الإسلام وخَلق الإنسان

خَلــقُ الإنســـان في نصوص القرآن

إنّ القرآن الكريم ـ وهو المصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي ـ قد تناول قصّة خَلْق الإنسان، إبتداءاً من خلق جد البشرية آدم عليه السلام، وهو أول البشر على الإطلاق، مروراً بمن خُلِقَ بعده من البشر، وصولاً إلى محمد عليه الصلاة والسّلام وأمته الكريمة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإلى أن تكف الشمس والقمر عن الدوران، فألقى ظلالاً من نور ينير ظلام قلوب النّاس.

وفيما يلي من بحثنا سننعم في هذا الفصل إن شاء الله بدراسة بعض تلك النصوص الكريمة، والتّمعن فيها حتى تتضح الصورة، ويزهق الحق الباطل، فأمّا الزبد فيذهب هباءاً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

  1. خلق آدم عليه السّلام

تبدأ قصة خلق آدم عليه السّلام، أو واقعة خلق الإنسان الأول أبي البشر، بمحاورة بين الله تعالى وملائكته، ومن هنا تبدأ أول قصّة البشريّة وخلق الإنسان. تبدأ بإعلان ميلاد الإنسان وخلقه خَلْقا مباشِراً ومتقصداً، لا وجودَ للصدفة العشوائية ولا للتطور من البهيميّة إلى البشريّة، كما أنّه ليس طفرة من طفرات الطبيعة، واحتفالاً بمولد الإنسان، وتعظيماً لقدرة الخالق المبدع الذي صوره، فقد أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لأول البشر، وقد سجدوا جميعاً إلا إبليس لم يكن من الساجدين.

ومن هنا يرى بعض الفقهاء ، أنّ الإنسان ليس أفضل من كل الموجودات فقط، بل هو أفضل من الملائكة أيضاً. إذ هو متميز عنهم في الخَلق، فأمرهم بالطاعة والخضوع له حين أمرهم بالسجود له.

لقد استخلف الله الإنسان في الأرض، وحتى يتحقق له هذا الإستخلاف فلا بُدّ له من أن يُمَكّّنَ من استعمال الوسائل الماديّة التي تحقق له هذا الأمر، فقد سُخِرَت لَهُ الموجودات الكونية جميعها، وَهُيِأت لَهُ الأرض وَذُلِلَت لتكون طوع تصرف الإنسان: يزرعها لتنتج له ما يأكل، ويبني عليها بيت سكنه، ويسير في شِعابها وتلالها لمعاشِه ومباشرة أعماله، وّسُخِرَ لَهُ البَحْرَ: يركبه بالفلك والسُّفن والقوارب، ومنه يأكل طعامه، كما سُخّرت النباتات والأنعام له ولمعاشه.

ولولا تمكين الله تعالى للإنسان، واعطاؤه السّيطرة بتسخير كل تلك الموجودات له، لما استطاع العيش في هذه الحَياة الدنيا، وبالرغم من كل هذه النِّعَم التي مَنَّ الله عليه بها ـ وهي كثيرة لا تُعَدُّ ولا تُحصى ـ فإنّا نراهُ قليلاً ما يكون لله المُنعم الرازق المتفضل حامداً أو شاكراً، بل كثيراً ما نراه ضالاً شاطاً، كافراً بأنعم الله، جاحِداً فضله، متبعاً خطوات الشيطان وجنده من دعاة الماديّة والوثنية والإلحادية والعصبية القبلية والقومية، كافراً بأنعم الله طوراً ومُشركاً به أطواراً، عاصياً أوامره مُسْتَحِلاً حرماته، متمرداً على كل النواميس والسُّنن التي سنها لهم الخالق المنعم المدبر.

يُعلمنا القرآن الكريم أنّ قصة خَلق البشرية قد بدأت بآدم عليه السَّلام، وَسَبَقَ ذلك مُحاوَرَةً بين الله تعالى وبين ملائكته، مُخْبِراً إياهم بأنّهُ سيستخلفُ في الأرضِ خَليفَة وهو الإنسان متمثلاً بادئ الأمر بآدم، وأنّه سيمكن لهم في الأرض بإعطائهم السُّلطان عليها.

تعجب الملائكة ووجلت قلوبهم، لقد رأى الملائكة في أنفسهم أنهم أحق بخلافة الأرض من ذلك المخلوق المُنْتَظَر، إذ هم يسبحون بحمد الله ويقدسونه ولا يعصونه ما أمرهم، فلماذا يستخلف فيها من إذا تمكن فيها عصاه وأفسد فيها وبطش وسفك الدماء؟ فأجابهم العالِم العليم أنّه يعلم ما لا يعلمون.

وهنا يعرض القرآن الكريم تكريم آدم الإنسان، فهو علاوة على استخلافة في الأرض، قد أكرمه الله بالعقل والإدراك والتفكير، وفضَّله على الملائكة بِالعِلم، فقد علمه الله تعالى أسماء الموجودات جميعاً، ولمّا سأل الملائكة أجابوا: (سُبْحانَكَ لا عِلْم َ لَنا إلا ما عَلَمْتَنا) فالله تعالى وحده هو عالِم كل شئ، ذو الحكمة والعِلم، وليس لأحد كان أن يعلَم إلا ما علمه الله.

عندها طلب من آدم أن ينبئهم الأسماء، فلما طلب منه ذلك أخبرهم آدم بجميع الأسماء، وذلك ما يُظْهِرُ فضل آدم عليهم بزيادة علمه عنهم، وهنا يذكرهم الله أنّه يعلَم ما لا يعلمون، وأنّ له حكمة أرادها في خلق الإنسان واستخلافه في الأرض، فالله تعالى عليم بكل الخفايا والأسرار وبواطن الأمور، عليم بما يُظهرون بالقول والفعل، وبما قد يكتمونه في أنفسهم.

إنَّ تعليم آدم الأسماء لا يقتصر على المسميات نفسها، بل هو تَعليمٌ وَتَثْقيفٌ عام بكل المخلوقات والموجودات وكيفيّة الإستفادة منها، وَتَعْليمٌ بِصِفات الأشْياء وَخًواصِها وطرق الإستفادة منها حيث هي مسخرة له، فهو عِلْمٌ عام شامِلٌ يحوى الأسماء وصفاتها. في ذلك يقول العلامة تقي الدين النبهاني: وأمّا قوله تعالى [وعلم آدم الأسماء كلها] فإنّ المراد منه مسميات الأشياء لا اللغات، أي علمه حقائق الأشياء وخواصها، أي أعطاه المعلومات التي يستعملها للحكم على الأشياء)

وهنا لا بد لنا من معرفة أنّ الإنسان يختلف عن غيره من المخلوقات بالعقل أي القدرة على التفكير، والتفكير حكم على ماهية شئ أو حكم على واقع، وحتى يتم هذا التفكير بصورة تعطي الحكم الصادق الصحيح لَزم أن يستكمل هذا التفكير الشـروط اللازمة له، فعمليـة التفكير تجري بنقل الواقع المحسوس إلى الدِّماغ بواسطة إحدى الحواس مع ضرورة وجود معلومات سابقة عند الإنسان المُفَكر تفسر ذلك الواقع، فإذا إنعدمت إحدى تلك الأساسيات لا يتم الحكم على الواقع أو على الشئ بالصورة الصحيحة، وعناصر التفكير أربعة:

  1. دماغ صالح.

  2. واقع محسوس.

  3. حواس.

  4. معلومات سابقة.**

وبما أنّ الله تعالى قد وَهَبَ آدم الدّماغ الصالح والحواس، وَأوْجَدَهُ في واقع معيّن، لذا لزم أن يُزَوِدَهُ الله تعالى بالمعلومات “الأسماء وصفاتها وخواصها” حتى تتم عمليّة التفكير للحكم على الأشياء والوقائع. لذا فقد علّم الله آدم كلها.

إنَّ قصَّة خَلق آدم وما رافقها من وقائع وأحداث، قد وردت مفصلة في القرآن الكريم في عدة مواضع، شارحة ومفصلة، معلمة إيانا، مبينة لنا وقائعها الحقيقية، طالبة منا الإعتقاد الجاذم بها، فإلى النُّصوص القرآنيّة التي تقص علينا ذلك، قال تعالى:

  1. من سورة البقره .

(وَإذْ قالَ رَبُكَ للمَلائِكَةِ إنيّ جاعِلٌ في الأرْضِ خَليفَةً قالوا أتَجْعَلَ فيها مًنْ يُفْسِدُ وَيَسْفِكَ الدِماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمونَ ! وَعَلَمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلُها ثُمَّ عَرَضَهُم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنبِؤني بِأسْماء هؤلاءِ إنْ كُنْتُم صادقين ! قالوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيم ! قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهُم بِأسْمائِهِم فَلَمّا أنْبَأهُم بِأسْمائِهِم قالَ ألَم أقُلْ لَكُمْ أنّي أعْلَمُ غَيْبَ السَمَواتِ والأرْضِ وَاعْلَمُ ما تُبْدونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمون ! وَإذْ قُلْنا لِلمَلائِكَةِ أسْجُدوا لآدَمَ فَسَجَدوا إلآ إبْليسَ أبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الكافرين !)

  1. من سورة الأعراف.

(وَلَقَدْ مَكَناكُمْ في الأرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فيها مَعايِشَ قَليلاً ما تَشْكُرونَ ! وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ أسْجُدوا لآدَمَ فَسَجَدوا إلآ إبليسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدينَ!)

جاء في الظلال: (إنّ الخَلق قد يكون معناه: الإنشاء والتّصوير، وقد يكون معناه: إعطاء الصورة والخصائص… وهما مرتبتان في النشأة لا مرحلتان… فإنّ “ثُمّ” قد لا تكون للترتيب الزمني ولكن للترقي المعنوي، والتّصوير أرقى مرتبة من مجرد الوجود فالوجود يكون للمادة الخامة، ولكن التّصويرـ بمعنى إعطاء الصورة الإنسانية والخصائص ـ يكون درجة أعلى من من درجات الوجود. فكأنّه قال: إننا نمنحكم مجرد الوجود، ولكن جعلناه وجوداً ذا خصائص راقية، وذلك كقوله تعالى: (الذي أعطى كُلَّ شَيٍْ خَلْقَهُ ثم هدى) وعلى أية حال فإنّ مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أنّ إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة كان مصاحباً لخلقه. وأنّ الترقي في تاريخ الإنسان كان ترقياً في بروز الخصائص ونموها وتوزيعها واكتسابها الخبرة العالية. ولكن لم يكن ترقياً في وجود الإنسان من تطور حتى انتهت إلى الإنسانيّة كما تقول الداروينية.

ووجود أطوار مترقية من الحيوان تتبع ترتيباً زمنياً ـ بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والإرتقاء ـ هو مجرد نظرية ظنية وليست يقينية، لأنّ تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض لا يتم إلا ظناً!! أي مجرد فرضٍ كتقدير أعمار النجوم من اشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تُعَدِلها أو تُغيرها أو تنسفها نَسْفاً. على أنّه ـ على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور ـ ليس هناك ما يمنع من وجود أنواع من الحيوان في أزمان متوالية بعضها أرقى من بعض… ثم انقراض بعضها.. ولكن هذا لا يحتم أن يكون بعضها متطور من بعض… لاتستطيع أن تثبت في يقين مقطوع به أنّ هذا النوع تطور تطوراً عضوياً من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية ـ وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها ـ ولكنها تثبت أنّ هناك نوعاً أرقى من النوع الذي قبله زمنياً… وعندئذٍ تكون نشأة النوع الإنساني نشأة مستقلة، في الزمن الذي علم الله أنّ ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع، وهذا ما ترجحه النصوص القرآنية في نشأة البشرية، وتفرد الإنسان من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والعقلية والروحية. هذا التفرد الذي اضطر الداروينيون المحدثون “وفيهم الملاحدة بالله كلية” للإعتراف به، دليل مرجح على تفرد النشأة البشرية، وعدم تداخلها مع الأنواع الأخرى في تطور عضوي.)

وقال إبن كثير : ( وذلك انه تعالى لمّا خلق آدم عليه السّلام بيده من طين لازب ، وصَوَّرَهُ بشراً سوياً ونفخ فيه من روحه ، أمر الملائكة بالسـّجود له تعظيماً لشأن الله تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم وأطاعوا إلآ إبليس لم يكن من الساجدين، وهذا الذي قررناه هو إختيار “إبن جرير” أنّ المراد بذلك كله آدم عليه السلام. وقال سفيان الثوري عن الأعمش بن عمرو عن سعيد بن جبير عن إبن عباس “ولقد خلقناكم ثم صورناكم” قال: خلقوا في أصلاب الرجال وصوروا في أرحام النساء… ونقل إبن جرير عن بعض السّلَف أيضاً أنّ المراد بخلقناكم ثم صورناكم: الذُّرِيَة.)

وقال الأستاذ عبد الوهاب النّجار: (خلقنا أصلكم الذي نسلكم وكنتم من أبنائه ، فَخَلْقُنا لَهُ خَلْقٌ لَكُمْ.)

  1. من سورة الحجر.

(ولقد خَلَقْنا الإنسانَ مِنْ صَلْصالِ مِنْ حَمَإِ مَسْنونٍ ! والجانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمومِ ! وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إني خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنون ! فَإذا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ روحي فَقَعوا لَهُ ساجِدْين ! فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُهُمْ أجْمَعونَ ! إلاّ إبليسَ أبى أنْ يَكونَ مَِعَ السّاجِدينَ)

الصَلصال: هو المنتن من الطين. الحمأ: هو الطين الأسود المنتن. المسنون: هو المتغير. وجاء في “لسان العرب”: (الصلصال من الطين ما لم يُجعل خزفاً، وكل ما جَفَّ من طينٍ أو فخار. والمسنون هو المُصَوَرَ وهو المتغير المنتن. والحمأ هو الطين الأسود المنتن. من حمأ مسنون أي متغير منتن)

امّا أبوبكر الرازي فيقول: (الصلصال هو الطين الحر خُلِطَ بِالرّمل فصار يتصلصل إذا جف، فإذا طبخ بالنّار فهو الفخار، والحمأ هو الطين الأسود، والحمأ المسنون هو المتغير المنتن)

قال الدكتورمحمد البهي: (الصلصال هو الطين اليابس الذي له رنين وصوت، والحمأ هو الطين الأسود المتغيّر، والمسنون هو المصوّر والمصبوب، أي صورنا هيكل هذا المخلوق المعهود من طين يابس طال اختلاطه بالماء حتى تغير واسود لونه)

كما ورد في تفسير إبن كثير: (من سلالة من طين وهو آدم عليه السلام، خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون، وقال قتاده: إستلّ آدم من الطين، فإنّ آدم عليه السلام خُلق من طين لازب وهو الصلصال من الحمأ المسنون، وذلك مخلوق من التراب كما قال تعالى: [ومن آياته أن خلقكم من تراب ثمّ إذا أنتم بَشَرٌ تنتشرون])

  1. من سورة الكهف.

(وَإذ قلنا لِلْمَلائِكَةِ إسْجُدوا لآدَمَ فَسَجَدوا إلاّ إبْليسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبّهِ أفَتَتْخِذونَهُ وَذرِيَتَهُ أولياءّ مِنْ دوني وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِئْسَ لِلظالِمينَ بَدَلاً!)

  1. من سورة “ص”:

(وَإذ قالَ رَبُّكَ لِلمَلائِكَةِ إنّي خالقٌ بَشَراً مِنْ طينٍ ! فَإذا سَوَيْتُهُ وَنَفَختُ فيهِ مِنْ روحي فَقَعوا لَهُ ساجِدينَ ! فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلهم أجْمَعونَ ! إلاّ إبْليسَ اسْتَكبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرينَ!)

  1. من سورة المؤمنون.

(وَلَقَدْ خَلَقنا الإنسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طين !)

وفيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال :

(إنّ الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأسود والأبيض وما بين ذلك، ومنهم الخرق والسهل وبين ذلك، وإنّما سمي آدم لأنه من أديم الأرض.)


النبهاني ? الشيخ تقي الدين، التفكير، صفحه ( 5 ).

  • سابق ? سيد سابق، العقائد الإسلامية، صفحه ( 111 ).

  • القرطبي ? محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )، صفحه ( 294 ).

حتى بلغ الكفر والصفاقة والوقاحة فيه أن تبجح الصليبي " ريجان " الرئيس السابق للولايات المتحدة، على ما تناقلت وسائل الأعلام، بعد الحرب الصليبية التي شنوها على العراق، بالإدعاء بأنهم هم الذين يتحكمون بالقدر !!!

البقرة: ( 32 ).

تفسير ابن كثير، المجلد الأول، صفحه ( 74 ). بتصرف.

البقره: ( 31 ).

النبهاني ? الشيخ تقي الدين، الشخصية الإسلامية، الجزء الثالث، صفحه ( 117 ).

البقرة: ( 30 ? 34 ).

الأعراف: ( 10 ? 11 ).

طه: ( 50 ).

قطب ? سيد قطب، في ظلال القرآن، المجلد الثالث، الصفحات ( 1264 ? 1265 ).

ويمكن الرجوع إلى فصل “حقيقة الحياة” في القسم الثاني من كتاب “خصائص التطور الإسلامي ومقوماته”.

تفسير ابن كثير، المجلد الثاني، الصفحات ( 202 ? 203 ).

النجار ? عبد الوهاب، قصص الأنبياء، صفحه ( 2 ).

الحجر: ( 26 ? 31 ).

ابن منظور، لسان العرب، مجلد ( 11 )، صفحه ( 382 ).

الرازي: أبو بكر، تفسير الصحاح، الصفحات: ( 153 ) و ( 368 ).

البهي ? الدكتور محمد، تفسير سورة الحجر، صفحه ( 19 ).

الروم: ( 20 ).

تفسير ابن كثير، المجلد ( 2 )، صفحه ( 551 ).

الكهف: ( 50 ).

ص: ( 71 ? 74 ).

المؤمنون ( 12 ).

رواه مسلم في صحيحه.

**[ وذلك أنّ الله تعالى الخالق الحق قد مَيَّزَ الإنسان بأن حَباهُ العقل، فهو بالعقل قد تَفَرّدَ عن سائر المخلوقات، وهذا التّفرد لم يخلقه الله عبثاً ولا باطـلاً ولا عشوائياً بلا قصد، وإنّما خلقه بالحق لأمرٍ عظيم وجليل، وهو تهيئة الإنسان لتلقي التّكليف الإلهي دون مخلوقات الله جميعاً، وجعل العقل مناط التّكليف، وجعله قادراً على إدراك هذا التكليف، والقيام بتبعاته، سيما وأنّ في هذا العقل صفة الإعتزاز بالذّات، ولهذا فإنّه عندما عُرِضَ عليه التّكليف كما عُرِضَ على سائر المخلوقات لم يَتَوانَ في القبول منطلقاً من إعتزازه وثقته بنفسه وقدرته، فَقَبِلَ التّكليف، واستعدَّ لتحمل تبعاته، لقوله تعالى:(إنّا عرضنا الأمانَةَ على السمواتِ والأرضِ والجبالِ فأبَيْنَ أن يَحْمِلْنَها وَأشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَها الإنسان إنَّهٌ كانَ ظَلوماً جَهولاً)

ولولا إعتزاز الإنسان بعقله وثقته بنفسه وبقدرته لأحجم عن القبول، ولأدخَلَ نفسه في موكب الكون السائر بطاعة الله والإنقياد له دون هذا التكليف، ولكن الله علاّم الغيوب، وقد خلق العقل وخلق قدراته شاء له أن يقبل هذا التكليف، فقد خلقه في حالة تمكنه من حمل هذا العبْ إن هو أراد فانطلق من قاعدة الإنقياد والطاعة لله، فإن هو فعلَ ذلك بقي في موكب الحق، بل واستحق أن يتسنّم الذروة فيه، وإلا خرج عنه إلى غضب الله وعقابه.

إنّ عقل الإنسان انطلق من قاعدة الإنقياد والطاعة لله، فعندما عُرِضَ عليه الإسلام قَبِلَهُ واستسلم لخالقه بالطاعة، فكان عقلاً مُسْتَنيراً واعياً مُدْرِكاً لِمَسْؤلِياتِه، ناهِضاً لتحمل تبعات ما قَبِلَهُ، هذا العقل هو عقل الإنسان المُسْلِم، وهو بهذا القبول قد بقي ضمن موكب الكون الحق، بل كان رائِداً فيه.

ومن العقل من أعماه الإعتزاز والثقة بالنفس وبقدرته فلم ينطلق من قاعدة الإنقياد لله والطاعة له، وإنّما استكبر وتطاول وجمح به الغرور، وهذا العقل هو عقل الإنسان الكافر، فأتعس هذا العقل صاحبه، وأورده موارد التهلكة، فخرج هذا الكافر باستكباره وتطاوله وجموحه على موكب الكون إلى غضب الله وعقابه، إذ أن الأرض ومن فيها وما عليها، والشمس وضوءها، والقمر ونورة، وسائر الأجرام التي نعرفها وندركها وتلك التي قصرت عقولنا عن معرفتها وإدراكها كلها بلا استثناء تسير معاً في موكب كوني خاضع مطيع، يسـبح الله ويسجد له وينقاد إليه ويطيعه، في مقدمة هذا الموكب الإنسان المسلم وعقله، ولم يتخلف عنه سوى الإنسان الكافر وعقله، فهو وحده هو النّشاز في هذا النّسَقَ الكوني البديع، يصاحبه ويرافقه إبليس والكفار من الجن، قال تعالى:(ألَم تَرَ أنَ الله يَسـْجُدُ لَهُ مَنْ في ألسـَمَواتِ وَمَنْ في الأرْضِ، وَالشَمْسُ وَالقَمَرُ والدَّوابَُ والنُّجومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُ وَكَثيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إنَّ الله يَفْعَلُ ما يشاء)

إنّ مفارقـة الكفار لهذا الموكـب الكونـي، هذه المفارقـة والمباينـة وصفهـا رب العـزة الخالق تعالـى بأقبـح وصـف وأرذلـه بقوله تعالـى: (إنّما المُشْرِكونَ نَجَسٌ) وَلَم يـَرِدُ في الآيـات القرآنية ذكر النجاسة إلا مرّة واحدة فحسب هي هذه المرّة، أطلقها الله سبحانـه وتعالى على المشركيـن، وحيـث أنّ الكون مخلوق على الطهارة، فإنّ وصـف الكفـار بالنّجاسة إبلغ رد على مغايرتهـم لما عليه الكون، وخروجهم على خطه ومنهاجـه مما يسـتوجب نبذهم تماماً كما تنبـذ النجـاسات، فالكفـار من الإنـس والجن هم حالة النشوز في هذا الكون.

لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يفاضل بين مخلوقاته، فقد فَضَّلَ الإنسان على سائر المخلوقات، بل أنّهُ قد جعل مخلوقاته في الأرض والسموات مُسَخَّرَة لهذا الإنسان الكريم، فالموكب الكوني الحق تسير فيه مخلوقات الله بالحق ما عدا الكفار من الإنس والجان، في مقدمة هذا الموكب وعلى قمته الإنسان المسلم المؤمن بالله الخالق.]

[ وليس معنى تكريم الله للإنسان رفعه عن مستواه، كما أنّه لا يخفضه عن مكانته الصحيحة، فالإسلام يقرر مكانة الإنسان على الأرض داخل هذا الموكب الكوني، ويؤكد حق استخلافه وأمانته، ومسؤوليته الفردية مما يستوجب البعث والجزاء، لذا فقد وقف الإسلام إزاء الإنسان موقفاً مخالفاَ لكل الفلسفات والعقائد الأخرى، وأقام مفهومه على أساس تكريم الإنسان صاحب العقل المستنير الذي آمن بربه خالقاً لهذا الكون، هذا الإنسان الداخِل في موكب الكون السائر بطاعة الله والإنقياد له، إذ قد قبل تكليف الله تعالى له بحمل الأمانة والإستخلاف في الأرض، فنظر الإسلام له بوصفه مخلوقاً مزيناً بالعقل والإدراك سائراً في طاعة الله، أي بوصفه كياناً متكاملاً متميزاً.]

لقد خلق الله الإنسان وميزه عن الحيوان، إذ وهبه عَقْلٌ يفكر به، ويحكم به على الواقع، وجعله يستطيع تصور الواقع الماثل أمامه، وحتى الواقع الذي لم يقع عليه حسه، إذ يمكن أن نتصور وببساطة متناهية كيف يصلي الناس في المسجد الحرام ويطوفون بالبيت العتيق ويسعون بين الصفا والمروة علماً بأنّ أجسامنا هنا، كما يمكننا أن نتصور الهلع والفزع والفوضى والتخبط الذي استولى على حكام الولايات المتحدة قبل العوام من شعبهم إثر حادث الحادي عشر من أيلول في نيويورك وواشنطن، كاشفين البرقع الشفاف من الجبروت الزائف الذي يخفي جبن الكفار وحرصهم على الحياة، كما يمكننا أن نتصور واقع الحرب الصليبية الحاقدة التي شنها الكفار على المسلمين في أفغانستان، بكل غل وحقد وخسة ونذالة، وصمود المسلمين هناك أمام حرب الإبادة الغاشمة التي شنها عليهم أصحاب الفيل من الكفار الصليبيين، وأحلافهم من حكام المسلمين ومن بقية دول الشرك والكفـر الحاقدين على المسلمين واسلامهم. وقبلها حصار القوات الصليبية الغازية للعراق ومسلسل القهر والإذلال والتجويع والإبادة الذي أعقبه، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، والحصار الإقتصادي والإذلالي على المسلمين بالعراق وليبيا والسودان تحت ستار الشرعية الدولية الصليبية، ونحن هنا لم نشاهد ذلك ولم نراه، كما نتصور وحشية ونذالة وخسة المجازر المتتالية التي نفذها الصليبيون واتباعهم المدوعوون “تحالف الشمال” في أهل البلاد بعد أن استتب لهم الوضع هناك وبالأخص المجازر التي نفذت في الأسرى العزل خلافاً لكل الأنظمة والمواثيق، وسكوت العالم أجمع على ذلك بما فيهم حكام المسلمين، ونحن هنا لم نشاهد ذلك ولم نراه. كما يمكننا وببساطة متناهية أن ندرك الموقف الجهادي البطولي الذي وقفه الرجال المجاهدون في مخيم جنين المنكوب بالتصدي وبامكاناتهم المحدودة لجيش الغزاة في نيسان الأسود معطلا دخولهم المخيم ما يزيد على عشرة أيام، موقعا بهم الخسائر، وأن نتصور الرعب الذي استولى على جند الكفر اليهود الجبناء المزود بأعتى وأفتك الأسلحة، مصداقا لقوله تعالى: (لأنتم أشدّ رَهبَةً في صٌدورهم من الله ذلك بأنهم قومٌ لا يفقهون لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من ورآء جٌدٌر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون)

لـــذا يمكننا أن ندرك وببساطة متناهية واقع فساد تعريف الإنسان أنّه حيوان عاقل!!! وأن يترجم حسب ما يقصده الكفرة على أنّه حيوان ذو دماغ ـ أي مراكز ذاكرة وإحساس ـ لقد كرّم الله الإنسان فلم يسمه حيواناً لأنه ليس بحيوان، ولكن الكافرين لا يعقلون، ولو كانوا يعقلون لما ألصقوا بأنفسهم صفة الحيوانية، علماً بأنّ مجرد تسميته بأنّه حيوان يعني زوال الكرامة الإنسانية، ومن هنا أتى حكم الشّرع ـ كما فهمه الفقهاء المسلمين ـ عنيفاً على من ينادي غيره بقوله: يا حمار، يا حيوان، يا قرد، ياكلب …ألخ سواء بسواء كمن ينادي غيره: يا كافر، يا مرتد، يامشرك… باعتبار كل من الحالتين معصية.


الأحزاب: ( 72 ).

الحج: ( 18 ).

التوبة: ( 28 ).

ومع هذا نرى أحد من يدعي العلم من أصحاب العمائم والزي المميز، والعلم منه براء، يعلن في إحدى الفضائيات العربية عن تورعه عن إطلاق لفظ الكفر على اليهود والنصارى الكفار بنص القرآن في عدة مواضع منه، مدعياً أن إطلاق لفظ الكفر عليهم لم يرد في القرآن الكريم إلا مرة واحدة !! نفاقاً وولاء للكفار. اللهم أنا نبرأ إليك مما فعل ويفعل السفهاء منا.

عويضه ? محمود عبد اللطيف، حمل الدعوة الإسلامية واجبات وصفات، صفحه ( 8 ? 10 ) بتصرف.

الجندي - أنور، شبهات التغريب في غزو العالم الإسلامي، صفحه ( 321 ). بتصرف .

الحشر: 13 ? 14 حيث أهدى هؤلاء المجاهدون الأبطال بطولتهم إلى كافة قادة وحكام وجنرالات المسلمين، والرويبضات من مثقفونا المدعون بعدم استطاعة تلك الدول وجيوشها على نزال وقتال اليهود الجبناء رغم الترسانة الضخمة من الأسلحة المكدسة في مخازنهم ورغم الجيوش الجرارة التي في بلاد المسلمين. وليثبتوا للعالم أجمع أن دويلة يهود هي أوهى من بيت العنكبوت، وأن مصير جميع الدويلات والإمبراطوريات القائمة في العالم صغيرها وكبيرها بما فيها إمبراطورية الشر أمريكا قريبا إلى زوال بهمة الرجال وقوة إيمانهم، ولكن ذلك لن يتحقق إلا بالجهاد يعقد راياته خليفة المسلمين.

التطور والإنسان، صفحه ( 151 ).

خَلــقُ الإنســـان في نظــر الإســـلام

لقد كرّم الله الإنسان، وجعله أرقى المخلوقات على الإطلاق، كَرّمَهُ بالعقل وحُسْنِ الخَلْق والخُلُق… كَرّمَهُ بالعقل المميز بين الخطأ والصواب والحَق والباطل… وبناء عليه فقد كَلّفَهُ بالعبادة وغيرها من الواجبات… كَرّمَهُ بحسن الصورة وجمالها… قال تعالى:

(لقد خَلَقْنا الإنسان في أحْسَن تقويم)

وليس الإنسان في مفهوم الإسلام أي من النظرات الثلاثة التي عَرّفّه بها الفكر البشري:

  1. ليس الإنسان حيواناً كما يقول الماديون في علومهم الإجتماعية .

  2. ليس الإنسان آثماً بحكم الوراثة كما تقول بعض الديانات .

  3. ليس الإنسان مجبور التناسخ كما تقول البوذية والهندوكية.

لا: ليس الإنسان أياً من تلك الأوصاف التي يلصقونها به، والتّعاريف التي يعرفونه بها. بل هو الإنسان المخلوق في أحسن تقويم ، الإنسان المُسْتَخْلَف في الأرض، الممتاز عن كل ما خَلَقَ الله في الكون، إنّه الإنسان الذي كَرّمَهُ الله بالعقل وفتح له آفاق الحياة… كرمه بالعقل والتمييز وكرمه بهدايته النّجدين.

وكما يقرر الإسلام أنّ الإنسان هو مادة مخلوقة مميزة، وأنّ الفرد ليس من صنع المناخ أو البيئة أو العادات، فكذلك يقرر أنه ليس مجرد ظاهـرة اجتماعيـة

في وجوده المادي، أو طفرة متطوّرة، بل أنه مخلوق له كيانـه الذاتي الخاص، وله رابطته مع الجماعة في نفس الوقت، وله العقل والإدراك الذي يُمَكِنَهُ من أن يُمَيِزَ الخبيث من الطَيِب، لذا فقد حَمّلَهُ الأمانة، وَكَلّفَهُ بالعبادة، وأمَرَهُ بالتفكر والتّعَمُقَ والإسْتِنارة والكِياسَةَ والفِطْنَة، وحَثه على إعمال العقل في الموجودات للإستدلال من خلال ذلك بصفته مخلوقاً عاقِلاً مُمَيِزاً على وجود الخالق المُدَبِر، ليكون هذا الإيمان الآتي عن دليل: ثابِتاً وراسِخاً وقَطْعِياً.

إنّ الإسلام يُقِدِمُ الإنسان في أجْمَلَ صورة وأبْدَعها، فهو في نظر الإسلام ليس حَيَواناً، وهو أيضاً ليس آثِماً بحُكْم الوراثة، كما أنّه ليس شَيْطاناً، وليسَ مَلاكاً ولا إله، وليس إبن الرّب ولا ثالث ثلاثة… كلا إنّهُ ليس أيٍ من تلك الأوصاف التي يصفونه بها، إنّما هو الإنسان المخلوق في أحْسَن صورة وأصَحَّ قامة وأجْمَلَ قَد، خليفة الله على الأرض، وهو من سُخِرَت لهُ المخلوقات جميعاً، وذُلِلَت له الآرْضَ بجبالها وأنهارها وبحارها وسهولها وقفارها، فالإسلام يضع الإنسان في موضِعه الصحيح اللائق به، وفي ذلك قوله تعالى : (لَقَد خَلَقْنا الإنسان في أحسَنِ تقويم)

(وإذ قالَ رَبكَ للملائِكَةِ إني خالِقٌ بَشَراً من طينٍ فإذا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيه من روحي فَقَعوا لَهُ ساجِدين)

(ولَقَدْ كَرَمْنا بَني آدَمَ وَحَمَلْناهُم في البَرِ والبَحْرِ وَرَزَقْناهم مِنَ الطيبات وَفَضَلناهم عل كَثيرِ مما خَلَقْنا تَفْضيلاً)

(خَلَقَ السَمَواتِ والأرض بالحق وَصَوَرَكُم فَاحْسَنَ صُوَرَكُم وَإلَيْهِ المصير)

إنّ الإسلام لم يُمرِغَ الإنسان في الوَحل كما مرغته الجاهلية الحديثة… ولم يمتهن من كرامته ولم يُنْقِص من قَدره… نعم: لقد أشار إلى حقيقة منشأه وتكونه وخلقه، إنّما ليس كما أشارت الداروينية، قال تعالى: (ولقد خَلَقْنا الإنسانَ من صلصال من حمأ مسنون)، وقال تعالى : (ألَمْ نَخْلقكم من ماء مهين) وليس بعد هذا حقارة في المنشأ… إنّه الطين المتعفن والماء المهين، ولكن: ما الايحاء الذي يعطيه التّوجه الإيماني؟ إنّه لا يدلي بتلك الحقائق “وهي حقائق نهائية قاطعة لأنها أتت من المصدر الأوحد الذي يعلم دقائق الأمور عن يقين”… لا يوحي بتلك الحقائق ليوحي بحقارة الإنسان، أو ضألة قدره ودوره في الحياة، مما أوحت به الداروينية إلى أتباعها اللذين صاغوا كل التفسيرات الحيوانية للإنسان… إنّما يُرْدِف ذلك بالحقائق الأخرى المكملة لها، حقائق التّفضيل وحسن التصوير والإختيار للأمانة الكبرى: أمانة الخلافة في الأرض. فتعمل هاتان الحقيقتان معاً لربط هذا الكائن الإنساني بالله، وصيانته في نفس الوقت من الغرور المُرَدي والتّمَرُد الذميم.

إنّ الإنسان في تصوير ووصف الإسلام له، ومن خلال فهم واقعه: هو مادة فقط، وهذه المادة المخلوقة لها صفات خاصة، فهو مكون من قبضة طين منفوخٌ بها روح الله، وفي هذه النّفخة سِر الحياة، إذ بدونها يبقى اٌنسان مجرد مادة ومادة فقط، والإثنتان مرتبطتان إحداهما بالأخرى ممتزجتان متزاوجتان غير منفصلتين، فهو ليس مادة وكفى فيهبط إلى مستوى الجماد، وهو ليس بلا عقلٍ فيهبط إلى مستوى الحيوانات والحشرات والديدان، وهو ليس روحاً فيؤله او يتأله، بل هو مزيج دقيق، مخلوق مادي كَوّنَه الله وصوره فأحسن تصويره من طين نُفِخَ فيه روح الله التي هي سر الحياة، ومُزَيّن عن باقي الخَلق بأنَ الله تعالى قد أنعم عليه بالعقل المميز، ومع أنّ الله قد زينه بالعقل ورفع به مستواه عن باقي المخلوقات، إلا أنّه قد وضعه أمام إمتحان عظيم، سيحاسب عليه يوم القيامة ـ إمّا شاكراً تلك النعمة، وإمّا كفوراً بها ـ وفي ذلك قوله تعالى: (ونفس وما سوّاها، فَألْهَمَها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) وقال تعالى: (ألم نجعل له عينين، ولساناً وشفتين، وهديناه النجدين)، قال تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدّهر لم يكن شيئاً مذكوراً، إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً، إنّا هديناه السّبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً) وقال تعالى: (أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه، بلى قادرين أن نسوي بنانه)

لقد مَنّ الله على الإنسان إذ وهبه العقل، كما وهبه السّمع والبصر والفؤاد فهداه النّجدين وعلمه وأدبه وأرشده محسناً تعليمه وتأديبه وإرشاده، لذا فقد هيأه الله لحمل الأمانة وللخِلافة في الأرض، فهو عنصر فعال في الأرض، وهو كيان متميّز، مُزَيّنٌ بالعقل والحس والإدراك، وليس مجرّد مادة تافهة وُجِدَت صُدْفَة تتحكم بها عناصر الطبيعة وتعصف بها حتمياتها، تُحَرِكه الصدف ويعبث به تعاقب الليل والنهار، قال تعالى: (وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمآءَ كُلّها) (واللهُ أخْرَجَكُم من بُطونِ أمهاتِكُم لا تَعْلَمونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ والأفْئِدّةَ لَعَلّكُم تَشْكُرون)

وبناء على ما حباه الله من نعمة العقل والإدراك والتمييز، وبما أنّه أرفع المخلوقات شأناً عند خالقها، وبعد أن دعاه الله إلى أن يُنْعِمَ النّظَرَ والتّدقيقَ في الموجودات جَميعاً وما حولها وما يتعلق بها من سُنَنٍ وقَوانينَ وأمورَ حياة، لِيَسْتَدِلّ بها على وجود الله تعالى كخالِق ومدبر لهذا الكَوْن، فلا بُدَّ أن يَحْصل من إمعان النََّظَر والتَّأمُل والتّفَكُرَ في المَوْجودات والقوانين إيمانٌ راسِخٌ هو إيمان المُسْتَنير المُتَيَقِنَ الذي نَظَرَ وَنَظَرَ وَفَكّرَ وَفَكّرَ بِعُمْقٍ واستنارَةٍ ثُمَّ وَصَلَ نتيجَةَ النّظَرَ والتَفْكير إلى القَطْع وَاليَقين بِالله جَلّت قُدْرَتُهُ، فَكانَ ذلِكَ إعتِقاداً جاذِماً لا يُخالِطَهُ أدنى شَك أو ارتياب، فالإسلام قَدْ أعطاه البَراهين الدامغَة مَصحوبَة بالأجْوِبَة المُقْنِعَة لِكُلِ استفساراته، فَعَمَدَ إلى حَل عُقْدَة الإيمان عِنْدَهُ حَلاً يُوافِق الفِطرَة، يملأ العَقْلَ اقتناعاً والقَلب طَمَأنينة، وبما أنّ الإنسان قد توصل بالدَليل العقلي أنّه مخلوق لِخالِق، وأنّ هذا الخالِق هو موجِبُ الوُجودِ وَمُدَبِره، وبما أنّه أرفع المخلوقات شَأناً عند خالقها، وَجَبَ أن يُكَلّفَ هذا الرّفيع الشأن بالمًهِمّة الشاقة:

(إنّا عَرَضْنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبينَ أن يحمِلنها وأشْفَقْنَ منها وحملها الإنسان إنّهُ كان ظلوماً جهولا)

وبناء على حمل الأمانة، وحتى يتمكّن الإنسان من الإستمرار في ذلك والنّجاح فيه، فقد سَخَّرَ الله تعالى كل المخلوقات له من جمادٍ وحيوان:

(الله الذي سَخَّرَ لكم البَحْرَ لتجري الفلك بِأمْرِهِ، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، وَسَخَّرَ لكم ما في السموات والأرض جميعاً منه، إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)


  • التين: ( 4 ).

أنور الجندي، مفاهيم العلوم الاجتماعية، بتصرف.

طفرة: وثبة.

التين: ( 4 ).

ص: ( 71 ? 72 ).

الإسراء: ( 71 ).

التغابن: ( 7 ).

الحجر: ( 26 ).

المرسلات: ( 20 ).

محمد قطب، جاهلية القرن العشرين، صفحه ( 193 )، بتصرف.

الروح: كلمة لها مدلولان، الأول هو إدراك الإنسان لصلته بالله تعالى. والمدلول الثاني وهو المقصود في الفقرة: سر الحياة

الشمس: ( 7 ? 10 ).

البلد: ( 8 ? 10 ).

الإنسان: ( 1 ? 3 ).

القيامة: ( 3 ? 4 ).

البقرة: ( 31 ).

النحل: ( 78 ).

الأحزاب: ( 72 ).

الجاثية: ( 12 ? 13 ).

**أمّا كون تلك القوانين لَم تَاتِ من المادة، فذلك لأنّ القوانين هي عبارة عن جَعْل المـادة في نِسْبَة معينة أو وَضْع معين، فالماء مثلاً حتى يتحول إلى بخار أو جَليد، إنّما يتحول حسب قوانين معينة، أي حسب نسبة معينة من الحرارة، فإنّ حرارة الماء ليس لها في باديء الأمر تأثيرٌ في حالتِه من حيث هو سائل، لكن إذا زيدت أو أنْقِصَت حرارةُ الماء جاءت لحْظَةٌ تعدلت فيها حالة التّماسُكِ التي هو فيها وتحوّل الماء إلى بُخار في إحدى الحالات أو إلى جَليد في الحالة الأخرى. فإنّ هذه النّسْبَة المُعَيَنَة من الحَرارَة هي القانون الذي الذي يجري بحسبه تَحَول الماء إلى بخارٍ أو جليد، وهذه النسبة أي كونُ الحَرارَة بمقدار معين لمقدار معين من الماء لَمْ تًأتِ من الماء، لأنّه لوكانت منه لكان بمقدوره أنْ يُغَيِرَها وأنْ يخرُج عنها، وإنّما هي مفروضَة عليه فَرْضاً، فَدَلّ ذلك على أنا لَيْسَت منه قَطْعاً، وكذلك لم تأتِ من الحَرارَة بدليل أنها لا تستطيع ان تُغَيِّرَ هذه النسبة أو تخرج عنها، وأنها مفرضة عليها فَرْضاً، فهي ليست منها قَطْعاً، فتكون تلك القوانين ليست من المادة.

أمّا كَوْنُ هذه القوانين ليست خاصية من خَواص المادة فلأنّ القَوانينَ ليست أثراً من آثار المادة الناتجةِ عنها حتى يُقالُ أنها من خواصِها، وإنّما هي شيء مفروضٌ عليها من خارجها، ففي تحول الماء ليست القوانين من خواص الماء ولا من خواص الحَرارَة، لأنّ القانون ليس تحول الماء إلى بُخار أو إلى جَليد، بل القانون هو تحوله بنسبة معينة من الحرارة لنسبة معينة من الماء، فالموضوع ليس التّحول وإنّما التحول بنسبة معينة من الحرارة لنسبة معينة من الماء، فهو ليس كالرؤية في العين التي هي من خواصها، بل هو كون الرؤية لا تكون إلا بوضع معين مخصوص، هذا هو القانون، فكون العين ترى خاصية من خواصها، ولكن كونها لا ترى إلا بوضع مُعّيّن وَمَخْصوص ليس خاصية من خواصها وإنّما أمْرٌ خارِج عنها، والنّار من خواصها الإحْراق، ولكن كونها لا تحْرِقُ إلا بأحْوال خاصة ليس خاصية من خواصها بل هو أمر خارج عنها، فخاصية الشيء هي غَيْر القواين التي تُسَيره، إذ الخاصية هي ما يعطيه الشيء نفسه وينتج عنه: كالرؤية في العين

وكالإحراق في النّار وما شابه، ولكنّ القوانين التي تُسَِّيرُ الأشياء هي: كون الرؤية لا تحصل من العين إلا بأحوال خاصة ومخصوصة وكون الإحراق لا يحصل من النّار إلا بأحوال خاصة، وكون الماء لا يتحول إلى بُخار أو إلى جَليد إلا بأحوال مخصوصة، وهكذا…

وبما أنّه ثبت أنّ هذه القوانين ليست من المادة ولا خاصية من خواصها فتكون آتية من غيرها ومفروضة عليها فَرْضاً من غيرها ومن خارجها، وبذلك يثبت أنّ غير المادةِ هو من يؤثر فيها، وبذلك يثبت بطلان نظرية الماديين عامة والشيوعيين خاصة لأنه ثبت أنّ العالَمَ ليس سائراً تبعاَ لقوانين حركة المادة بل هو سائر بتسيير من أوجد هذه القوانين وفرضها عليها فَرْضاً، فيكون العالم بحاجة لمن وضع هذه القوانين وفرضها عليها فرضاً، وما دام بحاجةٍ إلى من فَرَضَ علية هذه القوانين، فالعالَمُ ليس أزَلِياً، وما دام ليس كذلك فهو مخلوق، لأنّ كونه ليس أزَلِياً يعني أنّهُ وُجِدَ بَعْدَ أن لم يَكُن فهو مخلوق لخالق، وهذا الأزلي الخالق هو مدلول كلمة الله سبحانه وتعالى. نعم: إنّه الله تعالى الخالق المُصَوِرُ المُدَبِرُ الذي لا يمكن إلا أن يكون أزلياً سَرْمَدِياً واجِب الوجود.


إنّ هذا البحث مقتبس من عدة مصادر، يمكن لمن شاء الرجوع إليها، وهي:

  • تقي الدين النبهاني، التفكير - نظام الإسلام - الشخصية الإسلامية.

  • محمد محمد إسماعيل، الفكر الإسلامي.

  • سميح عاطف الزين، لمن الحكم ؟ ، طريق الإيمان .

  • محمد حسين عبد الله، مفاهيم إسلامية.

  • جون كلوفر مونسما، الله يتجلى في عصر العلم.

**ومدلول كلمة محتاج يعني أنّه مخلوق، لأنّ مجردحاجته تعني أنّه عاجز عن ايجاد شيء من العدم، أي عاجز عن ايجاد ما احتاجإليه، فهو ليس خالقاً، وما دام ليس خالقاً فهو مخلوق. لأنّ الوجودَ كله لا يخرج عن خالقٍ ومخلوق ولا ثالث لهما قطعاً، وهذا ليسفَرَضاً وإنّما يَدُلّ عليه الواقع المحسوس للمخلوق، وهذا المخلوق إمّا أنيكون مخلوقاً لنفسه أو مخلوقاً لغيره، أمّا كونه مخلوقاً لنفسه فباطل، لأنهيكون مخلوقاً لنفسه وخالقاً لها في آنٍ واحد، وهذا باطل، فلا بُدّ أن يكونمخلوقاً لغيره، وهذا الغير هو الخالق. وهذا الخالق هو أزَلِيٌ واجبالوجود.

أمّا كونه أزلياً لا أول له، فلأنّه إنكان له أولٌ كان مخلوقاً، إذ قد بدأ وجوده من حد معين، فكونه خالقاً يقتضيبأن يكون أزَلِيّاً. إذ الأزَلِي تَسْتَنِدُ إليه ولا يَسْتَنِدُ إلى شيء.والمحدودِيَة والأزَلِيَة ليستا اصطلاحاًوُضِعَ لَهُ تَعْريف اصطلاحي، ولا مدلولاً لكلمة وُضِعَ لها في اللُغَةلفْظٌ يَدُلُ عليها، وإنّما واقِعٌ مُعَيّن كالبحث في الفكر سواء بسواء،فحين نقول أنّ الكون محدود إنّما نُشـيرُ إلى واقع معين وهو كونه له بدايةوله نهاية، فالبحث في هذا الواقع وليس في كلمة محدود. وكونه له بداية ولهنهاية قد قام البرهانُ الحسي فيكون البرهان على واقع معين لا على معنىالكلمة لغوياً. فواقع المحدود هو أنّه له أول وله آخر، وواقع الأزَلِيُ هوما ليس له أولٌ، فيكون واقع المحدود غير واقع الأزلي، فيكون الكلام عن واقعمعين لا عن مدلول الكلمة لغوياً.والبرهان على أنّ وجودَ الخالق حَقيقةملموسة محسوسة هو في منتهى البَساطَة، فإنّ الإنسانَ يحيا في الكَوْنفَهُوَ يُشاهِدُ في نفسه وفي الحياه التي يحياه وفي كُلّ شيء في الكونتغيراً دائماً وانتقالاً من حال إلى حال، وَيُشاهِدُ وُجودَ أشياء وانعدامأشياء، ويُشاهِدُ دِقّةً وتنظيماً في كل ما يرى ويلمس، فَيَصِلُ من هذا عنطريق الإدراك الحِسي إلى أنّ هناك موجِداً لهذا الوجود المُدْرَكالمَحْسوس، وهذا أمْرٌ طبيعيٌ جِدّاً.ومثال على ذلك فَإنّ الشّخْص ليَسْمَعُصوتاً فَيَظُنُ أنّه صوت رجل أو إمرأة أو آلة، ولكن يوقن أنّه صوت ناتج عنوجود شيء نتج عنه الصّوت أمراً قطعيّاً عند سَماعِه، فقد قام البُرهانالحسي على وُجودِهِ، فيكون الإعتقاد بوجود شيء نتجَ عنه الصّوت إعْتِقاداًجاذماً قام عليه البُرْهان القَطْعي، ويكون هذا الإعتقاد أمْراً طَبيعِياًما دام البُرهان الحِسي قد قام عليه.وكذلك فإنّ الإنسان يُشاهِدُ التّغَيُرَفي الأشياء، وَيُشاهِدُ إنعدام بعضها ووجود غيرها، ويُشاهِدُ الدّقَةوالتّنظيم فيها، ويُشاهِدُ أنّ كُل ذلِكَ ليس منها، وأنّها عاجِزَة عنايجادِه وعاجِزَة عن دَفْعِه، فيوقن أنّ هذا كله صادر عن غير هذه الأشياء،ويوقِن بِوُجود خالِقٌ خَلَقَ هذه الأشياء، هو الذي يُغَيِرها ويعدمهاويوجدها وينظمها، فكان وُجود هذا الخالِق الذي دَلّ عليه وُجود هذه الأشياءوتغيرها وتنظيمها أمْراً قَطْعِياً عِند من شاهَدَ تغيرها ووجودهاوانعدامة ودقّة تنظيمها، فقد قام البُرهان الحِسي بالحِس المُباشر علىوُجودِهِ وهو بُرْهان بمنتهى البَساطَة، لذلك جاءت أكثر براهين القُرآنالكريم لافتَة النّظَرَ إلى ما يَقَع الحِس عليه ـ أي حس الإنسان ـللإستدلال بذلك على وُجود الخالق، كقوله تعالى: (يا أيها الإنسان ما غَرّكَبِرَبِكَ الكريم، الذي خَلَقَكَ فَسَواكَ فَعَدَلَكَ، في أيِ صورَة ماشـاء رَكَبَكَ)

(أفَلا يَنْظُرونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَت،وإلى السَّماء كَيْفَ رُفِعَت، وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَت، وإلى الأرْضكَيْفَ سُطِحَت، فَذَكِر إنّما أنْتَ مُذَكِر)

(فَلْيَنْظُرِ الإنسانَ مِمَ خُلِق، خُلِقَ مِن ماءٍ دافِق، يَخْرُجُ مِن بَيْن الصّلْبِ والتَرائِب، إنّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِر)

(أم خُلِقوا مِن غَيْر شَيءٍ أم هُمُ الخالقون، أم خَلَقوا السّمَوات والأرض بل لا يوقِنون.)

(ما اتَخَذَ الله مِن وَلَدٍ وما كان مَعَهُ منإلهٍ إذاً لَذَهَبَ كل إلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضهم على بَعْض سُبْحنالله عَمّا يَصِفون)

(سَنُرِيَهُم آياتنا في الآفاق وفي أنْفُسهم حتى يَتَبَيَنَ لهم أنّه الحَقُ أوَ لَم يَكْفِ بِرَبِكَ أنّهُ على كُل شيء شَهيد .)هذا هو واقع الإيمان: تصدقٌ جاذمٌ مطابقٌ للواقع عن دليل. وحتى يتحقق هذا الإيمان ويرسخ، فلا بد من أن يَحْكُم العقل على صِدْقِهِبِالأدِلَةِ القَطْعِيَة، لذا فقد دعا الإسلام الإنسان إلى التّفَكُر فيالمخلوقات لِيَسْتَدِلّ بها على أنها مخلوقة لِخالِق، وتكرر طلب التّفكر فيالقرآن الكريم مصحوباً بضرب الأمثلة الدالة على الخَلق في مواضع كثيرة منالقرآن الكريم.

أمّا بالنِسْبَة لإنكار الخَلْق لدىالشيوعييين وغيرهم من الماديين في العصر الحديث، فإنّ موضع الإنكار عندهميرتكز على قولهم أنّ العلاقات المتبادلة بين الحوادث وتكييف بعضها بعضاًبصور متقابلة، هي قوانين ضرورية لتطور المادة المتحركة، وأنّ العالم يتطورتبعاً لقوانين المادة المتحركة، أي لقوانين حركة المادة.

هذا هو موضع إنكار وجود الخالِق عندهم،فالتّعقيد جاءهم من تفسير ما في العالم من تغير وانتقال من حال إلى حال،وما فيه من وجود بعض الأشياء بعد أن لم تَكُن، وانعدام أشياء بعد أن كانت،أو على حَدّ تعبيرهم من تشكل المادة بأشكال مختلفة، ويفسرون ذلك بأنّهُيحْدُث من قوانين المادة وليس من شيء غيرها، فقوانين حَرَكَة المادة هيالتي تؤثِر في العالم الذي يتطور تبعاً لتلك القوانين، هذا هو موضعالإنكار، لذا كان المطلوب هو حَلُ تلك العقدة لديهم، أي أنّ محل البحث هوقوانين المادة وليس تغير العالم، وإذا حُلّت تلك العُقْدَة إنتفى جميع ماينادون به من التطور والإرتقاء المادي وخلافه، لأنّ كل تلك الأبحاث ارتكزتعلى عقدة قوانين المادة، فإذا ثَبَتَ أنّ هذه القوانين لَم تَاتِ من المادةلا هي من خَواصِها، وإنّما هي مفروضة عليها فَرْضاً من غيرها أي منخارجها، فإنّهُ يكون هناك غير المادة من يؤثر فيها، وبذلك تبطل نظريتهموَتُحَلُ العقدة لديهم، إذ يثبت لديهم أنّ العالم ليس سائِراً تبعاًلقوانين حركة المادة، بل سائِرٌ بتَسيير من أوجَدَ له هذه القوانين وفرضهاعليه فَرْضاً وأجْبَرَهُ أن يَسير بِحَسبِها، فبذلك تنتقض النظرية وتحلالعقدة حَلاً جَذْرِياً


الانفطار: 6 ? 8.

الغاشية: 17 ? 21.

الطارق: 5 ? 8.

الطور: 35 ? 36.

المؤمنون: 91.

فصلت: 35.

قوانين حركة المادة: هي ثاني بنود قوانينالمادية الجدلية " الديالكتيك "، ولزيادة الإطلاع على تفسيراتهم وخاصةتفسيرات: ستالين، انجلز، شيركوف، جارودي…الخ يمكن الرجوع إلى نفسالمصادر المدونة في حاشية الصفحة (227).

العقـــل يوصـــل إلــى الإيمـــان

إنّ الملاحِظَ للموجودات الثلاث التي يدرِكها عقل الإنسان وهي: الكَوْن والإنسان والحياة، بِعمْقٍ وإستنارة، يَجِدُ أنها مَحْدودَة . فالإنسانُ مَحْدودٌ لأنّه ينمو في كلّ شيء إلى حَدٍ لا يَتَجاوَزَهُ، فهوَ مَحْدود، والحَياة مَحْدودَة لأنّ مَظهَرها فرديٌ فقط، والمُشاهَدُ بِالحس أنّها تنتهي بالفرد فهي محدودة.

وَالحُكم على الإنسان يَجِبُ أن يَنْصَبّ على ماهيته، أي على جنْسِه، فما يَصْدُق على الماهِيَة يَصْدق على الجنس كلّه مهما تَعَدّدَت أفراده. وبِما أنّ الماهِيّة في فَرْدٍ مُتَحَقِقَة في الفَرْد الواحِد “وفي كلّ فَرْد” وَالفَرْد الواحِد يَموت، فَذلك يَعْني أنّ جنْس الإنسان يَموت، وما دامَت الحَياة تنتهي في الفَرْد الواحِد فَمَعْناه أنّ جنس الحَياة تَنْتَهي فَهِيَ مَحْدودَة.

وَالحَياة في الفَرْد ? إنْساناً كانَ أو حَيَواناً ? أمْرٌ يُحَسّ وإن كان لا يُلْمَس، وَيُفَرّقُ بِالحِسّ بَيْنَ الحَيّ والمَيّت، وهذا المَحْسوس مَوجود في الكائِن الحَي ومن مظاهِرِه النّمو والحَرَكَة والتَكاثُر، وهو مُمَثّل كليّاً وجزْئِياً في الفرد ولا يرتبِط بِأي شيء مطلَقاً.

والكون محدود، لأنّه مجموعة أجرام، وكل جرم منها محدود، ومجموع المحدودات محدود بداهة، وذلك لأنّ كلّ جرم منها لَه حُدود، أي لَه أوّل وآخر، فمهما تَعَدّدَت تلك الأجرام فإنّها تظلّ تنتهي بمحدود، والمحدود هو العاجز والنّاقص والمحتاج لايجاد شيء من العَدَم ،أي عاجزٌ عن إيجاد ما إحتاج إليه. ولا يقال أنّ الأشياء المُدْرَكَة المَحْسوسة إحتاجَت لِبَعْضِها ولكنّها في مَجْموعها مُسْتَغنِيَة عن غيرها، لا يُقال ذلك لأنّ الحاجَة إنّما تَظهَر وتَتّضِح للشيء الواحِد، وتُلمَسُ لمْساً ولا تُفْرَضُ فَرْضاً نَظَرِياً لشيء غير موجود فَيُفْتَرَض وجوده، فلا يقال أنّ النّـار فيـه قابليّة الإحراق وحتى تَحرِق فقد احتاجَت لِجِسْم فيه قابليّة الإحتراق، فلو إجتمعا معاً لإستغنيا ولم يحتاجا لغيرهما، لا يُقال ذلك لأنّه فَرَضٌ نَظَري، فالحاجة للنار وللجِسْم القابِل للإحتراق هي حاجَةٌ لشيء موجود حِسّاً ومَحْسوسٌ بِإحْدى الحَواس، أو مُدْرَك عَقْلِياً، وهو بالطبع مما يقع الحِسّ على مَدْلولِهِ حتى يَتَأتى إدراكه عَقْلاً، فالحاجة هي لشيء موجود، والنّار والجِسْم لا يوجَدُ من إجتماعهما شيء يحصل فيه الإستغناء أو الحاجًة.

وكذلِكَ الأشياء التي في الكَوْن لا يحصل من اجتماعها الإستغناء أو الحاجَة. فالحاجَة والإستغناء متمثلان في الجِسْم الواحد.

وبما أنّ مفهوم الإحتياج مُتَعَلِقٌ بعَدَم الإستغناء، الذي هو في الجِسم الواحِد، لذا فمفهوم الإشتراط المادي المتعلق بعدم فصل الأشياء بعضها عن بعض هو مفهوم خاطيء لأنه لا يوجد شيء يتكوّن من مجموع ما في الكون حتى يوصف

بأنّه مستغن أو محتاج. فقولهم أنّ مجموع الأشياء التي في الكون مستغنٍ أو محتاج هو وصف لواقعٍ غير موجود، لأنّه وصف لشيء متخيّل الوجود لا لشيء موجود. والبرهان يقوم على حاجة شيء معيّن موجود في الكون، لا لمجموعة أشياء يتخيل لها إجتماع يتكون منه شيء فيُعطى وَصْفُ الحاجة أو الاستغناء، لذا فهذا فَرَضٌ تَخَيّليٌ وليسَ واقِعِيّاً ولا يَرْقى حَتّى إلى أنّه فَرَض نظري.

ولا يُقالُ أنّ الأشياء احتاجَت إلى بَعْضِها فَأكْمَلَت بعضها فنفت بذلك الإحتياج، لا يُقال ذلكَ لأنّ الإحتياج ولو إلى شيء واحِدٍ في الدّنيا يُثبِتُ أنّه لا يوجَدُ في الكَوْن شيئ مُسْتَغْنٍ الإستغناء المُطْلَق، فَمُجًرَدُ احتياجه لشيئ واحد في الوجود يُثْبِتُ ولا بُد وَصْفُ الاحتياج، فاحتياج الجزء إلى جُزْءٍ آخرَ يُثبِتُ لَهُ وَصْفَ الاحتياج قَطْعَاً. وهذا كله ملموس محسوس بالنّسبة لجميع الأشياء المَوْجودَةِ على سَطْح الأرض وَلِما وَصَلَ إليه الإنسان من الأجرام.

هذا علاوة على أنّ الكَوْنَ هو مَجْموعَة أجرام، وكُلّ منها يَسير بِنِظام مَخْصوص ومُحَدّد، وهذا النظام إمّا أن يكون جُزء منه، أو خاصّة من خاصّياتِه أوشيء آخر غَيْره، فهو بالتّحديد أحَدُ هذه الإحتِمالات الثَلاثَة وليس غَيْرها ولا يُمْكِن أن يكون غَيْرها مُطْلَقاً، أمّا كونه جُزْءاً منه فباطل، لأنّ سَيْر الكواكب يكون في مدار معيّن لا يتعدّاه، والمدار كالطريق هو غير السائر فيه، والنظام الذي يسير فيه ليس مجرد سَيْرِهِ فقط، بل تَقَيُدِهِ بالسّير في هذا المدار لا يتعداه. ولذلك لا يمكن أن يكون هذا النظام جُزْءاً منه، وأيضاً إنّ السّيْرَ نفسه ليس جزءاً من ماهِيّة الكوكَب بل عملٌُ له، ولذلك لا يمكن أن يكون جزءاً منه، وأمّا أنّهُ خاصيّة من خَواصه فباطلٌ، لأنّ النظام ليس هو سير الكوكب فَحَسْب، بَل سَيْرَهُ في مَدار معين. فالموضـوع ليس السّير فقط بل السّير في مدار ونظام معيّن، فإن كان السّير من خَواصـه كـان عليه أن ينظم سَيْر نفسه، وحينئذٍ يستطيع أن ينظم نظاماً آخر ما دام مـن خواصـه التّنظيم، والواقـع أنّـه لا يستطيع ذلك، ولهذا لا يمكن أن يكون مـن خواصه، وما دام ليس جزءاً منه وليس من خواصه فهو غيره قطعاً وبالتّأكيد، فيكون قد احتاج إلى غيره، أي احتاج الكون إلى نظام ينظمه.

وأمّا الحياة فإنّ احتياجها إلى الماء والهواء ملموس محسوس، وأمّا الإنسان فإنّ احتياجه إلى الطّعام والشّراب والهواء ملموس محسوس، وعليه فإنّ الكونَ والحياة والإنسان كائنة في حالة احتياج دائِم.


مفهوم الاشتراط الماركسي: ورد هذا المفهوم كبند أول من مواد قوانين المادية الجدلية " الديالكتك " والذي ينص على: إنّ الطبيعة شيء واحد مرتبط، ترتبط فيه الأشياء والظاهر ارتباطاً عضوياً فيما بينها ويقوم بعضها على بعض، ويكيف بعضها بعضاً بالتبادل. والديالكتك يعتبر الطبيعة كلاً واحداً متماسكاً ترتبط فيه الأشياء والحوادث ارتباطاً عضوياً، ويتعلق أحدها بالآخر ويكون بعضها شرطاً لبعض. والديالكتك لا يعتبر الطبيعة تراكماً عرضياً للأشياء، أو حوادث بعضها منفصل عن بعض أو أحدها منعزل. أي حادث لا يمكن فهمه إذا نظر إليه بمعزل عن الحوادث. يقول ستالين: الديالكتك يعتبر الطبيعة كلاً واحداً… كما يقول: ترتبط الأشياء والحوادث ارتباطا عضوياً. ويقول انجلز: وحدة العالم قائمة على ماديته. كما يقول ستالين: يكون بعض الحوادث والأشياء شرطاً للبعض. كما يقول مفسراً: أيّ حادث لا يمكن فهمه إذا نظر إليه منفرداً بمعزل عن الحوادث.. أما هيجل فيقول: الشيء بذاته ليس حقيقياً بينما الكل هو الوحيد الحقيقي.

لمزيد من التوسع ? لمن رغب ? يمكن الرجوع إلى:

  • د. محمد عزت نصر الله، الرد على صادق العظم، الصفحات ( 303-320)

  • أسس الاشتراكية العربية، صفحه (67) وما بعدها.

    • ستالين، المادية الجدلية والمادية التاريخية، الصفحات ( 16) وما بعدها.
  • الماركسية في الفلسفة، الصفحات ( 34 ? 75 )

  • انجلز، ضد دهرنج، صفحه ( 74 ).

  • بيس وكافنج، بولتزير، الجزء الأول، الصفحات ( 50 ? 80 )

**أمّا الأرض " Earth ": وهي ما لها علاقة مباشرة ووثيقة بالإنسان وحياته، إذ هو يعيش فوقها فهي ـ في علم الفلك ـ إحدى الكواكب السّيارة في النظام الشّمسي الذي يقع في طرف مجرتنا، والتي ورائها مئات الآلاف من المجرات والسُّدُم … وهي الكوكب السيّارة الوحيد التي أُتيح لها من بين الكواكب الأخرى في هذا النظام أن تكون صالحة للحياة، وذلك بما خصّها الله به من كثافة وجاذبية وحركة وهواء وماء وما إلى غيرها من أسباب الحياة.

إنّ في النظام الشمسي عدة سيارات كبار غير الأرض، منها ما هو أقرب إلى الشّمس من الأرض، ومنها ما هو أبعد، ومنها ما هو أكبر، ومنها ما هو أصغر، ومنها ما هو أسرع دوراناً حول الشمس وحول محوره، ومنها ما هو أبطأ، ولكنها كلها منفتقة عن السّماء - كما يقول القرآن الكريم- أو منفصلة عن الشّمس -كما يقول علماء الفلك- والمعنى واحد. وأشهر السيارات في النظام الشمسي هي:

عطارد “Mercury” :

يدور كالأرض حول نفسه وحول الشمس، ومدّة هذا الدوران 88 يوماً في الحالتين، وهذا يعني أنّ عطارد له وجهان، أحدهما موجه دائماً نحو الشمس، فنصفه شمس والنصف الآخر زمهرير… وكثافته تقارب كثافة الأرض، الجاذبية به قليلة. ليس فيه هواء … ولهذه الأسباب فهو لا يصلح للحياة.

الزهرة “Venus” :

تدور هي الأخرى على نفسها في نفس المدة التي تدور بها حول الشّمس، أي خلال 225 يوماً، وهي مثل القمر، تتجه بأحد وجهيها نحو الشّمس، والوجه المتجه نحو الشّمس حرارته 90 درجة، بينما الوجه الثاني 20 درجة تحت الصفر. ليس فيها هواء ولا ماء، بل فيها بخار سميك، وتلك المزايا تجعلها غير صالحة للحياة.

المريخ “Mars” :

يدور حول نفسه مرة كل 24 ساعة تماماً كما الأرض، ولكنه يدور حول الشمس 687 يوماً، ويبعد عن الشّمس 142 مليون ميل، وحرارته في النهار بضع درجات فوق الصفر، ولكنها في الليل تنزل إلى 70 درجة تحت الصفر، سطحه بر لا بحر فيه ولا ماء، وإن توهم بعض الباحثين في النصف الأول من القرن العشرين أنّ على سطحه أحياء… هواؤه مؤلف من غاز أثقل من الأوكسيجين. جاذبيته 1/3 جاذبية الأرض، فلا تكفي إذاً لحفظ الأوكسيجين في هواؤه. ولهذه الأسباب فهو لا يصلح أبداً للحياة على رأي المحققين من العلماء.

المشتري “Jupiter”:

يتم دورته حول الشّمس في 12 سنة، ويدور على محوره في كل 10 ساعات، يبعد عن الشمس 484 مليون ميل تقريباً، ودرجة الحرارة فيه 130 درجة تحت الصفر، كثافته ¼ كثافة الأرض، ويرجح العلماء أنه كتلة من الغاز والمواد الذائبة، فمن البديهي ألا يكون صالحاً للحياة.

زُحَل “Satorn” :

يتم دورته في 29 سنة حول الشمس، ودورته على محوره في 10 ساعات، وبعده عن الشمس 887 مليون ميل، فيصل إليه من حرارة الشمس جزء من 90 جزء مما يصل إلى الأرض، كثافته أقل من ¼ كثافة الأرض، ويظهر أنّ مادة سطحه مائعة متحركة، فمن الطبيعي أنّه لا يصلح للحياة.

امّا “أورانوس Uranus” و “نبتون Neptune”[ 1] و “بلوتو Pluto”[2 ]

فعدم صلاحها للحياة أظهر لأسباب كثيرة، لاسيما وأنّ الأول يتم دورته حول الشّمس كل 48 سنة تقريباً، ويدور على محوره في 10 ساعات، وبعده عن الشّمس 172 مليون ميل. أمّا الثاني فيتم دورته حول الشّمس في 169 سنة تقريباً، ويدور حول محوره في 10 ساعات، وبعده عن الشّمس 2792 مليون ميل تقريباً. أمّا الثالث فيتم دورته حول الشّمس في 247 سنة، وبعده عنها 3670 مليون ميل تقريباً. فيكون كل من فصلي الشتاء والصيف في أحدهما 42 سنة، والثاني 84 سنة، والثالث 123 سنة، أما النهار فهو خمس ساعات في كل منهم، وكذلك الليل.


يطلق هذا الاسم أيضاً على إله البحر عند الرومان.

يطلق هذا الاسم أيضاً على إله الموتى والعالم السفلي عند الرومان. أما " بلوتس Plutos " فهو يطلق على إله الوفرة والثروة عند اليونان.

التكويــــن (1)

قال الله تعالى :

(أوَ لَمْ يَرَ الذينَ كَفَروا أنَّ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ كَانَتا رَتقاً فّفّتَقناهُما وَجَعَلنا مِنَ الماءِ كُلَّ شيءٍ حيٍٍ أفَلآ يؤُمِنونَ)[2 ]

لقد كانت السموات والأرض منسدتين، ففتق السّموات فجعلها سبعاً والأرض سبعاً. وكانت السّماء لا تُمطر، وبعد فتقها بدأت تمطر، والأرض لم تكن تنبت، فبدأت بالإنبات، وصارت صالحة للحياة.

(وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)[3 ]

والمراد بخلق السموات والأرض هو جمع اجزائها وفصلها وفتقها من سائر ما يختلط بها من المواد المشابهة المركومة. وكان عرشه سبحانه يومها على الماء، أي أنّ المادة الأولى التي كان يتألف منها الكون هي الماء. وأمّا قوله سبحانه وتعالى (ثم استوى على العرش) فيعني احتواءه السموات والأرض، وأخذه في تدبيرهما.

( والسّماء بنيناها بِأييدٍ وَإنّا لمُوَسِعونَ ï?، وَالأرْضَ فَرَشْناها فنِعْمَ الماهدونَ ï?، وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خلقنا زَوْجَين لعَلكُمْ تذكَرونَ ï?،)[ 4]

(وَسِعَ كُرْسِيُهُ السَّمَواتِ وَالأرْضَ وَلا يَئودُهُ حِفظُهُما وَهُوَ العلي العظيم)[5 ]

(أفلم يَنْظُروا إلى ألسَّمآءِ بَنَيْناها فوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيْناها وَما لهل مِنْ فُروجْ ï?، وَالأَرْضَ مَدَدْناها وَألْقَيْنا فيها رَواسِيَ وَأنْبَتْنا فيها مِنْ كُلّ زَوْجٍ بَهيج ï?، تَبْصِرَةً وَذِكْرى لكل عَبْدٍ مُنيب ï?،)[6 ]

(الذّي خَلقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزيزُ الغفورُ ï?، الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَواتٍ طِباقاً ما تَرَى في خَلْقِ الرَّحْمانِ مِنْ تَفاوُتٍ فَأرْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فٌطورٍ ï?، ثُمَّ أرْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسيرٍï?،)[7 ]

طباقا :

أي بعضها فوق بعض من غير مماسة .

ماترى في خلق الرّحمن من تفاوت : أي تباين وعدم تناسب .

فأرجع البصر :

أي أعده إلى السّماء .

هل ترى من فطور :

أي هل ترى من صدوع وشقوق .

ينقلب إليك البصر خاسئاً :

أي ذليلاً لعدم إدراك الخلل .

وهو حسير :

أي كليل منقطع عن رؤية الخلل .

نحن لا نريد البحث في العوالم السماوية، وما خلق الله فيها، وما هي عليه من أحكام وتنظيم، بل نترك هذا لِمَنْ يريد أن يعرف ما في هذا الكون من إتساع ودقة وإنتظام، فيعود إلى علم الفلك، ليرى في الحقائق التي أثبتها ذلك العلم ما يدهش العقول، ويرمي النفوس في الذهول. لكننا نكتفي بالإشارة هنا إلى ما له علاقة بموضوع خلق الإنسان وتكوينه من خلال العلم المذكور، ولإن كان في إشارتنا جزء يسير من ذلك الفيض الذي لا ينبض.

لقد توصل علماء الفلك إلى التقرير بإنّ المجرة[8 ] التي يقع في طرفها النظام الشمسي والتي تسمى “درب التبان” ويسميها الإفرنج “الطريق اللبنية” أو “الدرب اللبنية Milky way galaxy”، يقع ورائها كثير من “السُّدُم nebolas”[9 ]، ومن جملته “سديم المرأة المسلسلة” الذي يبعد عنا مليون سنة ضوئية، وقد قدّرالعلماء حتى الآن، من هذه السدوم بعدما رأوها في الآت التصوير حوالي (500) ألف سديم، ويقولون أنّه لو تقدمت تلك الآلات وازدادت إتقاناً فلربما رأوا أكثر من مليون سديم.


هذا الفصل بالكامل ( بدون الصور والحواشي السفلية )، منقول بتصرف عن كتاب: مجمع البيان الحديث ? قصص الأنبياء في القرآن الكريم)، سميح عاطف الزين، الصفحات ( 39 ? 57 ).

الأنبياء : ( 30 ) .

هود: ( 8 ).

بأيد:ريات: ( 47 ? 49 ). بأيد : يعني بقوة .

البقرة: 255 ( آية الكرسي ). لا يؤده: يعني لا يعجزه حفظهما.

فروق: 6 ? 8 ).. فروج : أي شقوق تعيبها .

الملك: ( 2 ? 4 ).

المَجَرَّة " Galaxy ": نظام سماوي يتألف من نجوم وسُدُمْ " Nebolas " ومادة بَيْنَجيمية " Interstellar “. والمجرة التي يؤلف نظامنا الشمسي جزءاً منها تشتمل على ما يقارب مئة مليار نجم. وهي تدعى " الطريق اللّبنية”. وفي هذا الكون عدد لا يحصى من المجرات. وقالوا أنّه يوجد نحواً من خمسمائة مليون مجرّة. وهي تنزع إلى التجمع في عناقيد، أكبرها " عنقود كوما Coma cluster " الذي يتألف من عشرة آلاف مجرة تقريباً.

السّديم Haze: هو ضباب رقيق ناشئ عن وجود الدخان أو الغبار أو الملح في الهواء، أو عن وجود بعض جسيمات الماء البالغة الصغر فيه، وقد ينشأ السّديم في شهور الصيف الحارّة عن إحترار الهواء على نحو غير متوازن مما يؤدي إلى تفاوت في الكثافة وتفاوت في انكسار موجات الضوء أيضاً. أما المقصود في البحث فهو ما يسمى " السّديم أو الغيمة السديمية Nebula " وهي كتلة سحابية الشكل من غاز أو غبار أو منهما معاً، تكون في الفضاء البينجمي " أي الواقع بين النجوم " وتتوهج بفعل أشعة النجوم المجاورة المنعكسة عليها. أما إذا عدمت هذه الأشعة فعندئذ تبدو أشبه بكتلة سوداء تحجب ضياء النجوم الأكثر بعداً وهي تعرف في هذه الحال " السد يم المظلم dark nebula ".

وهناك نظرية وضعها الرياضي الفرنسي " لابلاس " عام ( 1796 ) تسمى " السّديمية Nebular hypothesis "وهي تقول بأنّ الشمس نشأت من سديم غازي ضخم ساخن دوّار، برد شيئاً فشيئاً وتقلص متخذاً شكل كرة. ولقد كان من نتائج هذا التقلص أن انفصلت عن الشمس حلقات غازية ما لبثت أن تقلصت بدورها وشكلت الكواكب السّيارة، وهكذا نشأ في رأيه النظام الشمسي.

ولقد أخذ علماء الفلك بتلك النظرية طوال القرن التاسع عشر، تكاثرت بعها سهام النقد الموجهة إليها، ومن ثم أخذ العلماء بنظرية جديدة معارضه هي " النظرية الكويكبية Planetesimal hypothesis " وهي افتراض طلع به العالمان الأمريكيان " توماس تشمبرلين وفورست مولتون " عام ( 1906 ) لتقسير نشوء الكواكب السيارة. وهي تقول أنّ الشمس لم يكن لها في الماضي السحيق كواكب سيارة تدور حولها، وأنّ كتلاً ضخمة من المادة فصلت عنها بفعل جاذبية نجم أكبر منها، وإنّ هذه الكتل التي تدعى الكويبكات اتخذت لها مدارات اهليليجية حول الشمس ثم اتحدت لتشكل ما يعرف " الكواكب السيارة.

أما " الكويكب أو السيير Plantoid - asteroid " فهو كما يقولون جرم سماوي صغير يدور مثل الأرض وسائر الكواكب حول الشمس. وتقع مدارات السييرات أو الكويبكات بين مداري المريخ والمشتري في المقام الأول، ويقولون أنّهم اكتشفوا حتى الآن أكثر من ( 1700 ) كويكب، ومعظم السييرات صغير يقل قطره عن ميل واحد.

وللباحث “عطية زاهدة” نظرية نشرها سنة (1988)، في كتابه “من يصدق أنّ الشمس لا تضئ” ينفي بها أن تكون الشمس هي المصدر الحقيقي للضوء والحرارة. وإذا ثبت صحة تلك النظرية فذلك يعني إعادة النظر في كل النظام الشمسي برمته، وإعادة تقييم المعلومات الفلكية المتداولة ـ جميعها أو معظمها ـ على وجه آخر جديد.

**بويضة (Ovum) مثل بيضة الدجاجة، ولكنها أصغر منها بكثير، قطرها يتراوح بين جزء وبين جزئين من (10) أجزاء من المليمتر. ووزنها جزء من مليون جزء من الغرام وفيها مُح (cytopalasme) وفي المح (الحويصلة الجرثومية (Nuyauالتي يبلغ قطرها جزءاً من (700) جزء من القيراط. وفيها تكمن (النطفة الجرثومية Nucleole) التي يبلغ قطرها جزءاً من (3000) جزء من القيراط… هذه هي البويضة. تتكون في ظلمة المبيض ضمن حويصلة تسبح في سائلها الألبوميني (الزلالي Albumin). فإذا نمت هذه الحويصلة وازداد السائل الذي في باطنها، يتمدد غشاؤها ويرق ثم ينفجر وتخرج البويضة منها ومن المبيض كله .

الجهاز التناسلي المذكر “محل البذر” يتكون من مصنع للنطف ومن مجموعة من الأنابيب الدقيقة التي توصل تلك النطف Spermatozoons عبر السائل المنوي إلى الإحليل…

وتسير البويضة إلى فم (البوق Oviduct) وهو عبارة عن طريق ضيق دقيق قطره قطر شعرة ، يختبئ وراء (الرحم Uterus) ويمتد منه إلى (المبيض Ovay) ويدخل (الحيوان المنوي المذكرMale Spermatzoon) من الرحم حتى يصل إلى (البوق Oviduct) حيث يلتقي بالبويضة. ولكن هذا الحيوان صغير جداً جداً بالنسبة إلى البويضة، فطوله عبارة عن 60 جزءاً من ألف جزء من المليمتر، يسبح بسرعة هائلة في السائل (المنويSpermatic) الذي يقذف به ، وسباحته تتم في حركة لولبية حى تؤتي السّرعة المطلوبة، وجوهر هذا الحيوان المَنَـوِيُّ في رأسه لا في ذنبه، ولذلك جعل له رأس مُكوّز وَجُعِلَ برأسه عنق لولبي، وَجُعِلَ لعنقه ذنب طويل يَضرب به الماء الذي يسبح فيه ويقذف بنفسه، وجعل هذا الذيل معقوداً بأنشوطة لينفكَّ عنه إذا دخل البويضة.

أما عدد الحيوانات المنوية الذكرية (Male Spermatzoons) فيربو على (200) مليون، ولكنه لا يصل إلى البويضة إلاّ من كان أقواها وأسرعها، حتى يمكنه اختراق الباب الخاصّ الذي يوصله إلى البويضه، الباب المسمى: باب الجاذبية (Cone d`attraction) فعندما يدخل الحيوان المنوي ينغلق الباب، وتنقطع الجاذبية وبذلك تموت جميع الحيوانات المنوية الأخرى. ثم تستقرّ البويضة في (الرَّحْم Uterus)، فتفتح خلايا غشائه المخاطي، وتتسع الشعيرات الدموية فيه، وتنشط الغدد، ثم يبدأ العمل المشترك ما بين الحيوان المنوي والبويضة في بناء الإنسان الجديد. فيمشج الشريكان كلٌ ما عنده بما عند الآخر من عناصر التخطيط النووي (الكروموزات Chromosomes) وما فيها من الخلق المخلقة (الجينات Genes) التي خطّتها وخلّقتها وسوّتها يدُ المٌقدِّر الخالق لها قانوناً وسُنّةً عبر الأجيال من الجدود والآباء إلى الأبناء والأحفاد من (سلالة من طين) ثم (سلالة من ماء مهين) لتتكوّن من هذا الإختلاط (النطفة الأمشاج Fertilized Ovem) التي أشار إليها أحسن الخالقين:

(إنّا خَلقنا الإنسانَ مِنْ نُّطفةٍ أمْشاجٍ نَبْتليهِ فَجَعَلناُ سَميعاً بَصيراً) وعناصر التخطيط والتخليق والتسوية التي يخلِقُ الله بها المضغة لتكون بشراً سوياً فرداً يتميز عن غيره من الناس بكل صفاته الجسدية والعقلية من شكلٍ وقدٍ ولون وذكورةٍ وأنوثةٍ وجمال وذكاء وأخلاق ترسم كلها للفرد الخطوط الأولى من حظه في الحياة.

وهكذا فإنّ البويضةّ التي تحمل في نواتها عناصر التخطيط المذكورة، تسير النطفة الأمشاج سيراً رهواً بطيئاً في البوق فلا تنتهي منه إلى الرّحم إلآ بعد ثمانية أو عشرة أيام، تقوم خلالها بتقسيم نفسها تقسيماً بعد تقسيم لكي تهيأ لكل قسم وتعدّه للدور الذي سيقوم به في تكوين الجنين الجديد أو في حفظه وحمايته ووقايته أو تغذيته.

وعندما تصل تلك البويضة الملقحة إلى الرّحم تلتصق بجداره، وتبدأ خلايا ألأقسام عملها العظيم بالتعاون مع بعضها أو مع خلايا جدار الرّحم، فتجعل حول الجنين غلافاً فوق غلاف فوق غلاف…

فالغلاف الأول الظاهر الذي يحيط بجميع الأغشية ويسمى (السّلي Chortion) فهو المعدّ في جانبه الملتصق بجدار الرّحم كوسيلة للتغذية الأولية ثم لتكوين المشيمة الحجبية، وفي جانبه الظاهر غير الملتصق بجدار الرّحم كوسيلة لوقاية الجنين وحفظه.

والغلاف الثاني ينسج تحت الكوريون ليحيط بالجنين إحاطة كاملة من وراء غلاف مائي يحيط بالجنين إحاطة مباشرة ليقيه مع الغلافين الأولين كل صدمة أو رجة تأتي من الخارج. وتبدأ في الوقت نفسه، الخلايا الجرثومية (المخلّقة) التي تكون الجنين سيرها في تطورها من نطفة إلى علقة إلى مضغة، على الترتيب الذي القرآن الكريم.

ومن هذه المضغة المخططة المخلقة بكروموزوماتها المتخالطة وجنيناتها يبدأ تكوين الأعضاء والأحشاء، كما بدأ تكوين أغشية الحفظ والوقاية والتغذية من خلايا المحّيّة غير المخلقة. فيقوم قسم من الخلايا الجرثومية بتكوين مباديء القلب، بينما يقوم قسم آخر منها بتكوين المخ ومباديء العمود الفقري، إلى جانب خلايا أخرى تقوم بتكوين مباديء الأحشاء من الجهاز الهضمي والتنفسي والتناسلي، إلى جانب خلايا أخرى تقوم بتكوين العظام، كل في دائرة اختصاصه. فلا ينتهي الشّهر الثاني إلآ وتكاد المضغة تصبح إنساناً كاملاً بجميع أعضائه وأحشائه وأعصابه. وهنا السِّر في الخلق، إذ أنّ هذه الخلايا لها من فطرة الخالق ما يعطيها القدرة على أن تسوّي إنساناً كاملاً، ولكنها تصير عاجزة حين تصبح هي نفسها إنساناً كاملاً عن أن تخلق ذبابة. (فسُبْحانَ الذي أعطى كل شيء خلقه ثُمَّ هدى)


القيراط: هو جزء من 20 جزء من المثقال الذي يساوي 4.25) جرام).

الإنسان ( الدهر ): ( 2 ).

طه: ( 50 ).

الشَّـــهوة والجهـــاز
إن بقي في النفوس شئ من الشّك والرّيب بعد كل ما أعلمنا الله به وهدانا إليه، إذا بقي أي شك في البعث والحساب بعد الموت، فليتفكر الإنسان في نفسه وفي مراحل تكونه وتخلقه يجد البرهان والدليل. قال تعالى "وَفي الإرْضِ آياتٌ لِلموقِنينَ!وفي أنْفُسِكُمْ أفلا تبصِرونَ !)

لقد خلق الله سبحانه وتعالى البشر بني آدَمَ، وكرّمهم على غيرهم من المخلوقات، وجعل بقاء النوع الإنساني مرتبطاً بالزوجية والتناسل الحاصل بينهما، لذا فقد خلق الله لكل من الزوجين جهازاً تناسلياً خاصاً، يُقابل جهازاً تناسلياً آخر خاصاً بالطرف الآخر، ومن كل من الجهازين مجتمعين يتخلق الإنسان.

ولم يوكل التكاثر والتناسل إلى هذين الجهازين العضويين فحسب، إنَّما زرع في كُلٍّ من الذكر والأُنثى الغريزة القوية الدافعة، فيبرز إندفاع تلك الغريزة في مظهر الجوعات الجنسية المتطلبة الإشباع، فشاءت إرادة الله تعالى أن تثور جوعة الجنس متطلبة الإشباع ليتحقق بقاء النوع الإنساني. وفي ذلك يقول “إبن القيم الجوزية”:

(ثم لمّا أراد الله سبحانه وتعالى أن يذر نسلهما ـ أي آدم وحواء ـ في الأرض ويكثره، وضع فيهما حرارة الشّهوة ونار الشّوق والطَلَب. وَألْهَمَ كُلاً منهما اجتماعه بصاحبه، فاجتمعا على قدر… تُمَّ اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أن قدّرَ لخروجها ـ الشّهوة ـ أقوى الأسباب المستفرغة لها من خارج وداخل… فقيض لها صورة حَسَّنها في عين الناظر وشوقه إليها. وساق أحدهما إلى الآخر بسلسلة الشَّهْوَةِ والمَحَبَةِ، فَحَنَّ كل منهما إلى امتزاجه بصاحبه واختلاطه به، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً… وجعل هذا محل الحَرْث وهذا محل البَذر ليلتقي الماءان على أمر قد قُدِّر )

هذا بالنسبة للغريزة وشهوتها ـ أي ثورتها متطلبة الإشباع ـ. أمّا بالنسبة للتركيب العضوي : فالجهاز التناسلي المذكر ـ محل البذر ـ " Male Genitalia " يتكون من مصنع للنطف “Spermatozzons” ومن مجموعة من الأنابيب الدقيقة الملتفة التي توصل تلك النطف عبر السائل المنوي إلى الإحليل “Penis”، والإحليل “القضيب” هو عضو انتصابي بانصباب الدّم فيه حتى يمكن ايلاجه في الفرج “Tiller”، وقذف هذه النطف بالقرب من عنق الرحم في المرأة.

ويتكون الجهاز التناسلي الأنثوي ـ محل الحرث ـ “Female Genitalia” من أعضاء تناسلية ظاهرة وأخرى باطنة. أمّـا الظاهرة فتشتمل على فتحة الفرج “Insertion Vent” وعلى حافتيه الشفران الصغيران والشفران الكبيران، وتقع فتحة الفرج في الدهليز… ويقع أمام فتحة الفرج صماخ قناة مجرى البول. وعند التقاء الشفرين الصغيرين من أمام يقع البظر"Clitoris". أما إلتقاء الشفرين الكبيرين من أمام فيكون جبل الزهرة.

أمّا الأعضاء الباطنة فتشمل مصنع النطف الأنثوية وهم : المبيضان " Ovaris " ، والرحم " Viterus " وقناتيه ، والمهبل " Vegina " ، مخزن الحرث حيث يختزن الجنين .

إنّ بقاء النوع الإنساني متوقف على الزوجية المنتجة للذرية. والزوجية تعتمد على التقاء وتزاوج جهازين تناسليين، أحدهما ذكري والآخر أنثوي، ليقوما معاً بإنتاج المخلوق في عملية دقيقة، كما يعتمد ذلك أيضاً على الشهوة الكامنة في الإنسان ذكره وأنثاه وهي غريزة النوع التي تثور طالبة الإشباع، ودافعة كلا الزوجين “الذكر والأنثى” إلى الإلتقاء الجنسي والتزاوج، إذ اودعت لدى كل منهما الشّهوة للإلتقاء بقرينه بقصد الإشباع بالإستمتاع واللذة، ليتم أمر الله تعالى الذي قُدر، بالتناسل لبقاء النوع الإنساني.

(وهكذا نجد بأنّ نظام الزّوجية هو الوسيلة الوحيدة لبقاء الحياة التي شاء الله بقاءها واستمرارها على الأرض بالتناسل. ونظام الزّوجية هو الدليل الثابت على ما في إطراد الزّوجية في النبات والحيوان من دليل على القصد ونفي المصادفة، ويظل التكوين الجنيني للإنسان في تصويره، وخلقته وعظامه وكسوته، وقراره المكين إلى قدره ومدته، في زوايا ظلمته… أعظم دليل على القصد الإلهي. قال تعالى: (نخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً بعد خلقٍ في ظلمات ثلاث)


الذاريات: ( 20 ? 21 ).
ابن قيم الجوزية، التبيان في أقسام القرآن، صفحه ( 338 ).
صماخ: ثقب.
الزمر: ( 6 ).

**فلما أتت عليه مائة عام، وكان فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث. قال: فبعث الله إلى عزير ملكاً فخلق قلبه ليعقل، وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحي الله الموتى، ثم ركّب حَلقَهُ وهو ينظر، ثم كسى عظامه باللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك وهو يرى ويعقل فاستوى جالسأ. فقال له المَلَك: كم لبثتَ؟. قال: لبثتُ يوماً أو بعض يوم، وذلك أنه كان لبث صدر النهار عند الظهيرة، وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب، فقال أو بعض يوم ولم يتم لي يوم. فقال له المَلَك: بل لبثتَ مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك، يعني بالطعام الخبز اليابس، وشرابه العصير الذي اعتصره في القصعة، فإذا بهما لم يتغير حالهما، فذلك قوله تعالى “لم يتسنه” يعني لم يتغير، وكذلك التين والعنب غض لم يتغير شئ من حالهما. فكأنّه أنكر في نفسه في قلبه فقال له المَلَكَ: أنكرت ما قلت لك؟ أُنظر إلى حمارك، فنظر إلى حماره قد بليت عظامه وصارت نخرة، فنادى المَلَكُ عظام الحمار فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى رَكَبَّهُ المَلَكَ وعزير ينظر إليه، ثم ألبسها العروق والعصب، ثم كساها اللحم، ثم أنبت الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الروح، فقام الحمار رافعاً رأسه وأُذنيه إلى السَّماء ناهقاً. فذلك قوله تعالى: (وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية ، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً) يعني: وانظر إلى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضاً في أوصالها حتى إذا صارت عظاماً مصوراً بلا لحم، ثم انظر كيف نكسوها لحماً. (فلما تبين له قال أعلم أنّ الله على كل شئ قدير ) أي من إحياء الموتى.]

ولرب سائل يتساءل: هل هذا الرجل المار على تلك القرية الخربة المحطمة على قواعدها كان ملحد كافر بالخلق والبعث بعد موت فألقى جملته "أنى يحي هذه الله بعد موتها "إنكارأ وجحوداً؟. وعلى هذا التساؤل يجيب صاحب الظلال:

[إنَّ القائل ليعرف أنّ الله هناك، ولكن مشهد البلى والخواء ووقعه العنيف في حسه يجعله يحار: كيف يحي هذه الله بعد موتها؟ وهذا أقصى ما يبلغه مشهد من العنف والعمق في الإيحاء… وهكذا يلقي التعبير القرآني ظلاله وايحاءاته، فيرسم المشهد كأنّما هو اللحظة شاخص تجاه الأبصار والمشاعر. "أنى يحي الله هذه بعد موتها!! كيف تدبُّ الحياة في هذا الموات؟ "فأماته الله مائة عام، ثُمَّ بعثه. لم يقل له كيف، إنَّما أراه في عالم الواقع كيف!!! فالمشاعر والتأثرات تكون أحياناً من العنف والعمق بحيث لا تُعالَجُ بالبرهان العقلي، وحتى بالمنطق الوجداني، ولا تعالج كذلك بالواقع العام الذي يراه العيان… إنّما يكون بالتّجربة الشخصية الذاتية المباشرة، التي يمتلئ فيها الحس، ويطمئن بها القلب، دون كلام!.. (قال كم لبِثْتَ قال لبثتُ يوماً أو بعض يوم). وما يُدريه كم لبثَ، والإحساس بالزمن لا يكون إلآ مع الحياة والوعي؟ على أنَّ الحس الإنساني ليس المقياس الوحيد للحقيقة، فهو يُخدَعُ وَيَضِل فيرى الزمن المديد قصيراً لملابسة طارئة، كما يرى اللحظة الصغيرة دهراً طويلاً لملابسة طارئة كذلك!: (قالَ لبثتُ مائة عام).

وتبعاً لطبيعة التجربة، وكونها تجربة حسّية واقعية، نتصور أنَّهُ لا بُدَّ كانت هُناك آثار محسوسة تصور فعل مائة عام… وهذه الآثار المحسوسة لم تكن في طعامه وشرابه، فلم يكونا آسنين متعفنين: (فأنظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه) وإذأ فلا بد أنّ هذه الآثار المحسوسة كانت ممثلة في شخصه أو في حماره: (وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً)… أية عظام؟ عظامه هوَ؟. لو كان الأمر كذلك ـ كما يقول بعض المفسّرين أنّ عظامه هي التي تعرت من اللحم ـ للفتَ هذا نظره عندما استيقظ، ووخز حسه كذلك، وَلمَا كانت إجابته: (لَبِثتُ يوماً أو بعض يوم).

لذك نُرَجِحُ أنَّ الحمار هو الذي تعَرَّت عظامه وتفسّخت، ثمَّ كانت الآية هي ضَمُ هذه العظام بعضها إلى بعض وكُسْوَتها باللحم وردها إلى الحَياة، على مرأى من صاحبه الذي لم يمسه البلى، ولم يصب طعامه ولا شرابه العفن، ليكون هذا التباين في المصائر والجميع في مكان واحد، مُعَرَّضونَ لِمُؤثرات جوية وبيئية واحده، آية أُخرى على القدرة التي لا يُعْجِزها شئ، والتي تتصرف مطلقة من كل قيد، وليدرك الرجل كيف يحي هذه الله بعد موتها!!!]

نعــــم، إنَّ ظلال النَّص القرآني توحي إلينا بخطأ ما ذهب إليه إبن كثير وغيره من رواية “بشر بن إسحق” السابقة من تعري عظام صاحب العظام وإعادة كسوتها باللحم، فالآية كانت فيه (ولِنجعلك آية للناس)، وذلك يعني أنّه لم تُبلى عظامه في حين بليت عظام حماره.

كانت تلك قصّة من القصص العديدة، التي أتى بها القرآن الكريم لِلَفت إنتباه الإنسان إلى قدرة الله المطلقة في الخلق والإنشاء والإماتة وإعادة البَعْث، لتكون برهانأ آخر يُضاف إلى البراهين العديدة في طريق الإيمان، وهكذا قالَ الرَّجُل الذي مرّت به التجربة شخصياً ولم تُنْقَلُ إليه نقلاً أو روايَةً، بل شاهدها بعينيه وأحسها ولمسها بنفسه: (أعْلَمُ أنّ الله على كل شئ قدير)… قدير على الخلق من عَدَم… وقدير على قبض الروح ونزع الحياة متى شاء… وقدير على إعادة الحياة وبعث الإنسان من جديد.


ابن كثير، قصص القرآن، الصفحات ( 631 ? 634 ).

  • إبن كثير، البداية والنهاية، مجلد ( 1 )، الصفحات ( 43 ? 46 ).

قطب ? سيد قطب، في ظلال القرآن، مجلد (1)، جزء ( 3 )، الصفحات ( 229 ? 300 ).

  1. إعــادة الحيــاه

إنَّ الروح هي سِرُّ الحياة، كما أنَّ لها مظاهر وآثاراً تدل عليها، ومن مظاهر الروح: الفقه والعقل والإستماع والإبصار والحركة الإرادية، فلا توجد إلآ بوجود الروح، فإذا نزعت الروح فقدت كل تلك الآثار والمظاهر وانعدمت الحياة، وفي النَّوم يتوفى الله الأنفس ويقبض الأرواح، لذلك فالنائم يفقد مظاهر الروح من الفهم والإدراك والإبصار والإستماع والحركة الإرادية، قال تعالى : (اللهُ يَتَوَفَى الأنْفُسَ حينَ مَوْتِها وَالتي لَمْ تَمُتْ في نَوْمِها فيمسِكُ التي قضى عَليها المَوْت وَيُرْسِل الأخرى إلى أجَلٍ مُسَمى)

وحادثة “أصحاب الكهف والرَّقيم” هي من الشّواهد الدّالة على قدرته تعالى، حين أوقف حياة هؤلاء الفتية وقبض أرواحهم ـ إلى أجل مُسَمى ـ فأستغرقوا في سّبات عميق لمدة قرون عدة، ثُمَّ أعاد إليهم الحياة ليكونوا آية دالة على عظمته وقدرته تعالى.

وليست تلك الحادثة هي فريدة نوعها، إذ يورد لنا النَّص القرآني حادثة مشابهة جرى فيها إعادة الحياة، تلك الحادثة يسوقها النص القرآني في “سورة البقرة” في معرض الحديث عن سرّ الحياة والموت والخلق والبعث، ومن ضمن الآيات العديدة التي يركز فيها القرآن على الجانب العقائدي لإنشاء التصورالصحيح لحقائق هذا الوجود، ليدرك المسلم حقائق عقيدته من خلال رؤية واعية عميقة ومستنيرة، تلك الرؤية القائمة على الأدلة والشواهد المؤدية إلى الجذم واليقين الثابت المطمئن، ليؤدي للتصور الشامل لحقيقة هذا الوجود وارتباطه بخالقه، ومن ثم إلى إدراك الإنسان لصلته بالله الخالق إدراكاً يقينياً ثابتاً، بحيث يوجد لدى الإنسان ايماناً أي تصديقاً جاذماً مطابقاً لهذا الواقع الذي أحسه وأدركه عن دليل عقلي ثابت، يبعد عن الظّن والوهم والشك ونظريات الإحتمال. فإلى النّص القرآني: (أوْ كَالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَة على عُروشِها قالَ أنى يُحْيِ هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللهُ مائَةَ عامٍٍ ثُمَّ بَعّثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أوْ بَعْضُ يَوْمٍ ٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَهْ وَانْظُرْ إلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلناسِ وَانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسوها لَحْمًا فَلَما تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللهُ عَلى كُلِ شَئٍ قّديرٌ)

لم يعلمنا النّص القرآني من هوالرجل المارعلى القرية، كما لم يعلمنا من تلك القرية الخاوية على عروشها، ولو شاء لأعلمنا، ولو كانت حكمة النّص لا تتحقق إلآ بهذا الإفصاح ما أهمل القرآن ذكره. والذي يعنينا من ذكر تلك القصة هو عظمة الحدث وجلاله، والعِبَر التي نستخلصها من الحدث، والدلائل التي يدل عليها، بغض النظر عن اسم الشخص الذي حدثت معه، وبغض النظر عن اسم القرية.

ولأنَّ النَص القرآني لم يذكر الأسماء وتجاهلها، فقد إختُلِفَ فيها، إذ قال عكرمة وقتادة والربيع بن أنس والضحاك والسّدي: أنّ المار هو “عزير بن شرحيا”. وقال وهب بن منبه وآخرون: هو “أرمياء بن خلفياء”. أمّا القرية التي مرّ عليها، فقال عكرمة ووهب وقتاده: هي “بيت المقدس”. وقال الضحاك: هي “الأرض المقدسة”. وقال السدي: هي “سلماباد”. وقال الكلبي: هي “دير ساير”. وقيل: هي “دير هرقل”. وقيل: هي “قرية العنب” على بعد فرسخين من بيت المقدس.

لقد ذهب أغلب المؤرخين إلى أنّ المار بالقرية هو “العزير”، واشتهرت القصة بينهم بإسمه، وهي كما يرويها إبن كثير عن إسحق بن بشر بإسناده: [إنَّ عُزيراً كان عبدٌ صالحاً حكيماً في بني إسرائيل ممن تعلم التوراة وحفظها، خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف أتى إلى قرية خالية خاوية على عروشها حين قامت الظهيرة وأصابه الحر، فدخل القرية الخربة وهو على حماره، ونزل عن حماره ومعه سلّة تين وأخرى فيها عنب، فنزل في ظلِّ تلك الخربة وأخرج قصعة معه فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة، ثم أخرج خبزاً يابساً معه فألقاه في القصعة ليبتل في العصير ليأكله، ثم اسـتلقى على قفاه، وأسند رجليه إلى الحائط، فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها، وقد باد أهلها، ورأى عظاماً بالية نخرة، فقال: “أنى يحي هذه الله بعد موتها”. والقول هنا ليس قول المتشكك المنكر للبعث والإحياء، بل هو قول ينطوي على التعجب. فبعث الله ملك الموت فقبض روحه، وأماته مائة عام.


الزمر: ( 42 ).

البقرة: ( 259 ).

قالوا أن " آرمياء بن خلفياء " هو الخضر عليه السلام.

أي مدينة " الخليل " من أعمال فلسطين.

الخلق في السُّنة الشريفة**

بعد أن قمنا باستعراض بعض نصوص القرآن الكريم - المصدر الأول للتشريع - التي تتناول تفسير عملية الحمل وأطواره، وبما أنّ السنة الشريفة - وهي المصدر الثاني للتشريع - قد تناولت ذلك مبينة وشارحة لما ورد في القرآن الكريم، فسنستعرض إن شاء الله بعض ما جاء فيها:

  1. أخرج الإمام أحمد في مسنده: أنَّ يهودياً مَرَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدّث أصحابه. فقالت قريش: يا يهودي إنَّ هذا يزعم أنّه نبي. فقال لأسألنّه عن شيء لا يعلمه إلا نبي، فقال: يا محمد، مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا يهودي، من كل يخلق، من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة. فقال اليهودي: هكذا كان يقول من قبلك. “أي الأنبياء”.

  2. إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً قال يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً.

  3. وعن أنس رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: وكل الله بالرحم ملكاً يقول: أي رب نطفة؟ أي رب علقة؟ أي رب مضغة؟ فإذا أراد الله أن يخلق خلقاً قال: يا رب ذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه.

  4. وعن حذيفة بن أسيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون، بعث الله ملكاً فصورها وخلق سمعها و بصرها وجلدها وعظمها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك.

  5. وفي رواية لعبد الله بن مسعود عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة. ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة في ذلك مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح. ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد.

  6. ما من كل الماء يولد الولد. وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء.

  7. يقول المصطفى عليه السلام لليهودي الذي سأله عن الولد: ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنث بإذن الله، قال اليهودي: صدقت وإنك لنبي.

  8. وعن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول: إنَ النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتصور عليها الملك فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيجله الله ذكراً أو أنثى. ثم يقول يارب أسويٌ أم غير سوي؟ فيجعله الله سوياً أو غير سوي. ثم يقول: يا رب ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خُلقُهُ؟ ثم يجعله الله شقياً أو سعيداً.

  9. عن أنس رضي الله عنه أنّ عبد الله بن سلام رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: وأمّا الشبهُ في الولد فإنّ الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماءه كان الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها.

  10. إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة جاءها الملك فاختلجها ثم عرج بها إلى الرحمن عز وجل، فيقول: اخلق يا أحسن الخالقين، فيقضي الله بها ما يشاء من أمره، ثم تُدفع إلى الملك فيقول: أسَقطٌ أم تمام؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب أواحدٌ أم توأمين ؟ فيبين له، ثم يقول: أشقي أم سعيد؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب اقطع له رزقه مع أجله، فيهبط بها جميعاً. فوَ الذي نفسي بيده لا ينال من الدنيا إلا ما قسم له.

  11. إذا خلق الله النسمة قال مَلكُ الأرحام: يا رب أذكر أم أنثى؟ قال: فيقضي الله أمره، ثم يقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله أمره. ثم يكتب ما أمره الله بين عينيه حتى النكبة ينكبها.


أخرجه إبن أبي حاتم وابن رجب في " جامع العلوم والحكم " وابن القيم في " طريق الهجرتين ".

رواه البخاري ومسلم.

رواه مسلم في كتاب القدر.

رواه البخاري ومسلم.

أخرجه مسلم.

أخرجه مسلم.

أخرجه مسلم.

أخرجه البخاري.

أخرجه الألكاني عن عبد الله بن عمر. وذكره إبن رجب الحنبلي في كتابه " جامع العلوم والحكم ". وذكره العسقلاني في " فتح الباري "

أخرجه البزار عن إبن عمر.

من مصادر البحث

**

**إلا أنَّ الجنين قد يموت في بطن أمه ويبقى فيها أمداً طويلاً، وقد يتكلس الجنين بعد موته ثم يقذفه الرحم بعد فترة، وقد يقذفه على فترات متقطعة. وهذا أمر معروف عند الأطباء ومشهور لديهم. وقد نقل عن ابن حزم عن الإمام علي قال: (إلا أنَّ الولد قد يموت في بطن أمه فيتمادى بلا غاية حتى تلقيه متقطعاً في سنين…)

وينفي د. محمد علي البار إمكانية حدوث هذا الحمل الطويل الممتد سنيناً… حيث يذكر أنّهُ قد وجدت نساء ممن كُنَّ يترددن على عيادته في اليمن يزعمن أنَّهُنَّ حوامل لعدة سنوات… وبالفحص تبين أنهن لم يَكُنَّ حوامل… ويعلل ذلك بأنهُ كان ذلك “الحمل الكاذب Pseudo pregnancy”

أمّا الغالب في مدّة الحمل فقد حَدّدَ أحد الأطباء المسلمين مدّة الحمل، فقد حدّدها الطبيب العربي “أحمد بن محمد البلدي” والذي عاش قبل أكثر من ألف عام في كتابه “تدبير الحبالى والأطفال والصبيان” حيث قال: (إنّما نجد جميع من يلد من النساء يكن ولادهن في الأيام التي فيما بين مائتين وثمانين يوماً ونصف بالتقريب، وبين مائتين وأربعة وسبعين يوماً على التقريب)

وهذا التحديد هو الشائع الآن، وهو ما يقول به أطباء أمراض النساء والولادة، أي أنَّ معدل مدّة الحمل هي 280 يوماً، أو عشرة أشهر قمرية، من الممكن أن تزيد قليلاً. أمّا أقل مدّةٍ للحمل التي هي ستة أشهر، فقد اتفق عليها الفقهاء كما ذكر ابن القيم الجوزية في كتابه “التبيان في أقسام القرآن”، كما أنّ أطباء الولادة يوافقون المسلمين في ذلك.

فتعتبر مدّة الحمل الطبيعية (280 يوماً )، تُحسب من بدء آخر حيضة حاضتها المرأة ، وبما أنَّ التلقيح وبداية الحمل يحدث عادة في اليوم الرابع عشر من بدء الحيض تقريباً … فإنَّ مُدّة الحمل الحقيقية تكون (280 ? 14=266) يوماً . أي حوالي تسعة أشهر في الغالب وأقله ستة أشهر وأكثره سنتان.


يتكلس: يعني ترسب فيه أملاح الكالسيوم فيصبح مثل الجير.

البار ? د. محمد علي، خلق الإنسان في الطب والقرآن، صفحه ( 453 ).

المحلى لإبن حزم، جزء ( 10 )، صفحه ( 316 ).

الحمل الكاذب: Pseudopregncy حالة سيكوسوماتية ( أي جسدية نفسية ) تتوهم المرأة الباحثة عن الإنجاب تتوهم أنها حامل، وتكون مصحوبة عادةً ببعض الأعراض الطبيعية الواضحة، كانقطاع الطمث وتضخم البطن، وبحركة جنينية ظاهرة، وباضطراب في عمل الغدد الصم شبيه بذلك الذي يرافق الحمل ولكنه أقل وضوحاً. وتعتقد المرأة مع هذه أنها حامل فعلاً، رغم تأكيد كل الفحوصات الطبية بعدم وجود الحمل. وقد يحدث لأحدى هؤلاء الواهمات بالحمل الكاذب الذي تتصور أنه بقي سنيناً… قد يحدث فعلاً أنها تحمل فعلاً… فتضع طفلاً طبيعياً في فترة حمله، فتتصور أنها قد حملته لسنين عدة.

البلدي ? أحمد بن محمد، كتاب تدبير الحبالى والأطفال والصبيان، تحقيق الدكتور محمود الحاج قاسم محمد، الطبعة العراقية سنة ( 1987 )، صفحه ( 115 ).

النبهاني ? الشيخ تقي الدين، النظام الاجتماعي في الإسلام، صفحه ( 169 ).

مـــدة الحـمــــل

إنّ أقل مدّة الحمل ستة أشهر. لما روى الأثرم بإسناده عن أبي الأسود أنه رفع إلى عمر امرأة ولدت لستة أشر فهم عمر برجمها، فقال علي: ليس لك ذلك. قال تعالى: (والوالدات يُرضعنَ أولادهن حولين كاملين) وقال تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً)، فحولان وستة أشهر ثلاثون شهراً، لا رجم عليها. فخلّى عمر سبيلها. وولدت امرأة أخرى لذلك الحد. ورواه الأثرم أيضاً عن عكرمة عن ابن عباس قال ذلك الأحول: فقلت لعكرمة أنا بلغنا أنَّ علياً قال ذلك، فقال عكرمة: لا ما قال هذا إلآ ابن عباس. وذكر ابن قتيبة في “المعارف” أنَّ عبد الملك بن مروان وُلِدَ لستة أشهر، وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم.

وظاهر مذهب الحنابلة أنّ أقصى مدة الحمل أربع سنين، بِهِ قال الشافعي، وهو المشهور عن مالك. وروي عن أحمد أنَّ أقصى مدته هو سنتان، وروي ذلك عن عائشة، وهو مذهب سفيان الثوري وأبي حنيفة، لما روت جميلة بنت سعد عن عائشة: “لا تزيد المرأة عن سنتين في الحمل.”، ولأنّ التقدير إنّما يُعلمَ بتوقيف أو اتفاق، ولا توقيف ههنا ولا اتفاق، وإنّما هو على ما ذكرنا وقد وُجِدَ ذلك، فإنًّ الضحاك بن مزاحم وهرم بن حيان حملت أمُ كل منهما به سنتين، وقال الليث بن سعد: “أقصاه ثلاث سنين، حملت مولاة لعمر بن عبد الله ثلاث سنين.” وقال عباد بن العوام: خمس سنين. وعن الزهري قال: قد تحمل المرأة ست سنين، وسبع سنين. وقال أبو عبيد: ليس لأقصاه وقت يوقف عليه.

ولنا أنَّ ما لا نَصَّ فيه يُرجَعُ فيه إلى الوجود. وقد وُجدَ الحمل لأربع سنين، فقد روى الوليد بن مسلم قال: (قلت لمالك بن أنس حديث جميلة بنت سعد عن عائشة قالت لا تزيد المرأة عن سنتين في الحمل، قال مالك: سبحان الله! من يقول هذا؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل أربع سنين قبل أن تلد) وقال الشافعي: بقي محمد بن عجلان في بطن أُمِّهِ أربع سنين، وقال أحمد: (نساء بني عجلان يحملن أربع سنين، وامرأة عجلان حملت ثلاث بطون كل دفعة أربع سنين، وبقي محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي في بطن أُمه أربع سنين، وهكذا إبراهيم بن نجيح العقيلي، حكى ذلك أبو الخطاب، وإذا تقرر وجوده وجب أن يُحكم به ولا يُزاد عليه لأنه ما وُجِد. ولأنَّ عمر ضَرَبَ لامرأة المفقود أربع سنين ولم يكن ذلك إلا لأنه غاية الحَمل، وروي عن عثمان وعلي وغيرهما)

أمّا أكثر الحمل عند الأطباء فلا يزيد عن شهر بعد موعده، وإلا لمات الجنين في بطن أمه، ويعتبرون ما زاد على ذلك خطأ في الحساب.

أمّا الإمام علي بن أحمد بن حزم الظاهري فيقول في “المُحَلّى”:

(لا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر، ولا أقل من ستة أشهر، لقول الله تعالى: “وحمله وفصاله ثلاثون شهراً” وقال تعالى “والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة” فمن ادعى حملاً وفصالاً يكون في أكثر من ثلاثين شهراً فقد قال الباطل والمحال ورد كلام الله عز وجل جهاراً.) وبعد أن ذكر مختلف الأقوال في مدد الحمل التي قال بها الفقهاء - والتي سبق أن ورد بعضها في بداية الفصل - بعد أن ذكر كل تلك الآراء قال: (وكل هذه أخبار مكذوبة راجعة إلى من لا يصدق ولا يُعرف من هو ولا يجوز الحكم في دين الله بمثل هذا.)


البقره: ( 233 ).

الأحقاف: ( 15 ).

ابني قدامة، المغني والشرح الكبير، جزء ( 9 )، صفحه ( 116 ).

المصدر السابق، صفحه ( 117 ).

المصدر السابق، صفحه ( 117 ? 118 ).

البار ? د. محمد علي، خلق الإنسان في الطب والقرآن، صفحه ( 452 ).

الأحقاف: ( 15 ).

البقرة: ( 233 ).

المصدر ? ابن حزم - علي بن أحمد، المحلى، جزء (10)، صفحه (316)، طباعة دار الفكر ? بيروت.

المصدر السابق .

**ومع كل تلك النِّعَم العظيمة التي لا تقدر، فإنّ هذا الإنسان المُنعَم عليهِ بما لم يُنْعَمَ على غيره من المخلوقات الكثيرة، لا يقوم بواجب الشكر لله والحمد له على تلك النعم إلآ في القليل النادر. حتى أنّ الملاحدة من الناس المنكرين للبعث والحساب قالوا متسائلين يعتريهم العجب: أيعقل أننا بعد أن نصبح تراباً مختلطاً وممزوجاً بأديم الأرض ومتحداً معه بحيث لا يتميز عنه، أيعقل أننا سنعود في خلق جديد؟ إنّ هؤلاء وأمثالهم بالحادهم لا يُنكرون البعث والحساب وحده، بل بجميع ما بعد الحياة الدنيا “أي الآخرة” هم مكذبون. وفي هذا جاء الرّد القرآني في سورة السّجدة:

(ذلِكَ عالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ العَزيزُ الرَّحيمُ ! الذي أحْسَنَ كُلَّ شَئٍ خلقهُ وَبَدَأ خَلقَ الإنسانِ مِنْ طينٍ ! ثُمَّ جَعَلَ نَسْلهُ مِنْ سُلالةٍ مِنْ ماءٍ مَهينٍ ! ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فيهِ مِنْ روحِهِ وَجَعَلَ لكُمْ السَّمْعَ وَالأبْصارَ وّالأفئِدَةَ قليلاً ما تَشْكُرونَ ! وَقالوا أءِذا ضَللنا في الأرضِ أءِنا لفي خلقٍ جَديدٍ ، بَلْ هُمْ بلِقاءِ رَبّهِمْ كافِرونَ ! قُلْ يَتَوَفاكُمْ مَلكُ المَوْتِ الذي وُكلَ بِكُمْ ثُمّ إلى رَبِكُمْ تُرْجَعونَ !)

بعد قرون طويلة من اتمام نزول القرآن، وفي منتصف القرن العشرين، توصل العِلم الحديث إلى معرفة حقيقة ظلت مجهولة لكل الناس - إلآ المسلمين الذين دونت في كتبهم وأسفارهم نقلاً عن القرآن الكريم - وهي أنّ ماء الرجل المنوي يتكون في عظام الظهر الفقارية، وأنّ المرأة تنتج هي الأخرى ماءاً يتكون في عظام الصدر العلوية، حيث يلتقي الماءان بعد ذلك “ماء الرجل وماء المرأة” من خلال الإتصال الجنسي “الجماع” فيتماذجان ويتحدان في مقر حصين آمن حافظ “مكين” الذي هو رحم المرأة مكوناً أول مراحل تخلق الجنين الإنساني.

وقد بينت الدراسات الجنينية الحديثة أنّ نواة الجهاز التناسلي والجهاز البولي في الجنين تظهر بين الخلايا الغضروفية المكونة لعظام العمود الفقري، وبين الخلايا المكونة لعظام الظهر، وأنَّ الأعضاء التناسلية وما يغذيها من أعصاب وأوعية دموية تنشأ في موضع من الجسم بين الصلب والترائب “العمود الفقري Vertebral column” و “القفص الصدري Thoracic cavity”. أليس هذا الذي توصل إليه العِلم الحديث بعد أن جنّد كافة امكاناته المادية من مختبرات وأجهزة وتجارب وتشريح وأشعة ومواد كيماوية… علاوة على الأطباء والعلماء والمشرحين وغيرهم… أليس هو عين ما تعنيه الآية الكريمة التالية من سورة الطارق؟ ألَمْ يّأنِ لهؤلاء العلماء أن يطأطؤا رؤوسهم إجلالاً واحتراماً وأن تخشع قلوبهم من خشية الله وإقراراً بعجزهم أمام قدرته تعالى؟:

(فَليَنظُر الإنسانَ مِمَ خلِقْ ! خلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ! يَخرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلبِ وَالتَرائِبْ ! إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لقادِر !)

ماء: يعني ماءي الرجل والمرأة. دافق: متدفق ومصبوب بدفع وسرعة إلى الرحم. الصّلب: الشديد، وباعتبار الصّلابة سمي الظهر صلباً. الترائب: ضلوع الصّدر.

ذكر القرطبي في تفسيره عن الحسن البصري وغيره: بأنَّ الماء الدّافق يخرج من صلب الرجل وترائبه، وصلب المرأة وترائبها. وذكر الألوسي في تفسيره مثل هذا. وقد أوضح ذلك ببيان جلي الشيخ المراغي رحمه الله حيث يقول في تفسيره للقرآن:

(وإذا رجعنا إلى علم الأجنّة وجدنا في منشأ خصية الرجل ومبيض المرأة ما يفسر لنا هذه الآيات التي حيرت الألباب، وذهب فيها المفسرون مذاهب شتى، كل على قدر ما أوتي من عِلم… وإن كان بعيداً عن الفهم الصحيح والرأي السائد.

ذاك أنّه في الأسبوع السادس والسابع من حياة الجنين في الرحم ينشأ ما يسمى “ولف” وقناته على كل جانب من جانبي العمود الفقري. ومن جزء من هذا تنشأ الخصية وبعض الجهاز البولي… ومن جزء آخر تنشأ الخصية في الرجل والمبيض في المرأة. فكل من الخصية والمبيض في بدأ تكوينهما يجاور الكلى ويقع بين الصلب والترائب، أي ما بين منتصف العمود الفقري تقريباً ومقابل أسفل الضلوع.

ومما يفسر لنا صحه هذه النظرية أنَّ الخصية والمبيض يعتمدان في نموهما على الشريان الأورطي في مكان يقابل مستوى الكلى الذي يقع بين الصلب والترائب، ويعتمدان على الأعصاب التي تمد كلاً منهما، وتتصل بالضفيرة الأورطية ثم بالعصب الصدري العاشر، وهو يخرج من النخاع من بين الضلع العاشر والحادي عشر، وكل هذه الأشياء تأخذ موضعها من الجسم فيما بين الصلب والترائب.)

(والآية الكريمة تحثنا على النظر والتمعن في تخلق الإنسان من هذا الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب، وسبب تدفقه هو تقلصات جهاز الحويصلة المنوية والقناة القاذفة للمني مع تقلصات عضلات العجان، فتدفع بالسائل المنوي بمحتوياته من ملايين الحيوانات المنوية عبر الإحليل إلى المهبل. وهذا هو سبب الرّعشة عند الإنزال. وذلك كله متعلق بِالجهاز العصبي اللاارادي، والمسمى بِ “الجهاز التعاطفي Sypathetic nerves”.

أمّا الإنتشار والإنتصاب فسببه أعصاب خاصة من الجهاز العصبي اللآارادي المسمى “نظير التعاطفي Para Sypathetic” وبواسطته تمتلئ الأوردة الدموية الكثيفة في القضيب فتسبب الإنتشار. وهذه الأعصاب تأتي من منطقة بين الصلب والترائب. ونرى أنّ ذلك كله موكول إلى جهاز غير إرادي ولا تتحكم فيه الإرادة حتى يخرج أمر الخلق والتخلق من كل شبهة للإرادة الإنسانية.)

تقول الآية الكريمة أنّ الماء الدافق يخرج من بين الصلب والترائب، ونحن قلنا أنَّ الماء الدافق “المني” إنّما يتكون في الخصية وملحقاتها، كما تتكون البويضة في مبيض المرأة. فكيف تتطابق تلك الحقيقة العلمية مع الحقيقة القرآنية؟.

على هذا السؤال يجيب الدكتور محمد علي البار قائلاً :

(إنّ الخصية والمبيض إنّما تتكونان من الحدبة التناسلية بين صلب الجنين وترائبه، والصلب هو العمود الفقري، والترائب هي الأضلاع ، وتتكون الخصية والمبيض من هذه المنطقة بالضبط أي بين الصلب والترائب. ثم تنزل الخصية تدريجياً حتى تصل إلى كيس الصفن “خارج الجسم” في أواخر الشهر السابع من الحمل… بينما ينزل المبيض إلى حوض المرأة ولا ينزل أسفل من ذلك. ومع هذا فإنّ تغذية الخصية والمبيضين بالدماء والأعصاب واللمف تبقى من حيث أصلها… أي بين الصلب والترائب. فشريان الخصية أو المبيض يأتي من الشريان الأبهر “الأورطي البطني Aorta artery” من بين الصلب والترائب، كما أنَّ وريد الخصية يصب في نفس المنطقة… يصب الوريد الأيسر في الوريد الكلوي الأيسر، بينما يصب وريد الخصية الأيمن في الوريد الأجوف السفلي… وكذلك أوردة المبيض وشريانها تصب قي نفس المنطقة أي بين الصلب والترائب… كما أنّ الأعصاب المغذية للخصية أو المبيض تأتي من المجموعة العصبية الموجودة تحت المعدة من بين الصلب والترائب… وكذلك الأوعية الليمفاوية تصب في نفس المنطقة أي بين الصلب والترائب.


السجده: ( 6 ? 11 ).

الطارق: ( 5 ? 8 ).

القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، جلد ( 20 )، صفحه ( 4 ? 6 ).

تفسير الألو سي " روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني "، سورة الطارق.

البار ? د. محمد علي، خلق الإنسان بين الطب والقرآن، صفحه ( 120 ? 121 )، نقلاً عن: تفسير المراغي.

المصدر السابق، صفحه ( 114 ? 116 )، بتصرف.

**أمّا في سورة المرسلات، فإنّ الله تعالى يطلب من الإنسان كل إنسان إعمال عقله والتفكر في الخلق: للإهتداء إلى وجود الخالق المدبر المصور، والدعوة أتت على صورة أسئلة تذكيرية هادفة لتوجه الإنسان إلى الطريقة المنتجة للتفكير: ألم يتم خلقكم من ماء مهين حقير هو النطفة “الحيوان المنوي المذكر والبويضة المؤنثة” وجعلنا تلك النطفة بعد أن تلقحت وامتزجت في مكان آمن حصين تتمكن فيه، فيتم الخلق والتصوير إلى وقت محدود قرره الله تعالى؟ فقدرنا على خلقه وتصويره واخراجه للوجود بشراً سوياً!!! فنعم الخالقون نحن المقدرون له. وبعد كل تلك الأدلة التي لا مجال لدحضها بتاتاً فالويل والثبور لكل من أنعمَ الله تعالى عليه بعقل مفكر ورغم ذلك يُكذب الحقائق ويُنكر ويكفر بنعمة الخلق والتقدير. لقد جاء هذا التساؤل والتذكير والوعيد في سورة المرسلات:

( ألمْ نخلقكُمْ مِن ماءٍ مَّهينٍ ! فجَعَلناهُ في قرارٍ مَكينٍ ! إلى قدَرٍ مَعْلومٍ ! فقدَرْنا فَنِعْمَ القادرونَ ! وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلمُكذبينَ !)

والمقصود “بماء مهين”: أي ضعيف حقير بالنسبة إلى قدرة الباري عز وجل وهو النطفة. أما المقصود ب “قرارمكين” فيعني جمعناه في الرحم وهو قرار المائين من الرجل والمرأة، فالرحم معد لذلك تماماً، حافظ لما اودع فيه من من ذلك الماء. وأما قوله تعالى:

“إلى قدر معلوم” فيعني إلى مدة معينة “تسعة أشهر أو أكثر أو أقل”. أما “فقدرنا” أي قررنا أو أقدرنا.

قال القرطبي في تفسيره: (ألم نخلقكم من ماء مهين: أي ضعيف حقير وهو النطفة - وقد تقدم -. وهذه الآية أصل لمن قال: إنّ خلق الجنين هو من ماء الرجل وحده - وقد مضى القول فيه ?. “فجعلناه في قرار مكين” أي مكان حريز وهو الرحم. “إلى قدر معلوم” قال مجاهد: إلى أن نصوره، وقيل: إلى وقت الولادة. “فقدرنا” أي فقررنا وقت الولادة وأحوال النطفة في التنقيل من حالة إلى أخرى حتى صارت بشرأ سوياً، أو الشقي والسعيد، أو الطويل والقصير)

ودعوة أخرى إلى إعمال العقل والتفكر في صورة سؤال يحوى في طياته التحدي والتذكير الجميل والوعيد كما يحوى التعليم أيضاً، وإعلام بكيفية الخلق والتكوين… أيظن أو يحسب هذا الإنسان المُلحِد المُنكِر لِلبَعث أن يُترَكَ مُهملاً فلا يُحاسَب!!! ألَم يكن ذلك الإنسان نفسه في طور من أطوار تخلقه نطفة من مني قدر تكوينه وحفظه في الرحم؟ ثم صار علقة مع دم جامد، فخلقه الله وسواه في أحسن تقويم!!! وجعل منه صنفي الإنسان الذكر والأنثى، أليس ذلك الخالق المبدع المصور المصور الفعال لِما يُريد، أليس بقادر على إعادة الأحياء ثانية للموتى بعد جمع عظامهم تارة أخرى وقد خلقهم أصلاً من عدم!!! إستعمل عقلك أيها الإنسان المُنكِر للبعث ثانية والحساب، وتفكر في الخلق إنشاءاً من العدم، هل من أنشأ من العدم عاجز عن إعادة الإنشاء ثانية!!! فإلى سورة القيامه:

(أيَحْسَبُ الإنسانُ أن يُترَكَ سُدى ! ألَمْ يَكُ نُطفةً مِنْ مِنِيٍ يُمْنى ! ثُمَّ كانَ عَلقةً فخلق فسوّى ! فجَعَلَ مِنْهُ الزّوْجَينِ الذكَرَ وَالأنثى ! أليْسَ ذلِكَ بقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيى المَوْتى !)

وهنا لفتة طريفة، ففي هذه الآية الشّريفة يتحدث خالق النطفة ومنشئها، فيُعَلمنا التمييز بين النطفة وبين المني، : إذ جعل النطفة جزء من المني.

ويفسّر ذلك حديثه عليه الصلاة والسّلام: (من كل الماء يولد الولد، وإذا أراد الله خلق لم يمنعه شئ) ويتطابق هذا أيضاً مع ما جاء في سورة السّجدة: (ثُمَّ جَعَلنا نَسْلهُ مِنْ سُلالةٍ مِنْ ماءٍ مهين) والسُّلالة كما يقول المفسرون هي الخُلاصة. أي جعل نسل بني آدم من خلاصة الماء المهين الذي هو المني. ونحن نعلم الآن أنَّ جزءاً يسيراً جداً من المني هو اللازم لتلقيح البويضة، أي اللازم لعملية تخلق وتكوين الولد. فالدفقة الواحدة من المني تحمل كما يقول العِلم الحديث مائتي مليون حيوان منوي… والذي يقوم بالتلقيح للبويضة هو حيوان منوي واحد من هذا الكم الهائل فقط.

وعندما تحدى رأس الكفر “أمية بن خلف” رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلف، منكراً البعث ومستهزئاً باعتقاد المسلمين به. أتى ذلك الكافر الملحد الرسول صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ففته بين يديه وقال: يامحمد أترى الله يحيي هذا بعدما أرم؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام راداً التحدي بأعظم منه: (نعم، يبعث الله هذا ويميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم)

ويأتي وحي السّماء مصدقاً لتأكيد رسول السّماء، وليؤكد كفر والحاد أمية بن خلف، ومؤكداً صدق إيمان المسلمين بالخلق والبعث والحساب. فيأتي السياق القرآني في صورة سؤال وتعجب واستهزاء، لافتاً النظر للتفكر بالخلق وقوانينه التي إن أُعمِلَ العقل بدراستها بتمعن ورغبة صادقة في الوصول إلى الحقيقة سيصل حتماً للجواب القاطع الغير قابل للجدل والعناد والمكابرة. أجحد الإنسان وجود الله وقدرته؟ أنسي أنا خلقناه بعد العدم وبعد أن لم يكن؟ ألا يعلم أنا خلقناه من نطفة مهينة حقيرة؟ ومع هذا إذا به مجادل شديد الخصومة مبين للحجة، يري بذلك أنّه بعد أن لم يكن شيئاً مذكورأ خصيماً مبيناً، وساق لنا هذا الخصم المبين مثلاً ينكر فيه قدرتنا على إحياء العظام بعد أن تبلى. ونسي أنّا خلقناه بعد أن لم يكن إذ قال ملحداً منكراًُ ومستبعداً قدرتنا على ذلك: “من يحيي العظام وهي رميم؟”. قل يا محمد: يحييها الذي أنشأها أول مرة من العدم، ففي استطاعة من بدأ الخلق أول مرة أن يعيده ثانية، إن من كان عظيم العِلم بكل ما خلق لا يعجزه جمع الأجزاء بعد تفرقها. لقد جاء هذا التحدي الرائع الجميل في سورة يسن: (أوَ لَمْ يَرَ الإنسانُ أنّا خلَقناهُ مِن نطفةٍ فإذا هُوَ خصيمٌ مُبين ! وَضَرَبَ لنا مَثَلاً وَنَسِيَ خلقهُ قالَ مَنْ يُحْيي العِظامَ وَهِيَ رَميمْ ! قُلْ يُحْييها الذي أنْشَأها أوَلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بكلّ خلق عَليمٌ)

إنّ هذا الرّد الذي يحمل قمة التحدي، هو في نفس الوقت حوار هادف، يقوم بتعليم هذا العُتل الزنيم كيفية إعمال العقل في المشاهدات والدلائل القاطعة للتوصل إلى الجواب الشافي لمن أراده، وليس المكابر المجادل الخصيم المبين.

فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً. ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله تعالى المَلَكَ فينفخ فيه الروح).

وفي سورة السّجدة يقول المَلك الجبارالعزيز الرحيم، أنّه قد أتقن كلّ شئ خلقه، أتقنه خلقاً متكاملاً بما فيه من الخصائص والطاقات الكامنة التي كونها فيه. أمّا الإنسان الأول فقد إبتدأ خلقه من طين: ذلك هو آدم أوّل البشر عليه السّلام. أمّا نسله وذراريه وهم كل البشر بلا استثناء فقد جعل خلقهم بعد ذلك من ماء حقير ضعيف “مهين” لا يُؤبه له في العادة، ثم قوَّمَهُ ونفخ فيه من روحه، أي أمده بالروح التي هي سرّ الحياة، وخلق له موهِباً إياه ومُزَيِنَهُ بالسّمع والإبصار والإدراك والحس والعقل، ليسمع ويبصر ويدرك ويعقل ويتفكر.

-______________________

المرسلات: ( 20 ? 24 ).

القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، جزء (12 )، صفحه ( 7 ).

المصدر السابق، جزء ( 19 )، صفحه ( 159 ? 160 ).

القيامة: ( 36 ? 40 ).

صحيح مسلم.

السجدة: ( 8 ).

حائل: أي متقتت. وأرم : تعني بالي .

النيسابوري، أسباب النزول، صفحه ( 209 ).

يسن : ( 77 ? 79 ) .

**وبالدراسة يتضح أنّ للمرأة نوعين من الماء :

  1. ماء لذج يسيل ولا يتدفق وهو ماء المهبل، وليس له أي علاقة في تكوين الجنين، سوى مساعدته في سهولة الإيلاج وفي ترطيب المهبل وتنظيفه من الجراثيم والميكروبات.

  2. ماء متدفق يخرج مرة واحدة في الشهر من حويصلة “جراف” بالمبيض عندما تقترب هذه الحويصلة المليئة بالماء الأصفر من حافة البويضة. وفيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إنّ ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر” وعند تمام نموها تنفجر فتنذلق المياه على أقتاب البطن، ويتلقف البوق “وهو في نهاية الرحم” البويضة فيدفعها دفعاً خفيفاً حتى تلتقي بالحيوان المنوي الذي يلقحها في الثلث الوحشي من قناة الرحم. وهذا الماء يحمل البويضة “النطفة المؤنثة” كما يحمل ماء الرجل الحيوانات المنوية “النطفة المذكرة”. وكلاهما متدفق … وكلاهما يخرج من بين “الصلب والترائب”، أي من الغدد التناسلية المنتجة. ماء دافق يندفق من خصية الرجل يحمل النطفة المذكرة. وماء دافق يخرج من حويصلة جراف بمبيض المرأة يحمل النطفة المؤنثة.

وفي الحديث الشريف :

(أخرج الإمام أحمد في مسنده: أنّ يهودياً مَرَّ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه. فقالت قريش: يا يهودي إنّ هذا يزعم أنّه نبي، فقال: يا محمد، مم يخلق الإنسان؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا يهودي، من كل يخلق، من نطفة الرجل، ومن نطفة المرأة. فقال اليهودي: هكذا كان يقول من قبلك)

وقال العسقلاني: (المراد أنّ المني يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثاً متفرقاً فيجمعه الله في محل الولادة من الرحم. والمراد بالنطفة المني، وأصله الماء الصافي القليل، والأصل في ذلك أنّ ماء الرجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع، وأراد الله أن يخلق من ذلك جنيناً هيأ أسباب ذلك، لأنّ في رحم المرأة قوتين: قوة انبساط عند ورود مني الرجل حتى ينتشر في جسد المرأة، وقوة انقباض بحيث لا يسيل من فرجها مع كونه منكوساً ومع كون المني ثقيلاً بطبعه، وفي مني الرجل قوة الفعل، وفي مني المرأة قوة الإنفعال، وقيل في كل منهما قوة فعل وانفعال ولكن الأول في الرجل أكثر، والثاني في المرأة أكثر. وزعم كثير من أهل التشريح أنّ مني الرجل لا أثر له في الولد إلآ في عقده، وأنّه إنّما يتكون من دم الحيض، وأحاديث الباب تبطل ذلك. وما ذكر أولاً أقرب إلى موافقة الحديث. والله أعلم)

ويقول الإمام أبن القيم: (ومني الرجل وحده لا يتولد منه الولد ما لم يماذجه مادة أخرى من الأنثى… إنّ الأعضاء والأجزاء والصورة تكونت من مجموع المائين، وهذا هو الصواب.)

أمّا القرآن الكريم، فيجيب على نفس التساؤلات في مطلع سورة الإنسان:

(هَلْ أتى على الإنسان حينٌ مِنَ الدّهْر لم يكن شيئاً مذكوراً ! إنّا خلقناهُ مِنْ نُطفةٍ أمشاج نَبْتَليه فجَعَلناهُ سَميعاً بَصيراً !)

قال إبن جرير الطبري في تفسيره :

(إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج: إنّا خلقنا ذرية آدم من نطفة، يعني من ماء الرجل وماء المرأة. والنطفة كل ماء قليل في وعاء - كان ذلك في ركية أو قربة أو غير ذلك - وقوله “أمشاج” يعني أخلاط، واحدها مَشَجَ ومَشيج، يقال إذا مشجت هذا بهذا أي خلطته، وهو مشوج به ومشيج أي مخلوط… وهو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة)

وقال عكرمة: أمشاج نبتليه: ماء الرجل وماء المرأة يمشج أحدهما بالآخر، أي ماء الرجل وماء المرأة يختلطان. وعن إبن عباس رضي الله عنهما: ماء الرجل وماء المرأة يختلطان. وعن الربيع بن أنس قال: إذا اجتمع ماء الرجل وماء المرأة. وقال الحسن البصري: مشج “خلط” ماء المرأة مع ماء الرجل. وقال مجاهد: خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة. وقد قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شُعوباً وقبائل لِتَعارفوا إنّ أكرَمَكُم عِندَ الله أتقاكُمْ.)

أما إبن كثير فيقول في تفسيره :

(يقول تعالى مُخبِراً الإنسان أنّه وُجدَ بَعْدَ أن لمْ يّكُن شيئاً مذكوراً لضعفه وحقارته) ثم يستطرد مفسراً (“أمشاج” أي أخلاط، والمشج والمشيج المختلط بعضه مع بعض)

ويقول صاحب الظلال رحمه الله :

(ألأمشاج: الأخلاط. وربما كانت هذه اشارة إلى تكوّن النطفة من خلية الذكر وبويضة الأنثى بعد التلقيح. وربما كانت هذه الأخلاط تعني الوراثات الكامنة في النطفة والتي يمثلها علمياً ما يسمونه علمياً: “الجينات” وهي وحدات الوراثة الحاملة للصفات المميزة لجنس الإنسان أولاً، ولصفات الجنية العائلية أخيراً. وإليها يُعزى سير النطفة الإنسانية في رحلتها لتكون جنين إنسان لا جنين أي حيوان آخر، كما تُعزى إليها وراثة الصفات الخاصة في الأسرة، ولعلها في هذه الأمشاج المختلطة من وراثات شتى)

وبذلك نرى أنّ غالبية المفسرين من قدامى ومحدثين متفقون على أنّ النطفة الأمشاج هي النطفة المختلطة من ماء الرجل وماء المرأة، وأنّ الخلق يتكون من نطفتيهما. ويؤكد القرآن الكريم على حقيقة حصر الخلق في الزوجية في أكثر من موضع في محكم التنزيل، أكتفي منها بما جاء في سورة الحجرات: (يا أيها الناس إنّأ خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) وفي تفسير تلك الآية يقول إبن جرير الطبري في تفسيره: (يا أيها الناس إنّا أنشأنا خلقكم من ماء ذكر من الرجال ومن ماء انثى من النساء، وبنحو ذلك الذي قلنا قال أهل التأويل)… وروى بسنده عن مجاهد قال: (لأنَّ الله تعالى يقول من ذكر وأنثى).

وقال إبن كثير في تفسيره: (يقول تعالى أنّه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها وهما آدم وحواء، أي من ذكر وأنثى)

ويقول القرطبي في تفسيره: (ذهب قوم من الأوائل إلى أنَّ الجنين إنّما يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم ويستمد من الدّم الذي يكون فيه… والصحيح أنّ الخلق إنّما يكون من ماء الرجل وماء المرأة - لهذه الآية - فإنها نَصٌ لا يحتمل التأويل، ولقوله تعالى (خلِق من ماء دافق يخرج من بين الصّلب والترائب) والمراد منه أصلاب الرجال وترائب النساء… وأما ما احتجوا بهِ فليس فيه أكثر من أنّ الله ذكر خلق الإنسان من الماء والسلالة والنطفة، ولم يضفها إلى أحد الأبوين دون الآخر. فدلَّ على أنَّ الماء والسُّلالة لهما “والنطفة منهما” بدلالة ما ذكرنا. وبأنَّ المرأة تُمنى كما يُمنى الرجل)

يتضح بجلاء مما تقدم أنّ ما إكتشـفة الإنسان وعلومه مؤخراً (في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين) قد سبقه القرآن الكريم بوضوح لا يحتمل أي تأويل أو شك. وزادت عليه الأحاديث الشريفة توضيحاً، فقدما الأجوبة الصريحة الدقيقة لإستفسارات الإنسان وتساؤلاته. كما أنّ نجوم هذه الأمة الصحابة الكرام ومن تبعهم من المفسرين والفقهاء قد فهموا من نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف ما نفهمه نحن اليوم منهم، ويأكد فهمنا هذا الإكتشافات العلمية.


رواه مسلم.

المصدر السابق، صفحه ( 123 ? 124 ).

المقصود بمن قبلك: أي الأنبياء.

العسقلاني، فتح الباري ? شرح صحيح البخاري، مجلد ( 11 )، صفحه( 479 ? 480 ).

الجوزية - الإمام أبن القيم، التبيان في أقسام القرآن، صفحه ( 242 ? 256 ).

الإنسان: ( 1 ? 2 ).

الطبري ? إبن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، جلد ( 29 )، صفحه ( 120 ).

البار- محمد علي، خلق الإنسان بين الطب والقرآن، صفحه ( 192 ).

الحجرات: ( 13 ).

قطب ? سيد، في ظلال القرآن، جلد ( 6 )، صفحه ( 3779 ).

الحجرات: ( 13 ).

إبن كثير، تفسير إبن كثير، جزء ( 4 )، صفحه ( 454 ).

الطارق: ( 6 ? 7 ).

القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، جلد ( 16 )، صفحه ( 343 ).

(3) المُضغه: وهي القطعة من اللحم بمقدار ما يُمضغ ولم ينضج. ويفسرها بعض الأطباء بأنَّ المقصود بها مرحلة “الكتل البدنيّة Somites” التي تحمل الجنين وكأنّه مضغة من اللحم الغير ناضج ، وفي هذه المرحلة يبدو الجنين فيها وكأنَّ أسناناً إنغرزت فيه ولاكته ثم قذفته

(4) مخلقة وغير مخلقة: وذلك - كما ذهب إليه المفسرون - هو وصف للمضغة، وقال بعضهم أنّ المخلقة هي المصورة، وغير المخلقة هي غير المصورة. روي عن الحسن البصري عن إبن عباس رضي الله عنهما أنّه قال: مخلقة أي تامة الخلق لا عيب فيها ولا نقص، وغير مخلقة أي أنّ بها عيب ونقص… وفسّرها بعضهم أنّ غير المخلقة هي “السُقط أي الجهيض Abortive”.

وفي موضع آخر من محكم التنزيل يقص علينا الله تعالى قصة المراحل التي بدأت بخلق آدم عليه السّلام من خلاصة الطين، ثم يعرج إلى خلق نسله بطريق الزوجيّة والتّوالد، الذي يكون في أول مراحله “نطفة” من مني الرجل: الذي هو ماء فيه كل عناصر الحياة الأولى، تستقر في الرّحم الذي هو مكان للإستقرار حصينٌ ومهيأ لحماية تلك النطفة، ثم صَيَّرَ النطفة بعد تلقيح البويضة والإخصاب دماً، ثم كوَّنَ الدَّمَ بعد ذلك قطعة من اللحم، الذي تحوّل تخلقها بعد ذلك فصارت هيكلاً عظمياً، وكسا العظام باللحم، ثم أتم خلقه إنساناً كاملاً لا روح فيه، متمماً الخلق بعد نفخ الروح فيه خلقاً مغايراً لمبدأ تكوينه. فتعالى الله في عظمته وقدرته. وفي ذلك قوله تعالى من سورة المؤمنون:

(وَلقدْ خلقنا الإنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طينٍ ! ثمَّ جعَلناهُ نُطفةً في قرارٍ مَكينٍ ! ثُمَّ جَعَلنا النطفةَ عَلقةً فخلقنا العَلقةَ مُضغةً فخلقنا المضغة عِظاماً فكَسَوْنا العِظامَ لحْماً تُمَّ أنْشأناهُ خلقاً آخرَ فتبارَكَ اللهُ أحْسَنَ الخالقينَ !)

وهنا إعلامٌ لنا بالمراحل التي تم فيها خلق الإنسان، فالمرحلة الأولى هي خلق آدم عليه السّلام بالطريقة التي أعلمنا بها القرآن في أكثر من موضع: وهو سلالة الطين. أمّا الثانية: فهو تَكَوّنُ كافة البشر بعد آدم بطريقة واحدة تخضع لقانون الزوجية والتلاقُح وأطوار تكون الجنين. من سُـلالـةٍ من طين: وهذا نص يشير إلى أطوارالنشـأة الإنسـانية ولا يحددها، فيفيد أنّ الإنسان قد مرَّ بأطوارمُسلسلة من الطين إلى الإنسان، فالطين هو الطور الأول لتكون الإنسان، ومنه خُلق آدم أول البشرية "الإنسان الأول، وهذا يعني أنَّ الطين هو أصل نشأة الجنس الإنساني التي كانت من سلالةٍ “خلاصةٍ” من طين… وأمّا نشـأة الفرد الإنساني بعد آدم، فتمضي في طريق آخر معروف هو ما سيحدثنا عنه القرآن بعد ذلك.

القرار المكين:

هو رحم المرأة الذي تنمو فيه النطفة الملقحة حتى تصير جنيناً، ثم تحافظ عليه في بقية أطواره حتى تخرجه طفلاً كامل الخلقة سوي التكوين… لذا لا بد له أن يكون محروساً ومهيئاً للمحافظة على تلك النطفة. وأول شئ نلاحظه هو أنّ الرحم موضوع في في الحوض الحقيقي لهيكل المرأة مما يوفر له الحمايـة الكاملة من أي عدوان خارجي، ثم نجد الأربطة والصفاقات المختلفة التي تمسك بالرحم، ومع ذلك تسمح له بالحركة والنمو حتى أنّ حجمه ليتضاعف أكثر من ثلآثة آلآف مرة في نهاية الحمل، ومع ذلك يبقى الرحم في مكانه والأربطة ممسكة به، وبايجاز أن هناك عوامل كثيرة تحفظ الرحم في مكانه وتجعله القرار المكين.

ولرُبَّ سائل يتسائل : هل يخلق الإنسان من ماء الرجل أم من ماء المرأة أم من كليهما ؟ وهل للمرأة ماء كما للرجل؟ .

لقد وقع الخلاف والنزاع قديماً حول هذه النقطة، كما يقول الإمام “الفخر الرازي” في كتابه: المباحث الشرقية"، فقد نفى “أرسطو” أن يكون للمرأة مني… أمّا “جالينوس” وهو أشهر أطباء اليونان القديمة فقد أكثر من التشنيع عليه في ذلك، مثبتاً أنّ للمرأة منياً، وإن كان يختلف عن مني الرجل في طبيعته، وأنه لا يقذف ولا يندفع بل يسيل على العضو المخصوص وأنه رطوبة بيضاء.

امّا العِلم الحديث فيقرر أنّ الماء الذي لا يقذف ولا يندفع بل يسيل على العضو المخصوص إنّما هو افرازات المهبل وغدد “بارثلون” المتصلة به، وخروج الماء من فرج المرأة هو أمر طبيعي ومشاهد عند الجماع أو الإحتلام. والإسلام يعتبره موجباً للغسل، وعند الجماع يختلط هذا الماء بمني الرجل… ويتقلص الرحم تقلصات عديدة تدفع بهذا الماء المختلط من مني الرجل وماء المرأة إلى الرحم ومنه إلى قناةالرحم، حيث يلتقي الحيوان المنوي ببويضة المرأة ليلقحها. وبالدراسة يتضح أنّ للمرأة نوعين من الماء :


المصدر السابق ، صفحه ( 367 ) وما بعدها ، بتصرف .

المؤمنون: ( 12 ? 14 ).

الرازي ? فخر الدين، المباحث الشرقية، جزء ( 2 )، صفحه ( 243 ). والرازي ? فخر الدين، (1149-1209 م )، فقيه ومفسر مسلم، ولد في الرّي بإيران، وتوفي في هَراة بأفغانستان، عُرف بدفاعه الشديد عن آراء مذهب " أهل السنة "، فطارت له شهرة واسعة… وضع نحواً من مائة مجلد بعضها موسوعي الطابع، أشهر آثاره تفسيرٌ للقرآن الكريم دعاه " مفاتيح الغيب. وهو من أشهر وأوثق التفاسير.

أرسطو “أرسطوطاليس Aristotle” (384- 322 ق.م.): فيلسوف يوناني، تلميذ أفلاطون وأستاذ الإسكندر المقدوني. جرت فلسفته في اتجاه مغاير لمثالية أفلاطون، وتعاظم اهتمامها شيئاًُ فشيئاً بالعلم وظواهر الطبيعة. ويعتبر واحداً من أعظم فلاسفة العالم، وقد انسحب أثره على جميع المفكرين في عصره ممن أتى بعده حنى مُنبلج العصر الحديث، من أشهر آثاره: " الأورغانون " في المنطق، وكتاب السياسة، وكتاب ما وراء الطبيعة، وكتاب الشعر.

جالينوس Galleons: طبيب يوناني، له مذهب في الطب يدعى " الجاليسونية Galennism "، وهو يقوم على أساس القول بأنّ الأخلاط الأربعة " الدم والبلغم و الصفراء والسوداء " هي التي تقرر صحة الإنسان ومزاجه.

البار ? محمد علي ، خلق الإنسان بين الطب والقرآن ، صفحه ( 121 ? 122 ) .

البار ? د. محمد علي، خلق الإنسان بين الطب والقرآن، صفحه ( 122 ).