الإيمان بالقدر
الكاتب: ياسين بن علي
الإيمان بالقدر أي الإيمان بما قدّره الله سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ وبما علمه وحكم به، ركن من أركان العقيدة، لذا فإن المسلم يؤمن بالقدر خيره وشرّه من الله، ويؤمن أن لا شيء في الوجود يقع دون علم الله وتقديره، وأنّ ما شاء الله سبحانه كان، وما لم يشأ لم يكن.
والأدلة على وجوب الإيمان بالقدر كثيرة منها:
- من القرآن:
· قوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (51)} (التوبة).
· وقوله: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)} (الأنعام).
· وقوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)} (الحديد).
· وقوله: {وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)} (القمر).
- ومن السنة:
· حديث جبريل المشهور في تعريف الإيمان: “أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره”. (أخرجه مسلم)
· وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز”.
· وأخرج مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيّ خَيْرٌ وَأَحَبّ إِلَىَ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضّعِيفِ، وَفِي كُلّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَىَ مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللّهِ، وَلاَ تَعْجِزْ. وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنّي فَعَلْتُ كذا لم يُصبني كذا. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشّيْطَانِ».
· وأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قد قدرته ولكن يلقيه القدر وقد قدرته له أستخرج به من البخيل”.
· وأخرج مسلم والبخاري عن طاوس قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى”.
فالإيمان بالقدر واجب، وهو ركن من أركان العقيدة الإسلامية لا يجوز نكرانه. وهذا الإيمان بالقدر قد يكون مدعاة إلى الأمل في الحياة، وإلى الإقبال على هذه الدنيا بروح فاعلة إيجابية، وقد يكون أيضا مدعاة إلى الخمول والسلبية. فإذا أساء الناس فهم معنى القدر، وتمكنت في نفوسهم القدرية الغيبية، وتغلغل في وجدانهم الاستسلام لما يزعمون أنه مقدر عليهم ومكتوب لهم، فإنّ مفهوم القدر ساعتها يكون مدعاة إلى السلبية، والخنوع والخضوع، والتسليم بالواقع وإن كان فيه الذلّ والمهانة. وساعتها أيضا سنجد الناس يبرّرون فشلهم وسوء واقعهم بقولهم: “المقدر كائن”، “وإرادة الله في خلقه”، “وقدر الله ما شاء فعل”، والمكتوب على الجبين لازم تراع العين"، وغير ذلك من الأقوال والأمثلة التي تدلّ على الاستسلام لما هو كائن، وعلى الخضوع للأمر الواقع. وإذا استبدت هذه الأوهام بعقل الأمة، وتمكنت منها، وترسّخت فيها، بررّت ساعتها حكم الكفر، واغتصاب الأرض، وانتهاك العرض، وتدنيس المقدّسات، بأنّه مشيئة الله، وأنّه قدرنا الذي يجب أن نذعن له ونرضاه. وكأن الله سبحانه وتعالى يرضى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تحكم بالكفر، أو كأن الله سبحانه وتعالى يرضى أن تستعمر البلاد الإسلامية وتنتهك الأعراض والمقدسات، معاذ الله أن يرضى الله سبحانه وتعالى ما ارتضته النفوس المريضة والعقول التافهة.
والحقيقة، هي أن الله سبحانه وتعالى أراد بنا أشياء وأراد منا أشياء؛ فما أراده سبحانه بنا طواه عنا وأخفاه، وما أراده منا أمرنا به وأظهره. فنحن لم نطلع على قدر الله، ولم ننظر في اللوح المحفوظ؛ لأنه مطوي عنا، اختصّ الله سبحانه بعلمه، فلا نعلمه ولا يمكن لنا أن نعلمه. وأما ما أراده سبحانه منا فقد كلّفنا به، وأعلمنا إياه، فطلب منا القيام به، ورتّب عليه الثواب والعقاب.
إن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالإيمان بالقدر خيره وشره، ولكنه سبحانه لم يعلمنا بما قدره لنا في اللوح المحفوظ، ولم يطلعنا على ما كتبه علينا؛ لذلك فإن الاستسلام للواقع الفاسد بحجة القدر أمر خطير يناقض حقيقة الإيمان.
إنّ من يظنّ أنّ الإيمان بالقدر يعني الخنوع والخضوع للفساد والظلم، ويعني التواكل والخمول والعجز، فقد أساء فهم القدر؛ لأنّ من آمن بأن الله سبحانه وتعالى قدّر الشرّ، فعليه أن يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى قد قدّر أيضا الخير. لذلك، فالمؤمن الحقّ يحرص على دفع الشر بالخير، فيدفع قدر الاستعمار بالتحرير، ويدفع قدر الداء بالدواء، ويدفع قدر الفقر بالسعي، وقدر التخلّف بالتقدّم، وقدر الطاغوت بإزالته وتحكيم شرع الله.
ومن آمن بالقدر حقّ الإيمان لا يقنط من رحمة الله، ولا يحزنه ما فات، بل يتسلّى عنه بالقدر فيقول: “قدر الله وما شاء فعل”. قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)} (الحديد). إلا أنّ هذا بعد القيام بالفعل ومعرفة النتيجة، أم قبل ذلك فعلى الإنسان أن يأخذ بالأسباب والمسببات، وعليه أن يعلم أن الكون تحكمه نواميس وقوانين لا تتخلف عنه، لذلك فهو يسعى قدر طاقته لإتمام العمل والنجاح فيه. فإن نجح فهو قدر الله، وإن فشل، فهو قدر الله، فلا يحزن وليدفع قدر الفشل بالنجاح بالأخذ بالأسباب والمسببات.
إنّ الله سبحانه أمرنا بالإيمان بالقدر، فنؤمن أن الاستعمار قدر، ولكنّه أمرنا فقال: {انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41)} (التوبة)، وقال: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60)} (الأنفال).
والله سبحانه وتعالى أمرنا بالإيمان بالقدر، فنؤمن أن حكم الطاغوت قدر، ولكنه أمرنا على لسان نبيّه صلى الله عليه وسلم فقال: “لا يمنعن رجلا مهابة الناس (وفي رواية هيبة الناس) أن يقوم بحق إذا علمه (وفي رواية إذا رآه أو شهده أو سمعه)” (أخرجه أحمد في مسند أبي سعيد الخدري)، وقال: " إن أمّتي إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله منه بعقابه" (أخرجه بهذا اللفظ البزار في مسنده عن أبي بكر).
والله سبحانه وتعالى أمرنا بالإيمان بالقدر، فنؤمن أن فشو الفساد في المجتمع قدر، ولكنّه أمرنا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: " ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعزّ وأكثر ممن يعمله لم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب" (أخرجه أحمد عن عبيد الله بن جرير عن أبيه).
فالله عزّ وجلّ كتب في اللوح المحفوظ ما لا نعلمه، وكتب في القرآن ما نعلمه، فلنشغل أنفسنا بما نعلمه، ولندع أمر ما لا نعلمه إلى من يعلمه.