الارهاصات والبشائر والمعوقات

**لذا فلا يمكن أن تقوم العملية الصهرية بالوصول للإرتكاز والتمكين بلا نصرة، صحيح أن من نتائج بعث مصعب الخير للمدينة احداث تفاعل فكري أدى لرأي عام، وهو نتائج العملية الصهرية، إلا أن ذلك الرأي العام لم يكن هو ما أدى إلى التغيير، كما أن التعليم لط يأدي للتغيير، بل التغيير قد حصل بناء على النصرة، وبالنصرة تحقق التغيير وتحقق التمكين، ومع أن الرأي العام الناجم عن وعي عام لازم لزوماً أكيداً لتفاعل المجتمع مع الدعوة مما يعزز النصرة ويمكنها ويرسخها، ولهذا ارسل مصعب الخير ليعلم القوم ويكون الشخصيات الاسلامية الفاعلة التي ستعزز النصرة، وستذود عنها، وهذا ما كان.

وسؤال آخر في نفس المحور ايجاد الراي العام المنبثق عن وعي عام المقصود منه ايجاد مناصرين لمنهجية معينة في العمل و الدعوة .لذا نرى ان عمل مصعب كان لتثقيف من اسلم في المدينة . ولكن اسلام اسيد بن حضير لم يكن نتاج عمل مقصود من طرف مصعب .فكيف لنا ان نفسر انتشار الاسلام في المدينة , الذي كان لمصعب الاثر والدور المهم في ذلك ؟؟؟

مهمة مصعب في المدينة هي تعليم الداخلين في دين الله أمور دينهم، لهذ السبب أرْسِلَ للمدينة، وكما قلت في رد سابق: هناك فرق بين التقصد والنتيجة، وطبيعة المجتمع في المدينة كان مهيئاً للتفاعل مع دعوة هم بحاجة اليها، بناء على حاجتهم لها كانت النصرة والبيعة، ولنفس السبب كان الانتشار المذهل الذي تمّ في المدينة، فلا غرابة في هذا الانتشار الواسع بغير عمل جاد ومتقصد، مادام الرأي قد كان مهيئاً ومتفاعلاً مع الدعوة.

وسؤال آخر:الحقيقة، طرحت على أخ حبيب خلاصة هذا النقاش، فكان له رأي آخر، أحببت طرحه وأخذ رأي أستاذنا أبي ناصر فيه،الخلاصة فيه أن مسألة تغيير الرأي العام مسألة لا تبحث عند الحكم على عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تغيير المجتمع المكي ولا المدني إلى مجتمع إسلامي.

فأمر تغيير الرأي العام شيء، وأمر الدعوة، دعوة الكفار لتغيير دينهم شيء آخر.فلا يقال، بحسب كلام أخينا الكريم، تغيير رأي عام، لأننا إذ نقول تغيير رأي عام، فإننا نعني أن يكون لهذا الرأي أصل في المجتمع ويراد تغييره، كأن يكون لدى الناس فكرة عن أن الاسلام لا يصلح للحكم اليوم، فنغير هذه الفكرة بإيجاد رأي عام لفكرة أن الاسلام به يصلح الانسان. لكن استبدال عقيدة الاسلام بعقيدة الكفر لا يقال عنه إيجاد رأي عام للاسلام.وعليه فإن عمل مصعب الخير رضي الله عنه لم يكن لإيجاد الرأي العام ولا لتغييره بل هو دعوة للخير.فنحن إذن بحاجة لبلورة مفهوم الرأي العام عند الحزب لنقف على حقيقة ما نتحاور فيه، فعلى أي شيء يطلق الحزب: تغيير الرأي العام؟ ما الفرق بينه وبين تغيير العرف العام، والوعي العام؟

لا أتفق مع السائل وصاحب الرأي الآخر الذي جانب الصحة، فقد كان أهم مقاصد عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي تغيير المجتمع المكي والمجتمع المدني إلى مجتمع إسلامي، علاوة على دعوة الناس كافة للدخول في دين الله، لذا فقد عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على تغيير الرأي العام في مكة والمدينة وايجاد رأي عام أنّ الوثنية وعبادة الأصنام لا تغني من الحق شيئاً، وضرورة تحول المجتمع من مجتمع شرك إلى مجتمع توحيد، وكلمة " ايجاد الرأي العام " لا تعني ما فهمت من أنها تصليح لفكرة موجودة عندهم أصلاً بتصحيحات وترقيعات لازمة لتغيير مواقف، لأنّ الحقيقة أن ايجاد الرأي العام تعني بالضرورة استحداث رأي جديد لم يكن موجوداً في المجتمع قبلها، وعلى سبيل المثال كان عمل حزب التحرير في مرحلة التفاعل مع الأمة ايجاد مفهوم مفقود في المجتمع ليوجد به رأي عام وهو مفهوم الخلافة الغير موجود وقتها، والغريب عن الناس، فأحدث التفاعل في المجتمع رأياً عاماً نتج عن وعي عام مستحدث لم يكن موجوداً قبلها. فدعوة الكفار للتخلي عما هم به من كفر والتحول لدين الله، تتضمن دعوة لتغيير العرف العام، ودعوة لتغيير المفاهيم والمشاعر والآ راء والأفكار والعقائد ونظام الحكم ، وباختصار تغيير كل ما في المجتمع وتحويله لمجتمع مختلف كلياً، فلا فرق بين العمل على تغيير العرف العام وايجاد الرأي العام، لأنّ كلاهما مرتبط بالآخر ارتباطاً لازماً . فتغيير التقاليد والأعراف مرتبط ولا بد بايجاد قناعات جديدة لدى الأفراد، تحولت بالتفاعل مع الناس لرأي عام بعد ايجاد القناعات ( الوعي الخاص ثم الوعي العام ) ، ومن هذا الرأي العام المستحدث يكون التأثير الملجأ لتغيير الأعراف والعادات والتقاليد وأنظمة الحكم ، وهذا يفسر واقع العملية الصهرية التي ستحدث الانقلاب الشامل في المجتمع ، انقلاب بكل العناصر اتلقائم عليها المجتمع.

=

=

التعليم والرأي العام والنصرةويسأل سائل:
لعلي أتجرأ على مخالفتك الرأي، طمعا في المزيد من دررك، وسعة صدرك على فهمي العسير،سالتك بخصوص سيدي مصعب الخير ودوره في المدينة، وملخص رأيك الكريم أنه كان معلما للاسلام، لم يكن دوره إيجاد رأي عام .
إذن أفهم من كلامكم - مولانا- أن طلب النصرة وإعطاءها وحده كان الكفيل بتغيير المجتمع المدني ولم يكن الأمر بحاجة إلى تغيير الرأي العام فيهاوربطا بموضوعكم الطيب هذا، فإعطاء الوجهاء النصرة للرسول الكريم عليه سلام الله كان كفيلا ببذر بذور التغيير في المجتمع.لكن ثمة حلقة مفقودة - أخي أبا ناصر ، رضي الله عنك- فلعل الحلقة الأقوى في المجتمع كانت من وجهاء أكثر تأثيرا في تركيبة المجتمع والتأثير على الرأي العام فيه كسعد وأسيد وغيرهما ممن أسلم فيما بعد النصرة.وكأني بي - واعذرني على هذا التحليل - وكأني بي أرى مجتمعا يتغير من خلال التعليم!ومن غير أعمال مقصودة لإحداث هذا التغيير؟؟وكأني بالأمر تيسير من رب العالمين ساق من خلاله سعدا وأسيدا رضي الله عنهما تبعه دخول أرتال من القوم في الاسلام.
ثم يتابع سلسلة الأسئلة التي بدأها شارحاً ما فهم وما حمل وما وصل اليه من تحليل نتائج ، وهي في نفس المحور:
سؤالي لكم - مولانا وشيخنا الحبيب، وكلي طمع في الاستزادة من علمكم الجم- هو ربط دور مصعب الخير رضي الله عنه، بعملية التغيير في المجتمع بمعنى آخر ، تحليل آلية تغيير المجتمع المدني بما يخدم مسالة سنة تغيير المجتمعات، ودار الكفر إلى دار إسلام.كتب التاريخ - جلها- لم تدرس المسألة هذه دراسة تحليلية من هذه الزاوية واقتصرت على سرد بعض الأحداث مركزة على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أي على تأريخ أحداث حياته، ولم تنقل لنا الأمر تحليلا يتحفنا باستنباط طريقة أو آلية لتغيير المجتمع.
حزب التحرير درس السيرة في العهد المكي دراسة مستوفاة، وحللها تحليلا مستنيرا أخرج لنا من خلاله فقها جديدا يتعلق بطريقة التغيير. وهذه فرصة ما كان لمثل أبي مالك أن يضيعها، تتمثل في سؤال علم، مفكر أستاذ هو بالفعل - قدها وقدود - كما يقول أهل الخليل رضي الله عنهم وأرضاهم ، وكلنا طمع بجواب هذا التسآل، أو لعلكم تزيلون من أمام تفكيري العسير تلك الرواسب التي أعسرت عليه الفهم
فإن كان مقصد السائل أنّ إرسال مصعب ليثرب كان ليحمل الدعوة للقوم ، أو للعمل على أخذ النصرة ، فقد جانب الصحة في فهمه، والحقيقة أن ارسال مصعب بن عمير لم يكن لا لحمل دعوة ولا لإيجاد الرأي العام المنبثق عن الوعي العام، ولم تكن تلك من أهداف ومقاصد ارساله. فمصعب أرسل ليثرب لأجل تحفيظ المسلمين الداخلين في الاسلام أمور دينهم ليس إلا. ( أي مشرف حلقات بتعبيرنا اليوم ) ، ويجدر في هذا المقام أن نفرق بين مقاصد العمل ونتئائجه، فالهدف من ارسال مصعب كان التعليم ليس إلا، وقد تحقق من العمل نتائج أخرى ايجابية ولو لم تتقصد، فاحداث رأي عام كان من تلك النتائج الغير متقصدة وإن رغبنا بها أشسد الرغبة، واسلام سادة القوم كان عفوياً لم يتقصد فكان نتيجة لعمل آخر كان نتيجة هو الآخر لم يتقصد، إذ نجم نتيجة التفاعل الحادث من الرأي العام الحاصل في المجتمع، والذي أحدث تفاعل فكري وعملية صهرية لم يعد لها، وكل تلك المكاسب كانت نتيجة ارسال مصعب لتعليم القوم.
وهذا يعني بالتأكيد أنه رغم حصر مهمته بالتثقيف والتعليم فقد حدث تفاعل سياسي من القوم الذين لم يدخلوا الاسلام بعد ، فكان هناك استفسارات ونقاشات حامية الوطيس كانت من نتائجها كسب يتلوه كسب ، وقصة اسلام أسيد بن حضير مشهورة في كتب السيرة وكانت نتيجة تفاعل فكري ونقاش غير مقصود أثمر دخول سيد بنو عبد الأشهل في دين الله ، وفي ذلك يروي ابن اسحق : ( … فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل اليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فأصدق الله به، قال مصعب : إن يجلس أكلمه، قال فوقف عليهما متشتماً ، فقال ما جاء بكما الينا تسفهان ضعفاءنا.اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب : أوتجلس فتسمع فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره، قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس اليهما فكلمه مصعب بالاسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا - فيما يذكر عنهما - والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله. ثم قال: ما أحسن الكلام وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم الدخول في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل فتطهر وتطهر ثوببيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين. قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين… ) ثم كان ما كان من تأثيبره على سيد القوم الثاني - سعد بن معاذ… فمصعب لم يتقصد أسيد بن حضير ولا سعد بن معاذ وهما سيدا القوم بل كان تفاعل القوم مع مصعب هو الذي كان له التأثير المنتج للكسب لجسم فيما روته كتب السيرة.إلاّ أنه يجب عدم تجاهل أن تلك النتائج الباهرة، وأعني بذلك اسلام سادة القوم أسيد بن حضير و سعد بن معاذ ، لم يكن فيه لا نصرة ولا طلب نصره، وكل ما في الأمر هو دخول في الإسلام، وأنضمام لمجموعة المسلمين الذين أرسل مصعب لتعليمهم، فحتى باسلامهم لم نصل لنصرة، ولم يتحقق ذلك من خلال اسلامهم، لأننا كنا قد وصلنا لحالة لا نريد فيها نصرة ولا نطلبها، لأنّ النصرة قد سبقت ذلك، أعني أنّ النصرة قد تحققت في بيعة العقبة بمنى من قبل تلك العصبة المؤمنة التي بايعت الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة نصرة، ومن المستهجن أن أطلب أعطائي ما بحوزتي، وما دامت النصرة قد تحققت، وينتظر أصحابها قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم لينصروه النصرة الفعلية بعد أن تعاهدوا معه على النصرة، فالطبيعي والحالة هذه أن يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم مصعباً للمدينة ليعد القوم اعدادا فكرياً ليحقق الاستعداد النفسي والفعلي للنصرة الصحيحة، نصرة المسلم المؤمن لديته ورسوله ودولته ومجتمعه المنتظر.

فيْ الْتَكَتُلات الفاسِدَة

ولجميع ما تقدم وجب أن نعود لدراسة واقع كل تلك التكتلات والجماعات والأفراد كل على حده، ومدى خطرها على الدعوة، ومدى عمالتها بصورة أو أخرى للكفر، ونوعية ارتباطها بأنظمة الحكم وأجهزة المخابرات، لكي نعمل على إزالة خطرها على الدعوة. ومن الممكن، بل من ألأفضل أن نقوم بواجب نصحهم وتنبيههم أولاً لخطورة ذلك وحُرْمُتِه، ومن ثم ـ إن لم يُغيروا خط سيرهم ويلتزموا بما يُمليه عليهم كونهم مُسْلِمين ـ تنبيه الأمة لخطر تلك التكتلات عليها، وأن نكشف للأمة واقع ارتباطاتها المشبوهة، وأنبه هنا أن العمالة للكفر وفكره لا يُشترط فيها التعاون المقصود من المتعاون معهم، بل قد يكون الشخص عميلا بغباء فاحش لجهله وسطحيته وعدم وعيه واستنارته، حتى أن بعضهم يحسب أنه يُحْسِنُ صُنعا.

وشاهد ذلك استغلال أمريكا لبعض المسلمين أفراداً وجماعات من الذين باشروا جهاد الكفار الروس المحتلين الغزاة في أفغانستان فمدتهم بالمال والسلاح والدّعم مما أدى إلى عمالتهم لها وهم يحسبون أنهم يُحسنون العمل، فما أدى لعمالتهم الغير مقصودة من معظمهم هو غبائهم وعدم وعيهم السياسي والفقهي حتى وإن أطالوا لِحاهم وتزيوا بلبس الدشداشة والعمامة، في حين أن بعضهم امتهن العمالة والخيانة بقصد وتصميم وبسابق علم لتحقيق مكاسب دنيوية آنية. وبعد الخلاص من الكافر المستعمر الروسي انقلب هؤلاء وأولئك إلى بُغاة يضرب بعضهم برقاب الآخر في معارك عِرقية قبلية عصبية باغية، ومن ثم استغلال أمريكا لهم في غزوها الصليبي على أفغانستان، وقتالهم إخوانهم المسلمين (طالبان) ليسلموا أمريكا بلادهم لقمة سائغة يستعمرونها ويقتلون أهلها، وينتهكون حُرُماتها جراء خياناتهم لله ورسوله وجماعة المسلمين.

ونفر آخر انتهج سبيل التوفيق بين الإسلام والأفكار والعقائد الكافرة، فنادى بعضهم بتعانق الهلال والصليب، واشترك البعض الآخر في مؤتمرات التوفيق بين الإسلام والأديان الأخرى بمباركة وإشراف بابا الفاتيكان وقساوسة النصارى وأجهزة المخابرات الكافرة.

وتبرع آخرون لمحاولة إثبات ديموقراطية الإسلام واشتراكية الإسلام، وتمييع فهم واقعة الطير ألأبابيل والحجارة من سجيل في سورة الفيل ففسروها بالجراثيم والميكروبات المعروفة في عصرنا، ونفي أن الإسراء قد كان بجسم وجسد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل حرفوه أن ذلك تم بالروح فقط ( أي بأحلام )(1) ،تطويعاً منهم لآيات الله القطعية الثبوت والدلالة، لصرفها عن حقيقتها كمعجزة من معجزات الرٌّسُل إلى ما يتلاءم مع ذوق الكفار شر البريه. هؤلاء اللذين ردّ عليهم أمير الشعراء قائلا:

يتسـاءلون وأنت أعظم هيكلٍ بالروح أم بالهيكل الإسراء

بهما سـموت مطهراً وكلاهما نورٌ وروحـــانية وبهاء

فضل عليك لذي الجلالة ومنة والله يفعل ما يرى ويشـاء

وآخرون طفقوا بتطويع أفكار الإسلام وأحكامه ليقاربوها لأفكار الكفر فحاولوا تحريف أحكامه لتتفق مع أفكار الغرب الكافر، فنادوا بحرية المرأة، وطالبوا بتغيير الحكم الشرعي في معظم أحكام النظام الاجتماعي في الإسلام من مثل أحكام الطلاق وأحكام تعدد الزوجات وأحكام سفر المرأة بصحبة محرم وأحكام الاختلاط والسفور والنشوز وأحكام الحياة الخاصّة والحياة العامّة، التي أعملوا فيها مشارطهم في عمليات جراحية تشويهية لتتوافق مع مقتضيات عمالتهم الفكرية للكافر الصليبي، وتغنوا بالحريات الرأسمالية وخاصة الحرية الشخصية المؤدية لانحلال المجتمع وفساده، وقسم امتهن فبركة الفتاوى الفاسدة فأحلّ ما حرّم الله وحَرّم ما أحل، فكل هولاء هم عملاء للكافر وفكره، قصدوا ذلك أم لم يقصدوا. (2)

وقسم لم يرَ ضيراَ في الاتصال بأعداء الله وأخذ المعونة منهم متجاهلاً منع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، بقوله: ( لا تستضيئوا بنار المشركين) ( 3 )، والاتصال بالحكام العملاء والتعاون معهم في محاولة منهم لتصحيح أوضاع جزئية !!! وحامل الدعوة العامل لتغيير الأوضاع، يُشترط فيه الوعي والكياسة والفطنة والاستنارة، ولا يكفي الإخلاص والورع بدون الوعي والاستنارة، وان عدم توفر الوعي والاستنارة والتقيد التام الغير منقوص بالحُكم الشرعي والطريقة التي انتهجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تغيير الأوضاع، سيؤدي حتماً إلى خطأ العمل وفشله الذريع. ومثال ذلك ما أشار إليه فضيلة الشيخ حسن البنا أنه تلقى تبرعاً من البارون دي بنوا مدير شركة القنال بقيمة 500 جنيه حين بناءه مسجد ودار الإخوان في الإسماعيلية ! حيث يقول :

(هبة شركة القنال:وقبل أن يتم بناء المسجد بقليل وقد أوشكت النقود المجموعة أن تنفد، وأمامنا بعد مشروع المسجد مشروع المدرسة والدار وهي من تمامه بل كلها مشروع واحد تصادف أن مر البارون دي بنوا مدير شركة القنال ومعه سكرتيره المسيو بلوم فرأي البناء فسأل عنه وأخذ عنه معلومات موجزة، وبينما أنا في المدرسة إذ جاءني أحد الموظفين يدعو في لمقابلة البارون بمكتبه بالشركة فذهبت إليه فتحدث إلي عن طريق مترجم بأنه رأي البناء وهو يود أن يساعدنا بتبرع مالي وهو لهذا يطلب منا رسماً ومذكرة للمشروع، فشكرت له ذلك وانصرفت ووافيته بعد ذلك بما طلب ومضى على ذلك شهور كدنا ننسى فيها البارون ووعده ولكني فوجئت بعد ذلك بدعوة ثانية منه إلى مكتبه، فذهبت إليه فرحب بي ثم ذكر لي أن الشركة اعتمدت مبلغ خمسمائة جنيه مصري للمشروع، فشكرت له ذلك، وأفهمته أن هذا المبلغ قليل جدا ولم يكن منتظرا من الشركة تقديره لأنها في الوقت الذي تبني فيه على نفقتها كنيسة نموذجية تكلفها 500000خسمائة ألف جنيه أي نصف مليون جنيه تعطي المسجد خمسمائة فقط، فاقتنع بوجهة نظري وأظهر مشاركتي فيها ولكنه أسف لأن هذا هو القرار، ورجانى قبول المبلغ عل أنه إذا استطاع أن يفعل بعد ذلك شيئا فلن يتأخر. وشكرت له مرة ثانية وقلت إن تسلم المبلغ ليس من اختصاصي ولكنه من اختصاص أمين الصندوق الشيخ محمد حسين الزملوط الذي تبرع وحده بمثل ما تبرعت به الشركة وسأخبره ليحضر لتسلمه، وقد كان. وتسلم أمين الصندوق المبلغ، وطبعاً لم يفكر البارون في عمل شيء آخر ولم نفكر نحن في أن نطلب منه شيئاً كذلك.(4) ( انتهى النقل).

نسأل الله تعالى لأخانا الشيخ حسن البنا الرّحمة والمغفرة، وأن يجمعنا به في جنان النعيم مع الأنبياء والشهداء والصالحين.


  • د. عبد المجيد المحتسب ? اتجاهات التفسير في العصر الحديث.

  • د. محمدمحمدحسين - الاتجاهاتالوطنيةفيالأدبالعربي.

? جاء في تفسير المنذر :حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنِ الأَزْهَرِ بْنِ رَاشِدٍ ، قَالَ : كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ ، فَإِذَا حَدَّثَهُمْ بِحَدِيثٍ لا يَدْرُونَ مَا هُوَ ، أَتَوُا الْحَسَنَ فَيُفَسِّرُ لَهُمْ ، فَحَدَّثَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ " . فَأَتَوُا الْحَسَنَ فَأَخْبَرُوهُ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، أَمَّا قوله : " لا تَسِتضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ " ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : لا تَسْتَشِيرُوا الْمُشْرِكِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِكُمْ ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا سورة آل عمران آية 118 .

  • مذكرات الدعوة والداعية - حسن البنا

لقد أعلمنا الله تعالى أن أمثال هؤلاء اللاهثين وراء تطويع أحكام الإسلام لتلائم أذواق الكفار شر البرية، ولتتناسب مع الحداثة وعصر العولمة لن ينالوا رغم ذلك رضا الكفار، قال تعالى: ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم.) وهم أشد خطراً على الإسلام من الكفار أنفسهم، خاصة وقد اعتلوا المنابر، وسلطت عليهم الأضواء، وتلقفتهم الفضائيات، وبناء على خطرهم الشديد أرى أن يعامل مثل هؤلاء كأعداء لله ودينه، وأن تكشف أحوالهم للناس، وأن يكشف للناس بعد فتاواهم عن الإسلام، حتى لو أدى ذلك إلى كشفهم بالاسم، كيف لا وهم من أخطر العثرات والمعوقات والموانع، لا بل هم أشد خطراً على الدعوة من الكفار أنفسهم، ويجدر أن ننتبه إلى أنّ معظم هؤلاء هم ممن يعلمون بفساد فتاواهم، مثال ذلك الفتاوى المتعارضة لشيخ الأزهر في موضوع الربا، والفتاوى المتعارضة في نفس الموضوع للشيخ شلتوت، وغيرهم.
يقول الشيخ بن لادن: ( قال تعالى: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم. وأما علماء السوء ووزراء البلاط وأصحاب الأقلام المأجورة وأشباههم فكما قيل: لكل زمان دولة ورجال. فهؤلاء رجال الدولة الذين يُحَرفون الحق ويشهدون بالزور حتى في البلد الحرام في البيت الحرام في الشهر الحرام ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويزعمون أن الحكام الخائنين ولاة أمر لنا ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقولون ذلك من أجل تثبيت أركان الدولة، فهؤلاء قد ضلوا سواء السبيل فيجب هجرهم والتحذير منهم. وإنما تركز الدولة على علمائها وتظهرهم في برامج دينية للفتوى من أجل دقائق معدودة يحتاجهم فيها النظام كل مدة لإضفاء الشرعية عليه وعلى تصرفاته كما أباح الملك بلاد الحرمين للأمريكيين فأمر علمائه فأصدروا الفتوى الطامة التي خالفت الدين واستخفت بعقول المسلمين والمؤيد لفعله الخائن في تلك المصيبة العظيمة، والأمة اليوم إنما تعاني ما تعانيه من مصائب وخوف وتهديد من جراء ذلك القرار المدمر وتلك الفتاوى المداهنة.)
ولا ننسى ما أشار إليه الكتاب من عملاء الغرب الكافر من رجعيين وظلاميين، وأخطرهم من شكل التكتلات المسماة بالإسلام، وكل همها محاربة الحزب والإساءة إليه، وألفت المؤلفات في مهاجمة الحزب ومحاولة أبعاد الناس عنه بالباطل، وباستقراء الواقع نرى أنهم أشد تأثيراً وحقداً على الحزب من الكافر نفسه، علاوة على أن الشكَّ يراود النفوس في تكتلاتهم وفي أشخاص قيادات بعضهم. علاوة على الدور المشبوه لبعض تلك الجماعات في قيادة معسكر الحقد ضد الحزب في شرقي العالم وغربيه، ناهيك عن اشتراكهم مباشرة في أنظمة الحكم الكافرة، وأعمالهم السافرة بتعاونهم مع الحكام في مهاجمتنا، وفي قيامهم بإصدار وفبركة الفتاوى الباطلة التي لا يستفيد منها إلا الكفار، مما يزيد القناعة بخطرهم على الدعوة، وأنهم من أكبر المعوقات التي حالت وتحول دون الوصول إلى الهدف.


البقرة 120.

  • الشيخ أسامة بن لادن ? خطبة عيد الأضحى 1423 هـ . نقلا عن: WWW.1924.org.

مَعَ ألْبِشارات وواقِعُها‏من البديهي أنّ الله تعالى قادر على أنّ يوصل رسوله للتمكين دون عناء وجهد وأن يهيأ الأسباب لتقبل الناس الدعوة والدخول في دين الله أفواجاً، ولقد شاءت حكمة الله تعالى أن يكون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن لا نبي بعده، وأن الدين عند الله هو الاسلام، مما يعني أنّ الوحي لن يتنزل لا بدين ولا بتشريع ولا بأمر وتحذير بعد محمد صلى الله عليه وسلم ، مما يفرض على من يأتي بعده التقيد بأحكام الاسلام كاملة، ولأن الاسلام سيكون هو التشريع الوحيد إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، أي لكل زمان ومكان ولكل الشعوب والأمم والقبائل، وطرق المعيشة تتغير من مكان ومكان، ومن قوم وقوم،ومن زمان وزمان، لذا فقد أوجب الله الإجتهاد كمصدر ثالث من مصادر التشريع الأربعة، هذا في الأحكام الشرعية، ومن البديهي ومما أخبرنا الصادق الأمين أنّ حوادث وفتن سيتعرض لها المسلمون في مستقبلهم، فكيف سيتصرف المسلمون في مثل تلك الحوادث. لذا فقد شاءت حكمة الله تعالى أن يبتلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأن يبتلى صحابته رضوان الله عليهم وأن يلقى من الأمر ما يلقى من العنت والتكذيب والعذاب، لذا فقد فرض الله تعالى طريقته في الدعوة التي تبينها سيرته العطرة ، كطريقة وخط سير ملزم ولا بد للسير به وعدم الحيد عنه بحال قيد أنملة وأن تعض عليها بالنواجذ، كطريقة واجبة وجوباً توقيفياً لا يجوز مخالفته، لذا فكان كل ما تعرض له صلى الله عليه وسلم من أذى وعذاب وصعوبات ومعوقات، ليكون نهجاً لمن أتى بعدة وطريقة ملزمة لا نتحول عنها ، وكما جاء من سورة الأحزاب:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27)﴾صدق الله العظيم

جاء في مسند الامام أحمد ، حدثنا ‏ ‏يحيى بن إسحاق ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يحيى بن أيوب ‏ ‏حدثني ‏ ‏أبو قبيل ‏ ‏قال ‏ (كنا عند ‏ ‏عبد الله بن عمرو بن العاصي ‏ ‏وسئل أي المدينتين تفتح أولا ‏ ‏القسطنطينية ‏ ‏أو ‏ ‏رومية ‏ ‏فدعا ‏ ‏عبد الله ‏ ‏بصندوق له حلق قال فأخرج منه كتابا قال فقال ‏ ‏عبد الله ‏ ‏بينما نحن حول رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏نكتب إذ سئل رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أي المدينتين تفتح أولا ‏ ‏قسطنطينية ‏ ‏أو ‏ ‏رومية ‏ ‏فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏ مدينة ‏‏ هرقل ‏‏ تفتح أولا ‏ ‏يعني ‏ ‏قسطنطينية)

ومعظم البشارات تأتي في أيام الشدّة وأوقات المحن، فعندما تبعهم سراقة ليردهم عن مغادرة مكة مهاجرين خاطبه صلى الله عليه وسلم : ارجع يا سراقة ولك سواري كسرى. وفي حفر الخندق وقد كان المسلمون في منتهى الشدة والخوف وحيث ضاقت بهم الأرض بما رحبت، بشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بخزائن كسرى.فالبشارات تأتي بالعادة لتعطي دفعة من القوة ومهاتفة للنفسية في الوقت التي تخور القوى أو تكاد، تأتي لتشد العزائم ولتذهب الإحباط ، ولتوهن مكن قوة اليأس والاستيآس، فتحل الأمل مكان التطير والاحباط، ولتعطي النفسية شحنة من الأمل الدافع للعمل والمثابرة فيه، فما أتت شدة أو محنة إلا وقابلها بشارة تعطي الأمل وتقلل من الإحباط وتزيل القنوط.0

وكما هو معلوم للجميع فقد أتى حادث الاسراء والمعراج بعد تخلي القوم عن النصرة، وبعد أن فقد المدافع والنصير، وبعد أن نبذت مواقع القوى الدعوة وتخلت عن نصرتها، وبعد ازدياد أذى واضطهاد وجبروت ومقاومة المجتمع الجاهلي لرجال الدعوة وحملتها وفي مقدمتهم رسولها، فقد ردته ثقيف أهل الطائف أقبح رد، كما ردته كِندَة وكليباً وبنو حنيفة وبنو عامر بن صعصعة، ردوه جميعاً بقبح ولؤم متناهيين، وهنا وبعد أن سُدّت كلّ السُّبل والوسائل المادية أمامه، أته ردُّ السّماء حكيماً جميلاً ليعلمه أنّ الله القادر على ارساله هذه الرحلة السماوية العلوية المباركة لن يتخلى أبداً لا عنه ولا عن دعوته. وكفاه فخراً وعزاءاً وقوة أن الله اصطفاه لهذه الرحلة المباركة من دون كلّ الأنبياء والمرسلين.

وكأني بالشيخ العصري المبهور بالعولمة لم يقرأ القرآن الكريم في حياته، ألم يقرأ وصف القرآن لأهل الكتاب بالكفر؟ لذا فأذكره ببعض آيات من سورة " المائدة ": ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسـيح ابن مريم) ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) ( لقد كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة ) ( لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ) وفي مخاطبتهم قال تعالى في سورة " الكافرون " مُعَلِمُناً وآمراً إيانا كيف نخاطبهم بالأمر الصريح: " قل " حين قال قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد* ولا أنا عابد ما عبدتم* ولا أنتم عابدون ما أعبد* لكم دينكم ولي دين* )وحدد مصيرهم المحتوم في قوله تعالى من سورة " البينة ": (إنّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شَرُّ البرية*)

ولم يبقَ على الشــيخ العصري المنبهر بعلمانية شــرُّ البرية إلا أن يُطالب بحذف سـورة " الكافرون " ومئات الآيات التي تصف النصارى واليهود بالكفر، وذلك في طريقه لاستحداث قاموس فقهي عصري للمصطلحات الشرعية ولألفاظ القرآن الكريم، لكي يتفق القرآن والفقه مع حداثة وعولمة أهل الصليب الكفار شر البرية كما يصفهم القرآن، الذين لم يتورعوا في وصف الإسلام والمسلمين بأوصاف الشر والإرهاب…، ووصف رسولنا وديننا بأحط الأوصاف، وأشهروا سيوفهم في وجه ما يصفونه أنه الإرهاب الإسلامي والإرهابيين المسلمين والأصولية الإسلامية، وأوسعوا المسلمين في أقصى العالم وأدناه قتلا وتشريدا، واستباحوا حُرُمات وأموال المسلمين وأعراضهم في فلسطين والعراق والبلقان والفلبين وأفغانستان والعراق وكشمير والهند وأوزباكستان وفي كل بقاع الدنيا.

وللتدرج ربما يبدأ الشيخ بالطلب بإحراق كتب: الشافعي وأبي حنيفة وتلميذاه أحمد وأبي يوسف، وابن تيمية ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وحسن البنا وعبد القادر عوده وسيد قطب ومحمد قطب وتقي الدين النبهاني وعبد القديم زلوم وابن كثير والفخر الرازي والطبري والقرطبي والجلالين وابني قدامة وابن قيم الجوزية وابن الجوزي والماوردي وابن حزم والخطيب البغدادي والنووي والآمدي والذهبي والسرخسي وأبو نعيم والعسقلاني والشهرستاني والفيروز أبادي وابن خلدون والصحاح الستة والمساند… وغيرهم من أمهات كتب أعلام الإسلام التي تصفهم: ( أهل الذمَّة والكفار ) بما لا يتفق مع عصر العولمة، والتي لم تعد مقبولة مع إخوانه وليس إخواننا من الأقليات الكافرة، مع التنبيه إلى أن الإسلام يفرض علينا أن لا نتخذ غير المسلمين كإخوان لنا، فأخوتنا الوحيدة هي أخوة الإسلام، أما القومية والوطنية فهما رابطتان فاسدتان لا تصلحان للربط بين البشر والأخوة معهم، وقد نبهنا رسولنا لفسادها وعدم الأخذ بها في أحاديثه الداعية لذم وتحريم دعاوى العصبية القبلية النتنة في قوله: " دعوها فإنها جيفة منتنة "، و لا مجال لاستعراض الأحاديث المتعددة في ذلك هنا، وأنبه أن الكافر الصليبي المستعمر قد تمكن من القضاء على دولة الخلافة بإثارة دعاوى ونعرات القوميتين العربية والطورانية، فتخلى كل من العرب والأتراك عن أخوة الإسلام، أخوة بعضهم للآخر حين حُمِّلوا دعاوى ونعرات الجاهلية أي القومية فتحولوا من أخوة متحابين إلى أعداء متناحرين مما سهل للكافر الصليبي المستعمر القضاء على دولة الخلافة، ونحن كمسلمين نرفض ونحتقر الدعوة إلى القومية والوطنية ونحتقر الداعين لها، والرابط الوحيد بيننا هو اعتناق الإسلام فقط.

وقد سبقه لذلك السفيه الوقح المُرتد معمر القذافي رئيس دولة ليبيا الذي طالب بصفاقة بإلغاء السنة النبوية الشريفة، وحذف كلمة ( قل ) من القرآن الكريم لأنها مخاطبة للرسول والرسول قد مات، فخرج بذلك من ملة المسلمين واستحب الكفر على الإيمان غير مأسوف عليه.

وأذكر الشيخ العصري الداعي لتطويع أحكام وألفاظ الإسلام لتتوافق مع العولمة الكافرة، ولكي تناسب مزاج الكفار شرّ البرية، بقوله تعالى وفي سورة المائدة أيضا: ( لتجدن أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا أليهود والذين أشركوا ولتجدَنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورُهبانا وإنهم لا يستكبرون*) ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون* أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حُكما لقوم يوقنون* (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين*)

_________________

المائده 17.

المائده 72.

المائدة 73.

المائدة 78.

الكافرون 1 ? 6.

البينه 6.

ورد في جريدة " القدس " بتاريخ 14.02.1424هـ الموافق 16.04.2003م. نقلا عن رويترز/ واشنطون: أبدى المسلمون العاملون في وزارة الدفاع الأمريكية غضبهم مما قالوا أنه دعوة تفتقر إلى الذوق وجهت إلى القس فرانكلين جراهام الذي وصف الإسلام بأنه " دين شـــــرير للغايه وخطير"عقي احداث 11 أيلول 2001، لالقاء عظه في يوم الجمعه الحزينة السابق على عيد القيامه في البنتاغون.

المائدة 49-50

المائدة 82.

فيْ المُعَوِقاتْمن المعلوم بالمراقبة والتحاليل السياسية أن الكافر لن يُقاوم الدعوة مباشرة، بل سيستعين بذلك بعملائه من الحكام والظلاميين والمضبوعين بثقافته المنبهرين بحضارته،و أستذكر في هذا المقام ما ورد في كتاب " مفاهيم حزب التحرير حيث يقول: ( والكفاح السياسي يقتضي أن نعلم أن الاستعماريين الغربيين ولاسيما البريطانيين والأمريكان يعمدون في كل بلد مستعمر إلى مساعدة عملائهم من الرجعيين والظلاميين، ومن المروجين لسياستهم وقيادتهم الفكرية، ومن الفئات الحاكمة، فيهرعون إلى إسداء المعونة لهؤلاء العملاء في مختلف الأقاليم، لوقف هذه الحركة الإسلامية، وسيمدونهم بالمال وغير المال، وبجميع القوى التي تلزمهم للقضاء عليها …) وهذا يصدق على الوضع في سنوات العقود المنصرمة وحتى الآن، إلا أن الوضع قد تغير جذرياً، فمع اعتماد الكفار على هؤلاء، فقد أصبح الكفار يقومون بمحاربة الدعوة بأنفسهم صراحة بالإضافة لما ذكر. فبعد الحرب الصليبية الأولى التي استهدفت المسلمين في أفغانستان تبدّل الحال، وأصبح رئيس دولة الولايات المتحدة يتدخل بشكل سافر حتى في مناهج التدريس لدينا بما في ذلك تفسير القرآن والأحكام ألشرعية، وفي مدارس تحفيظ القرآن، وحتى في طريقة توزيع الزكاة.

صاحب ذلك بروز نوع من " مشايخ السلطان " أصحاب الفتاوى التي تساعد الحكام والكفار وتساعدهم في حربهم على الإسلام، فمن فتوى تبيح للمسلمين الاشتراك في حرب المسلمين وقتلهم من خلال الانتظام في الجيش الصليبي، إلى الفتاوى التي تحل ما حرم الله وتحرم ما أحل، مثل فتاوى إباحة الربا وفتاوى حل أكل الميتة… والمناداة بنوع نشاز من أنواع الفقه وهو " الفقه التوفيقي " وهو ما لم نسمع به في الأولين ولا في حتى في من سبق من الضالين !!! والمراد من ذلك هو تمييع فهم الإسلام، أو فقل إسلام عصري علماني على منهج بوش والعولمة.

قال مقدم أحد البرامج الدينية في قناة تلفزيونية محلية: إن القاعدة لدينا أنه إذا واجهنا اجتهادين مختلفين لمسألة واحدة، نختار الأسهل منهما !!! فتجاهل بذلك وألغى قوة الدليل وضعفه حين أخذ الأسهل، وممكن أن يكون ألأسهل قد أتى بدليل ضعيف أو بشبهة دليل، وأن الرأي الآخر الذي سيتركه قد أتى بدليل أقوى.

وفي جواب عن سؤال حول شراء سكنة في أوروبا بقرض ربوي من البنك، أجاب “الدكتور القرضاوي” في فضائية الجزيرة: كنت قد حرّمت ذلك سابقاً !!! وبعد مشاهدتي لحال المسلمين في أوروبا، أقول بجواز ذلك!!! ودليلهُ في ذلك أن أيجار الشقة السكنية الذي يدفعونها أكثر من القسط الذي يُدفع للبنك !!! ألم ينصب الشيخ نفسه مُشرعاَ يُعمل عقله في المسائل الشرعية غاضا النظر عن الدليل الشرعي، لا بل مُخالفاّ له مجترئا على دين الله ؟.

وسألت سائلة: هل النصارى كفار؟ فأجاب الدكتور القرضاوي على هذا السؤال في حلقة يوم الأحد 22 جمادى الأولى 1419 موافق: 13 / 09 / 1998 من برنامج (الشريعة والحياة) التي تبثه قناة الجزيرة، بما يمكن أن نجد له وجهاً من الحق وإن كان في كلامه ما يتعب المسلم الموحد. إلا أنه بعد ذلك تدخل مقدم البرنامج أحمد منصور بشبهة أفسدت على الشيخ كل شيء: [يعني هنا .. هم كفار بديننا وليسوا كفاراً بالله ? هذه القضية ينبغي أن توضح لأن هناك فهماً لدى كثير من الناس .. بأنهم كفار بالله] وهنا استأنف الشيخ القرضاوي كلامه متأثراً بتوجيه أحمد منصور قائلاً: [ليسوا كفاراً بالله? ويؤمنون بالله، ويؤمنون باليوم الآخر، ويؤمنون بعبادة الله سبحانه وتعالى، ويؤمنون بالقيم الأخلاقية، ولذلك نحن دعونا إلى الحوار الإسلامي المسيحي لأن هناك أرضية مشتركة بيننا وبينهم. { وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (?) وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [وقد أسقط من الآية قوله تعالى: { إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } ومكانه بين القوسين. ولعله مجرد سهو، ثم أردف قائلاً:] فنحن نؤمن بالله، ونؤمن بالفضائل، ونؤمن بالعبادات، ونؤمن بالآخرة. هذه قواسم مشتركة بيننا وبينهم. إنما ليسوا مسلمين يقيناً. هم يعتبروننا كفاراً، ونحن نعتبرهم كفاراً. هذا أمر طبيعي … نحن كفار بدينهم، لا نؤمن بالمسيحية الموجودة. وهم كفار بديننا لا يؤمنون برسالة محمد وأن القرآن كلام الله. هذا أمر طبيعي يجب أن (…) ومع هذا … الإسلام يدعو إلى التسامح مع هؤلاء الناس، وأباح مؤاكلتهم ومصاهرتهم والتزوج منهم … رابطة اجتماعية نسباً وصهراً (…) المصاهرة إحدى الروابط الأساسية، هذا هو الذي … ]

وذكرت مجلة “الوعي” أن " الدكتورالقرضاوي" قدم بحثاَ إلى مؤتمر " مجمع الفقه الإسلامي" الذي عُقِدَ في الدوحة مؤخراَ، ونشرت صحيفة " الحياة " مقتطفات منه. وكان عنوان البحث " خطابنا الإسلامي في عصر العولمة " ولخص القرضاوي رأيه في كيفية " ترشيد الصحوة " الإسلامية في عشر نقاط، أبرزها " الانتقال من العاطفية والغوغائية إلى العقلانية والعلمية، ومن التعسير والتنفير إلى التيسير والتبشير.ومن الجمود والتقليد إلى الاجتهاد والتجديد، ومن التعصب والانفلاق إلى التسامح والانطلاق، ومن العنف والنقمة، إلى الرفق والرحمة، ومن الاختلاف والتشاحن، إلى الائتلاف والتضامن.) وقالت " الحياة ": وفي خطوة ذات دلالات قال في إطار تشديده على أهمية الجدال بالتي هي أحسن في الخطاب الإسلامي، ودعا إلى عدم مخاطبة المخالفين لنا باسم الكفار، وإن كنا نعتقد بكفرهم، ولا سيما المخلفين من أهل الكتاب، ودعا إلى مخاطبة الآخرين وفقا لما جاء في القرآن الكريم: يا أيها الناس. وتضيف " ألحياة " ( وكان لافتا أن البحث تضمن دعوة القرضاوي إلى " مواطنون بدل أهل الذمة " وقال: ( إنّ هناك كلمات لم تعد مقبولةً لدى إخواننا من الأقليات غير المسلمة … لا أجد مانعا من استخدام كلمة المواطنة والمواطن فالفقهاء يتفقون على أن أهل الذمة من أهل دار الإسلام… إن من التعبيرات المطلوبة في عصر العولمة التعبير بالأخوة عن العلاقات بين البشر … والمراد بها ألأخوة الوطنية أو القومية وليس الأخوة الدينية، وهي الأخوة الوحيدة بين البشر.) .


  • مفاهيم حزب التحرير ، صفحة 71 .

  • العنكبوت:46.

  • مجلة " الوعي " ? عدد 191 - ذو الحجة 1423 هـ

  • المصدر السابق.

**كما أن التركيز عليهم دون غيرهم من طبقات المجتمع يفرغ العمل من محتواه ويغير مسار العمل حيث يركز على الطبقيــة الجوفـــاء والشعور بالرقي المظهري، وهذا الشعور هو - إن حصل لا سمح الله - أول طريق انهيار التكتل، لأنه يضعف حرص التكتل على كسب ثقة البسطاء من الأمة، ومتى تحول التكتل إلى تكتل عنوانـه وواجهته أصحاب الياقات المنشاة وربطات العنق متجاهلاً الذخيرة الهامة وهي بسطاء الناس المأهلون للتفاعل مع الفكر ونشر المبدأ فقد عمل على صرف الأمة عنه مما يُنتج انهياره، وبعدها يحتاج إلى جهود مضنية لمعاودة كسب ثقة الأمة وإقناعها للعمل معه.

وذلك بالتأكيد ما تنبه له الشيخ تقي الدين النبهاني فهو من مقاصد التحذير الوارد في كتاب التكتل الحزبي حيث يقول: (وأمّا الخطر الطبقي فإنّه يتسرب إلى رجال الحزب، لا إلى الأمة. وذلك أنه حين يكون الحزب يمثل الأمة أو أكثريتها، تكون له مكانة مرموقة، ومنزلة موقرة، وإكبار تام من قبل الأمة والخاصة من الناس. وهذه قد تبعث في النفس غروراً، فيرى رجال الحزب أنهم أعلى من الأمة، وأن مهمتهم القيادة، ومهمة الأمة أن تكون مقودة. وحينئذ يترفعون على أفراد الأمة، أو على بعضهم، دون أن يحسبوا لذلك حساباً. وإذا تكرر ذلك صارت الأمة تشعر بأن الحزب طبقة أخرى غيرها، وصار الحزب كذلك يشعر بالطبقية. وهذا الشعور هو أول طريق انهيار الحزب، لأنه يضعف حرص الحزب على ثقة البسطاء من الجمهور، ويضعف ثقة الجمهور بالحزب، وحينئذ تبدأ الأمة تنصرف عن الحزب…) انتهى النقل

وأضيف على ما تقدم أن أخطر من ذلك هو أن يفقد الحزب أو التكتل ثقـة أفراده العاديين حين يرون أن حزبهم قد تحوَّل عنهم من حزب قوامه وذخيرته الفكر وحملتة إلى حزب الأطباء والمهندسين أصحاب ربطات العنق بدل أن يكون حزب الفكر ومن حمله كائناً من كان.

أننا في هذه المرحلة بالذات وقد تمكنت التكتلات الفاعلة من كسب مكانة مرموقة، ومنزلة موقرة، وإكبار تام من قبل الأمة والخاصة من الناس، حيث يتوافد الناس على حضور فعالياتهم بالآلاف المؤلفة، ويتلهفون على سماع تعليقاتهم السياسية فيما يستجد من أحداث تهمهم، وينظر الناس بإعجاب شديد لحسن الترتيب والأداء في ذلك، وينظر الناس إلى تحركهم المنظم في المناسبات العامة وبأعداد هائلة نسبياً من أفرادهم أكثر مما ظنوا، وحين يرى الناس أنهم ليسوا شرذمة صغيرة لا وَزنَ لها ولا يُحسب لها حساب كما يروج الخصوم ووسائل إعلامهم. في هذه المرحلة بالذات نحن أحوج للتواضع وعدم الغرور. فمهما كثر عدد الأفراد ومهما وصل الثقل في المجتمع، فإن هذا الصرح الشامخ ممكن أن ينهار إذا وصل إلى الصفوف فيروس الغرور ومرض الطبقيـــة، وشعور الأفراد بأنهم حزب أصحاب القمصان البيضاء والياقات المنشاة وربطات العنق حملة الألقاب البراقة والشهادات الجامعية.

وفي زمن الانتفاضات ودعوات التغيير القائمة حالياً فإن من سيُحدث النهضة الصحيحة هم حملة الإسلام فكرة وطريقة، المتمتعين بالوعي السياسي والفكر الثاقب مع الحرص أن يكون فيهم العالِم والفقيه والمجتهد والمهندس ورجل الأعمال والأديب والحكيم والشاعر والمعلم والطبيب، مع الحرص بنفس القدر على أن يكون فيهم أيضاً وقبل ذلك القصاب والترزي والمزارع والفران والاسكافي والفكهاني والبقال وسائق الجرار وطالب العلم والتاجر وكل طبقات وشرائح المجتمع، وبهم جميعاً في تكتل عنان فريد سوف تقام دولة الخلافة الراشدة التي ستدك حصون الظالمين وتفتح البلاد أمام الدعوة إن شاء الله.

وبناء عليه فلا ضير أبداً أن يصل إلى المراكز القيادية والإدارية أقوى الأفراد لتحمل ذلك باعتبار التمكن الفكري والإداري فقط بغض النظر عن طبقاتهم، وأن يصل إليها أقوام من بُسطاء الناس وعامتهم، وأن تكون الأولوية في توكيل المهمات والأعمال الحزبية لجميع الأفراد من كل الطبقات من هذا المنطلق، فيفاضل في انتقاء الأفراد لهذه الأعمال بالصلاحية الفكرية والإدارية ليس إلا، وتعتبر عملية انتقاء الأفراد لتلك الأعمال والمهمات على أساس طبقـي كنوع من الغــرور القاتل والانتحار الموصل للطبقية الجوفاء الموصلة بالتأكيد للتصدع وبالتالي للانهيار والفشل.

وحتى نكون على بينة من الأمر وعواقبه المحتملة فإن من الخطورة المستقبلية للنظرة الطبقية تلك أنه إن وصل التكتل لقيادة الأمة برغم ما تقدم وبذلك الشعور من الطبقية الجوفاء في قياداته فسيكون وبالاً على الأمة التي سيقودها، إذ سيبرز الظلم وتتحول الدولة إلى دولة طبقات ومحاسيب وأتباع، مما يظهر الفساد بانعدام المساواة والعدل، ويتسبب ذلك ببروز الهوة السحيقة بين الحاكم والمحكوم، ويشعر الناس أن حكامهم ليسوا منهم مما يُضعف القاعدة الشعبية لهؤلاء الحكام عند الأمة، وهذا يعني الانحراف عن المبدأ والتخلي عن الفكر والمتبنيات، والتحول إلى المُلك العضوض.

على أن ذلك لا يعني أن يُهمل التركيز على حملة الشهادات والألقاب وعليَّـة القوم وأصحاب النفوذ والتأثير، والعكس هو الصحيح فكما ورد في بداية البحث يجب التركيز عليهم بصفتهم أفراد يعيشون في هذا المجتمع، كغيرهم من بقية طبقات الناس وبنفس القدر، ومحاولة كسبهم ما استطعنا لذلك سبيلنا استئناساً بهدي المصطفى s وتقيداً بطريقته وخط سيره، كما أنَّ بهـم ومعهم إن صلحوا وتفاعلوا مع الدعوة وأفكارها نختصر الطريق ونصل للغايات بأقصر الطرق وأسلمها إن شاء الله.


(1)- التكتل الحزبي . صفحة 53.

**ودعوة الإسلام في مكة رفضها وقاومها وحال دون اعتناقها سادة القوم من زعماء وقادة عشائر ومفكرين وأدباء وشعراء وحكماء وتجار وأصحاب النفوذ والتأثير وأصحاب رؤوس الأموال. واعتنقها وقاوم من أجلها وبذل الغالي والرخيص من أجلها أفراد من عامة الناس من المحرومين والمغمورين، ومع أنه كان من مشاهير المسلمين في الدعوة في العهد المكي تجار وقادة وزعماء وأدباء وأصحاب نفوذ وتأثير وأصحاب رؤوس أموال، إلا أن الغالبية العظمى من المسلمين كانت من عامة الناس البُسَطاء ومن المحرومين والعبيد، وبهؤلاء المضطهدين الحفاة العراة الجياع انطلق الرسول صلى الله عليه وسلم ينشر دعوته ويقيم دولته في المدينة المنورة، لينطلق منها بهم لنشر الدعوة بالجهاد داكا الحصون والقلاع وفاتحاً الأمصار والبلاد فتحول العبيد والمحرومين إلى قادة وأسياد وأمراء.

وفي التكتلات التي قامت بعد تقطيع الدولة العثمانية لدويلات قامت بشريعة قانون سايكس بيكو وشرعة مؤتمر بلسفانيا وما تفرع منه من مؤسسات فاعلة منمثل هيئة الأمم النصرانية المسماة من باب ذر الرماد بالعيون ( منظمة الأمم المتحدة ) فلم يفلح غالبيتها في الوصول لطريقة ناجحة لتكتلاتها وظلت تدور هنا وهناك بلا طائل لأنها لم تدرك المعنى الحقيقي لطريقة التكتل السياسي الفاعل.

وللحقية فقيام تكتل سياسي فاعل يحتم تركيز قائد التكتل وخليتها الأولى على كسب أصحاب الفعاليات والتأثير من أدباء وعلماء وفقهاء ومفكرين وحملة شهادات جامعية وقادة مجتمع، وكسب العديد منهم، ومن تلك الحلقة الأولى تنبثق القيادة الأولى، على أن لا يُهمل الركيزة الثابتة من غيرهم، ليكون من مشاهير أعضاء التكتل السياسي الفاعل الأوائل تجار وعمال وصناع وأجراء، فيكون منهم الجزار والبقال والفكهاني والاسكافي والفران والترزي والمزارع والطالب. فاختلط الجامعي الأزهري والمهندس والأمي الذي يمهر الوثائق ببصمة إبهامه في تكتل فريد لم يشهد التاريخ له مثيلا يعملون سويةً ويداً بِيَـدٍ لمحاولة تغيير الأوضاع بمحاولة دخول المجتمع وإحداث القاعدة الشعبية والرأي العام المنتج للتغيير بالفكر الذي حملوه وتنبنوه، الفكر الذي جمع وساوى بين حامل الشهادة الجامعية والأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وبين العالِـمُ والتاجر، وبين المهندس والعامل، وبين الأديب والطالب. لم يُفاضل بينهم لطبقاتهم المتغايرة، بل كانت المفاضلة بينهم على ضوء المتفاعل مع الدعوة أكثر كائناً من كانت طبقته، فيتقدَّمَ أحياناً الطالب على الأديب، ويتقدم في حالات أخرى الفران الأمي على العالِم…

ورأينا في التجارب التكتلية السابقة أنه حتى الحلقة الأولى التي نشرت الدعوة والتي ضمت جمعاً خيّراً من أفاضل العلماء والمثقفين وحملة الشهادات الجامعية، ناء كاهل بعضهم وفترت همته ونكل عن مواصلة الطريق فتخلف وترك المسيرة، في حين استمر غيرهم في العمل بهمة ونشاط، منهم العمال والأميين والتجار والصُّناع استمروا في العمل سوياً مع إخوان لهم من العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والمهندسين والوجهاء ورؤساء العائلات ومدراء الشركات والمؤسسات وأصحاب المصانع وضباط الجيش. والرابط الوحيد بينهم وهم يشكلون جميع ألوان طيف هذا المجتمع أنهم حملة دعوة وأنهم جميعاً وبلا استثناء مفكرون وسياسيون وأنهم النخبة الصالحة من الأمة لأنهم حملوا أرقى فكر منبثق عن المبدأ الوحيد الصالح للتغيير، وبهذا الفكر وبه وحده يعملون للتغيير وسيصلون للغاية إن شاء الله قريباً ويومئذ سيفرح المؤمنون.

ومن البديهي والطبيعي الغير مستهجن قيام حركات الردة في التكتلات الفاعلة تستهدف التكتل ووجوده وتعمل جاهدة بتحريك خفي لهدمه وإلحاقه بالماضي، وتلك الحركات المرتدة هي من أخطر المراحل في تاريخ التكتلات، لأن من قادها وأشعل أوار فتنها في الغالب نفر من حملة الشهادات الجامعية والألقاب البراقة، جمح بهم الغرور حين ظنوا في أنفسهم القادة والسادة والطبقة التي يجب أن تقود وتأمر فتطاع، فينبري لهم المخلصون من أفراد التكتل من كل الطبقات المشخصون بقوة فكرهم وسلامة عقيدتهم وتقواهم ليوأدوا الفتنة في مهدها: فتنة أصحاب القمصان البيضاء والياقات المنشاة وربطات العنق، ليثبتوا أنّ الفكر هو الرابط الذي لا تنقصم عراه في التكتل مقروناً بالتقوى وإخلاص النية لله تعالى.

وفي الندوات والنقاشات ودروس المساجد والمحاضرات رأينا الغلبة والفوز للأمي السياسي حامل الفكر المستنير على العالِم حامل أرقى الشهادات الجامعية. فقد كان حملنا للدعوة ودخولنا للمجتمع بفكرنا الذي حملناه، كائناً من كان حامله، وربما كان حملة الدعوة من بٌسَطاء الناس أنشط وأقوى أثراً وتأثيراً في ذلك من المثقفين حملة الشهادات الجامعية، سواء منها الأكاديمية أو الشرعية أو الأدبية. فلم نحمل الدعوة أبداً ولم نصل لإحداث العملية الصهرية بالمثقفين أصحاب القمصان البيضاء والياقات المنشاة وربطات العنق، لا بل قد حملنا الدعوة بهم وبإخوانهم ممن يمهرون الوثائق ببصمة إبهامهم الأيسر من العمال والصناع من بُسَطاء الناس وعامتهم.

ويجب التنبيه هنا أنه لم ولن ينم نشر الدعوة بين الناس وكسبهم لها بطبقة أصحاب ربطات العنق حملـة الألقاب والشهادات الجامعية، وإن كان من الطبيعي والبديهي والضروري أن يكون في الصفوف الكم الهائل من هؤلاء الناس بصفتهم من شرائح المجتمع، ولأنهم من أصحاب التأثير في أوساطهم وفي غير أوساطهم إن أحسنوا حمل الفكر وتفاعلوا معه وأخلصوا النية لله تعالى.

جاء في الحديث الشريف : ( أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ بِنَسَا ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قِيلَ : " يا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ ؟ قَالَ : أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ . قَالُوا : لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ . قَالَ : فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَنِي ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا " . قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه : أكرم الناس من اتقى اللَّه ، والكريم التقي ، والتقوى : هي العزم على إتيان المأمورات ، والانزجار عَن جميع المزجورات ، فمن صح عزمه على هاتين الخصلتين ، فهو التقي الذي يستحق اسم الكرم ، ومن تعرى عَن استعمالهما ، أو أحدهما ، أو شعبة من شعبهما ، فقد نقص من كرمه مثله . )(1)


(1) روضة العقلاء لابن حبان

فيْ ألْتَكَتُلات وَخَطَر ألْطَبَقِيَّه

قال تعالى من سورة عبس:

( عَبَسَ وَتَوَلى. أن جاءَهُ الأعمى. وَما يُدْريكَ لَعَلَّهُ يَزّكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى. أما من استغنى. فأنت لهُ تصدى. وما عليك ألا يزكى. وأمّا من جاءك يسعى. وَهُوَ يخشى. فأنت عنه تلهى. )(1)

إنَّ القاعدة الأساسية في عمل التكتلات السياسية المستهدفة تغيير المجتمعات الحرص الشديد من قبل قادة وزعماء كافة التكتلات على التركيز على كسب أصحاب النفوذ ومشاهير القوم وأصحاب التأثير في مجتمعاتهم لجسم تكتلاتهم، أو لكسب تأييدهم ونصرتهم لتكتلاتهم وأفكارهم وتطلعاتهم. تلك هي القاعدة في كل التكتلات الذي ظهرت في الحقب التاريخية المتعاقبة على مر الأيام، لم يشذ عن ذلك إلا بعض التكتلات الباطنية التي قامت لأهداف آنية بعيدة عن غايات إحداث التأثير لانقلاب جذري في المجتمع. وسيبقى ذلك طريقاً وسبيلاً لكل تكتلات مستقبلية. وينبه هنا إلى أن ذلك ليس من لوازم طريقة التغيير الحصرية، بل هي رغبات مفضلة لدى أصحاب التكتلات للإسراع في بلوغ الغايات عن طريق أصحاب النفوذ والنصرة، حيث نصرتهم هي أقرب الطرق لذلك، فعن طريقهم في الأعم الأغلب تحدث النصرة، وبدونهم يكون العمل شاقــاً مُضنياً متعثر الخطى، غير مأمون الوصول بالسرعة المتوخاة.

لقد ركّز الرسول صلى الله عليه وسلم على كسب سادة القوم في مكة لتأييد دعوته ولحمل مبدأه ونصرة دعوته، فركز على الوليد بن ألمغيره وأمية بن خلف وأبو جهل وأبو لهب وأبو سفيان وغيرهم من سادة القوم. وبعدها ركز على طلب النصرة والمنعة له ولدعوته من رؤساء القبائل من العرب من غير قريش كغطفان وثقيف وبني كندة وسليم وأخيراً يثرب. إلا أنه لم يحصر تركيزه عليهم فقط بل قد دعا عامة الناس من كل طبقات المجتمع وفي كل المواقع لاعتناق الفكر وحمل الدعوة. ومع أنه قد أفلح في اكتساب قلة من سادة المجتمع كعمر وأبي بكر وعثمان ومصعب، إلا أنّ الغالبية ممن أسلم في العهد المكي كان من المستضعفين بما في ذلك العبيد المسترقين. وذلك أمرٌ طبيعي وبديهي، فالحاجة للتغيير تقوى لدى المحرومين المستضعفين والمظلومين المضطهدين، وتقل وتضعف لدى السادة المترفين.

وتبين لنا سورة ( عبس ) كم كان تركيز الرسول صلى الله عليه وسلم ولهفته على كسب سادة القوم وأصحاب الفعاليات والنصرة شديداً. لذا جاء لفت النظر والتوجيه من الله تعالى في تلك السورة للتشديد على حتمية عمومية الدعوة والطلب إلى العمل لكسب جميع الناس لجسم الدعوة بغض النظر عن المواقع، وعدم حصر الجهد لكسب طبقة أصحاب الشهرة والنفوذ على حساب إهمال أمر العامة من الناس، فإيجاد القاعدة الشعبية الصالحة للتغيير يكون عن طريق إيجاد الرأي العام المنبثق عن الوعي العام لدى أفراد المجتمع عامة: سادتهم وعامتهم، مترفوهم ومستضعفوهم.

ومع أنه مع أن البديهي أن أصحاب النفوذ في المجتمع وسادته وكبراءه هم أسهل وأنجح في العمل لإحداث التغيير لأنَّ فيهم تكون النصرة ولأنهم هُم أهل المنعة والنصرة الحقيقية المانعة والفاعلة، إلا أن استعراض تاريخ حركات التغيير في العالم ترينا أن الثورات وحركات التغيير قد قادها وتزعمها أو في حالات أخرى كان وقودها وعناصر نجاحها ممن عانى من الحرمان والضياع والظلم والاضطهاد من الأمة وعامة الناس. ففي الثورة البلشفية عام 1918 كانت مراهنات البلاشفة على العمال والطبقات الكادحة، حيث استغلوا جوعهم وحرمانهم لتأجيج نار ثورتهم، فأججوا بهم وبأجسادهم نار الاضطرابات وباستغلال دمائهم واضراباتهم أقاموا دولتهم ودكوا حصون وقصور الإمبراطورية الروسية البائدة. وقبلها الثورة الفرنسية كانت قد استغلت جوع الجياع وحرمان المحرومين لتأجيج نار الثورة وبالتالي إحداث التغيير. كما أنَّ كلُّ ثورات التغيير أو التحرر الأفريقية في القرن العشرين التي قامت في الكنغو والنيجر ونيجيريا وروديسيا وزنجبار وجنوبي أفريقيا كان وقودها المأجج أوار نارها عامة الشعب البسطاء. وفي القديم الغابر لم يتمكن " بروتس " من إحداث ثورته وانقلابه على " يوليوس قيصر " وقتله إلا بالاستعانة بعامة الشعب وبسطائه، وهم نفس الفئة الذين استغلهم خصوم بروتس السياسيين في الثورة المضادة التي قادوها ضده وبهم تمكنوا من بروتس وحركته.

كما أنّ بعض العملاء المستوزرون من صنائع الكافر المستعمر في العالم الإسلامي قد عمدوا لاستغلال القاعدة الشعبية باستمالة عامة الناس وضمهم في صفوف أحزابهم من أجل الضغط بواسطتهم لتحقيق مكاسب آنية لهم. كما حدث في مصر في سنوات الأربعينيات من القرن الماضي (القرن العشرين )، حيث قام الباشاوات الإقطاعيون أصحاب الطرابيش الحمراء بضم عامة الناس لحزب النحّاس وفؤاد سراج الدين ( حزب الوفد ) مستغلين إياهم كورقة ضغط فاعلة عند الملك والإنجليز لتحقيق مكاسبهم الشخصية عن طريق تحريك الشارع المصري بالمظاهرات وغيرها، في حين قامت زوجاتهم من خلال الهالة من الإعجاب والتأييد التي أحدثها ضم عامة طبقات الشعب لحزب أزواجهنَّ من استغلال ذلك لتمرير لمؤامرة " حركة تحرير المرأة " ولمســاندة دعوات الناعق " قاسم أمين " والقيام بتحدي مشاعر المسلمين ودينهم بقيامهم بتمزيق الحجاب علناً في حشد شعبي آثم في الميدان الأكثر شهرة أي "ميدان الأزبكية " بالقاهرة الذي استبدل بعدها باسم " ميدان التحرير " تخليداً لهذه المناسبة المجرمة من يومها وليومنا هذا …

وفي الأردن فإنّ سليمان باشا النابلسي وعبد الحليم النمر قد لجئا في مرحلة معينة في أوائل الســتينات لتأسيس " الحزب الوطني الدستوري" ذلك الحزب الذي أدار جريدتيه ( الميثاق والصريح ) من خلف ستار. وكان من المقاصد الخفية وراء تشكيل هذا الحزب تمكين وزارة الباشا من استغلال الشارع لتمرير مخططات لصالح النظام الحاكم بعد هالة من الشعبية الزائفة التي أحاطوها بذلك الزعيم المستوزر والتي منحته 59 صوتاً من مجموع أصوات نواب المجلس البالغة ستون صوتاً. وقد كشف النائب في مجلس النواب الأردني عن منطقة طولكرم سماحة الشيخ أحمد الداعور ذلك المخطط في جلسة الثقة لحكومة الباشا حيث جاء في مقدمة كلمته:

( أتقدم إليكم ببياني هذا لأكشف البرقع الشفاف الذي يخفي سحنة الاستعمار في هذه الحكومة…)


(1) سورة عبس 1-9

فيْ الأزَماتْأنه من المفهوم بداهة أن الأمة الحية تسعى في طريقها للنهضة للعمل على إيجاد الإرهاصات التي تساعد وتدعم وتسهل الوصول للهدف، وتستبشر بالبشائر، وتعمل جاهدة على تحطيم العقبات التي تعيق الوصول للهدف، أو تمنع تحققه.أي تربط وتوازن بين الأسباب والمسببات، وقد كان هذا هو حال الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته والخلفاء من بعده، وكان هذا حال كل الرسل والأنبياء، وكذلك كل الحركات التي عملت على تغيير أوضاع مجتمعاتهم.

في السيرة النبوية الشريفة كان كل عمل الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة منصب على العمل لإيجاد الإرهاصات الداعمة للعمل، من عمله لتثقيف المسلمين، إلى العمل لإيجاد الوعي العام والعملية الصهرية، إلى الاتصال بوفود العرب في موسم الحاج لتحقق النصرة، وذهابه إلى الطائف لدعوة ثقيف ومحاولة الحصول على نصرتهم، كل ذلك كان من وسائل وأساليب الوصول للهدف، وايفادة مصعب بن عمير إلى يثرب كذلك… وتلقى البشائر وأذاعها بين المسلمين، منها فتح القسطنطينية وروما والقدس، ومنها بشائر زوال كيان فارس، ومنها آيات النصر والفتح.وعمل على تحطيم كل العوائق والعثرات التي تحول بينه وبين الوصول للهدف. إلا أنه لم يكن من طريقته أبداً الاعتماد على الآمال والأوهام والأحلام، لا بل قد حارب ذلك وحال بين أتباعه وبين ألأخذ بها، رابطاً بين الأسباب ومسبباتها.

في حرب الخليج الثانية ( غزو العراق ) كانت مشاعر المسلمين ملتهبة، وكان الأمل يعصف بهم أن يخسف الله الجيش الصليبي المستهدف المسلمين ومقدراتهم وأعراضهم.

منهم من توجه لله تعالى تائباً مستغفراً مستعيناً بالصبر والصلاة، رابطاً الأسباب بمسبباتها، متلبساً بالعمل الجاد لعودة صادقة للمسلمين لأوامر الله ودعوته، مستبشراً ببشائر النصر التي وعد الله ورسوله، ملتمساً التقيد بالحكم الشرعي في كل تصرفاته، نادماً مستنجداً وضارعاً لله آملاً نصراً من عنده، وما ذلك على الله بعزيز إن شاء، وهؤلاء هم الفرقة الناجية الذين أنعم الله عليهم بالسداد والتوفيق.

ومنهم فربق استسلم للأحلام والأماني، ومنهم من عقد الجلسات الطويلة مع الجان لأخذ البشرى منهم أن الله سيرسل على الجيش الغازي سخطا من السماء يأخذ أولهم وأخرهم، ومنهم من استعان بالمنجمين والكهان والعراف وكتب التنبؤات.

وكان أكثرهم قد ذهب بعيدا في تناول أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المحتوية على البشائر مثل أحاديث: الرايات السود والعمائم السود، وأحاديث إهلاك الجيش الغازي للكعبة، وأحاديث المسيح المنتظر قدومه والمهدي المنتظر… ومنهم من تناول سورة " الفيل " وحاول تطويعها لتتوافق مع المناسبة… وحاولوا تطويع تلك الأحاديث والآيات الشريفة بما يتفق مع المناسبة، وطفقوا يقلبون كتب الأحاديث صحاحها وضعافها والكتب القديمة ذات الصفحات الصفراء علهم يجدون بها البشائر التي يفسرونها على هواهم وحسب أوهامهم، وقسم التجأ للإسرائيليات وتنبؤات التوراة وكتب الكفار مثل " تنبؤات فوستر أداموز".

وكان أتفههم قسم ادعى المعرفة والعلم وعلم الجبر والحساب فاستنجد بالأرقام والرقم 19 بالذات لاستلهام البشائر منه بإعماله في عمليات حسابيه ساذجة على آيات القرآن الكريم ليصل من خلال ذلك إلى ما افترضه من نتائج مُسْبَقة. ويحضرني في هذا المقام قول الشاعر:

وما هو إلا كفارغ بندقٍ =خلِيٌ من المعنى ولكن يُفرْقِعُ

كل هؤلاء وأولئك لم يأخذوا الأسباب بمسبباتها، ولم يتنبهوا إلى ضرورة تحقق شرط الصلاح فيمن يمن الله عليهم بالنصر، مما ورد صراحة في آيات القرآن الكريم، فخالفوا طريقة الإسلام في التفكير والعمل، وضلوا السبيل وأضلوا عباد الله ممن انبهر بمعلوماتهم وظنهم رسلاً وملائكة مبشرين، لذا فعندما وضعت الحرب أوزارها بهت وصعق هؤلاء وأولئك وظهر غباؤهم، ولم يبقى إلا إرسالهم للمصحات النفسية، وقسم قلب يديه مطلقاً الآهات والزفرات والسباب واللعنات والكلمات الجوفاء التي ربما قادته للكفر أو كاد، والسبب في ذلك أنهم أعموا أنفسهم عن الالتزام بطريقة الإسلام الوحيدة في التفكير والعمل، وأطلقوا لأوهامهم وأحلامهم وأرقامهم الحسابية العنان.

الآن والحرب الصليبية على أرض السواد قادمة لا محالة ، وتعاون حكام المسلمين العملاء مع الصليبيين قد ظهرت للعيان بأبشع وأحط صورها، فالنتيجة محققة لا تحتاج إلى بحث. وقد بدأ استنجاد البعض بالبشائر والتنبؤات والأرقام بدون إعمال نظرية الأخذ بالأسباب والمسببات والإرهاصات، وقسم يدعي استلهام البشائر من أحاديثه مع ملائكة الرحمن هذه المرة وليس مع الجان!!! فما يغلب على الظن أن النكسة النفسية التي ستلحق بالأمة نتيجة الحرب ستكون بالغة، لأن نتيجة المعركة محتومة بحيث ستصل إلى ما يقارب وصف القارعة، لذا وجب أن ينبه المسلمين لذلك، وأن يتقيدوا بطريقة الرسول في التفكير والعمل، وفي موضوع الإرهاصات والبشائر والمعوقات بالذات. وأنبه هنا إلى ما يلي بما يتصل بالموضوع بصورة مباشرة أو غير مباشرة:

01.أن كلمة ( يا مسلم، ياعبد الله ) الواردة في حديث ( ستقاتلون اليهود وتقتلونهم ) لا تعني إلا خليفة المسلمين وخليفة المسلمين فقط، لذا لن يتأتى قتال يهود وقتلهم إلا بوجود الخليفة المسلم الذي يطبق شرع الله ويقيم حدوده، والذي سيعلن الجهاد لقتال الكفار وتحرير البلاد والعباد وللانتقام لحرمات الله.

2.واقع الأحلام الجاري حدوثه هذه الأيام أن الشخص عندما يرقد في فراشه، يكون تحت تأثير أفكار وتنمنيات بحيث ستتحكم سلفاً في نوعية ونتيجة أحلامه التي ستأتي، لذا فإنّ تلك الأحلام ستكون متطابقة مع ما استولى عليه من رُغبات وتمنيات واستمرار لها، وتلك الأحلام في غالبها أتت لتثبيت ما تمنى ذلك الحالم من أماني ورغبات في يقظته، ومنها آمال ورغبات ايجابية ممكنة التحقق، في حين أن معظمها خيالية صعبة التحقق أو مستحيلة التحقق، مع ملاحظة أن قسم من الناس يقوم بالأحلام حتى وهو يقظ.

3..أرى في منع الرسول صلى الله عليه وسلم أجرة العراف والكاهن، وتحريمه تصديق العراف والكاهن، أرى في ذلك تحريماً لقراءة واقتناء كتب التنجيم والتنبؤات وتصديقها.

4..احتوت بعض كتب البشائر المطبوعة في مصر، تثبيتاً لآيات الله وأحاديث رسوله بمقارنتها بنصوص وردت في كتب الديانات الأخرى مثل نصوص التوراة وأقوال أشعيا، وأرى في ذلك مخالفة شرعية، فنحن لسنا بحاجة لإثبات صدق الله ورسولة بطريقة مقارنتهم بأقوال الديانات الأخرى، وأرى أن أمثال تلك المخالفات الشرعية قد تصل لدرجة الكفر والعياذ بالله تعالى.

05.بالنسبة لكتاب ( انجيل برنابا ) فقد جرى تهريبه من مكتبة بابا الفاتيكان عن عمد، بهدف إيصاله للمسلمين لأن به ما يوافق عقيدتهم من إنكار صلب السيد المسيح عليه السلام، والبشرى بإرسال رسول من العرب، ومرادهم من ذلك تصديق هذا الكتاب في الأمور الأخرى، علماً بأن الكتاب هو أحد الأناجيل المزورة والمعتمدة من كنيسة روما، فوجب الحذر من الانسياق وراء هذا الكتاب أو غيره من الكتب، وقد منع رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة كتب النصارى واليهود حين قال لعمر بن الخطاب مستهجناً قراءته صحيفة من التوراة بقوله: ألم آتِ بها بيضاء ناصعة يا عمر!!

06.أما بالنسبة لكتاب ( بروتوكولات حكماء صهيون ) فقد كتبه شياطين وحاخامات يهود، وتعمدوا تسريبه خلسة للمسلمين، بهدف تخويفهم وإرعابهم وليروا في يهود قوة خفية خارقة، وكان ما كان حيث انطلت الخديعة على نفر من بسطاء المسلمين، الذين طفقوا يطبعون ويوزعون الكتاب، وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعاً، أو أنهم أحضروا رأس كليب!!! ومما يعزز ما ذهبت إليه أن تلفزيون مصر وفضائيات عربية أخرى قامت بأعداد حلقات تمثيلية تلفزيونية عن الكتاب وعن طريقة الحصول عليه باسم ( فارس بلا جواد ) بطولة محمد صبحي، وقبل إذاعة الحلقات أقامت المخابرات ووسائل الإعلام اليهودية والأمريكية زوبعة حول الحلقات متهمة إياها بمعاداة السامية، على أن فضائية مصر وبعض الفضائيات الأخرى أصرت على إذاعة الحلقات في حين تراجعت فضائيات عربيه أخرى عن ذلك نتيجة الزوبعة اليهودية الأمريكية!!! في حين أننا نعلم أن فضائية مصر والفضائيات العربية الأخرى التي أذاعته لا تحتاج إلى أكثر من أمر من مخابرات يهود أو المخابرات الأمريكية لو كان الاعتراض عليها حقيقياً، مما يؤكد أن الزوبعة في فنجان، والقصد من الحملة على التمثيلية هي لدفع المشاهدين لمشاهدتها، وللفت الأنظار ثانية لقراءة الكتاب في هذا الظرف بالذات، وبنادق يهود تقتل المسلمين في فلسطين، وآليات يهود تدمر بيوتهم على رؤوسهم، وتقتلع أشجارهم، لزيادة الرعب بين المسلمين، ولإعطاء يهود وكيانهم صورة القوم المتحكمون في العالم أجمع، والكيان الذي يصعب الوقوف أمامه، خاصة وقد أعلنها أبو جهل وأبو لهب وأبو رغال من حكام المسلمين في مؤتمر بيروت أن السلام خيار استراتجي!!!

07.أما كتاب ( تنبؤات فوستر أداموز ) فأداموز هو كاهن صليبي كافر يعتمد على نصوص ما يسمى ( الكتاب المقدس ) وينشرها ويبشر بها، وهو من عداد الكتب الدينية الكافرة المعتمدة على التنبؤات المحرمة شرعاً، فوجب التنبيه على خطورة الإنجرار واللهث على اقتناء تلك الكتب الدنسه، وان ما ورد ذكره في الكتاب المذكور وتركيزه على النصر الآتي بقيادة الآشوري، والكتب الأخرى المشابهة التي تذكر أن النصر آتٍ بقيادة السفياني، المقصود من أمثال تلك التنبآت هو لتحويل المسلمين للهث وراء ما يسمى بالآشوري أو السفياني أو أو أو… بدل التوجه الصحيح المطلوب منهم في مفهوم حديث: ( ستقاتلون اليهود وتقتلونهم.. ) وهو العمل على إيجاد خليفة المسلمين الذي يتحقق به وبه وحده مفهوم الحديث الشريف من انتصار المسلمين على الكفار سواء اليهود أو غيرهم، ولا يمكن بحال تحققه على يد غيره من المسلمين، علاوة على أن من يُشير إليه أداموز وغيره سواء الآشوري أو السفياني هم كفار.


  • كتب هذا البحث قبل حرب الخليج الأولى.

  • بسام جرار ? عجيبة تسعة عشر بين تخلف المسلمين وضلالات المدعين.

  • كتب هذا البحث قبل حرب الخليج الأولى.

  • هذا القسم من البحث تم كتابته قبل الغزو في أوائل شهرآذار سنة 2003م.

  • د. عبد الناصر مدبولي الخضري ـ الحرب العالمية الثالثة بين الاسلام والغرب.

ـ أنظر أيضا : د. فاروق الدسوقي. البيان النبوي بدمار إسرائيل وتحرير الأقصى. طبعة الولى 1418هـ/1198م.

**بالرغم من كل ما سبق من ضرورة تنقية التكتلات السياسية القائمة على أساس الإسلام، والسائرة نحو هدف إجتثاث الفساد من المجتمع وقيام مجتمع اسلامي خلاق ومبدع على أنقاضه، تنقيتهم من كل الأفراد الذين يشكل وجودهم فيه ضررا على التكتل ونقائه، إلا أني أرى أن واجب التكتل هو المعالجة والتقويم قبل الكسر، وكما أن الكي آخر العلاج، فالبتر هو آخر الطرق التي ينبغي أن يسبقها محاولة التقويم والمثابرة عليها، فتكتل يسعى لإصلاح أوضاع مجتمع لا نسفه، أحرى به أن يقوِمَ اعوجاج أفراده لا كسرهم وتعقيدهم وإعانة الشيطان عليهم، وتحويلهم إلى خصوم وأعداء. وكما أن الله تعالى قد جعل التوبة ماسحة للذنوب، فوجب علينا أن نقبل من أكثر الشباب اعوجاجا توجههم نحو الصلاح وانصلاح الأحوال، لا بل من واجبنا دفعهم لذلك ومساعدتهم فيه. فغير مقبول من التكتل أن من كان مظنة اعوجاج أو انحراف أو سوء سلوك أن يُعْمَلَ على بتره وتعقيده وإبقاء المجهر مسلط عليه والسيف مشهر في وجهه والنطع جاهز لاستقبال رأسه، إن أبدى الرغبة في إصلاح حاله وتقويم اعوجاجه. وأشير هنا أنه حتى كل من كان مظنة سوء من أفراد التكتل بقي في صفوف التكتل ولم توقع عليه عقوبة ما لأي سبب من الأسباب فانه محسوب على التكتل ما دام فيه، له عليه واجب الاحترام والرعاية الكاملة ما دام في التكتل، فلا تلصق على ظهره يافطة المتهم طيلة حياته، ولا يجوز بأي حال من الأحوال النظر إليه كمشبوه ومعاملته من هذا المنطلق، ليبقى بين صفوف التكتل قلقا طريدا منبوذا خائفا مرعوبا يشكو إلى الله ظلم مَن مِنَ المفروض أنهم أهله وإخوانه ورعاته وأمرائه !!! فإما فرد من الأفراد له كامل الحقوق والاحترام، وإما ليس من التكتل وخارج صفوفه ليس له عليه الواجب المكتسب. أما العضو الناقص العضوية فهي حالة نشاز معيبة في ذاتها وغير مسموح بها في التكتلات.

10.إن من المخالفات ما لا ينطبق عليها البند السابق ولا تندرج في نطاقه، فالشباب الذين تمردوا على التكتل أو عملوا على هدمه أو الإساءة إليه أو عملوا أو تبنوا أو حملوا خلاف متبنياته، لا مكان لهم في التكتل، وبالتالي الاحترام الواجب، وكذا مرتكب المخالفات الشرعية التي تخرج الشاب عن صفة الشخصية الإسلامية من شباب التكتل أو تبعده عنها أو تخالف صفته كحامل لواء التغيير وأصحاب السلوك المعوج الذين لا أمل في صلاحهم ومرتكبو الفواحش.

11.إن من الخطورة البالغة قيام المسئول بألكيل بمكيالين، بالتفريق في التعامل بين الشباب، بحيث يتم التهاون في التعامل مع مخالفات نوعيات وتبرير مخالفاتهم، مع التشديد في معاملة مخالفات شباب آخرين، وهذه الحالة توجدُ في الحزب مراكز قوى وأتباع ومحاسيب، وتحرف العمل الحزبي عن مساره. وقد عانينا من هذه المسألة سابقا أشد المعاناة قبل عاصفة النكث، وربما كانت تلك المسألة بالذات من عوامل شدة تأثير النكث… كما يفضل انتهاج آليــــــة سليمة ودقيقة في التعامل مع المخالفات وطريقة التحقيق فيها بحيث يراعى فيها الكياسة والفطنة والرغبة في الوصول إلى الحقيقة بغض النظر عن وجهة نظر المتحقق في الشخص المحقق معه والتجرد التام من قناعته الشخصية، وحتى التجرد من المعلومات السابقة.

12.قال تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم )، ومن مفهوم الآية الشريفة نرى أنه يُحظر على المسئول معاملة الشباب بفوقية وتعالي أو بفظاظة مهما كانت الحالات، وذلك أكثر ما يباعد بين الشباب وبين المسئولين ويخلخل الثقة والود بينهم ، ويبعد التعاون المنتج ويشكل حائلا أمام المصارحة المطلوبة المنتجة للتعاون. وقد يحول المسئول إلى شخص مرعب مرهوب الجانب، في حين أن المفروض أنه أخ وراعٍ ومقوم، مما يعيق العمل ويحرفه عن اتجاهه الصحيح. وأرى في مثل تلك الحالة أحد مقاصد ما ورد في كتاب التكتل الحزبي صفحة 53 : بالخطر الطبقي الذي يتسرب إلى رجال الحزب لا الأمة . كما أِشير إلى أن ثقة الأمة بالحزب وتقديرها له، ومدى الكسب الذي كسبناه على مدى سنين بما في ذلك كسب ثقة الناس واحترامهم وتأييدهم لنا ولفكرنا قد تحقق على يد أناس أشداء على الكفار رحماء بينهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود.

  1. لدى استعراض الأحكام الشرعية نجد أن الشرع قد خطّ معادلة دقيقة في كيفية التعامل بين الأفراد ومسئوليهم عموما في المجتمع والتكتل، وبيّن أن فساد المسئول أو انحرافه أو أخطائه في معالجة الأمور تشكل خطورة في سير الدعوة، لذا فيجب تمكين أفراد التكتل من محاسبة المسئول وتنبيهه إلى ما قد يصدر عنه من أخطاء في معالجاته أو طريقة تعامله مع شبابه، مع انتهاج أسلوب الأدب البالغ في التخاطب، بحيث تكون المحاسبة بقصد تقويم الاعوجاج وتصحيح الأخطاء، ويحظر أن يكون ذلك بالأسلوب الفظ وبغاية كسب المواقف والاحراج، أي يجب أن يكون ذلك من واجب النصيحة والحرص على الدعوة وسيرها، والاخلاص يوجب الطاعة الكاملة غير المنقوصة، ولا يجوز لأي من أفراد التكتل نزع يدٍ من طاعة أخذ برأيه ونصحه أم لا. رأى أن المسئول قد أحسن إليه أم أساء، أكرم أخوته أم جلد ظهره بالسياط، فرش له النمارق أم أعد له النطع، فله عليه واجب الرعاية والأخوة وتمكينه من المحاسبة، ولهم عليه واجب الطاعة الكاملة، فإن الله سائلهم يوم القيامة عما استرعاهم وعما ائتمنهم عليه.

.

في التَكَتُلْات وَحَمَلَةُ الْدَعْوَةُ وَ الْمُعَوِقاتْ

قال تعالى من سورة الفتح مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ وَالذينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تراهُمْ رُكعاً سُجَّداً يَبْتغونَ فضلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سيماهُمْ في وُجوهِهِم مِنْ أثرِ السُّجود.) وقال تعالى من سورة لقمان: (وإذ قال لقمان لابنهِ وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إنّ الشرك لظلم عظيم ) . ( يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إنّ الله لا يحب كل مختال فخور* واقصد في مشيك واغضض من صوتك إنّ أنكر الأصوات لصوت الحمير*)

من مفهوم الآيات الكريمات والتي فصلت وبينت وحددت شكل وهيئة التكتل الهادف وفصلت وحددت بصورة حصرية شكل ونوعية القائمين عليه المشمولين بصلاحيتهم لعملية التغيير المستحقين نصر الله دون سواهم من البشر، بل حتى دون سواهم من جماعة المسلمين:

  1. أوصاف حملة الدعوة كما ورد في خطبة أبي حمزة الشاري: (يا أهل مكة، تعيروني بأصحابي تزعمون أنهم شباب، وهل كان أصحاب رسول ألله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً ؟ نعم الشباب عمية عن الشر أعينهم، بطيئة عن الباطل أرجلهم، قد نظر الله إليهم في آناء الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن، إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه.). وفي خطبة أخرى له يقول: (ألا وان لله بقايا من عباده لم يتحروا في ظلمها، ولم يشايعوا أهلها على شبهها، مصابيح النور في أفواههم تزهو، وألسنتهم بحجج الكتاب تنطق، ركبوا منهج السبيل، وقاموا على العلَم الأعظم هم خصماء الشيطان الرجيم، بهم يصلح الله البلاد، ويدفع عن العباد، طوبى لهم وللمستصبحين بنورهم، وأسأل الله أن يجعلنا منهم.)

  2. وردت أحاديث عدة في الصحاح يذم الرسول صلى الله علية وسلم المتنطعين والمتفيقهين والمختالين والمنافقين… ويبشرهم بالهلاك وسوء الحال، وكذا فقد ذمّ الله تعالى من يُخالف سلوكه ما يحمل ويدعو له من فكر في قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، كَبُرَ مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) لذا فإن وجود أمثال تلك النوعيات بين حملة الدعوة يكون من المعوقات والموانع، ووجب أن يُحال بين تلك النوعيات وبين الانتظام في التكتل، لأنهم سَيَكونونَ عالة عَليه ما داموا على فسادِهِمْ وانحِرافِهم، معوقين للنصر والوصول إلى الهدف، ووجب أن ينقى التكتل منهم كما ينقي الكير الحديد.

  3. من المعلوم من الدين بالضرورة أن العقوبات جوابر وزواجر في الحياة العملية، أما في التكتل فبها ينقى التكتل مما علق به من الأدران والشوائب، ومن البديهي أن التقاعس في ذلك يكون من معوقات الوصول للهدف، لذا وجب أن يُحاسِب حامل الدعوة نفسه بعرض سلوكه على ألأحكام الشرعية وتصحيح المُعوَج منها، وإلا فعلى التكتل أن يعالج ذلك بالتنبيه أولاَ، وإلا فيعاقبه بما يستحق من أنواع المحاسبة، بما في ذلك الحرمان من الثواب بالطرد من التكتل، وبهذا يتم المحافظة على دوام أن يكون شبابه الصفوة المختارة والشامة التي لا تغيب عن البصر.

  4. من البديهي أن أي تكتل سيكون وبالاً على الأمة إذا وصل إلى قيادتها وبينه وخاصة في قياداته من يشك في إخلاصه وتقواه وورعه، لذا فأرى الحذر الشديد في اختيار الأفراد والمسؤلين على السواء، ومراجعة وضع كل من ينبه لمخالفاته وسلوكياته، وقد عزل الرسول والخلفاء من بعده الولاة لمجرد الشكوى منهم. وهو ما يسمى بالخطر الطبقي الذي يتسرب إلى رجال الأحزاب، لا الأمة.

  5. يجب التفريق بين الشخصية الإسلامية وبين حامل الدعوة، إذ الثاني حامل لواء تغيير، فلا يسري عليه ما يسري على الأول، بمعنى أن الثغرات في السلوك غير مستهجن وجودها في الأول لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: " كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون " ولقوله تعالى: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً " أما في الثاني فيُستهجَنُ وُجودها لمفهوم آية لقمان الواردة، ولأن فاقد الشئ لا يُعطيه، فلا يكون بين حملة الدعوة كاذب ولا منافق ولا خائن أمانة ولا من لا يراعي تقوى الله في سلوكه الشخصي، ولا مرتكب أي نوع من أنواع المخالفات الشرعية مهما كان نوعه، والناس لا يستهجنون المخالفات الشرعية أو السلوك المنحرف في أي شريحة من شرائح المسلمين: لا يستهجنوها في المشايخ ولا في أفراد التكتلات الجمعية حتى في تلك المنتسبة اسماً للإسلام، بل يستهجنون ذلك في أفراد الأحزاب السياسية .

06.في قول لأحد الفقهاء " إذا رأيتموني أنازع جاراً أو قريباً فاشهدوا لي بالجنون واكووا رأسي بالنار " وهذا القول يعني مدى فهم ذلك الفقيه لمعنى الجوار في الإسلام، ولمعنى صلة الرحم في الإسلام، ويعكس لنا مدى تقدير ذلك الفقيه لمركزه كفقيه ينظر إليه الناس بتلك ألصفه ألمميزه، فكيف يأخذ الناس علمهم من فقيه دَعِيٌ منحرف أو صاحب مشاكل؟. وبناء عليه فلا مكان في التكتل لدائم الخلاف مع أهله وجيرانه وزبائنه، ولا مكان في التكتل لصاحب المشاكل مع المتعاملين معه، ثبتت عليه المخالفة أم لم تثبت، لأن كثرة مشاكله تعني انحرافه بتواتر المعنى، وتعني بالتالي أن أمثال هذا يشكل مسبة في جبين التكتل.

  1. ليس المقصود بالحالات التي سقتها شخصاً بعينه أو أشخاص مشخصين، بل حالات وجدت أو أمكن وجودها بين البشر، بعد دراسة مستفيضة لنفسيات البشر، وباستعراض بعض الحالات التي مرت في تاريخ التكتلات،

  2. أنه من البديهي أن عمل حامل الدعوة الأول والأهم هو أعمال الدعوة، لذا وجب أن يبرز الشباب في المجتمع بصفتهم الحزبية، من الامتثال والتقيد التام بالأحكام الشرعية وكل ما يفرضه بالضرورة انضمامه لهذا التكتل، فيكون حكمه على الوقائع الجارية في مجتمعة منسجماً مع ما يحمل من فكر، ومن البديهي أن أعماله جميعاً ستكون منطبقة ومتوافقة مع فكره، ويجب أن يبرز ذلك فيه، وأن يبرز الشاب في مجتمعة بصفته حامل دعوة وليس بأي صفة أخرى. ومما هو معلوم بالضرورة حتمية أخذ كل شاب الدور القيادي الرائد في تبني مصالح الوسط الموجود به من عائلته إلى الحي القاطن به وصولاً للبلد والولاية التي هو بها، وأن يُراعى في ذلك أن يكون هذا الدور منسجما مع فكره، وأن يعطى الانطباع لدى الناس أن تحرك هذا الشاب هو بصفته الحزبية وليس بصفته الشخصية، وينطبق ذلك على أعمال " رجال الإصلاح " من الأفراد الحزبيين الذين يتبنون حل المشاكل العشائرية بين الناس، فهم أولى الناس في تحري الحق والحق وَحدَه في حلّ المشاكل، وعدم مخالفة طريقة الإسلام بتاتاً في ذلك مهما كانت الظروف، ولا ينسوا بتاتاً من أنهم كحزبيين يجب عليهم العمل على تغيير الواقع بما يحملون من أفكار لا أن يكونوا من جنسِ الواقع، فيقومون بتغيير قوانين وأعراف وعادات المجتمع الفاسدة بفكرهم لا العكس، وأن يَبرُزَ بين الناس أن توجههم هذا هو بصفتهم الحزبية وليس الشخصية. ومن البديهي أن حامل الدعوة متحدٍ سافر يتحدى أفكار المجتمع المغلوطة، وعاداته الفاسدة، وشرائعه وعقائده الكافرة، لا يُداجي في ذلك ولا يُهادن، وليس من طريقته التدرج في تطبيق الأحكام أو التكيف مع المجتمع وواقعه المخالف لفكره، وخلاف ذلك يكون غير أهل للانتظام في تكتل حزبي انقلابي، وحبذا لو جلس في بيته فأراح واستراح.والمراد من ذلك كثرة الإنتقادات التي توجه لبعض رجال الاصلاح من انتهاج أساليب خاطئة وممجوجة في أثناء قيامهم بحل مشاكل الناس، من ضغط على الضعيف لصالح القوي، مع القناعة بأن الضعيف هو صاحب الحق، وأحيانا سكوت عن منكر وكذب ونفاق بحجة إسكات فتنة. سالكين طريق " نبل الغاية يبرر نوع الوسيلة " مخالفين قاعدة " الوسيلة إلى الحرام حرام ".

يتبع بعون الله

الارهاصات والبشائر والمعوقات

حاتم ناصر الشرباتي/ أبو ناصر

مُقَدِّمَة

بسم الله الرحمن الرحيم

نحن في هذا الوقت العصيب في حاجة ماسة للأمل بنصر الله أولا، والتمسك بحبل الله والتقيد بما تمليه علينا عقيدتنا من انتهاج طريقة توقيفية لا يجوز العمل بخلافها أو اجتهاد غيرها، وإلا نكون قد تهنا في متاهات السُبُل المُبعدة عن سبيل الله، ومن مستلزمات الطريقة أنها أوكلتنا الإبداع في اجتهاد الوسائل والأساليب المناسبة لكل أمر وحادث وعمل يطرأ على أن تكون من جنسها، لذا اقتضى أن يتمتع حامل الدعوة الساعي للتغيير بعقلية سياسية واعية ومستنيرة، وأن لا يتوانى طرفة عين عن تحليل سياسي واعٍ لكل ما يستجد من وقائع وأحداث، رابطا إياها بمعلوماته الدقيقة عن واقع الخارطة السياسية والمواقف الدولية والتغيرات التي قد تطرأ عليه من تعديلات لسبب أو آخر ووجهة نظره المتبناة.

وبناء عليه فإن من لوازم الاعتقاد وصحة التحليل السياسي وسلامة القرار: إقران الأمَل بقاعدة ربط الأسباب بمسبباتها، والأمل إذا زاد عن حده أو كان في غير موضعه انقلب إلى ضده، فلزم أن نعود إلى دراسة وإعادة نظر في واقع الإرهاصات والبشائر، وعليه أرى من الضرورة التفريق بين الإرهاصات والبشائر، من منطلق تعريفيهما وواقع كل منهما، إذ أن الإرهاصات تعني الدعائم، والبشائر هي الأدلة وما يستأنس به. ومفهوم ذلك أن الأولى تؤثر تأثيراً مباشراً على العمل ودعمه ونجاحه، والثانية نفسية لا تؤثر تأثيراً مباشراً على العمل.

وهذا يعني أن على حملة الدّعوة العمل الجاد لإيجاد الإرهاصات التي لا يتحقق حُسن العمل إلا بالعمل على إيجادها، ولا يتحقق الهدف إلا بالعمل الجاد لإيجادها. في حين أن البشائر يُستأنس بها فقط وقد تتحقق، وممكن أن لا تتحقق، وغالبها ـ أي البشائر ـ أتى في ظلال أحاديث تتناول الإخبار عن علم الغيب، وأحاديث علم الغيب لم يحدد منطوقها لها زمناً محدداً. أو أتت من خلال استنتاجات سياسية قد تتغير معطياتها أو نتائجها.

علاوة على أن الاستنتاجات السياسية قد تؤدي إلى نتائج خاطئة إن استندت إلى قواعد أو معطيات خاطئة أو تحليل سياسي غير دقيق. مثال ذلك أن البعض يرى في مشاكل الاقتصاد الأمريكي من البشائر، في حين يرى آخر أن مشاكل الاقتصاد الأمريكي نذير سوء، إذ هو أحد عوامل تطلعهم إلى حرب المسلمين لتحسين اقتصادهم باستيلائهم على موارد البلاد وتحكمهم المباشر بها.

.قد يقال أن البحث جدلي أي بحث عقيم لا يؤدي إلى نتائج، ولكني أرى فيه خِلافَ ذلك، فأرى فيه نقاشاً هادفاً لا بد منه لضمان حُسن العمل، وللحيلولة دون تأخر النصر والانتكاس، خاصة وأن المؤشرات تنبئ بمصائب وكوارث قد تلحق بالأمة نتيجة الحروب الصليبية القادمة التي يستعد لها الكفار يُساندهم جميع حكامنا في العالم الإسلامي لضرب الإسلام والمسلمين والعمل الإسلامي بدءً بأرض العراق وأفغانستان، نسأل الله تعالى أن يجنبنا الشرور والمكارة والأهوال، وأنبه في هذا المقام أن من الانتحار السياسي أن نكونَ كالنعامة تدفن رأسها بالرمال مظنة ألا يراها الصياد، فلا نعطي هذا الموضوع حقه من النقاش الهادف البعيد كل البعد عن الجدل العقيم الذي نسأل الله تعالى أن يجنبنا انتهاجه، وأن نكون من الباحثين عن الحقيقة، الممتثلين بما يمليه علينا واجب الامتثال للشرع، الذين يصفهم شوقي في قصيدة " الخلافة الإسلامية ":

وَمِنَ ألرِجالِ إذا انبريت لَهَدْمِهِم = هَرَمٌ غليظَ مَنـــاكِبِ الصفاحِ

فإذا قذفتَ الحَقَ في أجــلادِهِ = ترَكَ الصًِراع مُضَعْضَعَ ألألواحِ

وبالرغم من كل البشائر ـ سواء البشائر النقلية أو البشائر الحسابية ـ فإن لم تستوف الشروط المطلوبة في العاملين وعملهم وإعدادهم فلن يتحقق الهدف بالرغم من كل البشائر، والبشارات.ودليل ذلك مفهوم آية: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يُشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) ومفهوم المخالفة للآية أن الوعد ليس لغير الذين أمنوا وعملوا الصالحات حقيقة، فأتى وصف الجماعة الموعودة شرطاً لازماً لتحقق الوعد، فلا يكون الاستخلاف والتمكين وتبديل الخوف بالأمن إلا لمن يستحقه، والاستحقاق مشروط صراحة في سياق الآية.

.لذا يجب أن تقرن دراسة الإرهاصات والبشائر بدراسة " العقبات والموانع " ونتبحر في دراستها، ونواصل إعادة النظر في عملنا وفي تركيبية تكتلنا، وفي أفكارنا المطروحة وتنقيتهم من الشوائب لاتصالهم المباشر لا بل تحكمهم في الإرهاصات والبشائر، ونحول بين المعوقات والموانع وبين تأثيرهم السلبي على العمل، وأن يُقرن البحث بالمعوقات والموانع بالبحث في الإرهاصات والبشائر، والعمل على الحيلولة بين الأولى وبين أن تؤثر على عملنا، بنفس القدر الذي نبحثه في إيجاد الإرهاصات والإستأناس بالبشائر.

أرى في مسألة " إعادة النظر " الحرص المطلوب للمحافظة على التكتل ونقاء أفكاره وقيمه الذاتية، علاوة على أنها حكم شرعي نبه الله تعالى رسوله الأمين لإعمالها في مناسبات عدة في القرآن الكريم، منها: ( عَبَسَ وَتوَلّى أن جاءهُ الأعمْى، وما يُدريك لعله يزكى، أو يَذكرُ فتنفعه الذكرى، أمّا من استغنى، فأنت له تصدى.) وقوله تعالى: ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.) وقوله تعالى ( ولا تقولن لشئ إني فاعلٌ ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا. ) وقوله تعالى( عفا الله عنك لِمَ أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين.)

كما أنها قد جاءت في إجماع الصحابة في مواقف عدة: منها طلب أبي بكر من عمر إعادة النظر في موقفه من نفيه لموت الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطبا عمر والمسلمين: ( من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.) وحين خاطب عمر أيضا في واقعة الردة بعد ذلك أجبارٌ في الجاهلية، خوارٌ في الإسلام يا عمر؟ والله لو منعوني عقال بعير كانوا يٌؤدونهُ لرسول الله لجاهدتهم فيه. ) وما ذلك إلا طلب إعادة النظر في مواقف وآراء.

في أحد معارك المسلمين وعندما لم يتمكنوا من فتح أحد الحصون، طلب قائد الجيش البحث عن سنة مغيبة ربما غفلوا عنها، وبسببها ربما تأخر النصر، وعندما ظنوا أنه ربما يكون ترك السواك، وعندما بدأوا بالتسوك آذن الله بالنصر ودك الحصن… ليس مرادي في ذلك الدعوة إلى التسوك أو إطلاق اللحى ولبس الدشداشة وتغطية الرأس بالعمامة، بل إعطاء كل ما يمكن أن يكون معوقاً حقه من الدراسة والتمحيص وتحاشي ما نراه معوقاً، والعمل على إيجاد ما نراه داعماً وبذلك نكون قد أخذنا بقاعدة " ربط ألأسباب بمسبباتها "، وأخذنا الحيطة لأي أمر مهما صغر كان المفروض أن نأخذ به، أو أي أمر يقتضي اجتنابه وتحاشيه، وكل عقبة في طريقنا تعطل العمل أو تأخر الوصول إلى الهدف يجب تحطيمها، وذلك من دعاوى الكياسة والفطنة والوعي السياسي المستنير الذي ألزمنا بها الحكم الشرعي، والذي أوجبه علينا كوننا حملة دعوة ساعون للتغيير.جاء في الحديث الشريف ( أنت على ثغرة من ثغر اٌلإسلام فلا يُأتين بها من قبلك.)، فعدم توفر الوعي السياسي والكياسة والفطنة في حملة الدعوة يُؤدي إلى سلبية العمل، وربما فشله وتأخر وإعاقة الوصول للهدف.

الوجهاء

مُقَدِّمَة
بسم الله الرحمن الرحيم
الوجه من كل شئ أوله، ووجه النهار أوله، ومنه قوله:
من كان مسروراً بمقتل مالكٍ = فليأت نسوتنا بوجه نهار
ووجوه القوم سادتهم، واحدهم وَجْهٌ، وكذلك وجهاؤهنم، واحدهم وجيه، ورجل مُوَجَّهٌ ووضجيهٌ: ذو جاه، وقد وَجُهَ وَجاهةً وأوجّهَهُ: جعل له وجهاً عند الناس. وأنشد إبن بري لامرئ القيس:
ونادمت قيصر في مًلكه = فأوجهني وركبت البريدا
ورجلٌ وجيه: ذو جاه. وقد وَجُهَ الرَّجُل: صار وجيهاً أي ذو جاهٍ وقَدْر. وأوجهه الله : أي صار وجيهاً. ووجهه السلطان وأوجهه: شرَّفه. وأوجهته : صادفته وجيهاً .( وكله من الوَجه ) قال المُساور بن هند بن قيس بن زهير:
وأرى الغواني بعدما أوْجَهْنَني = أدْبَرْنَ ثُمّتَ قُلْنَ: شيخٌ أعور
ونخرج من ذلك بالمعاني الواضحة للوجيه: أنّه أظهر القوم، وأنه أكثرهم وجاهة ، وأنّه أكثرهم تأثيراً، وأنه أصوبهم رأياً، وأنه المقدم عندهم ، وأنّه أحد أهل الحل والعقد، وأنّه الفاعل المتنفذ في قومه.
وكلّ تلك المعاني هي من المعاني المشتركة بين الرجال والنساء، لا يختص بها الرجال وحدهم، فعائشة أم المؤمنين من وجهاء القوم، وهند بنت عتبة من الوجهاء، والخنساء من الوجهاء، وسجاح بنت الحارث كانت وجيهة في تغلب وربيعة واياد وشيبان حيث قادت ارتدادهم عن الاسلام في أوّل عهد أبي بكر، وشجرة الدّر زوجة الملك الصالح وجيهة في المسلمين حيث أدرات دفة الحكم فترة وفاة الملك الصالح، والملكة فكتوريا واليصابات واليزابيث كانوا وجهاء في الإنجليز، وكونداليزا رايس من الوجهاء ليس في أمريكا بل في العالم، والزباء كانت أوجه قومها، وجيهان زوجة السادات، في حين أنّ زوجة عبد الناصر لم تكن كذلك، وزينب الغزالي من الوجهاء، والدكتورة عائشة عبد الرحمن.
فكل من كان ذو وجاهة أو رياسة أو ذا تأثير أو صاحب رأي أو شهيراً فهو من الوجهاء رجلاً كان أو امرأة، لا فرق بينهما. وفي الاسلام قد أتت التشريعات والمخاطبات للرجال والنساء على حد السواء، ولم يفرق بين الرجل والمرأة في الخطاب والأفعال إلا فيما كان من خصوصياتهما التي لا يشارك الجنس منهم الآخر، كأعمال الحكم ألذي أختص بها الرجال فمنع على المرأة أن تقوم بأعمال الحكم، وأتت تشريعات خاصة للنساء بصفتهم نساء كأحكانم الحيض والنفاس والعورة وأحكام الحياة الخاصة والحياة العامة. لذا فيصح أن تكون المرأة وجيهة كما الرجل.
وهذا واضح كلّ الوضوح في الاية الكريمة التالية، وفي العديد من الايات المتشابهة، فالخطاب أتى بالأغلب للإنسان بصفته الانسانية بغض النظر عن كونه رجلاً أو أمرأة، فكلاهما مطالب بالتشريع، وكلاهما يخضع لنفس القواميس، وكلاهما يتأثر بنفس المؤثر، وتكون نتيجة العمل آتية باتقان العمل من عدمه كائناً من قام بالعمل:
﴿إنّ المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات، والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيراً والذاكرات، أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً .﴾


الأحزاب : 35
تم نشر هذا الموضوع على حلقات في منتدى العقاب

www.alokab.com

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

( هذا بيانٌ لِلناس وَهُدىً وَرَحْمَةً وَمَوْعِظَةٌ للمُتقين * ولا تهِنواولا تحزنوا وأنتم الأعْلَوْنَ إن كنتم مُؤمنين * إن يَمْسَسْكم قَرْحٌ فقدمَسَّ القومَ قَرْحٌ مِِثلُهُ وتلكَ الأيام نُُداوِلُها بينَ الناسولِيَعْلَمَ الله الذينَ آمنوا وَيَتخِذً مِنْكُم شُهَداءَ وَالله لايُحبُّ الظالمين*وليمحص الله الذين آمنوا وليمحَقَ الكافرين * أم حَسِبْتُمأن تدخلوا الجنة ولمّا يَعْلمِ الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين )

_______________

( مِنَ المؤمنونَ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهدوا ألله عَلًيْه فمِنهُمْ مِنْقضىنَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلوا تَبْديلا * ليجزيَالله الصادِقينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبِ المُنافقينَ إن شاءَ أو يَتوبُعًلَيْهِم إن الله كان غفوراً رحيما * وَرَدَّ الذينَ كفروا بغيظَهَمْ لمينالوا خيراً وكفى الله المؤمنون القتال وكان الله قوياً عزيزاً )

_______________

( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كمااستخلف الذين من قبلهم وليمكنَنَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم منبعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يُشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فاؤلئك هم الفاسقون)

_______________

استعرضت بإعجاب بحث عن إرهاصات وبشائر النصر، فوجدتها موفقة في شحن العزائم وإحياء ميت الآمال، فبارك الله في كل من شارك بها. فنحن في هذا الوقت العصيب في حاجة ماسة للأمل بنصر الله أولا، والتمسك بحبل الله والتقيد بما تمليه علينا عقيدتنا من انتهاج طريقة توقيفية لا يجوز العمل بخلافها أو اجتهاد غيرها، وإلا نكون قد تهنا في متاهات السُبُل المُبعدة عن سبيل الله، ومن مستلزمات الطريقة أنها أوكلتنا الإبداع في اجتهاد الوسائل والأساليب المناسبة لكل أمر وحادث وعمل يطرأ على أن تكون من جنسها، لذا اقتضى أن يتمتع حامل الدعوة الساعي للتغيير بعقلية سياسية واعية ومستنيرة، وأن لا يتوانى طرفة عين عن تحليل سياسي واعٍ لكل ما يستجد من وقائع وأحداث، رابطا إياها بمعلوماته الدقيقة عن واقع الخارطة السياسية والمواقف الدولية والتغيرات التي قد تطرأ عليه من تعديلات لسبب أو آخر ووجهة نظره المتبناة.

وبناء عليه فإن من لوازم الاعتقاد وصحة التحليل السياسي وسلامة القرار:إقران الأمَل بقاعدة ربط الأسباب بمسبباتها، والأمل إذا زاد عن حدة أو كان في غير موضعه انقلب إلى ضده، وحتى لا نصل إلى الوضع الذي أعقب غزو العراق من قبل القوات الصليبية الذي بدأ يوم الخميس 17 ? 01 - 1991 م.، وحتى لا تتكرر لا سمح الله واقعة أحد الحالمين بعد أن استيقظ على هول الصدمة مترنحا هاذيا بقول مُنكر موصل للكفر إن لم تعقبه التوبة الصادقة: " أين هو الله الذي أصلي له ؟ "، لزم أن نعود إلى دراسة وإعادة نظر في واقع الإرهاصات والبشائر، وعليه:

01.أرى من الضرورة التفريق بين الإرهاصات والبشائر، من منطلق تعريفيهما وواقع كل منهما، إذ أن الإرهاصات تعني الدعائم، والبشائر هي الأدلة وما يستأنس به. ومفهوم ذلك أن الأولى تأثر تأثيراً مباشراً على العمل ودعمه ونجاحه، والثانية نفسية لا تأثر تأثيراً مباشراً على العمل.

وهذا يعني أن على حملة الدّعوة العمل الجاد لإيجاد الإرهاصات التي لا يتحقق حُسن العمل إلا بالعمل على إيجادها، ولا يتحقق الهدف إلا بالعمل الجاد لإيجادها. في حين أن البشائر يُستأنس بها فقط وقد تتحقق، وممكن أن لا تتحقق، وغالبها ـ أي البشائر ـ أتى في ظلال أحاديث تتناول الإخبار عن علم الغيب، وأحاديث علم الغيب لم يحدد منطوقها لها زمناً محدداً. أو أتت من خلال استنتاجات سياسية قد تتغير معطياتها أو نتائجها.

علاوة على أن الاستنتاجات السياسية قد تأدي إلى نتائج خاطئة إن استندت إلى قواعد أو معطيات خاطئة أو تحليل سياسي غير دقيق. مثال ذلك أن البعض يرى في مشاكل الاقتصاد الأمريكي من البشائر، في حين يرى آخر أن مشاكل الاقتصاد الأمريكي نذير سوء، إذ هو أحد عوامل تطلعهم إلى حرب المسلمين لتحسين اقتصادهم باستيلائهم على موارد البلاد وتحكمهم المباشر بها.

02.قد يقال أن البحث جدلي ? وقد قيل ? أي بحث عقيم لا يؤدي إلى نتائج، ولكني أرى فيه خِلافَ ذلك، فأرى فيه نقاشاً هادفاً لا بد منه لضمان حُسن العمل، وللحيلولة دون تأخر النصر والانتكاس، خاصة وأن المؤشرات تنبئ بمصائب وكوارث قد تلحق بالأمة نتيجة الحروب الصليبية القادمة التي يستعد لها الكفار يُساندهم جميع حكامنا في العالم الإسلامي لضرب الإسلام والمسلمين والعمل الإسلامي بدءً بأرض العراق، نسأل الله تعالى أن يجنبنا الشرور والمكارة والأهوال، وأنبه في هذا المقام أن من الانتحار السياسي أن نكونَ كالنعامة تدفن رأسها بالرمال مظنة ألا يراها الصياد، فلا نعطي هذا الموضوع حقه من النقاش الهادف البعيد كل البعد عن الجدل العقيم الذي نسأل الله تعالى أن يجنبنا انتهاجه، وأن نكون من الباحثين عن الحقيقة، الممتثلين بما يمليه علينا واجب الامتثال للشرع، الذين يصفهم شوقي في قصيدة " الخلافة الإسلامية ":

وَمِنَ ألرِجالِ إذا انبريت لَهَدْمِهِم هَرَمٌ غليظَ مَنـــاكِبِ الصفاحِ

فإذا قذفتَ الحَقَ في أجــلادِهِ ترَكَ الصًِراع مُضَعْضَعَ ألألواحِ

03.بالرغم من كل البشائر ـ سواء البشائر النقلية أو البشائر الحسابية ـ فإن لم تستوفى الشروط المطلوبة في العاملين وعملهم وإعدادهم فلن يتحقق الهدف بالرغم من كل البشائر، والبشارات.ودليل ذلك مفهوم آية: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يُشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) ومفهوم المخالفة للآية أن الوعد ليس لغير الذين أمنوا وعملوا الصالحات حقيقة، فأتى وصف الجماعة الموعودة شرطاً لازماً لتحقق الوعد، فلا يكون الاستخلاف والتمكين وتبديل الخوف بالأمن إلا لمن يستحقه، والاستحقاق مشروط صراحة في سياق الآية.

04.لذا يجب أن تقرن دراسة الإرهاصات والبشائر بدراسة " العقبات والموانع " ونتبحر في دراستها، ونواصل إعادة النظر في عملنا وفي تركيبية تكتلنا، وفي أفكارنا المطروحة وتنقيتهم من الشوائب لاتصالهم المباشر لا بل تحكمهم في الإرهاصات والبشائر، ونحول بين المعوقات والموانع وبين تأثيرهم السلبي على العمل، وأن يُقرن البحث بالمعوقات والموانع بالبحث في الإرهاصات والبشائر، والعمل على الحيلولة بين الأولى وبين أن تأثر على عملنا، بنفس القدر الذي نبحثه في إيجاد الإرهاصات والإستأناس بالبشائر.

05.أرى في مسألة " إعادة النظر " الحرص المطلوب للمحافظة على التكتل ونقاء أفكاره وقيمه الذاتية، علاوة على أنها حكم شرعي نبه الله تعالى رسوله الأمين لإعمالها في مناسبات عدة في القرآن الكريم، منها: ( عَبَسَ وَتوَلّى أن جاءهُ الأعمْى، وما يُدريك لعله يزكى، أو يَذكرُ فتنفعه الذكرى، أمّا من استغنى، فأنت له تصدى.) وقوله تعالى: ( يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.) وقوله تعالى ( ولا تقولن لشئ إني فاعلٌ ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا. ) وقوله تعالى: ( عفا الله لك لِمَ أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين. ).

كما أنها قد جاءت في إجماع الصحابة في مواقف عدة: منها طلب أبو بكر من عمر إعادة النظر في موقفه من نفيه لموت الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطبا عمر والمسلمين: ( من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.) وحين خاطب عمر أيضا في واقعة الردة بعد ذلك أجبارٌ في الجاهلية، خوارٌ في الإسلام يا عمر؟ والله لو منعوني عقال بعير كانوا يٌأدونهُ لرسول الله لجاهدتهم فيه. ) وما ذلك إلا طلب إعادة النظر في مواقف وآراء.

في أحد معارك المسلمين وعندما لم يتمكنوا من فتح أحد الحصون، طلب قائد الجيش البحث عن سنة مغيبة ربما غفلوا عنها، وبسببها ربما تأخر النصر، وعندما ظنوا أنه ربما يكون ترك السواك، وعندما بدأوا بالتسوك آذن الله بالنصر ودك الحصن…

ليس مرادي في ذلك الدعوة إلى التسوك أو إطلاق اللحى ولبس الدشداشة وتغطية الرأس بالعمامة، بل إعطاء كل ما يمكن أن يكون معوقاً حقه من الدراسة والتمحيص وتحاشي ما نراه معوقاً، والعمل على إيجاد ما نراه داعماً وبذلك نكون قد أخذنا بقاعدة " ربط ألأسباب بمسبباتها "، وأخذنا الحيطة لأي أمر مهما صغر كان المفروض أن نأخذ به، أو أي أمر يقتضي اجتنابه وتحاشيه، وكل عقبة في طريقنا تعطل العمل أو تأخر الوصول إلى الهدف يجب تحطيمها، وذلك من دعاوى الكياسة والفطنة والوعي السياسي المستنير الذي ألزمنا بها الحكم الشرعي، والذي أوجبه علينا كوننا حملة دعوة ساعون للتغيير.

جاء في الحديث الشريف: ( أنت على ثغرة من ثغر اٌلإسلام فلا يُأتين بها من قبلك.) ووصفوا المؤمن :frowning: المؤمن كَيّسٌ فطِن.) ، فعدم توفر الوعي السياسي والكياسة والفطنة في حملة الدعوة يُأدي إلى سلبية العمل، وربما فشله وتأخر وإعاقة الوصول للهدف.


  • النور 55.

عبس 1- 6.

  • الكهف 22 ? 23 .

  • التوبه 43 .

** مثال من السيرة على تأثير الوجهاء على الناسفي الرواية الطويلة عن اسلام سيدا بنو عبد الأشهل أسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي الله عنهما يقول ابن اسحق في سيرة إبن هشام : (… قال فقام " أي سعد بن معاذ " فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامداً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه القوم مقبلاً قالوا: نحلف بالله أنه قد رجع اليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة ، قال: فإنَّ كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تأمنوا بالله ورسوله، قالا: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا إمرأة إلا مسلماً ومسلمة…)

هذا هو المقصود بالوجيه والوجهاء وكما قالوا " سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة " فلا علاقة بين سن الرجل ووجاهته من عدمها، فالوجاهة تأتي بالفضل والبذل وسدادة الرأي وأهلية القيادة والريادة. وطريقة عمل وجهاء فعليون من الشباب - بغض النظر عن السن - تكون بتقوية النزعة القيادية لدى الشباب عموماً بتشجيعهم على القيام بذلك أثناء ممارستهم لأعمالهم اليومية وأعمالهم في الدعوة على السواء، فيحاول الشاب المبادرة لقيادة عائلته بطريق تبني حل مشاكلهم أو المشاركة فيها، ومشاركة عائلته فيما يجد بينها من سراء وضراء، وأن يجبرهم بالحكمة وبالأسلوب الجيد للرجوع إليه واستشارته فيما يجد من أمور في العائلة، ولا يتم ذلك إلا بالإخلاص والجدية والمشاركة بالرأي السديد المنبثق عن التقوى.

ولرب قائل يقول: أنّ إرسال مصعب ليثرب كان ليحمل الدعوة للقوم ، أو للعمل على أخذ النصرة ، وقد جانب صاحب القول الصحة في فهمه، والحقيقة أن ارسال مصعب بن عمير لم يكن لا لحمل دعوة ولا لإيجاد الرأي العام المنبثق عن الوعي العام، ولم تكن تلك من أهداف ومقاصد ارساله. فمصعب أرسل ليثرب لأجل تحفيظ المسلمين الداخلين في الاسلام أمور دينهم ليس إلا. ( أي مشرف حلقات بتعبيرنا اليوم ) وفي ذلك يقول ابن اسحق، فيما رواه ابن هشام في سيرته : ( … فلما انصرف عنه القوم، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يُسَمّى المقرئ في االمدينة مصعب. وكان منزله على أسعد بن زُرارة…).

على أنه رغم حصر مهمته بالتثقيف والتعليم فقد حدث تفاعل سياسي من القوم الذين لم يدخلوا الاسلام بعد ، فكان هناك استفسارات ونقاشات حامية الوطيس كانت من نتائجها كسب يتلوه كسب ، وقصة اسلام أسيد بن حضير مشهورة في كتب السيرة وكانت نتيجة تفاعل فكري ونقاش غير مقصود أثمر دخول سيد بنو عبد الأشهل في دين الله ، وفي ذلك يروي ابن اسحق : ( … فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل اليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فأصدق الله به، قال مصعب : إن يجلس أكلمه، قال فوقف عليهما متشتماً ، فقال ما جاء بكما الينا تسفهان ضعفاءنا.اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب : أوتجلس فتسمع فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره، قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس اليهما فكلمه مصعب بالاسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا - فيما يذكر عنهما - والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله. ثم قال: ما أحسن الكلام وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم الدخول في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل فتطهر وتطهر ثوببيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين. قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين… ) ثم كان ما كان من تأثيبره على سيد القوم الثاني - سعد بن معاذ… فمصعب لم يتقصد أسيد بن حضير ولا سعد بن معاذ وهما سيدا القوم بل كان تفاعل القوم مع مصعب هو الذي كان له التأثير المنتج للكسب لجسم فيما روته كتب السيرة. والله تعالى أعلم.

وقد يقول قائل بأن زوال كبار الوجهاء من الشيوخ أوجد بعض الفراغ القيادي في المدينة فكان هذا سبب ساعد الله فيه نبيه على تيسير أخذ النصرة من أهل يثرب، بمعنى آخر فوجود الوجهاء من الشيوخ يعتبر معيقا أمام الدعوة عادة ويؤيد هذا قوله عليه السلام: نصرني الشباب وخذلني الشيوخ، أو كما قال. وانظر موقف عبد الله بن سلول زعيم المنافقين الذي كان سينصب ملكا على المدينة وكيفية محاربته لدعوة الإسلام وهو من الوجهاء الشيوخ.

فكيف تربط ما تقول بما حدث في السيرة من إيجاد الرأي العام في المدينة وأخذ النصرة؟ بمعنى أن وضع المدينة كان ظرفا خاصا ربما لا يتكرر في الكثير من المجتمعات.

لتقريب الصورة يمكننا أن نضرب من الأمثلة الحديثة المشابهة بحال المدينة، ما حصل من إيجاد رأي عام للحزب في جمهوريات آسيا الوسطى وخصوصا أوزبكستان، وذلك بعد انهيار المبدأ الإشتراكي ووجود الفراغ الفكري والقيادي (الوجهاء)

وهذا الاستنتاج قد بني على الطريقة المنطقية التي تعتمد على مقدمة وفرض معقولات على معقولات، نخرج من التعامل معهم على نتيجة منطقية محتمة نتيجة الفروضات المسبقة ، والطريقة المنطقية أخي العزيز مرفوضة لدينا في الأبحاث الفكرية الهادفة لأنها تأدي إلى نتائج فرضتها المعقولات المفترضة.

فكون أن الفراغ القيادي في المدينة أنتج وحهاء من الشباب تجاوبوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وافتراضك أن وجود الوجهاء من الشيوخ كان معيقاً ليس في محلة ، وعبد الله بن سول ليس مقياساً يقاس عليه الوجهاء الشيوخ، فمن الوجهاء الشيوخ كان أسيد بين حضير وسعد بن معاذ الذين ناصروا وتابعوا عليهم رضوان الله، كما أن مجتمع مكة كان به من الوجهاء الشيوخ من قاوم الدعوة بكل قواه كأمية بن خلف وأبو لهب وأبو جهل، وكان به ( مجتمع مكة ) من الوجهاء الشيوخ الذين ناصروا الدعوة بكل طاقاتهم وامكاناتهم كأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والزبير بن العوام.

أما في آسيا الوسطى فالمتغير مجتمع ونظام وليس أفراد وجماعات ومراكز قوى ووجهاء ، أي أن انهيار النظام المتسلط أنتج مناخاً جديداً غريب على المنطقة مما كان له الأثر الفاعل في توجهات الناس الفكرية والسياسية الجديدة ، وليس تغير الوجهاء، والخطأ عندك في تحليلك لهذا الموقف بالذات افتراضك المبدأ الإشتراكي كقيادة فكرية للناس في هذه المناطق ( وجهاء ) فالفكر شئ وحامله شئ آخر وتزاوج الفكر الفاعل الصحيح مع الإنسان المؤهل للقيادة ( الوجيه ) ينتج التغيير الحقيقي والتغير الجذري في المجتمع ولا بد،وأقرب مثال على ذلك سعد بن معاذ ( الوجيه ) عندما حمل الفكر الفاعل ( الاسلام ) أنتج به تفاعلاً منتجاً كان من نتائجه دخول قومه جميعهم في دين الله .

أقصد بذلك ما جاء في الرواية الطويلة عن اسلام سيدا بنو عبد الأشهل أسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي الله عنهما يقول ابن اسحق في سيرة إبن هشام : (… قال فقام " أي سعد بن معاذ " فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامداً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه القوم مقبلاً قالوا: نحلف بالله أنه قد رجع اليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة ، قال: فإنَّ كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تأمنوا بالله ورسوله، قالا: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا إمرأة إلا مسلماً ومسلمة…)

**جاء في تفسيرابن كثير:

هَذِهِ بِشَارَة مِنْ الْمَلَائِكَة لِمَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَام بِأَنْ سَيُوجَدُ مِنْهَا وَلَد عَظِيم لَهُ شَأْن كَبِير قَالَ اللَّه تَعَالَى " إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِنَّ اللَّه يُبَشِّرك بِكَلِمَةٍ مِنْهُ " أَيْ بِوَلَدٍ يَكُون وُجُوده بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه أَيْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون وَهَذَا تَفْسِير قَوْله " مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه " كَمَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُور عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانه " اِسْمه الْمَسِيح عِيسَى اِبْن مَرْيَم " أَيْ يَكُون هَذَا مَشْهُورًا فِي الدُّنْيَا يَعْرِفهُ الْمُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ وَسُمِّيَ الْمَسِيح قَالَ بَعْض السَّلَف : لِكَثْرَةِ سِيَاحَته وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ مَسِيح الْقَدَمَيْنِ لَا أَخْمَص لَهُمَا وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا مَسَحَ أَحَدًا مِنْ ذَوِي الْعَاهَات بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى وَقَوْله تَعَالَى " عِيسَى اِبْن مَرْيَم " نِسْبَة إِلَى أُمّه حَيْثُ لَا أَب لَهُ " وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ " أَيْ لَهُ وَجَاهَة وَمَكَانَة عِنْد اللَّه فِي الدُّنْيَا بِمَا يُوحِيه اللَّه إِلَيْهِ مِنْ الشَّرِيعَة وَيُنْزِلهُ عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَاب وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا مَنَحَهُ اللَّه بِهِ وَفِي الدَّار الْآخِرَة يَشْفَع عِنْد اللَّه فِيمَنْ يَأْذَن لَهُ فِيهِ فَيَقْبَل مِنْهُ أُسْوَة بِإِخْوَانِهِ مِنْ أُولِي الْعَزْم صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ .مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } يَعْنِي بِقَوْلِهِ " وَجِيهًا " : ذَا وَجْه وَمَنْزِلَة عَالِيَة عِنْد اللَّه وَشَرَف وَكَرَامَة , وَمِنْهُ يُقَال لِلرَّجُلِ الَّذِي يَشْرُف وَتُعَظِّمهُ الْمُلُوك وَالنَّاس : وَجِيه ; يُقَال مِنْهُ : مَا كَانَ فُلَان وَجِيهًا , وَلَقَدْ وَجُهَ وَجَاهَة , وَإِنَّ لَهُ لَوَجْهًا عِنْد السُّلْطَان , وِجَاهًا وَوَجَاهَة . وَالْجَاه : مَقْلُوب قُلِبَتْ وَاوه مِنْ أَوَّله إِلَى مَوْضِع الْعَيْن مِنْهُ , فَقِيلَ جَاه , وَإِنَّمَا هُوَ وَجْه وَفَعْل مِنْ الْجَاه : جَاهَ يَجُوه , مَسْمُوع مِنْ الْعَرَب : أَخَاف أَنْ يَجُوهنِي بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا , بِمَعْنَى : أَنْ يَسْتَقْبِلنِي فِي وَجْهِي بِأَعْظَمَ مِنْهُ . وَأَمَّا نَصْب الْوَجِيه فَعَلَى الْقَطْع مِنْ عِيسَى , لِأَنَّ عِيسَى مَعْرِفَة , وَوَجِيه نَكِرَة , وَهُوَ مِنْ نَعْته , وَلَوْ كَانَ مَخْفُوضًا عَلَى الرَّدّ عَلَى الْكَلِمَة كَانَ جَائِزًا . وَكَمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ تَأْوِيل ذَلِكَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة عِنْد اللَّه , قَالَ فِيمَا بَلَغَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر . 5560 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { وَجِيهًا } قَالَ : وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة عِنْد اللَّه .

وجاء في تفسير الطبري:

وَأَمَّا قَوْله : { وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنَّهُ مِمَّنْ يُقَرِّبهُ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة , فَيُسْكِنهُ فِي جِوَاره , وَيُدْنِيه مِنْهُ . كَمَا : 5561 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ } يَقُول : مِنْ الْمُقَرَّبِينَ عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة . 5562 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ } يَقُول : مِنْ الْمُقَرَّبِينَ عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله .

أما ما جاء في سورة الأحزاب : ( 69)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجيهاً.)

فجاء في تفسيرها في ابن كثير:

وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الْمَنَاقِب عَنْ الذُّهْلِيّ سَوَاء إِلَّا أَنَّهُ قَالَ زَيْد بْن زَائِدَة وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى وَحُسَيْن بْن مُحَمَّد كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ السُّدِّيّ عَنْ الْوَلِيد بْن أَبِي هِشَام بِهِ مُخْتَصَرًا أَيْضًا فَزَادَ فِي إِسْنَاده السُّدِّيّ ثُمَّ قَالَ غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَوْله تَعَالَى : " وَكَانَ عِنْد اللَّه وَجِيهًا " أَيْ لَهُ وَجَاهَة وَجَاه عِنْد رَبّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ كَانَ مُسْتَجَاب الدَّعْوَة عِنْد اللَّه وَقَالَ غَيْره مِنْ السَّلَف لَمْ يَسْأَل اللَّه شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ وَلَكِنْ مُنِعَ الرُّؤْيَة لِمَا يَشَاء اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ بَعْضهمْ مِنْ وَجَاهَته الْعَظِيمَة عِنْد اللَّه أَنَّهُ شَفَعَ فِي أَخِيهِ هَارُون أَنْ يُرْسِلهُ اللَّه مَعَهُ فَأَجَابَ اللَّه سُؤَاله فَقَالَ " وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتنَا أَخَاهُ هَارُون نَبِيًّا " .

فالقاعدة أنّ كلُّّ من كان ذو وجاهة أو رياسة أو ذا تأثير أو صاحب رأي أو شهيراً فهو من الوجهاء رجلاً كان أو امرأة، لا فرق بينهما.والنبي وجيه بالمعنى الوارد ولما ورد في النص، أمّا وجاهة الآخرة فهي قبول الأعمال ورضى الله وهي تكون للرسل والأنبياء والصالحين من البشر. وحب الرياسة والوجاهة هي أمر غريزي في الإنسان نادراً ما يحبسه عنها حابس، أو يتخلف عنه متخلف… ومن حب الرياسة والوجاهة نزعة شريرة ممقوتة وموردة مورد التهلكه: من مثل الحاكم الظالم والعالم المنافق والدليل الكاذب والرئيس المتسلط وحب الظهور وانتفاخ الأوداج، ورئيس القوم المنافق المورد قومه مورد التهلكة… ومن حب الرياسة والوجاهة نزعة خيره وحميدة كالحاكم العادل والقائد الحكيم واالرائد لا يكذب أهله، والواعظ الأمين، والمفتي الصادق، والمستشار المؤتمن الأمين.

( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ المقربين. )


آل عمران : 45

الوجهاء وعناصر الوجاهةبتصفح القواميس تجد أن: الوجه : معروف ، وهو أول وأظهر الحسم،وجه النهار : أول النهار
من كان مسروراً بمقتل مالكٍ = فليأتِ نِسوَتَنا بوجه نهار
وجوه القوم : سادتهم واحدهم وجه، ووجهائهم واحدها وجيه.
والوجه: الجاه، ورجلٌ مُوَجَهٌ وَوَجيهٌ ك ذو جاه.وقد وُجِهَ وجاهة، وأوجهه: جعل له وجها عند الناس.
وأنشد ابن بري لمرئ القيس:

وَنادّمْتُ قَيْصَرَ في مُلْكِهِ = فَأوْجَهَني وركبتُ البريدا
ورجل وجيه : ذو وجاهةٍ، وقد وُجِهَ الرجًُلُ- بالضم - : صار وجيها أي ذا جاه وقدر، وأوجهه الله : أي صيره وجيهاً.ووجهه السلطان وأوجهه: شَرَّفَهُ. قال المساور بن هند بن قيس بن زهير:
وأرى الغواني بعدما أوجهنني = أددْبَرْنَ ثمّتَ قلنَ: شيخٌ أعورُ
مما يعني أن لا علاقة للغنى والفقر ، ولا بالسن بالوجاهة، وإن كانتا مما قد تُأثِرُ في تكون الوجاهة، والسيادة عنوان وصنو للوجاهة، فلوجيه من القوم هو المأثر فيهم والمحترم الرأي عندهم، ومن لوازم الوجاهة سدادة الرأي والبذل والكرم والعطاء مما يلزم السيادة والوجاهة والقيادة، وفي حالات لا يكون سديد الرأي وجاهة إن لم تكن لسديد الرأي عناصر الريادة الأخرى، أو إذا كان في قوم ليس عندهم الموازين الدقيقة للقيادة، فقد يقود القوم صاحب الرأي المعوج الصاحب الفطنة والحيلة في القوم السذج البلهاء، فالوجاهة تكون بالتأثير على الريادة والقيادة والقيادة والتوجيه. وابو جهل بن هشام وابو لهب وأبو سفيان كانوا وجهاء لأنه قد اكتملت لديهم عناصر التأثير والتوجيه على القوم ، بغض النظر عن أنهم أوردودوهم موارد التهلكة. وأبو سفيان كان وجيهاً في الجاهلية وجيها في الإسلام لأن عنصر الوجاهة والريادة متمثل به ، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ فقال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني ؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا».. قال الإمام النووي - رحمه الله -: «قوله (فقهوا) أي صاروا فقهاء وعلماء، والمعادن: الأصول، وإذا كانت الأصول شريفة كانت الفروع كذلك غالباً، والفضيلة في الإسلام بالتقوى، لكن إذا انضم إليها شرف النسب ازدادت فضلًا» .وبلال بن رباح وصحبه لم يكونوا وجهاء في الجاهلية رغم سدادة الرأي ، لإفتقارهم لعنصر التأثير على القوم ، الذي هو عين الوجاهة.
وبما أن التأثير هو عنوان الوجاهة، فمراكز النصرة هم من الوجهاء لأنهم يأثرون في قومهم وبناء عليه يملكون منعة من ناصروا، ةوالمطعم بن عدي هو وجيه من وجهاء الجاهلية ، لأنه صاحب تأثير، ولأنه يملك النصرة والمنعة، لذلك فبعد رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائف مخذولاً لم يستطع دخول مكة إلا باخذ الحماية من المطعم بن عدي الوجيه الذي يستطيع أن يجير ويحمي من يجير ، لأنه وجيه في قومه ويحسب له ولقومه الحساب ووجاهته تفرض على القوم احترام الحماية لمن أجار .
وسعد بن معاذ ان وجيهاً في يثرب، لأن له تأثير على القوم، وقصة اسلام دخول قومه بكاملهم في الاسلام لطلبه تعطي المثاللار كيف كانله التأثير على القيادة والرياسة والريادة والوجاهة، وكلهم بنفس المستوى، وكذلك أسيد يبن حضير، وأصحاب بيعة العقبة، أمّا مصعب بن عمير فقد كان عالماً سديد الرأي ، إلا أنه لم يكن له من عناصر التأثير ما يمكنه من وجاهة القوم بعد أن سحبت منه أمه الأهلية الاجتماعية بسبب اسلامه، فوجاهة أمه المكتملة العناصر من غنى وغيره أثر على القوم بحرمان إبنها الفاقد لعناصر التأثير من الوجاهة رغم سدادة الرأي وغزارة الرأي.
وخلاصة الأمر أن الوجاهة تعني نزعة التاثير والقيادة الممتثل لها من قبلوه وجيهاً لهم ، بغض النظر عن الغنى والفقر والسن، مع أن العادة أن سدادة الرأي والحكمة والغنى وكبر السن قد يكون لهم تأثير على الوجاهة، ولكن ليس كشرط.

ونخرج من ذلك بالمعاني الواضحة للوجيه: أنّه أظهر القوم، وأنه أكثرهم وجاهة ، وأنّه أكثرهم تأثيراً، وأنه أصوبهم رأياً، وأنه المقدم عندهم ، وأنّه أحد أهل الحل والعقد، وأنّه الفاعل المتنفذ في قومه.

وكلّ تلك المعاني هي من المعاني المشتركة بين الرجال والنساء، لا يختص بها الرجال وحدهم، فعائشة أم المؤمنين من وجهاء القوم، وهند بنت عتبة من الوجهاء، والخنساء من الوجهاء، وسجاح بنت الحارث كانت وجيهة في تغلب وربيعة واياد وشيبان حيث قادت ارتدادهم عن الاسلام في أوّل عهد أبي بكر، وشجرة الدّر زوجة الملك الصالح وجيهة في المسلمين حيث أدرات دفة الحكم فترة وفاة الملك الصالح، والملكة فكتوريا واليصابات واليزابيث كانوا وجهاء في الإنجليز، وكونداليزا رايس من الوجهاء ليس في أمريكا بل في العالم، والزباء كانت أوجه قومها، وجيهان زوجة السادات، في حين أنّ زوجة عبد الناصر لم تكن كذلك، وزينب الغزالي من الوجهاء، والدكتورة عائشة عبد الرحمن.
فكل من كان ذو وجاهة أو رياسة أو ذا تأثير أو صاحب رأي أو شهيراً فهو من الوجهاء رجلاً كان أو امرأة، لا فرق بينهما. وفي الاسلام قد أتت التشريعات والمخاطبات للرجال والنساء على حد السواء، ولم يفرق بين الرجل والمرأة في الخطاب والأفعال إلا فيما كان من خصوصياتهما التي لا يشارك الجنس منهم الآخر، كأعمال الحكم ألذي أختص بها الرجال فمنع على المرأة أن تقوم بأعمال الحكم، وأتت تشريعات خاصة للنساء بصفتهم نساء كأحكانم الحيض والنفاس والعورة وأحكام الحياة الخاصة والحياة العامة. لذا فيصح أن تكون المرأة وجيهة كما الرجل. وقوله تعالى :
( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ المقربين.)


شرح النووي على صحيح مسلم 16-78
آل عمران : 45

تفعيل دور الوجهاءوعلى هذا فيكون تفعيل دور الوجهاء في حمل الدعوة باتباع ما يلي:

  1. البروز في قيادة الناس في مصالحهم المعيشية.
  2. تبني المصالح الآنية للناس، وقيادة الناس لتحقيق تلك المصالح، وليس السير من ضمنهم.
  3. البروز في مشاركة الناس في مناسباتهم من أفراح وأتراح، ويمكن أن يقود الوجهاء بقية الشباب في وفود عامة لتحقيق تلك الغايات وللفت النظر إلى الصفة في تلك المشاركة.
  4. إصلاح ذات البين وحل المشاكل بين الناس بالأحكام الشرعية.
  5. بروز نخبة من الوجهاء وحملة الدعوة الفقهاء والمأهلين فقهياً، تتولى عملية التحكيم الشرعي في الخلافات بين الناس، مما يشكل منبراً لإبلاغ الناس بالأفكار والأحكام المتبناة .
  6. ألعمل على أن يكون حملة الدعوة وخاصة الوجهاء منهم هم العنوان الأول لعائلاتهم وأحيائهم وبلدهم، والعمل على تهميش دور الوجهاء التقليديين والفاسدين الذين هم من غير شبابنا، البعيدون عن تقوى الله في أعمالهم.
  7. التحدي السـافر للعادات والتقاليد البالية في المجتمع، والعمل على هدمها واستبدالها بالأحكام الشرعية، وعدم المهادنة في ذلك بهدف استرضاء الناس. وعلى الأقل إن لم نتمكن من القضاء على تلك العادات والتقاليد فيجب عدم استعمالها بأي حال وإن أصر الجميع على بقائها واستعمالها.
  8. تحرك الوجهاء في كل ذلك بمصاحبة الشباب العاديين، لإعلام الناس أن هذا التحرك هو تحرك حملة دعوة وليس شخصي، ولتمرين الشباب العاديين على القيادة، ولإبراز جيل جديد من الوجهاء بين حملة الدعوة من الشباب.
  9. البذل والعطاء في الحالات التي تتطلب ذلك، وعدم البخل والشح فيما يندب من أعمال.
  10. إبراز الوجهاء من حملة الدعوة بشكل واضح في واجهة المؤتمرات والندوات والوفود التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر والتي تتم من وقت لآخر .
  11. قيادة الوفود الآمرة بالمعرف والناهية عن المنكر ووفود المحاسبة، على أن يتم ذلك بالتنسيق المسبق والدقيق ، وعلى أن لا يكون ذلك بصورة مرتجلة أو بصورة فردية غير مبرمجة. وهذا يقتضي أيضاً مراقبة دقيقة لتحركات الوجهاء سواء في الوفود أو في أعمال الإصلاح وتصحيح ما ينجم عن تحركاتهم من أخطاء، وتوجيههم لأفضل السبل والأساليب التي يجب عليهم انتهاجها، لأن جميع أعمالهم وتصرفاتهم محسوبة على الدعوة عند عامة الناس، ومراقبة من الجميع أكثر من أعمال الشباب العاديين التي قد لا تلفت نظر الناس إليها في الغالب، وباختصار فالوجهاء وأعمالهم هي من العناوين المرجعية والمراقبة عند الناس، والتي تأثر بصورة مباشرة في المجتمع سلباً أو ايجاباً .
    لقد اقتصر فهم العامة من الناس أن الوجيه هو كبير السن الممثل قومه أو الآمر والناهي به ، وتعارف الناس على اعتباره كبير السن، فلا يدرجون من كان في ريعان الشباب في الوجاهة ، حتى وإن كان ذو رأي سديد ، وتأثير بليغ فيمن حولة، وهذا ما لا يتفق مع المعنى الحقيقي للوجيه والمقصود في البحث.
    جاء في لسان العرب: ( … ورجل وجيه: ذو وجاهة.وقد وَجُه الرجلُ بالضم : صار وجيهاً أي ذا جاه وقدر.وأوجهه الله أي صَيْرَه وجيهاً.ووجْهَه السلطان وأوْجَهَه : شَرَّفه…) فالوجيه من القوم هو صاحب الراي والبارز في قومه المتميز في تصرفاته والمُأثرُ في قومه.
    وقولك : ( فقد قتل فيه وجهاء الأوس والخزرج من كبار السن وتسلم القيادة في القبيلتين الشباب ) قد أصبت فيه عين المطلوب فقد استبدل تقتيل الناس في بعاث استبدال وجهاء بوجهاء غيرهم، وربما لو تكن بعاث لأستبدل القوم وجهائهم لظهور فئة جديدة من الوجهاء المفروض أن تستلم لميزات فيهم غير متوفرة في القدماء ( كبار السن ) فما ذكرته من الاستبدال يثبت عدم مصداقية حصر الوجاهة بسن معين، ويبقى الوجيه هو من توفرت فيه شروط الوجاهة من صواب الرأي والحكمة ومدى التأثير الفعلي على الناس، ومدى بذل النصح والخدمات للناس بصفته وجيهاً.