** الإسلام والنقود
**كفاية الذهب الموجود في العالم
?إن نظام الذهب هو النظام الصالح لمنع الحكومات من إيجاد كميات من النقود الورقية بلا رصيد، والتي تؤدي إلى التضخم. ونظام الذهب يقدم وحدة ثابتة للتعامل الدولي، مما يشجع على التجارة الدولية.
?لكن هل الذهب الموجود في العالم يكفي لإعادة العالم إلى السير على قاعدة الذهب كما كان في السابق؟ وهل يكفي لتقديم ما يلزم من نقود للعمليات التجارية؟ وهل عند دولة الخلافة من الذهب ما يمكنها من العودة إلى قاعدة الذهب؟
?وإجابة على هذه الأسئلة نقول: نعم، إن الذهب الموجود في العالم يكفي لإعادة العالم إلى السير على قاعدة الذهب، وفيه المرونة الكافية لتقديم ما يلزم من نقود لتغطية العمليات التجارية، والحاجات الاقتصادية في العالم، وذلك للأسباب الآتية:
خلال التاريخ الإنساني، لم يحظ معدن من المعادن بمثل ما حظي به الذهب من عناية، فجميع ما استخرجه الإنسان من الذهب لا يزال يستخدم إلى اليوم على الرغم من كونه قد استخرج قبل آلاف السنين، حيث إن المستخرج منه لا يستهلك استهلاكا يؤدي إلى انعدامه، بل كل ما يحصل هو تبادله إما في صورة نقد أو حلي، وإما بدخوله في صناعة، أو إعادة صهره.
إن الذهب في جميع العصور السابقة، حتى نهاية القرن التاسع عشر، كان كافيا لجميع العمليات التجارية، وتغطية جميع الحاجات الاقتصادية في العالم على مختلف العصور دو حصول مشاكل اقتصادية أو مالية. وخلال القرن التاسع عشر، الذي ازداد فيه النمو الاقتصادي إلى درجة كبيرة، شاهد العالم نموا وازدهارا اقتصاديا كبيرا وانخفاضا في الأسعار، وزيادة في الأجور دون افتقار لكميات النقد الذهبية المعروضة، وبالرغم من ازدياد السلع والخدمات.
إن الذي يهم الناس ليس كثرة النقود في الحقيقة، بل قدرتها الشرائية، وقد كانت قدرة الوحدة الذهبية الشرائية كبيرة، وأوجدت الثبات والاستقرار، وسببت الرخاء والازدهار، بينما كان التوسع في طبع النقود الورقية غير النائبة سببا لما يعانيه العالم من مشاكل اقتصادية، ومالية ضخمة، وزاد التضخم، مما أدى إلى انخفاض القيمة الشرائية للنقود الورقية.
إن النظام الاقتصادي الذي لا يوجد فيه قيود كالتسعير، أو الاحتكار، ليس مهما فيه كمية النقود الموجودة فيه، حيث إن أية كمية نقد متداول ستكون صالحة لشراء السلع والخدمات الموجودة في السوق. فعندما تزيد السلع والخدمات الموجودة مع ثبات كمية النقد المتداول، فإن هذا سيؤدي إلى جعل الوحدة من النقد قادرة على شراء كمية أكبر من السلع والخدمات. والعكس صحيح، أي إذا قلت كمية السلع والخدمات مع ثبات كمية النقد، فإن الوحدة النقدية ستقل قدرتها على شراء السلع والخدمات. ومهما يكن من أمر، فإن النقود المتداولة ستكون كافية للتبادل النقدي مهما كانت كمياتها المتداولة.
إن ما يبدو من نقص في الذهب في الظاهر إنما هو نتيجة للتضخم العالمي السائد، ولو أن العالم عاد إلى نظام الذهب لعاد الثبات إلى سعر النقد، مما سيجعل التهالك على الذهب يقل، حيث إن الذهب لن يستخدم للمضاربات التجارية حينذاك. وسيوجه كله إلى العمليات التجارية، والحاجات الاقتصادية، لأن عمليات المتاجرة بالذهب، والمضاربة به، ستتوقف لكون أسعار العملة سيحصل لها الاستقرار، لأن أسعار العملة، ونسبة بعضها إلى بعض ستتحدد بالذهب، مما سيجعل النقود في العالم كله كأنها عملة واحدة، ومما يؤدي إلى عدم إمكانية المضاربة بها، وإلى قلة الربح في المتاجرة بالذهب، وبذلك يتوفر الذهب، ويختفي ما كان يبدو فيه من نقص في الظاهر.
فهذه الأسباب جميعها تبين أن بإمكان العالم أن يعود إلى قاعدة الذهب، وأنه بإمكان الذهب الموجود في العالم أن يفي بالحاجة النقدية، وأن يغطي العمليات التجارية، وأن يوفر المال اللازم للحاجات الاقتصادية.
?أما دولة الخلافة فإنه ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها من الدول، وإن الأسباب التي ذكرت في السابق، تبين أن بمقدرتها أن تعود إلى قاعدة الذهب، وإن الذهب الموجود في البلدان الإسلامية، والمكدس في البنوك، والخزائن فيها، فيه كفاية تامة لتمكين دولة الخلافة من العودة إلى قاعدة الذهب. هذا فضلا عن أن كميات الفضة الموجودة في البلاد الإسلامية (والتي ستكون وحدة أساسية في نقد دولة الخلافة مع وحدة الذهب، لأن دولة الخلافة تقوم على قاعدة الذهب والفضة، وعلى نظام المعدنين من الناحية النقدية) موجودة بكميات كبيرة مما يسهل على دولة الخلاف العودة إلى قاعدة الذهب والفضة.
?وزيادة على ذلك، فإن البلاد الإسلامية متوفر لديها جميع المواد الخام التي تلزم للأمة، ولدولة الخلافة، مما يجعلها في غير حاجة إلى سلع غيرها احتياجا أساسيا، أو احتياج ضرورة، وبذلك تستغني دولة الخلافة بسلعها المحلية عن استيراد السلع الخارجية، مما سيوفر خروج الذهب إلى الخارج، وبقاءه في داخل البلاد.
?كما أن البلاد الإسلامية تملك سلعا مهمة كالنفط، تحتاجها جميع دول العالم، وتستطيع دولة الخلافة أن تبيعها بالذهب، أو بسلع هي في حاجة إليها، أو بنقود تحتاجها لاستيراد ما يلزمها من سلع وخدمات. كما تستطيع أن تمنع بيعها لأية دولة إلا إذا دفعت ثمنها ذهبا. وبيع مثل هذه السلع بالذهب يجعل الذهب يتوجه إلى البلاد بكثرة، مما سيزيد في الاحتياط الذهبي في دولة الخلافة.
?فاستغناء الدولة عن غيرها بسلعها المحلية، وتملكها لسلع يحتاجها جميع الناس، ويستعدون لدفع ثمنها ذهبا، يحفظ الذهب من الخروج بغير مقابل مفيد إلى خارج البلاد، ويزيد في انصباب الذهب في البلاد. وبذلك تستطيع أن تكون مؤثرة، وأن تتحكم في الأسواق العالمية النقدية، وأن تحول دون تحكم أحد في عملتها.
?وبهذا يتبين بكل وضوح أن بإمكان دولة الخلافة أن تعود إلى قاعدة الذهب والفضة، وأن الذهب الموجود في البلاد الإسلامية يكفي لهذه العودة، كما يكفي لتوفير النقد اللازم.**
**فوائد نظام الذهب والفضة
?عندما كان الذهب والفضة هما النقد المتداول في العالم لم تكن هناك مشاكل نقدية في العالم مطلقا. والمشاكل النقدية لم تحصل إلا بعد أن تخلى العالم عن نظام الذهب والفضة، لما تفننت الدول الاستعمارية في أساليب الاستعمار الاقتصادي والمالي لتمكين السيطرة على العالم، فاتخذوا النقد وسيلة من وسائل الاستعمار، وتخلوا عن قاعدة الذهب والفضة، وحولوا النقد إلى أنظمة أخرى، اعتبروا فيها الودائع المصرفية، والنقود الإلزامية التي لا تستند إلى ذهب أو فضة من كمية النقود، وأخذوا يتلاعبون بنقد العالم وفقا لمصالحهم، فخلقوا الاضطرابات النقدية، وأوجدوا المشاكل الاقتصادية، وزادوا من إصدار النقود الإلزامية، مما أوجد هذا التضخم الكبير في النقد، وأدى إلى تدهور القوة الشرائية للنقود. وما ذلك إلا من جراء التخلي عن قاعدة الذهب والفضة.
?وقاعدة الذهب والفضة هي وحدها القادرة على القضاء على هذه المشاكل النقدية، وعلى هذا التضخم الشديد الذي عم العالم، وعلى إيجاد استقرار نقدي وثبات لأسعار الصرف، وتقدم في التجارة الدولية. ذلك أن نظام الذهب والفضة يحمل مزايا اقتصادية عديدة، منها:
إن كون الذهب والفضة سلعة يتحكم في إنتاجها العالمي تكاليف التنقيب، والاستخراج، والطلب عليه مقابل الطلب على السلع الأخرى والخدمات، يجعل تزويد العالم بالنقد ليس تحت رحمة الدول الاستعمارية كما يحصل في النظام الورقي، والذي تستطيع الدول بموجبه أن تضع من النقد ما تشاء في الأسواق، عن طريق طباعة المزيد منه كلما أرادت تحسين ميزان النقد والمدفوعات مع الدول الأخرى.
إن نظام الذهب والفضة لا يعرض العالم فجائيا لزيادة المتداول منه، كما يحصل في العملة الورقية، وبذلك يأخذ النقد صفة الثبات والاستقرار، وتزداد الثقة به.
إن نظام الذهب والفضة يحتوي على ميزان لتعديل الخلل في مدفوعات الدول فيما بينها تلقائيا دو تدخل البنوك المركزية، كالتدخل الحاصل الآن كلما اختل سعر الصرف بين عملات الدول. فإن زيادة الواردات على الصادرات سيزيد في حصيلة الدول الأخرى من نقود الدولة، وسيزيد من خروج الذهب والفضة إلى الخارج، وبالتالي إلى انخفاض الأسعار في الداخل، مما يجعل البضائع الداخلية أرخص من المستوردة مما يقلل الاستيراد في النهاية. هذا فضلا عن أن الدولة ستخشى من فقدان احتياطيها من الذهب والفضة، إذا استمر الخلل في ميزان المدفوعات، بينما في ظل النظام الورقي تلجأ الدولة كلما اختل ميزان المدفوعات إلى زيادة طباعة الأوراق النقدية، لأنه لا توجد قيود على إصدارها، مما سيؤدي إلى مزيد من التضخم، ولانخفاض القوة الشرائية للعملة. أما في النظام الذهبي والفضي، فإنه لا يمكن للدولة التوسع في إصدار أوراق النقد، ما دام ورق النقد قابلا للتحويل إلى ذهب وفضة بسعر محدد، لأن الدولة تخشى إن توسعت في الإصدار أن يزداد الطلب على الذهب، فتعجز عن مواجهة هذا الطلب، أو أن يخرج إلى الخارج فتفقد احتياطيها.
إن كون الذهب وحدة نقدية لا تتحكم فيها الدول يجعل ميزة عظيمة من حيث إن كمية أي نقد في الدولة تكفي لما يحتاجه السوق من تبادل نقدي، بغض النظر عن كونها كبيرة أو قليلة، حيث إن السلع كلها تأخذ سعر تبادل معها. ويزداد الغنتاج من السلع الأخرى وتنخفض الأسعار. بينما في النظام الورقي لا تؤدي زيادة النقد إلى ذلك، بل تؤدي إلى انخفاض القيمة الشرائية للنقد، مما يوصل إلى التضخم. وبهذا يتبين أن نظام الذهب والفضة هو الذي يقضي على التضخم، بينما النظام الورقي يزيد في حدته.
إن نظام الذهب والفضة يتمتع بكون سعر الصرف بين عملات الدول المختلفة ثابتا، حيث إن كل عملة منها مقدرة بوحدات معينة من الذهب أو الفضة، وبذلك فإن العالم كله سيكون له نقد واحد في الحقيقة من الذهب أو الفضة، مهما اختلفت العملات، وسيتمتع العالم حينئذ بحرية تجارية، وانتقال السلع والأموال بين دول العالم المختلفة، وتذهب صعوبات القطع والعملة النادرة، مما يترتب عليه تقدم في التجارة الدولةي. لأن التجار لا يخشون التوسع في التجارة الخارجية، لأن سعر الصرف ثابت.
إن نظام الذهب والفضة يحفظ لكل دولة ثروتها الذهبية والفضية، فلا يحصل تهريب الذهب والفضة من بلد إلى آخر، ولا تحتاج الدول إلى أية مراقبة للمحافظة على ذهبها وفضتها، لأنهما لا ينتقلان من عندها إلا ثمنا لسلع أو أجرة لمستخدمين.
وجميع هذه الفوائد تتحقق في نظام المعدن الواحد ذهبا كان أو فضة، وفي نظام المعدنين من الذهب والفضة. ويزاد على ذلك أن نظام المعدنين يزيد في حجم القاعدة المعدنية، مما يترتب عليه أن يصبح العرض الكلي للنقود أكبر، وذلك يمكن الدولة من مقابلة حاجة الناس إلى النقد في يسر وسهولة، مما يوجد مرونة أكثر، ويجعل القوة الشرائية للوحدة النقدية ومستوى الأسعار تميل إلى درجة أكبر من الثبات.
?هذه مزايا وفوائد قاعدة الذهب والفضة، وهي لا تخلو من مشاكل، نتيجة للاحتكارات العالمية، ولوجود الحواجز الجمركية، ولتركز الكمية العظمى من الذهب والفضة في خزائن الدول الكبيرة والدول التي زادت طاقتها على الإنتاج، وقدرتها على المنافسة في التجارة الدولية، أو نبوغها بالعلماء، والفنيين، والمهندسين، ولاتخاذ نظام النقد الورقي الإلزامي بدلا من نظام الذهب والفضة.
?ولكي تتخطى الدول التي تتخذ قاعدة الذهب والفضة هذه العقبات، وهذه المشاكل ?خاصة إذا بقيت دول العالم الكبرى، والدول التي لها تأثير في التجارة الدولية تسير على غير قاعدة الذهب والفضة- فإن عليها أن تسير على سياسة الاكتفاء الذاتي، فتقلل من استيرادها، وتعمل على أن تتبادل السلع التي تستوردها بسلع موجودها عندها، لا بالذهب ولا بالفضة كما عليها أن تعمل على بيع السلع الموجودة عندها بسلع تحتاج إليها، أو بالذهب والفضة، أو العملة التي هي في حاجة إليها لاستيراد ما تحتاج إليه من سلع وخدمات.
?وزيادة على ذلك فعلى الدولة التي تسير على قاعدة المعدنين ?الذهب والفضة- أن تتجنب تحديد سعر صرف ثابت بين وحدة الذهب، ووحدة الفضة، وعليها أن تترك سعر الصرف، يتبع تقلب الأسعار، لأن تحديد سعر صرف ثابت بين الوحدتين سيترتب عليه اختفاء الوحدة النقدية التي ترتفع قيمتها السوقية على قيمتها القانونية من التداول، وبقاء الوحدة النقدية الرخيصة، لأن النقد الرخيص يطرد النقد الجيد من التداول.**
**المسكوكات … وزنها بالغرام
1- نصف درهم … 1.4875 غراما
2- درهم … 2.975 غراما
3- خمسة دراهم … 14.675 غراما وهو المقدار الواجب في نصاب الفضة
4- عشرة دراهم … 29.75 غراما
5- عشرون درهما … 59.50 غراما
كما تقوم الدولة بسك وحدات أصغر من ذلك، من الفضة، لتسهيل الحصول على محقرات الأشياء. ونظرا لكون محتوى هذه الوحدات من الفضة يكون قليلا، ويصعب التعامل به باعتباره مسكوكات صافية، يضاف إليه أجزاء معينة من المعادن غير الثمينة، على أن تبن نسبة وزن الفضة في الوحدات المسكوكة، بشكل يمنع أي لبس فيها.
?وعلى دولة الخلافة أن تعمل لإرجاع العالم إلى التعامل بالذهب والفضة حتى دولة كأمريكا متحكمة في النقد في العالم تلعب به وفق مصالحها الخاصة.
عيار الذهب والفضة
?كانت الدولة الإسلامية في مختلف عهودها تحافظ على عيار الذهب والفضة ليبقى خالصا من أية شائبة، وقد كانت تحرص على أن ينقى تنقية تامة، حتى يكون عالي العيار. وكانت تمنع غش الذهب والفضة، وتوقع العقوبة على كل من يغش الدنانير أو الدراهم.
?لذلك يجب أن تكون دنانير الذهب ودراهم الفضة خالصة دون أن تخلط بأي معدن آخر، ويجب أن يمنع غشها، وأن توقع العقوبة على كل من يخلطها بأي معدن آخر، لأن ذلك غش، والغش محرم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من غش”, وفي رواية أخرى: “من غشنا فليس منا”.
?نسبة الذهب إلى الفضة
?يجب على دولة الخلافة أن تترك نسبة الصرف بين الذهب والفضة دون تحديد، فيصرف الذهب بالفضة، والفضة بالذهب بالسعر الدارج في الأسواق حسب العرض والطلب، كما كان الحال أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من بعده. فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحدد نسبة معينة بين الذهب والفضة، ولم يفرض سعر صرف محددا بينهما، بل ترك للمسلمين أن يبيعوا الفضة بالذهب، والذهب بالفضة كيف شاؤوا، يدا بيد، دون تحديد نسبة معينة بينهما. قال صلى الله عليه وسلم: “بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد”، وعن ابن عمر قال: "كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله رويدك أسألك، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء”.
?وهذا غير بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة. فهذا البيع يجب فيه التساوي: “مثلا بمثل” “ويدا بيد”. قال صلى الله عليه وسلم: “الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء” رواه مسلم.
?ونسبة الذهب إلى الفضة متغيرة وغير ثابتة، وتتوقف على توفر مادتي الذهب والفضة، وقلتهما، وعلى العرض والطب. وقد كانت النسبة في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم حوالي 1: 10، وفي أيام عمر1: 12، ثم 1: 14، وكانت في عام 1981 قد وصلت إلى 1: 45، ثم بعد ذلك، في خلال شهور، إلى 1: 16. فالنسبة بينهما غير ثابتة. لذلك فإن تحديد نسبة صرف معينة وثابتة بين الذهب والفضة فيها ضرر، لأن كلا من الذهب والفضة ?إذا حدد سعر الصرف بينهما بنسبة قانونية محددة- يكون عرضة لأن تختلف قيمته القانونية، عن قيمته السوقية، فإذا حصل هذا الاختلاف في داخل الدولة، أو في الأسواق الخارجية، فسيترتب عليه اختفاء النقد الذي ارتفع سعره، وسيهرب إلى الخارج، إن كانت قيمته السوقية في الخارج أعلى من قيمته القانونية في الداخل.**
?أما إن كان الورق الذي تطبعه وتصدره، وتجعله نقدا وعملة لها ليس نائبا عن ذهب، أو فضة، وليس له أي تغطية من ذهب أو فضة، اعتبرت الدولة سائرة على النظام الورقي الإلزامي.
?وقد اتخذت الدولة الرومانية وحدة ثابتة من الذهب محددة الوزن والعيار أساسا لعملتها، وسكت على أساس هذه الوحدة قطعا من النقود الذهبية على شكل معين، وطراز خاص نقشته بنقوش معينة، وجعلت هذه القطع الذهبية المسكوكة نقدا وعملة لها، طرحتها للتداول وبذلك كانت قد اتخذت قاعدة الذهب في إصدار عملتها، وسارت فيها على نظام المسكوكات الذهبية.
?أما الدولة الساسانية فإنها قد اتخذت وحدة الفضة أساسا لعملتها وجعلتها على ثلاثة أوزان، وسكت على أساس هذه الأوزان دراهمها الفضية على شكل معين، وطراز خاص نقشته بنقوش خاصة، وجعلت هذه القطع الفضية المسكوكة نقدا وعملة لها، طرحتها للتداول، فكانت بذلك قد أخذت بقاعدة الفضة، وسارت فيها على نظام المسكوكات
?أما المسلمون، فإنهم قد اتخذوا وحدة الذهب ووحدة الفضة أساسا للنقد والعملة عندهم، فاستعملوهما معا جنبا إلى جنب، غير أنهم كانوا يتخذون من الدنانير البيزنطية، والدراهم الكسروية نقدا لهم، ولم يسكوا نقدا خاصا بهم، منذ أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من بعده، حتى أيام عبد الملك بن مروان. ففي عهده ضرب عبد الملك نقدا إسلاميا خاصا، جعله على شكل معين، وطراز خاص، نقشه بنقوش إسلامية خاصة، وجعله قائما على وحدة الذهب ووحدة الفضة، بوزن الدينار والدرهم الشرعيين، وبذلك يكون المسلمون قد ساروا على قاعدة الذهب والفضة، أي على قاعدة المعدنين. وفي أواخر أيام العباسيين، وفي أيام الأتابكة في مصر، سك المسلمون بجانب الذهب والفضة نقودا من النحاس لشراء محقرات الأشياء بها، باعتبار أن قيمة النحاس الذاتية قليلة، ولم يكن نائبا عن الذهب والفضة، وإنما كان قائما بذاته معتمدا على قيمته كنحاس، لذلك كان لشراء محقرات الأشياء، إلا أنه لما قل الذهب والفضة في زمن الأتابكة، صاروا يشترون به جميع السلع جليلها وحقيرها.
?وقد استمر العالم يسير على قاعدة الذهب والفضة على أساس نظام المسكوكات إلى أوائل القرن العشرين، وكانت كل دولة تسك عملتها الذهبية، أو الفضية على شكل وطراز معين خاص بها، وبعيار ووزن محددين ثابتين، إلى تخلت الدول الكبرى الاستعمارية قبيل الحرب العالمية الأولى عن قاعدة الذهب، والفضة، واتخذت الأوراق النقدية الإلزامية عملة لها.
?هذا هو واقع إصدار النقود، وواقع ما سار عليه المسلمون من اتخاذ النقود وإصدارها، وواقع الحكم الشرعي في إصدارها.
?وعليه فأن على المسلمين أن يكون نقدهم هو الذهب والفضة، وعلى دولة الخلافة أن تجعل نقدها هو الذهب والفضة، وأن تسير على قاعدة الذهب والفضة، أي على قاعدة المعدنين، كما كان الحال أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من بعده، . وعليها أن تسك الدنانير الذهبية، والدراهم الفضية، وأن تسكهما من مادة الذهب والفضة الخالصة ذات العيار العالي، وأن تجعل الدنانير والدراهم على شكل معي وطراز إسلامي خاص بدولة الخلافة، وأن تجعل وزن دينار الذهب هو وزن الدينار الشرعي، أي وزن المثقال، فتسك الدنانير بوزن 4.25 غراما للدينار الواحد، الذي هو وزن المثقال. وأن تجعل وزن درهم الفضة هو وزن الدرهم الشرعي، الذي يطلق عليه وزن سبعة، أي كل عشرة دراهم منها وزن سبعة مثاقيل، فتسك الدراهم بوزن 2.975 غراما للدرهم الواحد.
?ويمكن للدولة أن تسك الدينار الذهبي وأجزاءه ومضاعفاته على الشكل التالي:
المسكوكات … وزنها بالغرام
1- ربع دينار … 1.0625 غراما، وهو الذي تقطع فيه يد السارق
2- نصف دينار … 2.125 غراما وهو المقدار الواجب في نصاب الزكاة
3- دينار … 4.25 غراما
4- خمسة دنانير … 21.25 غراما وهي ربع نصاب الزكاة
5- عشرة دنانير … 42.5 غراما وهي نصف نصاب الزكاة
6- عشرون دينارا … 85 غراما وهي نصاب الزكاة.
?وبهذا الشكل تكون قد سكت قطعة بوزن نصاب الزكاة، وقطعة بوزن الدينار الذي هو أساس وزن الذهب، وقطعة بوزن نصف دينار، وهو المقدار الواجب ف نصاب الزكاة، وقطعة ربع دينار، وهو المقدار الذي تقطع فيه يد السارق.
كما يمكن للدولة أن تسك الدرهم الفضي وأجزاءه ومضاعفاته على الشكل التالي:
**نظام المعدنين
?وهو النظام الذي يكون نقده الأساسي مكونا من وحدتين، ذهبا وفضة. ولا بد في هذا النظام من تحديد نسبة ثابتة في لوزن والعيار بين وحدة الذهب ووحدة الفضة، حتى يمكن قياس إحداهما بالأخرى، ومعرفة قيمة استبدالها به. وفي هذا النظام تتداول قطع الوحدات الذهبية بجانب قطع الوحدات الفضية. ومن الدول من كانت تحدد نسبة قانونية لاستبدال الوحدات الذهبية بالوحدات الفضية، ليكون سعر الصرف بينهما ثابتا بينهما.
?إن اتخاذ نظام الذهب والفضة يقتضي أن تحدد وحدته النقدية الأساسية من الذهب والفضة بوزن وعيار معينين وثابتين، وأن يطلق للناس شراء الذهب والفضة وبيعهما، واستيرادهما، وتصديرهما، دون أن يقيدوا بأي قيد، وأن توفر لهم إمكانية تحويل العملات الأخرى إلى الذهب والفضة، وتحويل الذهب والفضة إلى تلك المعاملات، لتسهيل عمليات التجارة الخارجية، وأن يمكن الناس من تحويل سبائك الذهب والفضة إلى مسكوكات، وتحويل المسكوكات إلى سبائك، بتكلفة بسيطة تأخذها دار السك في الدولة.
النظام الورقي
النظام الورقي هو النظام الذي يتخذ النقود الورقية أداة للتداول، والنقود الورقية هي عبارة عن وثائق متداولة تصدر لحامله، وتمثل دينا معينا في ذمة الدولة، أو السلطة النقدية التي أصدرتها إن كانت هذه الأوراق نائبة عن الذهب أو الفضة، أو كانت أوراقا وثيقة مغطاة بذهب، أو فضة.
?والنقود الورقية قد تكون نائبة عن الذهب، أو الفضة الموجودة عند الدولة، فتمثلهما تمثيلا كاملا، أي أن الغطاء الذهبي، أو الفضي لهذه الأوراق النقدية المتداولة يمثل قيمتها مائة في المائة، ولحامل هذه الأوراق النقدية النائبة الحق في أن يحولها إلى ذهب أو فضة، حسب غطائها، متى شاء ودون قيد، أو حد. وهذه الأوراق النائبة تعتبر في واقعها من النظام المعدني، وكل ما في الأمر أنه بدلا من تداول الذهب أو الفضة بعينها، تقوم هذه الأوراق النقدية النائبة مقامها في التداول باعتبارها نائبة عنها.
?وقد تكون هذه النقود الورقية مغطاة بجزء من قيمتها -ذهبا أو فضة- بنسبة محددة معينة. ويطلق على هذه النقود الورقية “النقود الوثيقة”، ومع أنها ليست مغطاة تغطية كاملة بالذهب أو الفضة، فإن الثقة بها حصلت من الثقة في الجهة التي أصدرتها. ويكون القسم المغطى منها بالذهب أو الفضة عملة نائبة عن الذهب، أو الفضة، في حين يعتبر القسم الباقي، الذي لا يقابله ذهب، أو فضة، نقودا ورقية وثيقة، تستمد قوتها في التداول من ثقة الناس بالجهة التي أصدرتها.
?ونوع ثالث من النقود الورقية هو النقود الورقية التي ليس لها أي غطاء مطلقا من ذهب، أو فضه، ولا هي نائبة، عن ذهب أو فضة، ويطلق عليها “النقود الورقية الإلزامية”. وهي نقود غير قابلة للصرف بالذهب، أو الفضة، وتستمد قيمتها إلى قوة الإبراء العام التي يضفيها عليها القانون، وليس لها أي قيمة سلعية في ذاتها، وإنما تستمد قيمتها من القانون الذي فرضها عملة للتداول. فلو ألغي التعامل بها، أو فقدت ثقة الناس بها أصبحت عديمة الفائدة.
إصدار النقود
?كل دولة من الدول تصطلح على اتخاذ وحدة معينة، من شيء معين، تجعلها أساسا تنسب إليها الأشياء الأخرى والجهود، وتقاس بها، وتسكها على شكل معين، وطراز خاص بها، بوزن وعيار محددين ثابتين. وقد درجت المجتمعات، من قديم الزمان، على جعل هذه الوحدة القياسية من الأشياء التي لها قيمة في ذاتها، فاتخذوا الذهب والفضة مقياسا تنسب إليه جميع السلع والجهود، لكون الذهب والفضة لهما قيمة ذاتية في العالم أجمع، وسكوا منها قطعا نقدية على كل معيين، وطراز خاص، بوزن وعيار معينين محددين.
?إن الدولة التي تتخذ الوحدة الذهبية، أو الفضية أساسا لنقدها تكون سائرة على النظام المعدني، فإن جعلت الوحدة الذهبية هي الأساس لنقدها الذي تسكه عملة لها تكن سائرة على قاعدة الذهب، أو على نظام الذهب، وإن جعلت الوحدة الفضية هي الأساس لنقدها الذي تسكه عملة لها تكن سائرة على قاعدة الفضة، أو على نظام الفضة، وإن جعلت وحدة الذهب، ووحدة الفضة ?جنبا إلى جنب- أساسا لنقدها الذي تسكه عمله لها، تكن سائرة على قاعدة الذهب والفضة أو على نظام المعدنين.
?أما الدولة التي تتخذ النقود الورقية عملة لها تبادل بها السلع والجهود، فإنها تكون سائرة على نظام النقد الورقي. فإن كان الورق الذي تطبعه، وتجعله نقدا وعملة لها نائبا عن ذهب أو فضة، تكن الدولة سائرة على نظام النقد الورقي النائب. وإن كان الورق الذي تطبعه، وتجعله نقدا لها، له غطاء ذهبي، أو فضي يعادل نسبة معينة من قيمته، تكن سائرة على نظام النقد الورقي من نوع الوثيقة.**
**النظم النقديةالنقود نوعان: معدنية، وورقية. فالنقود المعدنية هي التي تتخذ من المعادن، كالذهب والفضة، والنحاس، والرصاص، والنيكل. والنقود الورقية هي النقود التي تتخذ من الورق، نائبة عن الذهب، أو الفضة، أو مغطاة بالذهب أو الفضة أو بهما معا، تغطية كلية، أو جزئية، أو غير نائبة عنهما، ولا مغطاة بهما.
وقد درج العالم على اتخاذ الذهب والفضة عملة ونقدا إلى قبيل الحرب العالمية الأولى، حين أوقف التعامل بهما، ثم رجع بعد الحرب العالمية الأولى إلى استعمال الذهب والفضة رجوعا جزئيا، ثم أخذ يتقلص هذا التعامل. وفي سنة 1971، ألغي التعامل بالذهب والفضة إلغاء كليا، حين قرر الرئيس الأمريكي نيكسون ف 15/7/1971 رسميا إلغاء نظام بريتون وودز القاضي بتغطية الدولا بالذهب، وبربطه به بسعر ثابت.
والنظام النقدي هو مجموعة القواعد التي يتم على أساسها إيجاد النقود وتدبيرها في دولة من الدول. والمحور الأساسي لكل نظام نقدي هو تعيين الوحدة النقدية الأساسية التي تنسب إليها قيم الأنواع الأخرى من النقود، فإذا تحددت مثلا الوحدة النقدية الأساسية بمقدار معين من الذهب كانت هذه الوحدة هي النقد الأساسي لهذا النظام. ويستمد النظام النقدي عادة تسميته من طبيعة النقد الأساسي المتخذ فيه. فإذا كان النقد الأساسي هو الذهب، أطلق على هذا النظام نظام الذهب، أو قاعدة الذهب، وإذا كان النقد الأساسي هو الفضة، أطلق عليه نظام الفضة. وإذا كان النقد الأساسي مكونا من وحدتين -ذهبا وفضة- أطلق على هذا النظام نظام المعدنين. وإذا كانت قيمة وحدة النقد الأساسية لا تربطها علاقة ثابتة بالذهب، أو الفضة، سمي هذا النظام بالنظام النقدي الإلزامي، سواء أكان متخذا من المعدن، كالنقود النحاسية، أو متخذا من الورق كالنقود الورقية (بنكنوت).
النظام المعدني
النظام المعدني هو النظام الذي تتكون وحدته النقدية الأساسية من المعدن. وهو إما أن تكون وحدته النقدية الأساسية مكونة من معدن واحد، وإما أن تكون مكونة من معدنين.
نظام المعدن الواحد
?هو النظام النقدي المعدني الذي يرتكز على معدن واحد، ذهبا أو فضة. وهذا النظام يمكن أن يتمثل في أشكال ثلاثة هي:
نظام المسكوكات الذهبية أو الفضية.
نظام السبائك الذهبية أو الفضية.
نظام الصرف بالذهب أو بالفضة.
نظام المسكوكات الذهبية أو الفضية
?هو النظام الذي تتداول فيه قطع ذهبية، أو قطع فضية مسكوكة بعيار وأوزان ثابتة معينة، تكون هي أداة التداول بنفسها، وقد تتداول إلى جانب القطع الذهبية، أو الفضية، أوراق نائبة عن الذهب أو الفضة تمثلها تمثيلا كاملا، وتستبدل بها في أي وقت، دو قيد أو عائق.
نظام السبائك الذهبية أو الفضية
?هو النظام التي تسحب فيه قطع المسكوكات الذهبية أو الفضية من التداول، وتحتفظ الدولة أو البنوك المركزية فيها بسبائك الذهب، أو الفضة، في خزائنها، وتصدر نقودا ورقية نائبة عن الذهب أو الفضة، تطرحها للتداول، وفيها قابلية الاستبدال بالذهب أو الفضة.
?غير أن الدول عندما عمدت إلى نظام السبائك، حدت من الإمكانية المطلقة لاستبدال الذهب أو الفضة بالنقود الورقية، وجعلتها في حدود ضيقة، وسكت سبائك بأحجام كبيرة، حتى لا يستطيع كل إنسان شراءها، كي يحافظ على احتياطي الذهب، أو الفضة، وليسدد منه أي عجز في ميزان المدفوعات، وحتى يحال دون تسرب الذهب أو الفضة إلى الخارج. وبذلك أوجدت الدول التي اتخذته نظاما نقديا لها، نوعا من الإدارة النقدية، وشيئا من الرقابة على حركات الذهب والفضة.
نظام الصرف بالذهب أو الفضة
?وهو النظام الذي يتميز بأن الوحدة النقدية للبلد الذي يتخذه، لا تحدد مباشرة على أساس الذهب أو الفضة، بل تحدد على أساس ارتباطها بعملة بلد آخر، يسير على نظام الذهب أو الفضة، كما كان يحصل في ارتباط عملة البلاد التابعة بعملة البلاد المتبوعة التي تسير على قاعدة الذهب أو الفضة، كالعملة السورية واللبنانية التي كانت مربوطة بالعملة الفرنسية أيام الانتداب، وكالعملة المصرية والعراقية التي كانت مربوطة بالعملة الإنجليزية أيام كانتا تحت السيطرة البريطانية.**
**أما الواقع النقدي الذي كان أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يكن هناك نقد متداول باعتباره عملة تقاس بها أثمان المبيعات، وأجرة الجهود إلا الذهب والفضة، فلم يكن هناك نقود غيرهما، معدنية أو غير معدنية، ولم تكن هناك فلوس النحاس أو الرصاص، كما لم تكن هناك نقود جلدية، أو ورقية، بل كان الذهب والفضة وحدهما هما النقد المعتبر، والعملة المتداولة عند المسلمين. وكان البيع والشراء يتم بهما وزنا، لا عدا، باعتبارهما تبرا، ولو كانا مسكوكين. فالتاجر الذي يبيع سلعة بدينار يزن الدينار ليتأكد له أنه مثقال تام لم ينقص شيئا من عمليات التبادل، ومن باع سعلة بدرهم يزن الدرهم ليتأكد من أنه الوزن المطلوب الذي تم البيع عليه. ومن كان عنده عشرون دينارا، وحال عليها الحول ووزنها فوجدها تنقص قيراطا لم يخرج زكاتها، لأنها نقصت عن نصاب الزكاة، ومن كان عنده مائتا درهم ووزنها فوجدها تنقص قيراطا عن وزن نصاب الفضة لم يزكها، لأنها نقصت عن النصاب.
وهذا يبين أن الذهب والفضة، من حيث هما، يعتبران نقدا وثمنا، بقطع النظر عن كونهما مضروبين، أو غير مضروبين. لأنه قد اصطلح على اعتبارهما نقدا تقاس به السلع والجهود والخدمات. فأقر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الاصطلاح، وهذا الاعتبار، وبقيا هما النقد المستعمل طيلة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، وأيام الأمويين والعباسيين، ولم يوجد المسلمون طيلة تلك المدة نقدا غيرهما. فإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لكونهما نقدا وثمنا هو أقرار لواقع موجود، ولم يأمر باتخاذ غيرهما.
أما الرجوع إلى الأحكام الشرعية التي ربطت بالذهب والفضة، فإنه يتبين منها أن تحريم الكنز لا يكون إلا بهما وحدهما دون سائر الأموال. أما غيرهما من الأموال فإنه يتصور فيه الاحتكار وليس الكنز، فالمطعومات لا تمكث طويلا، والحيوانات والمواشي، والطيور، لا يتصور فيها الكنز، لأنها دائمة النماء، ولما كان الكنز لا يظهر إلا في النقود، فقد جاء حكم تحريم الكنز متعلقا بالذهب والفضة، لأنه لم يكن موجودا عند المسلمين نقد سواهما.
وإنه وإن ربط الشارع أحكاما معينة ثابتة لا تتغير بهما، كأحكام الدية، والزكاة، فإن الشارع لم يقتصر عليهما في تلك الأحكام، بل ربط الدية والزكاة بغيرهما من الأموال، فقد ربط الدية بالإبل والبقر والغنم، والحلية أي الثياب. والزكاة أوجبها في الماشية من الإبل والبقر والغنم، وفي الزروع والثمار، وعروض التجارة، كما أوجبها ف الذهب والفضة.
لذلك فإن هذه الأحكام التي ربطت بالذهب والفضة لم تقتصر عليهما، بل ربطت بغيرهما من الأموال. غير أنها لم تتعرض لنقد غيرهما. وذلك لعدم وجود نقد آخر غيرهما. أما أحكام الربا والصرف المتعلقة بهما، فإن الربا تعلق بهما وبغيرهما من الأموال الربوية، التي حددتها الأحاديث، وأما الصرف فإنه لا يكون إلا في النقد والعملة المستعملة.
ومن هذا الاستعراض لواقع النقود، الذهبية والفضية، التي كانت مستعملة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن استعراض نظام الذهب والفضة، وفوائده، والأنظمة النقدية الأخرى المفصلة فيما يلي، يمكن أن يتوصل إلى أن نقد دولة الخلافة هو الذهب والفضة أساسا، لقياس أثمان السلع، والجهود، وإن كان يجوز استعمال معادن أخرى، مع الذهب والفضة، عند سك القطع الصغيرة من نقود الذهب والفضة.**
ومع إطلاق الإسلام المبادلة للبشر بما يريدون، إلا أنه عين النقود التي تكون المبادلة بها، فجعلها الذهب والفضة، وجعلها المقياس النقدي الذي يرجع إليه في قياس السلع والجهود، والأساس الذي تجري عليه جميع المعاملات، وجعلها على وزن معين هو وزن أهل مكة “الوزن وزن أهل مكة”.
وقد ربط الإسلام أحكاما شرعية بالذهب والفضة، باعتبارهما ذهبا وفضة وباعتبارهما نقدا وعملة، وأثمانا للأشياء، وأجرة للجهود. ومن هذه الأحكام:
حرم كنزهما. قال تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} فجعل حرمة الكنز منصبة على كنز الذهب والفضة، باعتبارهما ذهبا وفضة، وباعتبارهما نقدا، وأداة للتداول، وبهما تتم المبايعات والأعمال.
ربط بهما أحكاما معينة ثابتة لا تتغير:
فرض فيهما الزكاة باعتبارهما نقدين، وأثمانا للمبيعات، وأجرة للجهود، وعين لهما نصابا معينا من دنانير الذهب، ودراهم الفضة “في كل عشرين دينارا نصف دينار وف كل مائتي درهم خمسة دراهم”.
وحين فرض الدية جعلهما يدفعان فيها، وعين لها مقدارا معينا من الذهب هو ألف دينار، ومقدارا معينا من الفضة هو اثنا عشر ألف درهم. عن ابن عباس “أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفا”، أي من الدراهم رواه أصحاب السنن، وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا، فكان في كتابه “وإن في النفس الدية مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار” رواه النسائي.
جـ - وحين أوجب القطع في السرقة، عين المقدار الذي تقطع فيه بد السارق من الذهب بربع دينار، ومن الفضة بثلاثة دراهم، وجعل ذلك مقياسا لكل ما يسرق. عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا”، رواه الخمسة. وعن ابن عمر “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم”.
حين قرر أحكام الصرف في المعاملات النقدية، جعلها في الذهب والفضة. والصرف هو مبادلة عملة بعملة، وبيع نقد بنقد، إما من جنسه، كبيع الذهب بالذهب، وبيع الفضة بالفضة، وإما من غير جنسه، كبيع ذهب بفضة، وبيع فضة بذهب. عن أبي بكرة قال: “نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الفضة بالفضة والذهب إلا سواء بسوا، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا”، أخرجه الخاري ومسلم.
فربط الإسلام لهذه الأحكام الشرعية بالذهب والفضة، بوصفهما نقدين وعملة للتداول، وأثمانا للمبيعات، هو أقرار من الرسول صلى الله عليه وسلم لجعل الذهب والفضة هما الوحدة القياسية النقدية التي تقدر بها أثمان المبيعات، وأجرة الجهود.
وهذا دال على اعتبار أن النقد في الإسلام هو الذهب والفضة، لأن جميع الأحكام التي لها ارتباط بالنقود، ربطت بالذهب والفضة باعتبارهما ثمنا لجميع السلع والجهود، ونقدا للتداول، سواء أكانا مسكوكين أم كانا تبرا، أي غير مسكوكين.
لكن هل هذا يعني أنه لا يجوز للمسلمين، وللدولة الإسلامية، اتخاذ نقد سواهما أو التبادل بغيرهما؟
أما التبادل بغيرهما فهو جائز قطعا، ولا خلاف فيه، لأن البيع والشراء كان يحصل أيام الرسول صلى الله عليه وسلم مقايضة بالسلع، بعضها مع بعض، كما كان يحصل بالنقود من الذهب والفضة. وقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك كله دون منع، أو إنكار، وأباح التعامل به. روى مسلم عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد”، وروى النسائي عن عبادة قال: “… وأمرنا أن نبيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، يدا بيد، كيف شئنا”.
أما موضوع جواز أو عدم جواز اتخاذ المسلمين، دولة الخلافة، نقدا للدولة سوى الذهب والفضة، فللوصول إلى حكم ذلك لا بد من إدراك الواقع النقدي، الذي كان موجودا أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الرجوع إلى الأحكام الشرعية التي ربطت بالذهب والفضة.
**أوزان الدنانير والدراهم
?إن وزن الدينار لم يختلف في جاهلية ولا في إسلام، فقد كان ثابت الوزن، وكان الدينار البيزنطي هو الذي كان مستعملا في أيام الجاهلية، وأيام الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء من بعده، ثم ضرب عبد الملك بن مروان الدينار الإسلامي على الوزن نفسه، وكان الدينار البيزنطي يزن مثقالا. والمثقال ثمانية دوانق، ووزنه عشرون قيراطا، أو اثنان وعشرون قيراطا إلا كسرا، والوزنان شيء واحد، لأن القراريط فيهما مختلفة، وقدروا المثقال باثنين وسبعين حبة شعير من الشعير الوسط، المقطوع ما دق من طرفيه، كما قدروه بستة آلاف حبة من حب الخردل البري المعتدل.
?وقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الوزن للدينار، وربط به أحكام الزكاة، والدية، والقطع في السرقة، فكان هو الوزن الشرعي للدينار، وهو الوزن نفسه الذي اعتمده عبد الملك بن مروان عندما ضرب الدينار الإسلامي، فقد جعله مثقالا.
?أما الدراهم فقد كانت مختلفة الأوزان، وكان للفرس ثلاثة أنواع من الدراهم: الكبار، وكان وزنها وزن المثقال، أي عشرين قيراطا. والصغار، وكان وزنها نصف مثقال، أي عشرة قراريط. والوسط، وكان العشرة منها وزن ستة مثاقيل، أي اثني عشر قيراطا. روى البلاذري عن الحسن بن صالح قال: “كانت الدراهم من ضرب الأعاجم مختلفة، كبارا وصغارا، فكانوا يضربون منها مثقالا، وهو وزن عشرين قيراطا، ويضربون منها وزن اثني عشر قيراطا، ويضربون بوزن عشرة قراريط، وهي أنصاف المثاقيل”. وروى عن غير الحسن بن صالح فقال: “كانت دراهم الأعاجم ما العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، وما العشرة منا وزن ستة مثاقيل، وما العشرة منها وزن خمسة مثاقيل”. وأطلق على الدراهم الكبار الدراهم البغلية، أو السود الوافية لاستيفائها الوزن الأساسي للدرهم. وهو وزن المثقال من الذهب، أي ثمانية دوانق، والدانق قيراطان ونصف، فتكون عشرين قيراطا. وقد ضربت بهذا الوزن في العهد الساساني وعهد الخلاء الراشدين والأمويين.
?وأطلق على الدراهم الصغار، التي هو أنصاف المثاقيل، الدراهم الطبرية، نسبة إلى طبرستان، مكان ضربها، وتزن أربعة دوانق، وهي تساوي عشرة قراريط. وأطلق على الدراهم الوسط، الجوارقية، نسبة إلى جورقان بلد ضربها، وتزن 4.8 دوانق أي اثني عشر قيراطا، ولما جاء الإسلام، وفرضت الزكاة في الفضة، وجعل في كل مائتي درهم خمسة دراهم، اعتبرت الدراهم التي كل عشرة منها وزن سبعة مثاقيل، وهي التي يقال لها وزن سبعة، وهي الدراهم الوسط في وزنها بالنسبة للدراهم. ذلك أنهم جمعوا قراريط الدراهم الكبار والصغار والوسط، وقسموها على ثلاثة فكان الناتج هو 14 قيراطا، أو ستة دوانق، وتساوي خمسين حبة شعير، وخمسي حبة من الشعير الوسط المقطوع ما دق من طرفيه، كما تساوي أربعة آلاف ومائتي حبة خردل، وكان هذا هو الدرهم الشرعي المعتبر في أحكام الزكاة والديات. وقد كان هذا الوزن هو المعروف والمعتبر أيام الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي أيام عمر حدد مقداره بالدوانق والقراريط استنادا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم “الوزن وزن أهل مكة”. فحددت المقادير والنسب على ما كانت تواضعت عليه قريش من أوزان، وأقرها الرسول صلى الله عليه وسلم عليها، وقد كان يطلق على هذا الوزن الدرهم الشرعي، وبه كانت تربط الأحكام الشرعية في الزكاة والديات وغيرها، وهو وزن الدرهم الإسلامي نفسه الذي ضربه عبد الملك بن مروان، بعد أن تخلى عن الدراهم الفارسية. وقد نقل الواقدي عن وهب بن كيسان أنه قال: "رأيت الدنانير والدراهم قبل أن ينقشها عبد الملك ممسوحة، وهي وزن الدنانير التي ضربها عبد الملك. وروى أيضا عن عبد الملك بن السائب عن أبي وداعة السهمي أنه أراه وزن المثقال قال: “فوزنته فوجدته وزن مثقال عبد الملك بن مروان، قال: هذا كان عند أبي وداعة بن ضبيرة السهمي في الجاهلية”. وروى البلاذري عن عثمان بن عبد الله قال: قال أبي: “قدمت علينا دراهم ودنانير عبد الملك المدينة، وبها نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم من التابعين، فلم ينكروا ذلك”، وقال محمد بن سعد: “وزن الدرهم من دراهمنا هذه أربعة عشر قيراطا من قراريط مثقالنا الذي جعل عشرين قيراطا، وهو وزن خمسة عشر قيراطا من إحدى وعشرين قيراطا وثلاثة أسباع”.**
**بعض الصور للعملات الإسلامية ألورقية::
ورقه فئه 5 ليرات اصدار 1331 هجري.

عمله مميزه عثمانيه وهي فئه خمس روبيات افغاني وعليها الطغراء والاختام العثمانيه اصدار 1298 هجري

منقول عن: تراثيات الثقافة
.**

إدخال الدينار الإسلامي والدرهم




**?كما أن البلاد الإسلامية تملك سلعا مهمة كالنفط، تحتاجها جميع دول العالم، وتستطيع دولة الخلافة أن تبيعها بالذهب، أو بسلع هي في حاجة إليها، أو بنقود تحتاجها لاستيراد ما يلزمها من سلع وخدمات. كما تستطيع أن تمنع بيعها لأية دولة إلا إذا دفعت ثمنها ذهبا. وبيع مثل هذه السلع بالذهب يجعل الذهب يتوجه إلى البلاد بكثرة، مما سيزيد في الاحتياط الذهبي في دولة الخلافة.
?فاستغناء الدولة عن غيرها بسلعها المحلية، وتملكها لسلع يحتاجها جميع الناس، ويستعدون لدفع ثمنها ذهبا، يحفظ الذهب من الخروج بغير مقابل مفيد إلى خارج البلاد، ويزيد في انصباب الذهب في البلاد. وبذلك تستطيع أن تكون مؤثرة، وأن تتحكم في الأسواق العالمية النقدية، وأن تحول دون تحكم أحد في عملتها.
?وبهذا يتبين بكل وضوح أن بإمكان دولة الخلافة أن تعود إلى قاعدة الذهب والفضة، وأن الذهب الموجود في البلاد الإسلامية يكفي لهذه العودة، كما يكفي لتوفير النقد اللازم.
كيف يتم الرجوع إلى قاعدة الذهب
?للرجوع إلى قاعدة الذهب يجب إزالة الأسباب التي أدت إلى التخلي عنه، وإزالة العوامل التي أدت إلى تدهوره، أي يعمل ما يلي:
إيقاف طبع النقود الورقية.
إعادة النقود الذهبية إلى التعامل.
إزالة الحواجز الجمركية من أمام الذهب، وإزالة جميع القيود على استيراده وتصديره.
إزالة القيود على تملك الذهب وحيازته وبيعه وشرائه، والتعامل به في العقود.
إزالة القيود على تملك العملات الرئيسية في العالم، وجعل التنافس بينها حرا، حتى تأخذ سعرا ثابتا بالنسبة لبعضها وبالنسبة للذهب من غير تدخل الدول بتخفيض عملاتها أو تعويمها.
ومتى ترك للذهب الحرية فإنه سيكون له سوق مفتوحة في فترة زمنية يسيرة، وبالتالي فإن جميع العملات الدولية ستأخذ سعر صرف ثابتا بالنسبة للذهب، وسيأخذ التعامل الدولي بالذهب طريقه إلى الوجود حيث سيجري دفع قيم العقود لسلع مقدرة قيمتها بالذهب.
?إن هذه الخطوات إذا قامت بها دولة واحدة قوية، فسيؤدي نجاحها إلى تشجيع الدول الأخرى على اتباعها في ذلك؛ مما يؤدي إلى تقدم نحو إعادة نظام الذهب إلى العالم مرة أخرى.
?وليست دولة أجدر من دولة الخلافة من القيام بذلك لأن العودة إلى قاعدة الذهب والفضة حكم شرعي بالنسبة لها، ولأن دولة الخلافة مسؤولة عن العالم مسؤولية هداية ورعاية.
والحمد لله رب العالمين
***الموضوع بالكامل منقول من كتاب :
الأموال في دولة الخلافة
سماحة الشيخ عبد القديم يوسف زلوم**
?هذه هي أوزان الدنانير الذهبية، والدراهم الفضية، والنسب المحددة بين أنواعها. وحتى يسهل علينا معرفة هذه الأوزان، لا بد من أن نعرف مقاديرها محددة بحساب أوزان اليوم.
?وقد أمكن معرفة هذه الأوزان بدق بعد الاكتشافات الأثرية، والعثور على الدنانير البيزنطية، والدراهم الكسروية، والدنانير والدراهم الإسلامية، خاصة التي ضربت أيام عبد الملك بن مروان، والتي ضربها على وزن الدينار والدرهم الشرعيين. وقد عثر على نقود عديدة من العصور الإسلامية، لا تزال محفوظة في المتاحف إلى اليوم، وسجل القائمون على هذه النقود في المتاحف ?قعد فحصها وتمييزها- أوزانها بدقة تامة على وجه قاطع. فقد وجدوا أن وزن الدينار الإسلامي، الذي ضربه عبد الملك بن مروان هو 4.25 غراما، وهو وزن السوليدوس نفسه، وهو نقد الذهب الذي كان شائعا في بيزنطة، وهو نفسه وزن الدراخما اليونانية، التي اعتمد وزن السوليدوس على وزنها وهو الدينار البيزنطي، الذي كان متداولا أيام الجاهلية والإسلام.
?وبما أن الدينار هو المثقال، وأن المثقال هو أساس الأوزان، فبمعرفته تسهل معرفة أوزان الدراهم، والدوانق، والقراريط، والحبات، بالنسبة إليه.
?وبما أن المثقال يساوي 4.25 غراما، ويساوي ثمانية دوانق، فيكون وزن دانق الذهب بالغرام هو 4.25 غراما وزن المثقال ÷ 8 دوانق = 0.53125 من الغرام وزن الدانق.
?وبما أن المثقال عشرون قيراطا، فيكون وزن القيراط بالغرام هو 4.25 غراما وزن المثقال ÷ 20 قيراطا =0.2125 من الغرام وزن القيراط.
?وبما أن المثقال يساوي 72 حبة من الشعير، فيكون وزن حبة الشعير بالغرام هو:
غراما وزن المثقال ÷ 72 حبة شعير = 0.059 من الغرام وزن حبة الشعير من الذهب، وهذا يساوي 83.3 حبة خردل.
وبما أن الدرهم يساوي سبعة أعشار المثقال، وكل عشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل، فيكو وزن الدرهم بالغرام هو: 4.25 غراما وزن المثقال × 10/7 = 2.975 غراما فضة وزن الدرهم.
أو: كل 10 دراهم = 7 مثاقيل 10 × 2.975=29.75 غراما وزن عشرة دراهم.
أو: كل 7 مثاقيل = 10 دراهم 7×4.25=29.75 غراما وزن سبعة مثاقيل.
وبما أن الدرهم يساوي ستة دوانق، فيكون وزن دانق الفضة بالغرام هو:
2.975 ÷ 6 =0.495 من الغرام وزن دانق الفضة.
ولما كانت الأوقية التي يزنون بها الدراهم تساوي أربعين درهما، فيكون وزنها بالغرامات هو: 2.985 غراما وزن الدرهم × 40 درهما وزن الأوقية = 119 غراما وزن أوقية الفضة.
هذه هي العملة التي كانت مستعملة في أيام الجاهلية، وهذه هي أوزانها. وقد أقر الإسلام هذه العملة كما هي، وأقر استعمالها، واتخاذها أداة للتداول، ومقياسا تقاس به السلع والجهود، كما أقر أوزان أهل مكة فيها.
ومع ذلك، فإن الإسلام لم يفرضها أداة التداول الوحيدة حين قرر أحكام البيع والشراء والإجارة، بل أطلق للإنسان أن يتبادل السلع والمنافع والجهود بأي شيء يتم التراضي عليه، دون فرض شيء معين يجري التبادل على أساسه. فأباح للإنسان أن يشتري السيف بالتمر، والشاة والقمح، والثوب بالدينار، و اللحم بالدرهم، وأن يعمل يوما بصاع من زبيب، وأن يصنع خزانة بخمسة دنانير، وأن يبني بيتا محددا بحراثة أرض محددة. وهكذا أطلق الإسلام المبادلة للبشر بما يريدون، وبما يتم التراضي عليه بينهم سواء أكان بالسلع، أم بالجهود، أم النقود.
**ألنقود الإسلامية في العصـور الإسلاميـة

قبيل عام 76 هـ/695م لم يكن للعرب المسلمين عمله خاصة بهم وكانوا يستخدمون الدينار الذهب البيزنطي والدرهم الفضى الساساني .وكان الدينار الذهبي البيزنطي يستخدم في سـوريـا والأقطـار القريبه من الامبراطورية البيزنطية ، بينما الأراضي المجاورة للامبراطورية الساسانية تستخدم الدرهم الساساني . ونتيجة ذلك كان الدرهم الساساني الذى يسمى " البغلي " يستخدم في منطقة الخليج العربي . وكان الدرهم الساساني يساوي 8 دوانق وكان يزن 20 مثقالاً من الفضة . ولكن بعد انتصارهم وقضائهم على الامبراطورية الساسانية بدأ المسلمين بضرب وسك الدراهم الساسانية في العراق والخليج ، وظلوا يستخدمونها لسنوات طويلة .
وان الخليفة عمر بن الخطاب هو اول من أمر بضرب الدراهم الساسانية . ويذكر البلاذري انه عندما كان مصعب بن عمير واليا على البصرة أمره أخوه عبـدالله بن الزبير بضرب الدراهم الساسـانية في البصرة . وكان ينقش على هذه النقود اسم الله تعالى وتاريخ الضرب . وبالإضافة الى الدرهم الساساني كان العرب يستخدمون الدينار البيزنطي الذى يسمى " الرومي" في معاملتهم مع تجار الإمبراطورية البيزنطية ، بينما كانوا يحملون معهم الدرهم الطبري عندما يتاجرون مع مناطق آسيا الوسطي . ولقد ضربت اول عمله إسلامية مستقلة سنة 76هـ/695م عندما امر الخليفة عبدالملك بن مروان بالغاء العملات الأجنبية وضرب عملات عربية إسلامية .
وكان الحجاج بن يوسف الثقفي أول والي عربي يضرب الدراهم والدنانير العربية في البصرة وذلك بأمر من الخليفة عبدالملك بن مروان . ولتشجيع الناس وحثهم على استعمال العملة الجديدة كانت السلطات توقع عقوبات قاسية ضد من يتعاملون بالعملات الأجنبية ، كما ارغمت الصيارفة واصحاب البنوك لتسليم عملاتهم الاجنبية
لإعادة صهرها وسكها من جديد . وكان ينقش على وجه العمله الإسلامية شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله بالخط الكوفي بالإضافة إلى تاريخ الضرب والمدينة التي ضربت فيها العملة وفي بعض الأحيان ينقش اسم الحاكم على الهامش . وعلى الظهر كانت تنقش آيه قرانية واسم الرسول صلى الله عليه وسلم .
وكانت هناك ثلاثة أنواع من العملات تستخدم في الخليج وهي :الحبرية والخالدية واليوسفيه .
وكانت النقود تصنع من ذهب وفضه من نوعيه جيدة . وتذكر المصادر الإسلامية ان الخليفة أبوجعفر المنصور لم يكن يقبل أي نوع من النقود سوى الثلاثة انواع المذكورة أعلاه . وأثناء القرنين الثالث والرابع الهجريين/ التاسع والعاشر الميلاديين لم تحدث أي تغيرات كبيرة في تصميم وأوزان العملة الإسلامية فيما عدا نقش اسم الخليفة الجديد وتاريخ الضرب الجديد . بيد أن الفرق في القيمة بين الدينار والدرهم كان يتفاوت حسب الحالة الاقتصادية للدولة وقيمة الذهب والفضة التي تحتوي عليها النقود. إذ أنه عندما كان النحاس وغيره من المعادن الرخصية تستخدم في سك النقود كانت قيمة النقود تقل وتنخفض .
وفي العصر العباسي أزدهرت عدة دور لضرب العملة في ديار الإسلام وكانت هذه الدور تدرُ دخلا جيدا للحكومة . فكانت توجد دار لسك العملة في البصرة منذ عهد الزبير . وكانت هذه الدار قد تطورت تدريجياً واكتسبت وضعاً جيداً وشهرة واسعة في الدولة العباسية . كذلك كانت توجد دار اخرى في اليمامة قامت بضرب عدد كبير من العملات بين العامين 158-170 هـ . كما ظهر اسم منطقة عمان على العملات التي ضربت أثناء سنة 189هـ . كذلك وردت معلومات عن عملات ضربت في عمان عندما كانت تحت سيطرة وإدارة البويهيين. هذا بالإضافة إلى دور ضرب النقود المنتشرة في عواصهم الإسلام مثل بغداد ودمشق وشمال أفريقيا .
ولقد امتد استخدام العملة الإسلامية على ما وراء حدود الدولة الإسلامية وانتشرت في العصور الوسطى في مناطق المحيط الهندي حيث أصبحت العملة الإسلامة هي السائدة في التجارة في الدولية بين الشرق والغرب . وقد اشتد الطلب عليها لدرجة ان السلطات العباسية كانت ترسل بانتظار كميات كبيرة من العملات الى الهند . وقد ادي هذا إلى ارتفاع في قيمة العملة الإسلامية . وهناك سببان وراء زيادة الطلب على العملات الإسلامية السبب الأول هو ان العملات الإسلامية كانت تصنع من الذهب والفضة الخالصين . والسبب الثاني هو ان وزن العملات الإسلامية بقي ثابتاً على 24 قراط للدينار و 21 مثقال لانواع الدراهم المختلفة .

أيدت دراسة ماجستير أكاديمية اكتشافاً أثرياً أظهر أن أول درهم إسلامي كان قد ضُرِب بأمر الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهما، وذلك ما بين الأعوام 35-40 للهجرة النبوية الشريفة.

دينار الحجاج بن يوسف الثقفي قمة في الندرة
يتخذ الشكل العام لهذا الدينار التصميم المربع بحيث نجد مربعين متداخلين ( أحدهما بداخل الآخر ) يحيطان بكتابات في كل من الوجه والظهر.
بحيث يحصر المربع الداخلي كتابات المركز والتي جاءت في خمسة أسطر متتالية ويحيط بالمربعين من الخارج دائرتان متداخلتان.
الدائرة الخارجية من حبيبات غير متماسة، بينما تلامس الدائرة الداخلية زوايا المربع الخارجي فينشأ عن ذلك أربع مناطق نقشت بها كتابات هامش كل من الوجه والظهر وقد استخدم في تنفيذ الكتابة خط النسخ.
وهذا الدينار فريد على مستوى العالم الإسلامي إذ هو النقد الوحيد الذي وصلنا من عصر أبي الحجاج يوسف الثاني حاكم بني نصر بالأندلس (مملكة غرناطة).
النقود في الإسلام ***
النقد في اللغة يطلق على تمييز الدراهم، وإخراج الزيف منها، ويطلق على إعطاء الدراهم وأخذها، ومنه حديث جابر وجمله، حين اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه قال: " فنقدني ثمنه" أي أعطانيه نقدا معجلا. كما يطلق النقد على العملة نفسها.
وتعرف النقود أناه الشيء ا لذي اصطلح الناس على جعله ثمنا للسلع، وأجرة للجهود والخدمات، سواء أكانت معدنا أم غير معدن، وبه تقاس جميع السلع وجميع الجهود والخدمات.
وقد كان الناس يتبايعون، ويتبادلون السلع والجهود مقايضة، قبل أن تعرف النقود، لكن لما كان يتبادل السلع والجهود مقايضة يكتنفه كثير من الصعوبات، فرضت قيدا على المعاملات التجارية، فكرت الجماعات في اختيار سلعة أساسية لها قيمة في ذاتها، وسهلة التداول لتكون مقياسا تقاس به جميع السلع وجميع الجهود، فأوجدوا النقود لتكون هي وحدة القياس. ولما كان الذهب والفضة من المعادن الثمينة التي لها قيمة ذاتية عند البشر من قديم الزمان، فقد اتخذوا منها نقدا، وسكوا منهما الدنانير والدراهم، ولا سيما أنهما يتمتعان بالندرة النسبية، كما يمتاز الذهب بعد قابليته للهلاك مع الزمن.
وقد اتخذت الدولة الرومانية والبلاد التابعة لها الذهب أساسا لعملتها، فسكت منه الدنانير الهرقيلة، وجعلتها على شكل وزن معينين، كما اتخذت الدولة الفارسية والبلاد التابعة لها الفضة أساسا لعملتها، وسكت منها الدراهم، وجعلتها على شكل ووزن معينين، وكانت دنانير الروم على شكل ووزن واحد لا يختلف، وأما دراهم الفرس فكانت عدة أشكال وأوزان.
?وكان العرب قبل الإسلام، خاصة قريشا، يتاجرون مع من جاورهم من الأقطار والبلدان، {لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء و الصيف}، وكانوا يرجعون من الشام حاملين دنانير ذهبا قيصرية، ومن العراق دراهم فضية كسروية، وأحيانا قليلة من اليمن دراهم حميرية، فكانت ترد إلى الحجاز دنانير الذهب الهرقلية، ودراهم الفضة الساسانية. غير أنهم لم يكونوا يتعاملون بهذه الدنانير والدراهم عدا، بل وزنا باعتبارها تبرا، أي مادة صرفة من ذهب أو فضة غير مضروبة، ولاحتمال أن تنقص الدنانير من كثرة تداولها، وإن كانت حين ذاك ثابتة الوزن. فلمنع الغبن كانوا يعمدون إلى الوزن، وكانت لهم أوزان خاصة يزنون بها، هي الرطل والأوقية، والنش، والنواة، والمثقال، والدرهم، والدانق، والقيراط، والحبة. وكان المثقال عندهم ?وهو أساس الوزن- معروف الوزن، وزنه اثنان وعشرون قيراطا إلا حبة، وكان وزن عشرة دراهم عندهم سبعة مثاقيل.
?فلما جاء الإسلام أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم التعامل بهذه الدنانير والدراهم، وأقر اعتبارها نقدا، كما أقر الأوزان التي كانت قريش تزن بها هذه الدنانير والدراهم. عن طاووس عن ابن عمر قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة”. وروى البلاذري عن عبد الله بن ثعلبة بن سعير قال: “كانت دنانير هرقل ترد على أهل مكة في الجاهلية، وترد عليهم دراهم الفرس البغلية، فكانوا لا يتبايعون إلا على أنها تبر، وكان المثقال عندهم معروف الوزن، وزنه اثنان وعشرون قيراطا إلا كسرا، ووزن العشرة دراهم سبعة مثاقيل، فكان الرطل اثني عشر أوقية، وكل أوقية أربعين درهما، فأقر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، وأقره أبو بكر وعمر وعثمان وعلي”.
?وقد بقي المسلمون يستعملون الدنانير الهرقلية، والدراهم الكسروية على شكلها وضربها وصورها طيلة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم, وطيلة خلافة أبي بكر الصديق، وأيام خلافة عمر الأولى. وفي سنة عشرين من الهجرة، وهي السنة الثامنة من خلافة عمر، ضرب عمر دراهم جديدة على الطراز الساساني، وأبقاها على شكلها وأوزانها الكسروية، وأبقى فيها الصور والكتابة البهلوية، وزاد عليها كتابة بعض الكلمات بالحروف العربية الكوفية مثل “بسم الله”، و “بسم ربي”. واستمر المسلمون في استعمال الدنانير على الطراز البيزنطي والدراهم على الطراز الساساني مع كتابة بعض الكلمات الإسلامية بالحروف العربية، إلى أيام عبد الملك بن مروان. ففي سنة 75، وقيل 76 من الهجرة، ضرب عبد الملك الدراهم وجعلها على طراز إسلامي خاص يحمل نصوصا إسلامية نقشت على الدراهم بالخط الكوفي بعد أن ترك الطراز الساساني. وفي سنة 77 من الهجرة ضرب الدنانير على طراز إسلامي خاص، ونقش عليها نصوصا إسلامية بالخط العربي الكوفي، وترك الطراز البيزنطي الذي كانت عليه. وبعد أن ضرب عبد الملك بن مروان الدراهم والدنانير على طراز إسلامي خاص، صار للمسلمين نقدهم الخاص على طراز إسلامي معين، وتخلوا عن نقد غيرهم.
***الموضوع بالكامل منقول من كتاب :
الأموال في دولة الخلافة
سماحة الشيخ عبد القديم يوسف زلوم