**لذا فلا يمكن أن تقوم العملية الصهرية بالوصول للإرتكاز والتمكين بلا نصرة، صحيح أن من نتائج بعث مصعب الخير للمدينة احداث تفاعل فكري أدى لرأي عام، وهو نتائج العملية الصهرية، إلا أن ذلك الرأي العام لم يكن هو ما أدى إلى التغيير، كما أن التعليم لط يأدي للتغيير، بل التغيير قد حصل بناء على النصرة، وبالنصرة تحقق التغيير وتحقق التمكين، ومع أن الرأي العام الناجم عن وعي عام لازم لزوماً أكيداً لتفاعل المجتمع مع الدعوة مما يعزز النصرة ويمكنها ويرسخها، ولهذا ارسل مصعب الخير ليعلم القوم ويكون الشخصيات الاسلامية الفاعلة التي ستعزز النصرة، وستذود عنها، وهذا ما كان.
وسؤال آخر في نفس المحور ايجاد الراي العام المنبثق عن وعي عام المقصود منه ايجاد مناصرين لمنهجية معينة في العمل و الدعوة .لذا نرى ان عمل مصعب كان لتثقيف من اسلم في المدينة . ولكن اسلام اسيد بن حضير لم يكن نتاج عمل مقصود من طرف مصعب .فكيف لنا ان نفسر انتشار الاسلام في المدينة , الذي كان لمصعب الاثر والدور المهم في ذلك ؟؟؟
مهمة مصعب في المدينة هي تعليم الداخلين في دين الله أمور دينهم، لهذ السبب أرْسِلَ للمدينة، وكما قلت في رد سابق: هناك فرق بين التقصد والنتيجة، وطبيعة المجتمع في المدينة كان مهيئاً للتفاعل مع دعوة هم بحاجة اليها، بناء على حاجتهم لها كانت النصرة والبيعة، ولنفس السبب كان الانتشار المذهل الذي تمّ في المدينة، فلا غرابة في هذا الانتشار الواسع بغير عمل جاد ومتقصد، مادام الرأي قد كان مهيئاً ومتفاعلاً مع الدعوة.
وسؤال آخر:الحقيقة، طرحت على أخ حبيب خلاصة هذا النقاش، فكان له رأي آخر، أحببت طرحه وأخذ رأي أستاذنا أبي ناصر فيه،الخلاصة فيه أن مسألة تغيير الرأي العام مسألة لا تبحث عند الحكم على عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تغيير المجتمع المكي ولا المدني إلى مجتمع إسلامي.
فأمر تغيير الرأي العام شيء، وأمر الدعوة، دعوة الكفار لتغيير دينهم شيء آخر.فلا يقال، بحسب كلام أخينا الكريم، تغيير رأي عام، لأننا إذ نقول تغيير رأي عام، فإننا نعني أن يكون لهذا الرأي أصل في المجتمع ويراد تغييره، كأن يكون لدى الناس فكرة عن أن الاسلام لا يصلح للحكم اليوم، فنغير هذه الفكرة بإيجاد رأي عام لفكرة أن الاسلام به يصلح الانسان. لكن استبدال عقيدة الاسلام بعقيدة الكفر لا يقال عنه إيجاد رأي عام للاسلام.وعليه فإن عمل مصعب الخير رضي الله عنه لم يكن لإيجاد الرأي العام ولا لتغييره بل هو دعوة للخير.فنحن إذن بحاجة لبلورة مفهوم الرأي العام عند الحزب لنقف على حقيقة ما نتحاور فيه، فعلى أي شيء يطلق الحزب: تغيير الرأي العام؟ ما الفرق بينه وبين تغيير العرف العام، والوعي العام؟
لا أتفق مع السائل وصاحب الرأي الآخر الذي جانب الصحة، فقد كان أهم مقاصد عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي تغيير المجتمع المكي والمجتمع المدني إلى مجتمع إسلامي، علاوة على دعوة الناس كافة للدخول في دين الله، لذا فقد عمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على تغيير الرأي العام في مكة والمدينة وايجاد رأي عام أنّ الوثنية وعبادة الأصنام لا تغني من الحق شيئاً، وضرورة تحول المجتمع من مجتمع شرك إلى مجتمع توحيد، وكلمة " ايجاد الرأي العام " لا تعني ما فهمت من أنها تصليح لفكرة موجودة عندهم أصلاً بتصحيحات وترقيعات لازمة لتغيير مواقف، لأنّ الحقيقة أن ايجاد الرأي العام تعني بالضرورة استحداث رأي جديد لم يكن موجوداً في المجتمع قبلها، وعلى سبيل المثال كان عمل حزب التحرير في مرحلة التفاعل مع الأمة ايجاد مفهوم مفقود في المجتمع ليوجد به رأي عام وهو مفهوم الخلافة الغير موجود وقتها، والغريب عن الناس، فأحدث التفاعل في المجتمع رأياً عاماً نتج عن وعي عام مستحدث لم يكن موجوداً قبلها. فدعوة الكفار للتخلي عما هم به من كفر والتحول لدين الله، تتضمن دعوة لتغيير العرف العام، ودعوة لتغيير المفاهيم والمشاعر والآ راء والأفكار والعقائد ونظام الحكم ، وباختصار تغيير كل ما في المجتمع وتحويله لمجتمع مختلف كلياً، فلا فرق بين العمل على تغيير العرف العام وايجاد الرأي العام، لأنّ كلاهما مرتبط بالآخر ارتباطاً لازماً . فتغيير التقاليد والأعراف مرتبط ولا بد بايجاد قناعات جديدة لدى الأفراد، تحولت بالتفاعل مع الناس لرأي عام بعد ايجاد القناعات ( الوعي الخاص ثم الوعي العام ) ، ومن هذا الرأي العام المستحدث يكون التأثير الملجأ لتغيير الأعراف والعادات والتقاليد وأنظمة الحكم ، وهذا يفسر واقع العملية الصهرية التي ستحدث الانقلاب الشامل في المجتمع ، انقلاب بكل العناصر اتلقائم عليها المجتمع.
=
=
ولجميع ما تقدم وجب أن نعود لدراسة واقع كل تلك التكتلات والجماعات والأفراد كل على حده، ومدى خطرها على الدعوة، ومدى عمالتها بصورة أو أخرى للكفر، ونوعية ارتباطها بأنظمة الحكم وأجهزة المخابرات، لكي نعمل على إزالة خطرها على الدعوة. ومن الممكن، بل من ألأفضل أن نقوم بواجب نصحهم وتنبيههم أولاً لخطورة ذلك وحُرْمُتِه، ومن ثم ـ إن لم يُغيروا خط سيرهم ويلتزموا بما يُمليه عليهم كونهم مُسْلِمين ـ تنبيه الأمة لخطر تلك التكتلات عليها، وأن نكشف للأمة واقع ارتباطاتها المشبوهة، وأنبه هنا أن العمالة للكفر وفكره لا يُشترط فيها التعاون المقصود من المتعاون معهم، بل قد يكون الشخص عميلا بغباء فاحش لجهله وسطحيته وعدم وعيه واستنارته، حتى أن بعضهم يحسب أنه يُحْسِنُ صُنعا.
_________________
