عواره عند الرأسماليين وغيرهم من الاشتراكيين ولم تنجح هذه السياسة لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء ففشلت ولم يجد نفعا لا الدعوة للعدالة الاجتماعية ولا دعوى الإصلاح في استمراره وان أطال في عمر هذا النظام لفساد فكرة العدالة الاجتماعية وفساد فكرة الإصلاح .

إن السياسة الاقتصادية التي يجب تطبيقها عمليا في هذا العصر لمعالجة المشاكل الاقتصادية هو وجود سياسة اقتصادية ثابتة تستند إلى المبدأ وتنبثق عنه , وأن ترسم هذه السياسة بحسبه , ولا ترسم السياسة الاقتصادية عبر رؤية معينة لواقع معين وزمن معين سرعان ما يتغير هذا الواقع فتتغير السياسة الاقتصادية تبعا لتغير هذا الواقع .

إن على الذين يتحدثون عن السياسة الاقتصادية الواجب رسمها لبلدهم أن يدركوا واقع البلد ,وما يجب أن يكون عليه بلدهم … فإن كان واقعه انه لا يعتنق فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة فإنهم مضطرون لرسم سياسة اقتصادية غير ثابتة , إذ إنهم لا يملكون فكرة كلية يستمدون منها السياسة الاقتصادية الثابتة , أما إن كان واقع بلدهم انه يعتنق فكرة كلية ولكنهم لا يباشرون شؤون حياتهم على أساس هذه الفكرة … فإنه لا يجوز لهذا البلد أن يرسم سياسة اقتصادية غير ثابتة لا تستند إلى ما اعتنقوه من هذه الفكرة الكلية … فإذا فعلوا فإنها لا تجدي ولا تعالج لان هذه السياسة الاقتصادية قد انبثقت عن فكرة كلية غير الفكرة الكلية التي يعتنقها أهل هذا البلد … لأنها متعذرة التطبيق إلا بالحديد والنار بل وتكون العواقب وخيمة … وهذا ما حصل ويحصل في بلاد المسلمين من إضاعة للثروة والجهد وتبديد لهما .

إن البلاد الإسلامية تعتنق فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة وهي العقيدة الإسلامية ولكنها لا تباشر شؤونها في معترك الحياة على أساسها … ولذلك لا يجديها رسم السياسة الاقتصادية غير الثابتة ولا يتأتى أن ترسم لها سياسة اقتصادية رأسمالية أو اشتراكية لأن كل منهما تنبثق عن فكرة كلية غير الفكرة الكلية التي تعتنقها الأمة … فيتحتم عليها أن ترسم لنفسها سياسة اقتصادية منبثقة عن الفكرة الكلية التي تعتنقها وهي العقيدة الإسلامية … يعني أنه لا بد أن تكون السياسة الاقتصادية للبلاد الإسلامية أحكاما شرعية مستنبطة من الكتاب والسنة أو مما أرشد إليه الكتاب والسنة من أدلة … وما عدا ذلك من السياسات الاقتصادية فهي سياسات فاسدة ولا يؤدي رسمها إلا إلى تزايد المشكلات الاقتصادية وغيرها والى إفقار الناس وإدامة التخبط والاضطراب .

إن سياسة الاقتصاد هي الهدف الذي ترمي إليه الأحكام التي تعالج تدبير شؤون الإنسان وسياسة الاقتصاد في الإسلام هي ضمان تحقيق الإشباع لجميع الحاجات الأساسية لكل فرد إشباعا كليا وتمكينه من إشباع الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع باعتباره يعيش في مجتمع معين له طراز خاص من العيش وينظر إليه في نفس الوقت باعتباره مرتبطا مع غيره بعلاقات معينة تسير تسييرا معينا حسب طراز خاص … فكانت سياسة الاقتصاد في الإسلام هي جعل القيم الرفيعة هي التي تسيطر على العلاقات القائمة بين الأفراد .

المراجع :

1- النظام الاقتصادي ? تقي الدين النبهاني .

2- السياسة الاقتصادية المثلى ? عبد الرحمن المالكي .

3- هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية ? هنري كيسنجر .

4- قصة الحضارة ? ول ديوارنت جـ 37 ، 38 ، 41 ، 42

5- الهيمنة أم البقاء ? نعوم تشومسكي