الاستبداد ونظام الحكم في الإسلام

**الاستبدادُ ونظامُ الحكمِ في الإسلام

محاور المقالة:

  1. ما هو الاستبداد؟

  2. الاستبداد وقواعد نظام الحكم في الإسلام.

  3. الاستبداد والتجربة التاريخية لنظام الحكم في الإسلام.

  4. الاستبداد وحديث السمع والطاعة و" إنْ جلدَ ظهرَك و أخذَ مالك"

  5. الاستبداد والشورى ومجلس الأمة.

  6. مسألةُ الفصلِ بين السلطاتِ و علاقتِه بالاستبدادِ.

  7. الاستبداد ورأس المال.

  8. الاستبداد ومدة الخليفة في الحكم .

  9. كلمة خاتمة.

    "أنا الدولةُ والدولةُ أنا " عبارةُ الملكِ الفرنسيِّ لويس الرابع عشر، الذي حكمَ فرنسا 54 عاماً (1661- 1715)، العبارةُ التي صارت مثالاً للاستبدادِ السياسيّ، عندما تُقابلُ بعبارةِ “الدولةُ الإسلامية هي خليفةٌ يطبقُ الإسلام” هكذا، بعبارةٍ مختصرةٍ الدولةَ في شخصِ الحاكمِ أو الخليفةِ،يقفزُ السؤالُ التالي:ما الفرقُ بين العبارتين؟أليسَ كلا العبارتين نصٌ في الاستبداد،بل تبدو العبارةُ الثانيةُ أخطرَ من الأولى،إذ تؤسسُ للاستبدادِ و تعطيه الشرعيةَ الدينيةَ؟!

    موضوعُ هذه المقالةِ يجيبُ على ذلك، ويبحثُ في تفكيكِ العلاقةِ بين نظامِ الحكمِ في الإسلام و الاستبداد.

    الاستبدادُ و الدكتاتوريةُ و الحكمُ المطلقُ و الحكمُ الشموليُّ مصطلحاتٌ متجانسةٌ متقاربةٌ، قابلةٌ للذوبانِ بعضُها في بعض،إذ هي تكاد تجتمعُ على معانٍ مشتركةٍ واحدةٍ، ملخصُها أن المستبدَّ مستفردٌ بالسلطةِ، منفلتٌ من كلِّ قيدٍ، فلا أخلاقَ ولا دينَ ولا قانونَ يقيدُه ،و إنما القانونُ ما هو إرادةُ إلا المستبدِ. فالمستبدُ فوقَ الدستورِ و القانونِ، وإن هما إلا عجينتُه، يشكلُها بأدواتِه كيفَ يشاءُ، يفعلُ ما يشاءُ غيرَ مسئول ويحكمُ بما يقضي به هواهُ، فكأنَّه فرعونٌ، أو إله فوقَ الناسِ، لا مُعقبَ لحكمِه ولا رادعَ للحدِّ من سطوتِه.

    فالاستبدادُ إذاً، بعبارةٍ جامعةٍ مانعةٍ هو استفرادُ فردٍ أو مجموعةٍ أفرادٍ بالحكمِ بلا قيودٍ دونَ نظرٍ إلى رأسِ المحكومين.

    إنَّ عبارةَ “أنا الدولةُ و الدولةُ أنا” عبارةٌ استبداديةٌ، لخلوِّها من أيِّ قيدٍ دستوريٍّ أو عمليٍّ للحاكم،أما عبارةُ " الدولةُ الإسلامية هي خليفةٌ يطبقُ الإسلام "،هي عبارةٌ مضادةٌ للاستبداد،تختصرُ في داخلِها قواعدَ نظامِ الحكمِ في الإسلامِ الأربع ، حيثُ أولاً السيادةُ جُعلت للشرعِ و لم تُجعلْ للحاكمِ ،يحكم من رأسِه فيستبد،و كما لم تُجعلْ للشعبِ، والشريعةُ تحكمُ كلا الحاكمِ و المحكوم،فهما جميعاً تحتَ الشرعِ سواء، فلا حصانةَ لأحدٍ ولا حمايةَ لمستبدٍ متجاوزٍ للشرع ِكائناً من كان،و حيثُ القاعدةُ الثانيةُ: أن السلطانَ جُعل للأمةِ لا للحاكم، فهي تنصبُه بعقدِ مراضاةٍ و اختيار،و إلا لا شرعيةَ له، فهي تنيبُه عنها،بما هو واجبٌ عليها و حقٌ لها، تنيبُه و تُعِينُه و تحاسبُه إنْ قصرَ، وتأطرُه على الحقِ أطراً، لا تنصبُه و تديرُ ظهرَها وكأن الأمرَ بعدَ التنصيبِ لا يعنيها،فإنْ فعلتْ فلتتحملْ .و هكذا بِجعلِ السيادةِ للشرعِ قُيِّد الحاكمُ دستورياً و بجعلِ السلطانِ للأمةِ قيدَ الحاكمُ عملياً.

    أما ثالثةُ قواعدِ نظامِ الحكمِ،فهي:نصبُ خليفةٍ واحدٍ فرضٌ على المسلمين، فلا خليفةَ إلا إذا ولّتْه الأمة،و لا يملكُ أحدٌ صلاحياتِ الخليفةِ إلا إذا تم عقدُ الخلافةِ له على الوجهِ الشرعيِّ،مستكملاً كلَّ شروطِ الانعقاد،كأي عقدٍ من العقودِ في الإسلام، فهذا يقتضي عدالةَ الحاكمِ بضرورةِ شروطِ انعقادِ البيعة، إذ هي شروطُ انعقادٍ و استمرار،و المستبدُ متجاوزٌ للشريعةِ تعمداً،فهو مجروحُ العدالةِ، لا يحقُ له الاستمرارُ في الحكم،فيُصطبر عليه،و لكن لا يُسكت عن منكره، فيعمل على إسقاطه سلمياً أو ينعدل، إلا أن يكونَ استبدادُه قد تجاوزَ الخطوطَ الحمراء،فأظهرَ في الدولةِ أو في نفسِه الكفرَ البواح، فحينئذ، تجبُ الثورةُ المسلحةُ عليه لخلعِه.

    أما القاعدةُ الرابعةُ من قواعدِ نظامِ الحكمِ:للخليفة وحده الحقُ في تبني الأحكامِ، فقد يجعلُها البعضُ تَكُؤَةً، يستند عليها،فيهاجمُ بها نظامَ الحكم في الإسلام، فكيف ، بزعمِهم، يُترك لشخصٍ هو الخليفةُ تحديدُ معانِ الإسلام، وبأيِّ إسلام سيحكمُنا،إنه إسلام على مقاسِه و هواه!أليس ذلك هو عين الاستبدادِ الديني الذي عرفتْه أوروبا،قلْتُ: لا،أولاً الإسلام ليس فكراً مطاطاً، غيرَ مُنضبِطٍ بأصولٍ، يتسعُ لكلِ شيء ٍ و ضدِّه، و ليسَ فيه شيءٌ مخفيٌ،فهو يعيش في جماهيرِ الأمةِ و علمائِها، له أصولٌ تضبِطُه،يتبناها الحاكمُ و يظهرُها، معاهدا ً عليها الله تعالى و الناسَ ،فليس إسلاما مفتوحَ العبارة، فإن انحرف الحاكمُ قامت عليه الأمةُ بما اختُزِن في وعيِها بقيادةِ علمائِها، فصوبتْه.

    ثم إن الشارعَ راعى واقعَ كونِ الإمامِ شخصاً غيرَ معصومٍ،قد يأتي منه، عندَ ضعفِ الوازع الديني، ما يؤدي إلى الاستبداد، مستغلا ً في ذلك الصلاحياتِ الواسعةَ المخولةَ له، ولهذا جاءَ الإسلامُ بأحكامٍ و ضوابطَ شرعيةٍ تعالجُ هذا الواقع، و تحولُ دونَ حصولِ إساءةِ التطبيقِ من الإمامِ عندَ تبني الأحكامِ و سنِّ القوانين،و تضمنُ سيرَ الدولةِ والأمةِ ضمنَ الإطارِ الشرعيِّ،و يمكنُ ابرازُ أهمِ هذه الضوابطِ فيما يلي:

أولاً:حسمُ الشريعةِ للمسائل التشريعيةِ في المجتمعاتِ الإنسانية.

ثانياً: وجوبُ التقيدِ بالشرعِ في تبني الأحكامِ وسنِّ القوانين.

ثالثاً: قصرُ مجالاتِ سنِّ القوانينِ التشريعيةِ على رعايةِ الشؤونِ وأعمالِ الحكمِ الضروريةِ للدولةِ دونَ غيرِها،مثلُ ما يتعلقُ بوَحدةِ الدولةِ وجمعِ الزكاةِ أو فرضِ الخراجِ و عقدِ المعاهداتِ مَع الدولِ الأجنبيةِ وما شابه ذلكِ، فكلُّه يكونُ فيه التبني واجبا ً،لأنَّ الإمام لا يستطيعُ أن يقومُ برعايةِ الشؤونِ و الحكمِ إلا عند تبنيه حكماً معيناً فيها.

رابعاً: قصرُ مجالاتِ سنِّ القوانينِ الإجرائيةِ على أمرين: على فروضِ الكفايةِ كتنظيمِ أمرِ الاكتتابِ للجهاد، وعلى تنظيمِ المباحاتِ المتعلقةِ برعايةِ الشؤونِ و تشملُ: منعَ ما يؤدي إلى الضررِ أو المحرمِ، وتنظيمَ الملكيةِ العامةِ ومرافقَ الجماعة، و تنظيمَ الشؤونِ الإداريةِ الخاصةِ بالدولة،بمعنى، ليسَ للدولةِ مثلاً إلزامُ الناسِ عن طريق سنِّ قانونٍ ينظمُ ألوانَ البيوت،أو يمنعُ تعددَ الزوجاتِ أو الطلاقَ،أو يمنعُ نكاحَ المسلمِ للمسلمةِ بسببِ الانتماءِ القبليِّ أو الإقليمي،لأن ذلك كله خارجُ عن مجالِ القوانينِ الإجرائية من فروضِ الكفاية و تنظيمِ المباحات، فتَكونُ حقيقتُه تحريمٌ لما أحل الله.

خامساً: الشورى و خضوعُ الدولةِ لمحاسبةِ الأمةِ فيما يتعلقُ بسنِّ القوانينِ و تبني الأحكام.

سادساً: هيمنةُ القضاءِ الشرعيِّ على حقِ الإمام في التبني.

إن الممارساتِ الاستبداديةَ التي ارتبطت بتاريخِنا السياسيِّ، بعد العصرِ النبويِّ و الخلافة الراشدة، مردُّها ليس إلى نصوصِ الإسلام، بل مردُّها إلى الخروجِ عن  هذه النصوص،  فلم يكنْ هذا الخروجُ طبيعيا ً،حتى ينسبَ إلى الإسلام، وثورةُ الحسينِ عليه السلام و ثورة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أكبر دليلٍ على ذلك.فلم تكنْ النقلةُ المستبدةُ نحوَ الملكِ العَضوض نقلةً سهلةً انحنى أمامَها الفكرُ السياسيُّ الإسلامي و سلمَ بها.





 إن الملكَ العاضَّ، الذي عضَّ على الأمةِ بالوراثةِ مسيئاً لعقدِ البيعةِ، ليس على منهاجِ النبوةِ  بكلِّ تأكيدٍ ،ولكنَّه حُكم بالشريعة، على أية حال، في كلِّ مجالاتِ الحياةِ، و السُّنَّة السيئةُ في أخذِ البيعةِ أيامَ الملكِ العَضوض، لم تنتجْ بالضرورةِ حكاماً سيئين مستبدين، فقد كانَ الملكُ العضوضُ إذا ً خيراً فيه دَخَن، وأما الملكُ الجبري،  الذي حلَّ بعدَ الملكِ العضوض، فحكمٌ بوليسيٌ ،فرغَ قوانينَ الحكمِ من كلِّ معاني الإسلام، و حكَم َالناسَ بالقهرِ والبطشِ و السجونِ وأقبيةِ المخابراتِ، فالملكُ العاضُ، على سوءِ أخذِ البيعةِ فيه، ليس بالضرورةِ استبداداً، بخلافِ الملكِ الجبريِّ،فهو مستبدٌ بامتيازٍ.و ليسَ هناك من استبدادٍ يُترحمُ عليه ، لأن الاستبدادَ بتجاوزِه الدستورَ و القانونَ يتنافى معَ العدالةِ، فلا يُوجدُ  إذاً "مستبدٌ عادلٌ" يستحقُ الدفاعَ عنه.



إنَّ النقدَ الذي يوجَّه إلى التجربةِ التاريخيةِ لنظامِ الحكمِ في الإسلام نقدٌ ظالمٌ،ليس لأن تاريخَنا نظيفٌ من الأخطاء، بل لذاك التعميمِ لتلك الأخطاءِ و آثارِها  حالَ وجودِ الاستبدادِ على المجتمعِ والدولة،  ، و لعل تلك المقابلةَ الحادةَ بينَ  واقعِ الدولةِ في عصرنِا الحاليِّ  وبينَ واقعِ الدولةِ الإسلامية  ساعدَ في الوقوعِ في شَركِ هذا التعميمِ الظالمِ،فالدولةُ اليومَ تتمتعُ بتحكمٍ مركزيٍّ كبيرٍ على مفاصلِها، بينما لم تكنْ تلكَ القبضةُ موجودةً بهذا الشكلِ في تاريخِ الدولةِ الإسلامية، فرغمَ مركزيةِ الحكمِ، كانت الأمورُ فيها  أقربَ إلى التبعيةِ  و الولاءِ منها إلى  السيطرةِ المطلقةِ والإخضاع، فقد كان المجتمعُ و أجهزةُ الدولةِ مسيرون ذاتيا ً بدستورٍ و قانونٍ عرفيٍّ هو الإسلام، و قد كانَ الحاكمُ يُنيبُ عنه الولاةَ و القضاةَ و غيرَهم بصلاحياتٍ واسعةٍ، بعدَما يطمئنُّ إلى طريقةِ حكمِهم،  فيتركهم يجتهدون في ذلك ثمَّ يتابعُهم. وعليه، فإنْ استبد الحاكمُ لم يمتدْ استبداده بحكمِ طبيعةِ التحكمِ إلى أجهزةِ الحكمِ و أجهزةِ القضاءِ ومصالحِ الناسِ في الدولةِ  المتراميةِ الأطراف، بخلافِ استبدادِ الحاكمِ في الدولةِ الحاليةِ،ذاتِ التحكمِ المركزيِّ الشديدِ، فإنْ استبدادَه منعكسٌ بالضرورةِ في مفاصلِ الدولةِ و المجتمع.

و الأهمُّ من ذلك كلِّه، أن الدولةَ الإسلاميةَ في هذه التجربةِ التاريخيةِ، لم تمتلكْ حقَّ التشريعِ، لا التشريعِ عبرَ مؤسسةٍ مركزيةٍ تمثيليةٍ ولا غيرِ التمثيليةِ. ودولةٌ لا تمتلكُ حقَّ التشريعِ، هي دولةٌ لا تكادُ تجدُ طريقاً إلى الاستبداد. 



لقد كانت الشريعةُ، عبرَ تاريخِ أمتِنا الطويلِ عاملَ ضبطٍ ذاتيٍّ،  للفردِ و المجتمعِ و لسياسةِ الدولةِ وأجهزةِ الحكمِ فيها،فكانت الشريعةُ تضبطُ الفردَ بدافع تقوى الله، وتضبطُ المجتمعَ بالأمرِ بالمعروفِ و النهيِّ عن المنكرِ وبممارسةِ فروضِ الكفاية،فبات المجتمعُ أوتوماتيكياً يبني نهضتَه وينصعُ طيبُه و ينفي خبثَه، كما أنَّ  خطابَ الشريعةِ  شكَّلَ سلطةً ضابطةً كابحةً لأجهزةِ الدولةِ ودافعاً لها، وصنعَ نظامَ القضاءِ وجعلَه يتمتعُ بالاستقلاليةِ الوظيفيةِ المطلقةِ عن السلطةِ الفعليةِ للدولة، ؛ لهذا نُصرُّ على القولِ بأن خطابَ الشريعةِ لا يُشكلُ أي فعلٍ أو ممارسةٍ استبداديةٍ،بل رفضاً ذاتياً لها.



ولكنْ هناك من يوظفُ خطابَ الشريعةِ خدمةً للاستبداد، و يستخدمُ أحاديثَ السمعِ والطاعةِ للحاكمِ ،لا سيما "  إنْ جلدَ ظهرَك و أخذَ مالك" كمخدراتٍ سياسيةٍ يوزعُها على الشعوبِ المسلمةِ المقهورةِ لصالحِ الاستبدادِ و الطغيانِ كي لا تثورَ،فإنْ جلدَ الحاكمُ الشعبَ المسكينَ و عذبَه و نهب المالَ العامَ ووزعَه على نفسِه  وعائلتِه وحاشيتِه وفعلَ فيه كلَّ الأفاعيلِ،إياه أن يردَّ الظلمَ عن نفسِه أو يفتحَ فمَه أو حتى يتأوّه،فعليه بالصبرِ و السمعِ و الطاعةِ، وإلا سيغضبُ عليه اللهُ المنتقمُ الجبارُ!! 



إني لأعلمُ ما قيلَ و يُقالُ،حولَ حديثِ"اسمعْ و أطعْ للأميرِ و إنْ جلدَ ظهرَك وأخذَ مالك"،حديثِ حذيفةَ من طريقِ أبي سلامِ عندَ الإمام مسلمِ في صحيحِه، ومعنى نصِّه المثيرِ عندَ كلِّ المعترضين عليه، و أعلمُ أنه من أحاديثِ المتابعاتِ لا الأصولِ عندَ مسلم ،وأنه يُغتفرُ في المتابعاتِ ما لا يُغتفرُ في الأصول،و أن الدارَقُطنيَّ أعلَّه بالانقطاعِ،لعدمِ سماعِ أبي سلامِ من حذيفةَ،و أنَّ هذه القطعةَ من الحديثِ شاذةٌ،و مِمَنْ قَبِلها تأوَّلها في الظلمِ الفرديِّ، أعلمُ ذلك كلَّه،و لكنَّ معنى الحديثِ تساندُه أحاديثُ أخرى، كحديثِ ابن مسعود عن النبي، صلى الله عليه وسلم، المتفقِ عليه: "سَتكونُ أثرةٌ وأمورٌ تُنْكرونها" قالوا: يا رسول الله فما تأمرُنا؟ قال: "تؤدونَ الحقَّ الذي عليكم، وتسألون اللهَ الذي لكم".  إنَّ هذا الحديثَ عندَ وضعِه في بابِه في معيّة أحاديثِ موضوعِه،يُقبَل معناه ،كما سَيتبينُ. 



إنَّ أحاديثَ السمعِ والطاعةِ جميعَها، في مبدأ الأمرِ،  لا يصحُّ إنزالهُا على حكامِ اليومِ الذين لا يتمتعونَ بالشرعيةِ( الشرعيةِ) و لا الرضا الشعبيّ، إذْ عقدُ البيعةِ كأيِّ عقدٍ هو سببُ لآثارِه،بمعنى إنْ تمّ عقدُ البيعةِ وجدتْ آثارُه ،من السمعِ و الطاعةِ،و إلا فلا حقَّ لهم علينا بالسمعِ و الطاعةِ،فبأيِّ حقٍ يطالبُنا هؤلاءِ بالسمعِ و الطاعةِ لهم. فهذه الأحاديثُ جميعُها،محِلُّ إعمالهُا هو دارُ الإسلام، أي الدولةُ الإسلامية، لا الدولُ القائمةُ التي لا تقيمُ لدينِ اللهِ وزنا،ً ولا تحظى برضا الأمة.



و معنى هذه الأحاديثِ، ليس بَشِعاً و لا مُخدرا ًولا حاميا ً للاستبدادِ كما يُروج،و لبيانِ ذلك أقولُ: إنَّ آفةَ العلمِ الشرعيِّ أنْ تُخطفَ أحكامُه  و أفكارُه خطفاً،من نصٍ واحدٍ أو نصوصٍ لا تُحيطُ الموضوعَ من جوانبِه كلِّها، فحقُّ العلمِ أنْ تجمعَ كلُّ النصوصُ المتعلقةِ في الموضوعِ في بابِها، على صعيدٍ واحدٍ، فتَتَقابَلُ النصوصُ،فيَستنطِق بعضُها بعضا ً،تقيداً و تخصيصا ًو تفسيرا ًو تفصيلا ًو بياناً، و عليه؛ فإن النصوصَ الشرعيةَ في  السمعِ و الطاعةِ يجبُ أن تجمعَ مَعَ الأحاديثِ المقبولةِ المحرضةِ على محاسبةِ الحاكمِ و عدمِ طاعتِه في المعصية، كحديثِ "ستكونُ أمراءُ، فتَعرِفون وتُنْكرون، فمن عرف(أي كره) برئ، ومن أنكرَ سلم، ولكنْ من رضيَ وتابع" قالوا: أفلا نقاتلُهم؟ قال: "لا، ما صلوا" (رواه الإمام مسلم). أي، فما سلمَ من سكتَ على منكرِ الحاكمِ و عندَه المقدرةُ عليه، و كحديثِ "  سيدُ الشهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ المطلب ، ورجلٌ قالَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمرَه ونهاه فقتلَه  " (قال الحاكم :صحيح الإسناد ،وكذا صححه السيوطي و الألباني)  و حديثِ " إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ". (حسّنه الترمذي)، وحديثِ "السمعُ والطاعةُ على المرءِ المسلمِ فيما أحبَ و كرِه، ما لم يؤمرْ بمعصيةٍ، فإذا أمرَ بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة" (متفق عليه) ،  وحديثِ عبادةَ  بنِ الصامتِ المتفقِ عليه: "وأنْ لا ننازعَ الأمرَ أهلَه إلا أنْ تروْا كفراً بَواحاً، عندَكم فيه من اللهِ برهان"، وغيرِها ، أحاديث كثيرة في الأمرِ بالمعروفِ و النهيِ عن المنكر، تشملُ الحاكمَ، ترفضُ الظلمَ، وترفضُ الاستسلامَ للجلادين و النهّابين للمالِ العامِ و السكوتَ عليهم، فضلا ً عن طاعتِهم في المعصيةِ، كما تُجمعُ الأحاديثُ مَعَ موقفِ الصحابةِ من أمثالِ الحسينِ عليه السلام و عبد الله بن الزبيرِ و غيرِهم في رفضِ الظلمِ و اغتصابِ السلطةِ و الاستبداد ،كما يُستأنسُ بمواقفِ علماءِ الأمةِ  العالمين بتلك الأحاديثِ جميعِها والعاملين بها في مواضعِها، على مرِّ التاريخِ الذين وقفوا مواقفَ العزة، ينطقونَ بالحقِ و يواجهون الظلمِ، كسعيدِ بنِ جبير وأحمدَ بنِ حنبل و ابنِ تيميةِ و غيِرهم.





     و خلاصةُ الجمعِ بينَ طائفةِ أحاديثِ السمعِ و الطاعةِ للحاكمِ مادامَ  لم يظهرْ الكفرَ البواحَ في نفسِه أو في الدولةِ،  وطائفةِ أحاديثِ محاسبةِ الحكامِ تعطينا  المعنى بكلِّ وضوح: طاعةُ الإمامِ المطبقِ للشرعِ الواصلِ للحكمِ برضا الأمةِ ثمَّ انحرفَ، واجبةٌ في غيرِ معصيةٍ ولا ظلمٍ، وإنْ استبدَّ وظلمَ، وإنَّ الإنكارَ عليه ،دونَ الخروجِ المسلحِ عليه، أمرٌ واجبٌ، ما دامَ مقيما ً للشرع.



و كما أنَّ طاعةَ الإمام المستبدِّ واجبةٌ فإنَّ العملَ على خلعِه سِلميا ً واجبةٌ، إنْ لم ينصلحْ حالُه بالمحاسبةِ. ذلك أنه باستبدادِه اختلَّ شرطٌ من شروطِ انعقادِ و استمرارِ البيعةِ و هو العدالة، كما أسلفنا.



فليسَ مقبولا ً شرعاً  تفجيرُ الدولةِ الإسلامية فوضىً و دماء و دماراً، لظهورِ الاستبدادِ فيها، فنمارسُ الثورةَ المسلحةَ ضدَّها مادامت الشريعةُ مطبقةً وإنْ بأخطاء، وما دامت الأمورُ لم تصلْ الخطوطَ الحمراءَ من إظهارِ الكفرِ البواح، فتلك إذا ً فتنةٌ عظيمةٌ، بل يُعملُ من خلالِ الأمةِ وتحتَ سقفِ الدستورِ، بمحكمةِ المظالمِ على عزلِه ، و بالضغطِ الجماهيريِّ، وبالحراكِ الحزبيِّ، ومن خلالِ مجلسِ الأمةِ و من خلالِ العلماءِ على ردعِه ،فذاك من حيثُ الواقعُ هو أخفُّ الضررينِ و أهونُّ الشرينِ و أصغرُ المفسدتين، فإنَّ النصوصَ الشرعيةَ تَعملُ على تصحيحِ الأوضاعِ المنحرفةِ بحكمةٍ عالية، تنتقلُ بها منَ السلميةِ إلى الثورةِ المسلحةِ وَفْقَ حجمِ انحرافِ حالَ الحاكمِ والحكم.



إنَّ الدولةَ الإسلاميةَ، دارَ الإسلام ، حالَ ظهورِ الاستبدادِ فيها يلزمُها الترميمُ لا التدمير، والإصلاح لأخطائِها لا التغيرُ من جذورِها.







الاستبدادُ بطبيعتِه متنافرٌ مَعَ الشورى، لأنه استفرادٌ بالحكمِ دونَ نظرٍ إلى رأسِ المحكومين فضلا ًعن مشاورتِهم، لذا تجدُ ردةَ فعلٍ فقهيةٍ تأثرت بالاستبدادِ نفوراً،كما تأثرتْ بفكرةِ الديموقراطيةِ انجذاباً، تضعُ النتيجة قبلَ الحكم، وترى الشورى ملزمةً، لأنها إنْ لم تكنْ ملزمةً  للحاكمِ و مقيدةً له كان الحاكمُ مستبداً،و الحقُ الذي تُفضي إليه النصوصُ، وتؤيدُه وقائعُ الأمورِ،أن الشورى  برأيِ الأكثريةِ شرعاً ملزمةٌ ومقيدةٌ،في تنفيذِ الآراءِ المؤديةِ إلى عملٍ، القابلةِ للتنفيذِ، التي تجاوزت مرحلةَ الدراسةِ الفنيةِ، فتكونُ الخياراتُ المطروحةُ على الناسِ،سواء المتعلقةُ برعايةِ الشؤونِ في السياسةِ الداخليةِ أم الحكمِ أم الاقتصاد أم التعليمِ أم الصحةِ و أمثالِها، مقبولةً جميعَها من أهلِ الاختصاص،و الناسُ تختارُ لنفسِها ما ترغبُ منها،عند طرحِها عليهم من قبلِ الحاكم،و رأيُها في ذلك ملزمٌ، ودليلُ ذلك نزولُ النبيِّ عليه السلام عندَ رأيِ الأكثريةِ يومَ أحد،أما الآراءُ الأخرى في التشريعِ و الأمورِ الفكريةِ  وفي التعاريفِ و الأمورِ الفنيةِ والعِلْميةِ، فكلُّ ذلك رأيُ الأكثريةِ غيرُ ملزمٍ فيه، إذ مدارُ هذه الآراءِ معَ الدليلِ و البحثِ و الانطباقِ على الواقع.





فالشورى لا شأنَ لها في التشريع، إلا من جهةِ المساعدةِ على الترجيحِ في الاجتهاديّات، وعليه فالحاكمُ و أهلُ الشورى تحتَ هيمنةِ الدليلِ، فدائرةُ التشاورِ خارجةٌ عن مواضعِ الاستبدادِ تشريعيا ً،إلا أنَّ المستبدَ لا يرى إلا نفسَه، فلا يلتزِمُ دستوريا ًبرأيِ الأكثريةِ في الآراءِ العَمَليّة ،و لا يستمِعُ كثيراً  للشورى المعلِمةِ، فكانت الحصانةُ الأولى إذا ًضدَّ استبدادِه هي الأمةُ الواعيةُ الفاعلةُ المحاسبةُ، و إلا فإنَّ لا دستورَ ولا قانونَ يمكنُ أن يمسكَه إن انفلت. 





إن مجلسَ الأمةِ هو مجلسُ للشورى و المحاسبةِ، فللمجلسِ الحقُ في محاسبةِ الخليفةِ، وأمرُه بالمعروفِ ونهيِه عن المنكرِ، في جميعِ الأعمالِ التي تحصلُ بالفعلِ في الدولة،سواء أكانت في الأمورِ الداخليةِ أم الخارجيةِ أم الماليةِ أم الجيشِ أم غيرِها،و لكنَّ المحاسبةَ في النظامِ السياسيِّ الإسلاميِّ تختلفُ عن المعارضةِ في النظامِ الديموقراطيِّ،حيثُ محاسبةُ الحاكمِ، في النظامِ السياسيِّ الإسلاميِّ، ليست مجردَ حقٍ سياسيٍّ للمسلمِ يمارسُه متى شاء، بل هو فرضٌ إلهيٌّ عليه، يجبُ أنْ يقومَ به، وعبادةً يتقربُ بها إلى اللهِ تعالى، حراسةً للدينِ من الضياع، ومنعاً لتفشي الظلمِ والفسادِ في العبادِ، فهي أداةٌ لتقويةِ الحاكمِ في حسنِ الرعايةِ وترشيدِ حكمِه إلى ما فيه الصلاحُ للبلادِ والعبادِ، وليس لفضحِه أمامَ الناسِ بهدفِ إضعافِه وإسقاطِه. أما المعارضةُ،في النظامِ الديموقراطيِّ، فوُجِدت لصنعِ التوازنِ في السلطةِ و الحيلولةِ دونَ استبدادِ الحكومة، فعالجوا مشكلةَ الاستبدادِ بإيجادِ مناوئٍ للحكومةِ يسعى إلى إضعافِها، فَهُمْ كالذي يكبِّل الفرسَ الجَموحَ خَشْيةَ عدمِ السيطرةِ عليه، بدلاً من ترويضِهِ للاستفادةِ من قوتِه وطاقتِه، فالإسلامُ في نظامِ حكمِه، لا يُكبِّلُ الحاكمَ بالحدِّ من صلاحياتِه وإيجادِ قرينٍ له لا همَّ له سوى التضييقِ عليه ومناوأتِه، بل أعطى للحاكمِ كلَّ الصلاحياتِ اللازمةِ، في إطارِ الشريعةِ، وأطلقَ له العَنانَ لاستخدامِها بقوةٍ وجدٍّ لأداءِ واجبِه في رعايةِ الشؤونِ، فالحكمُ في الإسلامِ مقيدٌ وليسَ مطلقًا، ولكنَّه مقيدٌ بالكيفِ لا بالكم.





كما أنَّ مجلسَ الأمةِ له الحقُ في إظهارِ عدمِ الرضا من المعاونين (الوزراءِ) و الولاةِ و العمالِ، ورأيُه في ذلك مُلزمٌ،و على الخليفةِ عزْلهُم في الحال، فهذا قيدٌ دستوريٌّ للخليفة، ولكنْ ليسَ المقصودُ منه، منحَ مجلس الأمةِ  الفرصةَ لوضعِ العصا في دولابِ الخليفةِ، بمعنى، منح مجلس الأمةِ الفرصةَ ليوقفَ بسلطتِه سلطةَ الخليفةِ عندَ حدِّها، وإنْ خُيِّل ذلك، فمنطقُ النظامِ السياسيِّ ومنطلقِه مختلفٌ بالكليةِ عمّا عند الغرب، و الهدفُ هنا ليس صدُّ السلطاتِ بعضُها لبعض، و إنْ كان لمجلسِ الأمةِ سلطتُه،بل نزولاً عندَ رضا الناسِ و اختيارِها.





و هنا مسألةٌ في الفصلِ بين السلطاتِ و علاقتِه بالاستبدادِ، الفكرةُ بكلِّ اختصارٍ: يُعتبرُ الفرنسيُّ مونتسيكيو، صاحبُ كتابِ روحِ القانونِ 1748 ، هو المبلورُ لهذه الفكرة، التي تُمثلُ هيكلَ الدولةِ المدنيةِ، بشكلِها المعروفِ، ، إذْ أكدَ مونتسيكيو أن الحريةَ تختفي حالَ تركزِ السلطاتِ (التشريعيةِ و التنفيذيةِ و القضائيةِ)  في يدِ شخصٍ واحدٍ أو هيئةٍ، فمن يتولى السلطاتِ جميعا ً ،بسببِ شَهوةِ الحكمِ و نشوتِه العابثةِ بالرؤوسِ، هو مَظنةُ أن يشرعَ القوانينَ الظالمةَ و ينفذُ هذه القوانينَ الظالمةَ و لا يُتيحُ طريقاً لإنصاف المظلومِ  قَضائيا ً، فكانت السلطةُ المطلقةُ مظنةَ المفسدةِ المطلقةِ ،لذا وجبَ الفصلُ بينَ السلطاتَ الثلاث، لتوقفَ كلُّ سلطةٍ الأخرى عندَ حدِّها، فتتوازنُ الدولةُ، و لا تقعُ فريسةً للاستبداد. 





إن المنعمَ النظرَ،في واقعِ الأنظمةِ السياسيةِ المعاصرةِ بنوعيْها، الرئاسيِّ و البرلمانيِّ ،يجدُها أنظمةً تقومُ على تمييزِ السلطاتِ و توزيعِها  وظيفيا ً، و هذا لا يعني بالضرورةِ الفصلَ بينَ هذه السلطاتِ؛ إذ الواقعُ الموجودُ فيها هو تركزُ هذه السلطاتِ ولكنْ بشكلٍ متدرجٍ، بمعنى، تكونُ السلطاتُ موزعةً توزيعا ً غيرَ مساوٍ، حيثُ تتميزُ إحدى الهيئاتِ و تُمنحُ اختصاصاتٍ واسعةً  تَجعلُ منها هيئةً تُسيطرُ على الهيئاتِ الأخرى، فالحاصلُ إذا ً أن السلطةَ الحقيقيةَ متركزةٌ في يدِ شخصٍ واحدٍ أو هيئةٍ واحدةٍ، بينما تكونُ الهيئاتُ الأخرى مجردَ هيئاتٍ تابعةٍ أو ثانويةٍ، هذا هو الواقعُ و إنْ لم يُعلنْ صراحةً. 





هناك تفسيران لمبدأ الفصلِ بين السلطاتِ، الأولُ هو تفسيرُ فصلِ السلطاتِ على أنه فصلٌ مطلقٌ جامدٌ، والثاني تفسيرُ فصلِ السلطاتِ على أنه فصلٌ نسبيٌّ مرنٌ، أما الفصلُ المطلقُ الجامدُ فقد أثر بشكلٍ كبيرٍ على واضعي دستورِ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ في سنةِ1787 فأقاموا نظامَهم السياسيَّ "الرئاسيَّ" على أساسِ ذلك المبدأ، وقد كان قصدُ واضعي الدستورِ الأمريكيِّ اعتمادَ الفصلِ المطلقِ بينَ السلطاتِ وتحقيقَ المساواةِ بينها، غيرَ أن النصوصَ الدستوريةَ التي قررها أسفرت عن فصلٍ نسبيٍّ سمحَ ببعضِ التداخلِ في الاختصاصاتِ، و قيامِ صلاتٍ بين السلطاتِ، لكونِ هذه السلطاتِ جميعِها ليست سوى تروسٍ في آلةٍ واحدةٍ، هي الدولة.كما إنَّ العملَ قد أدى إلى رُجحانِ كفةِ السلطةِ التنفيذيةِ ممثلةً برئيسِ الدولةِ، باعتبارِه مرشحَ الأمةِ وممثلَ الشعبِ بأكملِه، وكذلك من خلالِ السلطاتِ الممنوحةِ له من قبلِ البرلمانِ "الكونكرس" نفسِه. بينما النائبُ في البرلمانِ وإنْ كان ممثلُ الشعبِ بأكملِه إلا إنه لا يتمتعُ بالأغلبيةِ إلا في دائرتِه الانتخابيةِ فالتطورُ السياسيُّ عندَهم، أدى إلى ازديادِ دورِ السلطةِ التنفيذيةِ وتزايدِ اختصاصِها معَ جعلِ الرئيسِ يتمتعُ بسلطاتٍ واسعةٍ جداً ونفوذٍ في مواجهةِ البرلمان. 





أما الفصلُ النسبيُّ المرنُ، فيتمثلُ بالنظامِ البرلماني،حيثُ العلاقةُ بينَ السلطاتِ واقعيا ًهي علاقةُ انصهارٍ واندماجٍ و تعاونٍ، لا علاقةَ فصلٍ، معَ وجودِ التوزيعِ الوظيفيِّ للسلطاتِ، كما هو الحالُ في بريطانيا، حيثُ تُشَكَّلُ الحكومةُ، أي السلطةُ التنفيذيةُ، من الأغلبيةِ البرلمانيةِ، و تكونُ معظمُ التشريعاتِ في البرلمانِ من  أصلٍ حكوميّ،كما تكونُ الرقابةُ المتبادلةُ ظاهرةً في حقِّ الحكومةِ في حلِّ البرلمانِ، وإمكانِ مساءلةِ الحكومةِ أمامَ البرلمانِ عن طريقِ السؤالِ والاستجوابِ وطرحِ الثقةِ بالحكومةِ وسحبِ الثقةِ منها. فالسلطاتُ إذاً متركزةٌ عملياً في يدِ السلطةِ التنفيذيةِ، المغطاةِ بالأغلبيةِ البرلمانيةِ في هذا النظام.





إذا ً،مبدأ الفصلِ بينَ السلطاتِ، غيرُ موجودٍ عمليا ً،حتى في النظامِ الرئاسيِّ، وإنّما المجودُ هو تداخلٌ بين السلطاتِ، بحيثُ تعملُ كلُّ سلطةٍ على عرقلةِ الأخرى، نعم،إنَّ تداخلَ السلطاتِ يحدُّ من السلطةِ العليا، ويكبحُ الاستبداد، ولكنّه حدٌّ بالكمِ من الصلاحياتِ، لا حدٌّ بالكيف، يُعطلُ طاقةَ الدولةِ أحياناً، و يشلُّها عندَ تصادمِ السلطاتِ أحيانا ًأخرى، وهذا التصادمُ يَحدثُ عندما تكونُ الأغلبيةُ البرلمانيةُ ليست من حزبِ السلطةِ التنفيذيةِ في النظامِ الرئاسيِّ، أما في النظامِ البرلمانيِّ، بسببِ اتكاءه دوما ًعلى توليفِ الائتلافِ الحكوميِّ وخضوعِه تحتَ رحمتِه، تجدُه نظاما ًغيرَ مستقرٍ، لا يصلحُ لدولةٍ أولى في العالمِ، إلا عندما يستقرُّ النظامُ البرلمانيُّ،بتوفرِ حزبٍ واحدٍ يتمتعُ بالأغلبية البرلمانيةِ المطلقةِ بتشكيلِ الحكومةِ أو بارتفاعِ حدِّ العتبةِ الانتخابيِّ، فكلما تجانست السلطاتُ حزبياً كلّما استقرَّ النظامُ، وصلُح لدولةٍ أولى، فإنْ تنافرتْ تعطلتْ الدولةُ أو شلَّت، وسادَ فيها اللّومُ و الاتهامُ بعضُهم لبعضٍ، لسهولةِ التملصِ من المسؤوليةِ عن التأزمِ و دفعِها إلى السلطةِ الأخرى، وعلى كلّ، فإنَّ النظامَ البرلمانيَّ، يكبحُ الاستبدادَ، إلا أنّه يهددُ مسيرةَ الدولةِ،حالَ تصارعِ الأحزابِ في البرلمانِ، أو حالَ تكونِ البرلمانِ من أحزابٍ صغيرةٍ و كثيرةٍ، يسمحُ بها حدُّ العتبةِ الانتحابي المتدني، مما يحولهُا أحيانا ً إلى دولةٍ من دولِ أوروبا العصورِ الوسطى، بحيثُ لا يسمحُ الا لرجالِ القانونِ بأنْ يقولوا ما هو مقبولٌ ولائقٌ.





أما بخصوصِ استقلاليةِ القضاءِ، فإنّه ليسَ صحيحًا أنَّ استقلالَ القضاءِ يرتبطُ ارتباطًا لازمًا بمبدأ الفصلِ بين السلطاتِ، وبرهانُ ذلك ، على سبيلِ المثالِ ، أن القاضيَ في الدولةِ الإسلاميةِ منذُ قيامِها في عهدِ النبيِّ، صلى الله عليه وسلم، وحتى سقوطِ الخلافةِ سنةَ 1924م كان يعتبرُ نائبًا للخليفة، فكان يتبعُ السلطةَ التنفيذيةَ، إلا أنه مَعَ ذلك كان ، من الناحيةِ العمليةِ ، يتمتعُ بحياديةٍ و باستقلالٍ وظيفيٍّ يفوقُ إلى حدٍّ كبيرٍ الاستقلالَ الذي نراه في الدولةِ الحديثةِ، فكانت له صلاحيةُ إصدار الأحكامِ بحسبِ فهمِه واجتهادِه، و كانت له سلطةُ تقديريةٌ كبيرةٌ جداً في فرضِ العقوباتِ التعزيريةِ، كما أنه لم يكنْ لأيِّ خليفةٍ من الخلفاءِ أن يجرؤ على إنشاءِ محاكمِ استثنائيةِ تحاكمُ حاملي التابعيةِ (الرعيةَ) بديلاً عن قاضيه الطبيعيٍّ، أو يمتنعُ عن تنفيذِ حكمٍ قضائيٍّ، فضلاً عن أنه كان لا يخضعُ في قضائِه إلا لأحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ التي لا يمكنُ لأحدٍ كان أن يجبرَه على مخالفتِها أو الخروجِ عليها حتى الخليفةِ نفسِه.



يعيبُ البعضُ على نظامِ الخلافةِ، أن الخليفةَ هو من يعينُ قاضيَ القضاةِ الذي له صلاحيةُ تعيينِ القضاةِ و تأديبِهم، أو أنَّ قاضيَ المظالمِ، المنصبَ لرفعِ كلِّ مظلِمَة تحصلُ من الدولةِ، يعيَّنُ من قبلِ الخليفةِ أو قاضي القضاةِ، وأنَّ محاسبتَه وتأديبَه و عزلَه يكونُ من قبلِ  الخليفةِ أو من قِبَلِ محكمةِ المظالمِ أو قاضي القضاةِ إذا أعطاهما الخليفةُ صلاحيّةَ ذلك، إذ يعتبرونَ ذلك مظنةَ خرقِ استقلاليةِ القضاءِ، فأقولُ: إن هذا توهمٌ، إذ بداية ًلا يصحُ عزلُ قاضي المظالمِ أثناءَ قيامِه بالنظرِ في مظلِمَةِ على الخليفةِ، أو معاونِ التفويضِ، أو قاضي القضاة، ثمّ إنّ هذا الاستقلالَ ليس استقلالاً مطلقاً بمعنى الانفصالِ العضويِّ في كلِّ دولِ الدنيا، بل إنه استقلالٌ وظيفيٌ مقيدٌ بالعملِ القضائيِّ الفنيِّ الخالصِ المُنْصبِّ على بتِّ الأحكامِ فحسب. فلا تملك أيُّ جهةٍ كانت التدخلَ فيه؛ فلا يعني "الاستقلالُ" ألبتة؛ حتى في الدولِ المعاصرةِ، الانفصالَ عن السلطةِ التنفيذيةِ في الدولةِ، بل مؤداه حتماً التكاملُ والتناسقُ والانسجامُ والأداءُ المتوازن؛ ابتغاءَ تنظيمِ العملِ في الدولة.





إن الدولَ المعاصرةَ، يوجدُ في سلطتِها التنفيذية وزارةٌ للعدلِ،كما في بريطانيا حيثُ أنشأت وزارةً للعدل، ومنحتْها صلاحياتٍ واسعةً؛ و أمريكا التي لا توجدُ بها إلا ستِ وِزاراتٍ؛ جعلت من بينها وزارةَ العدل،فالأنظمةُ العالميةُ تجعلُ مرفقَ العدالةِ منوطاً من الناحيةِ التنفيذيةِ و التعيينِ بالسلطةِ التنفيذية.





وفي هذا الصددِ ينتقدُ معظمُ الباحثين كثيراً تركَ اختيارِ تعيينِ العملِ في القضاءِ للقضاةِ ،كسلطةٍ مستقلةٍ بدلَ تعينهم من السلطةِ التنفيذية، فهو ــ برأيهم ــ ولئن حققَ نظرياً ميزةَ حسنِ الاختيارِ ومعرفةِ الكفاياتِ الصالحةِ لتولي القضاءِ واستقلالِ القضاءِ، بَيْدَ أنه مَعيبٌ من عدةِ نواحٍ هي: أولا ً: أنه لا يستندُ إلى أيِّ أساسٍ تمثيليٍ للشعب، إذْ كيفَ تعهدُ الدولةُ في توليةِ القضاةِ إلى شريحةٍ خاصةٍ دونَ غيرِها لا تُمثلُ الشعبَ ولا تمثلُ الحكومةَ أيضاً. ثانيا ً:إنَّ الأخذَ بهذا الأسلوبِ في تعيينِ القضاةِ سيؤدي مآلاً إلى صيرورةِ القضاةِ حكومةً داخلَ الدولةِ، تحتكرُ وظائفَ القضاءِ فيما بين أفرادِها ولربما تتوارثُها، لاحتمالِ وجودِ ميلٍ طبيعي لدى بعضِ أفرادِ الهيئاتِ القضائيةِ إلى تعيينِ أقاربِهم أو ذويهم أو أصدِقائِهم، أي لربما وقعَ القضاءُ في دكتاتوريةٍ مؤسساتيةٍ، تماما ًكما هو الحالُ بالنسبةِ للسلطةِ التنفيذيةِ. ثالثا ً: إنَّ هذا البابَ قد يؤدي إلى فتحِ بابِ المحسوبيةِ على مصراعيْه، ومن المحتملِ تبعاً لذلك أن تكونَ نتائجُه بعيدةً كلَّ البعدِ عن تحقيقِ الهدفِ المنشودِ منه، وهو ضمانُ الحصولِ على الكفاءاتِ اللائقةِ التي تتوافرُ فيها الصفاتِ المؤهلةِ للعملِ القضائيِّ، ومن ثمَّ فإنَّ احتمالَ عدمِ الاستقلالِ وعدمِ توافرِ الكفاءاتِ المبتغاةِ لوظائفِ القضاءِ سيكونُ احتمالاً قائماً. وجديرٌ بالذكرِ أن فرنسا قد أخذت بهذا النظامِ لفترةٍ وجيزةٍ بمقتضى قانونٍ صدر في 10/1/1935م بدعوى أن من حقِّ السلطةِ القضائيةِ أن تختارَ بنفسِها أعضاءَها؛ لكنَّ سرعانَ ما تمَّ إلغاؤه بعدَ خمسَةِ أشهرٍ فقط في 10/6/1935م. 





إنَّ للدولِ المعاصرةِ اشتراطاتٍ مهنيةً لأهليةِ القضاءِ ونزاهتِه،و لنظامِ الخلافةِ اشتراطاتُه التي تقابُلها، ولكنْ تزيدُ عليها  بشرطٍ عظيمٍ لا تعرفُه هو التقوى.



نعم، إنَّ السلطاتِ متركزةٌ في السلطةِ التنفيذيةِ (الحكومةِ) و لكنها سلطةٌ تحكمُها سلطةٌ حقيقيةٌ أكثرَ منها سَطوةً،و أكثرَ منها اتساعا ً،و أكثرَ منها استقرارا ً،هي سلطةُ الدولةِ. هذه السلطةُ هي سلطةٌ غيرُ مشخصةٍ، ولا منتخبةٍ، وغيرُ قابلَةٍ للتداول، تعيشُ في دوائرِ صنعِ القرارِ في الدولة ،لا يمكنُ لأحدٍ تجاوزُها،هي العقلُ الخفيُّ الذي يطبخ فعلياً سياسةَ الدولةِ، فعلى المحققِ في موضوعِ الاستبدادِ أن ْيضعَها تحتَ الضوءِ ليكتشفَها،فإنها هي الدولة.





لذا،أحاولُ هنا اكتشافَ شيءٍ أساسيٍّ منها، فأقول:إنَّ الدولةَ  الغربيةَ، المسمى بالمدنيةِ الحديثةِ، وظيفتُها  مقتصرةٌ بحسبِ نظريةِ العقدِ الاجتماعي و النظريةِ الفرديةِ المؤسستين لها، على مرافقِ الدفاعِ والبوليسِ والقضاءِ، أي منحصرةٌ في مهامِ تهئيةِ الأمنِ الداخليِّ والخارجيِّ والعملِ على سيادةِ الطمأنينةِ والاستقرارِ و الحفاظِ على الحرياتِ وحسب، أما النشاطاتُ الأُخرى و على رأسِها الاقتصاد، فلا علاقةَ للدولةِ به من الناحيةِ النظريةِ، فالدولةُ دولةٌ تحكمُ و لا تملكُ ولا تتدخلُ في الاقتصاد، إذْ هو شأنٌ فردي، إذاً عندما تخلتْ الدولةُ عن ملكيةِ الدولةِ و الملكية العامةِ  التي تشملُ النفطَ والغازَ  والحديدَ و الصلبَ و الثرواتِ الطبيعيةَ الهائلةَ والصناعاتِ الحربيةَ الضخمةَ، وتخلتْ عن مسؤولياتِ الطبِّ و التعليمِ و غيرِها التي تقدم للناس، لمنْ ذهبتْ تلكَ الملكياتُ و تلك المسؤولياتُ، إنها لم تذهبْ إلى الأفراد، بلْ ذهبتْ إلى الشركاتِ الرأسماليةِ، التي تعاظمتْ و تَطاولتْ طبيعياً في مناخِ الدولةِ المدنيةِ باقتصادِ سوقِها و نظامِ شركاتِها ،حتى صارت الشركةُ هي التي تحكمُ الدولةَ، وصار الرأسماليون هم الحكامَ الحقيقيين أصحابَ السلطة، بيدِهم الدولةُ، و بيدِهم قرارُ السِّلْمِ و الحرب، و أمريكا مثالٌ بين على ذلك. فلا وُجودَ لدولةٍ مدنيةٍ خارجَ هيمنةِ الشركاتِ الرأسماليةِ في العالمِ كلِّه و السببُ يعودُ لنفسِ الدولةِ المدنية.





الدولةُ الغربيةُ انسحبت من مسؤولياتها و ملكيتها لصالحِ الشركة، فغدت الشركةُ هي صاحبةُ السلطةِ  الفعليةِ في داخلِ الدولةِ ،حتى تجاوزتْ سلطةُ الشركةِ حدودَ الدولةِ طبيعياً، فنشرتْ جَبروت سُلطتِها الاستعماري على العالم، وجرَّت الدولةَ مَعَها و جندتها لأجلِ مصالحِها،فكلُّ حروبِ أمريكا مثلاً هي حروبٌ لصالحِ الشركاتِ الأمريكية، و لكنّها حروبٌ مغلفةٌ بالعلمِ الأمريكيِّ. فسُلطة الدولةِ إذاً هي سُلطةُ الشركةِ و رأسِ المال. وهذه السلطةُ تركزت داخلَ دوائرِ صُنْعِ القرارِ في الدولةِ، فتحكمت به، وإنْ كان ثَمَّةَ استبدادٌ في الغربِ فهو استبدادُ رأسِ المال.





وإنْ كانَ رأسُ المالِ يلعبُ دورا ً رئيسا ًفي تشكيلِ سلطةِ الدولةِ، بسببِ مفاهيمِ الدولةِ المدنية، فثَمَّةَ أمورٌ أُخرى أكثرَ تفصيلا ً، بحاجةٍ إلى بحثٍ، فمثلا ًدورُ الملكيةِ والشركاتِ الكبرى في بريطانيا الفعليِّ المسْتَتِرُ في صنعِ القرارِ البريطانّيِ، ودورُ مؤسساتِ صنعِ القرارِ الأمريكيِّ كالبيتِ الأبيضِ و الخارجيةِ و البنتاجون و الجونجرس بشقيه: الشيوخِ و النوابِ، ومجلسِ الأمنِ القوميِّ و وكالةِ الاستخباراتِ، ومدى هيمنُة الشركاتِ عليها. حتى في دولِ المنطقةِ عندنا، هناك الدولةُ المستترةُ داخلَها، فمثلا ً في الأردنِّ تجدُ لوبياً من المخابراتِ المتزاوج مَعَ رأسِ المالِ المرتبطَ بجهاتٍ خلفيةٍ، وفي مصرَ سلطةُ المؤسسةِ العسكريةِ و لوبي المالِ و الوسطُ السياسيُّ المفترس، و في سوريا تزاوجُ المالِ مَعَ الأجهزةِ الأمنية، إذا ًفي كلِّ دولةٍ هناك سلطةُ دولةٍ مختفيةٍ، لا تُداولُ، لها السيادةُ على مادونَها، هي التي يجبُ أن تُسألَ بشكلٍ أساسيٍّ عن الاستبداد.





هذا الكلامُ يقودُنا إلى الحديثِ عن مدةِ الخليفةِ في الحكم، وفكرةِ تداولِ السلطة، إنَّ مدةَ الخليفةِ في الحكمِ مسألةٌ يحسمُها الفقه، ونحن تَبَعٌ له، وإنْ كانَ ما يغلبُ على الظنِّ أنَّ لا تحديدَ لفترةِ حكمِه،لإطلاق النصوصِ السمعَ والطاعةَ للخليفةِ ما دام يقيمُ الشرع، ويؤكدُه إجماع الصحابةِ على مدةِ حكمِ الخلفاءِ الراشدين، ولكنْ فكريا ً،لا يستوي أنْ تكونَ فترةُ الحكمِ قصيرةً، وأن تكونَ السلطةُ الحقيقيةُ متداولةٌ كلَّ أربعِ سنينَ مثلاً، فالمشاهدُ المحسوسُ أنَّ في الشركاتِ مثلاً، لايصحُّ تغيرُ مديرِ المشترياتِ كلَّ فترةٍ فضلاً عن المديرِ العام، لأنهما يمتلكانِ الخبرةَ و الدرايةَ التفصيليةَ و النظرةَ الاستراتيجيةَ للشركةِ، و الشركةُ التي يتغيرُ عليها مدراؤُها كلَّ أربعِ سنين مثلاً، شركةٌ فاشلةٌ. و كلّما كَبُر حجمُ العملِ تطلبَ الاستقرارَ في من يقومُ عليه، فكان الخليفةُ من بابِ أولى يستلزمٌ حكمُه لدولةٍ أولى في العالمِ مدةً أطولَ و أطولَ، تَصنعُ له الاستقرارَ، وبالمقارنةِ، فإنَّ الدولَ العُظمى الغربيةُ مستقرةٌ لاستقرارِ سُلطةِ الدولةِ المستترةِ في داخلِها بفعلِ تأثيرِ رأسِ المالِ عليها، الحاكمِ فيها مدى الحياةِ!





فايجابياتُ طولِ مدةِ الخلافةِ إذا ً تَتمثلُ في الاستقرارِ الذي تشهدُه الدولةُ, نظراً لطابعِ الاستمراريةِ، ما يخلقُ مُناخاً ملائماً للتنميةِ و النهضةِ. وهذا سليمٌ ما دامَ وجودُ الحاكمِ واقعاً بمسارٍ طبيعيٍّ واستشارةٍ شعبيةٍ واضحةٍ.





إلا أنَّ طولَ المدةِ يخيفُ من جهةِ الاستبدادِ، فكان علاجُه: مُقيداتٌ دستوريةٌ، وحيويةٌ في الأمةِ، مُمَثلةً بمجلسِ الأمةِ و بوسطِها السياسيِّ، و أحزابِها النشطةِ، وعلمائِها، وجهازِ قضائِها. 





بقيتْ كلمةٌ، لا بدَّ منها، قبل أنْ أنهيَ: لقد كان الهجومُ على نظامِ الحكمِ في الإسلام و وصمِهِ بالاستبدادِ، على لسانِ المستشرقين، مثل مرجليوث القائلِ:"إنَّ الرعايا المسلمين ليسَ لهم حقوقٌ ضدَّ الحاكمِ"، أو ماكدونالد القائلِ :"الإمامُ ليسَ حاكما ً دستوريا ًبالمعنى المعروفِ الآن"،أو توماس آرنولد القائلِ: "الخلافةُ نوعٌ من الحكومةِ المستبدةِ". ثمّ حملَ الهجومَ أناسٌ  من بينِنا من المتأثرين بالغربِ ممن كانوا على هامشِ الأمة، أما اليومَ،بفعلِ الدعوةِ و الدعايةِ للإسلام المعْتدلِ، في مقابلِ الإسلام المتشددِ!، انتقلَ الكلامُ إلى داخلِنا، وصعدَ إلى بعضِ منابرِنا عبرَ بعضِ كُتابِنا و مشايخِنا المعتدليين. ومُشكلةُ هؤلاءِ، أنّهم أناسٌ تَشَبَّعَتْ عقلياتُهم بالفكرِ الغربي، على أنَّه فكرٌ إنسانيٌّ عالميٌّ محايدٌ، يمكنُ أخذُه و الاستفادة منه، تَشَبَّعَتْ عقلياتُهم بفكرٍ من خارجِ المنظومةِ الفكريةِ الإسلامية، ثمّ أقبلوا على النصوصِ الشرعيةِ، فما كان في القرآنِ أوَّلوه، و ما كانَ في السنةِ رفضوه، وما كان في الفقهِ تجاوزوه، إلا من رأيٍ هنا أو هناك وافقهم فتلقفوه. هاجموا السنةَ و الإجماع و الفقهَ بحجةِ لن أطلقَ عقلي،فقدموا العقلَ على النصوص.





وهؤلاءِ لم يتغيروا هكذا دفعةً واحدةً، بل بالتدرجِ، حتى إنّهم انتقلوا في فكرِهم من الضدِّ إلى الضدِّ، دونَ أن يتزحزحَ الواقعُ سانتميتراً واحداً، بل هم من مالَ ميلا ًكبيراً، حتى وصلوا إلى السؤالِ التالي بينَهم وبينَ أنفسِهم:"علامَ كان الخلافُ بينَنا و بينَ العلمانيين "؟!، فباتوا اسلامين مُعدَّلين مساوينَ للعلماننين المعتَدِلين،لم يصبحْ العلمانيون إسلاميين، بل أصبحَ الإسلاميون ديمقراطيين، متفقينَ في المقاصدِ و الكلياتِ، منسجمينَ في معظمِ التفصيلياتِ، جميعُهم  يقدسُ الديمقراطيةَ و الدولة المدنيةَ و الليبراليةَ، ويحاربُ نظامَ الحكمِ في الإسلام باعتبارِه فقهاً سلفياً قديماً، لا باعتباره إسلاما، فرموه عن قوسٍ واحدةٍ بتهمةِ الاستبدادِ، و باتَ كلامُهم نُسخا ًمُتقدمةً لكلامِ المستشرقين الأوائل المعادين للإسلامِ و نظامِ حكمِه.





و أختمُ الكلامَ فأقولُ: إنّ نظامَ الخلافةِ نظامٌ عظيمٌ، يليقُ بأمةٍ عظيمةٍ، تتطلعُ لقيادةِ البشريةِ قيادةً راشدةً على منهاجِ النبوةِ، هذه هي الحقيقةُ، ولكن أكثرَ المشوَّشين لا يعلمون. 

أبو الهَمّامِ الخليليِّ،عرفات نبيل 11 آذار 2013.

.**