الإسلام والحثّ على الزراعة

كيفية تمليك ألأرض ألموات
الأرض الموات تملك بالأحياء والتحجير, وأما غير الموات فلا تملك إلا بسبب شرعي كالإرث والشراء والإقطاع.
**الأرض الموات:**هي الأرض التي لم يظهر عليها أنه جرى عليها ملك أحد, فلم يظهر فيها تأثير شيء من إحاطة أو زرع أو عمارة أو نحو ذلك, ولا مالك لها ولا ينتفع بها أحد, هذه هي الأرض الموات وما عداها لا يكون أرضا مواتاً ولو كانت لا مالك لها, ولا ينتفع بها أحد.

فالأرض الميتة إذا أحياها شخص أو حجرها أي جعل حولها حجارة أوسياجا أو حائطا أو أي علم بارز, كانت ملكا له, ومفهوم المخالفة أنه إذا لم تكن الأرض ميتة, فإنه لا يملكها بالأحياء والتحجير ولو كانت غير مزروعة, أو غير صالحة للزراعة, ولو لم يكن لها صاحب معروف, فإن الأرض إذا لم تكن مواتا, لا تملك إلا بسبب شرعي أي بسبب من أسباب التملك إن كان لها صاحب معروف, وإن لم يكن لها صاحب معروف لا تملك إلا بإقطاع الخليفة إياها, فتُملك بهذا الإقطاع, أما إن كانت مواتا فتملك بالإحياء أو بوضع اليد عليها, ولو كان من غير إحياء, والدليل على هذه المادة, قوله عليه الصلاة والسلام: (( من أحيا أرضا ميتة فهي له)) وقوله عليه السلام ((أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض فهم أحق به)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((من أحاط حائطا على شيء فهو له)) وقوله عليه السلام((عادي الأرض لله ولرسوله ثم لكم من بعد, فمن أحيا أرضا ميتة فهي له, وليس لمتحجر حق بعد ثلاث سنوات)) .

فإحياء الأرض غير الإقطاع, لأن الإحياء يتعلق بموات الأرض التي لم يظهر عليها أنه جرى ملك أحد عليها, فردا كان أو دولة, ولم يظهر عليها شيء من الإحاطة من سياج أو تحجير أو عمارة أو نحو ذلك.

وأما الإقطاع، فيكون في الأراضي التي تضع الدولة يدها عليها وهي التي تسمى أرض الدولة أو (أرض الخزينة), وهي على أربعة أنواع :

1- الأرض العامرة: الصالحة للزراعة والتشجير, كالأرض التي أقطعها الرسول صلى الله عليه وسلم للزبير في خيبر, وفي أرض بني النضير في المدينة وكان بها شجر ونخيل, ومثل الأراضي التي هرب منها أهلها بعد الفتح.

2- الأرض التي سبق لها أن زرعت ثم خربت مثل أرض البطائح والسباخ في العراق الواقعة بين الكوفة والبصرة, وكالأرض التي استقطعها نافع بن عبد الله من عمر رضي الله عنهما ليتخذها قصلا لخيله, وهي ليست من أرض الخراج, ولا تضر بأحد من المسلمين, فكتب عمر إلى أبو موسى الأشعري, إن كانت كذلك فأقطعه إياها.

3- الأرض الموات التي لم يسبق أن زرعت أو عمرت أباد الدهر, ووضعت الدولة يدها عليها, لأنها من مرافق المدن والقرى مثل شواطئ البحار والأنهار القريبة منها.

4- الأرض التي أهملها أصحابها بعد ثلاث سنين, وأخذتها الدولة منهم, مثل الأرض التي أقطعها الرسول صلى الله عليه وسلم لبلال المزني, ثم أسترجع عمر جزءً منها كان مهملا بعد ثلاث سنين, وأقطعها لغيره من المسلمين.

5- وإحياء الأرض إما أن يكون في ارض موات عشرية, أو أرض موات خراجيه.

أما من إحياء أرضا ميتة في أرض العشر مَلَكَ رقبتها ومنفعتها, مسلما كان أو كافرا, ويجب على المسلم فيها العشر زكاة على الزر وع والثمار التي يجب فيها الزكاة, إذا بلغت النصاب, وأما الكافر فيجب عليه الخراج وليس العشر لأنه ليس من أهل الزكاة, أي ليس مسلما, وذلك لأن شرط قبول الزكاة من الكافر الإسلام.

ومن أحيا أرضا ميتة في أرض الخراج, لم يسبق أن ضرب الخراج عليها, ملكَ رقبتها ومنفعتها إن كان مسلما, والكافر لا يملك إلا منفعتها فقط, ويجب على المسلم فيها العشر ولا خراج عليه, ويجب على الكافر فيها الخراج, كما وضِعَ على أهلها الكفار حين أقروا عليها عند الفتح, مقابل خراج يؤدونه عنها.

ومن أحيا أرضا في أرض الخراج, سبق أن وضع عليها الخراج قبل أن تتحول إلى أرض ميتة, مَلَكَ منفعتها فقط, دون رقبتها, مسلما كان أو كافرا, ووجب عليه فيها الخراج, لأنها كالأرض المفتوحة والتي ضرب عليها الخراج, لذلك فالخراج يبقى عليها أبد الدهر.

هذا إذا كان الإحياء للزرع, أما إذا كان للسكنى أو لإقامة مصانع أو مخازن أو حظائر للحيوانات, فإنه لا عشر فيها ولا خراج, لا فرق في ذلك بين أرض العشر وأرض الخراج, فإن الصحابة رضوان الله عليهم الذين افتتحوا العراق ومصر قد اختطوا الكوفة والبصرة, والفسطاط, ونزلوها أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه, ونزل معهم غيرهم ،ولم يضرب عليهم الخراج, ولم يدفعوا الزكاة عنها, لأن الزكاة والخراج لا تجب على المساكن والمباني في المدن والقرى.
منقول للفائدة

وعليه يكون لفظ محتجر في الحديث ليس قيداً لأنه ليس وصفاً مفهماً لكون الأرض ممن عطل إنما هو للتحجير بل هو من قبيل النص على فرد من أفراد المطلق وهو أخذ الأرض من مالكها إذا عطلها وهو تماماً مثل: «من أحاط حائطاً» ومثل: «من احتكر طعاماً». وعليه يكون النص عاماً ويكون ذكر المحتجر ذكراً لفرد من الأفراد، أي ذكراً لسبب من أسباب الملك لا قيداً يمنع غير ذلك الفرد، أي ليس قيداً خاصاً بذلك السبب وهو الاحتجار. فيكون معنى الحديث: وليس لمالك أرض إذا عطلها حق بعد ثلاث سنين، ويكون ذكر المحتجر ذكراً لمالك بسبب من أسباب الملك كما لو قال: ليس لوارث أو ليس لمشترٍ. ويؤيد هذا أن صدر الحديث كان عن إحياء الأرض الميتة والحكم أعطي عن التحجير إذ نص الحديث: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين» فإنه يفهم منه: وليس لمحيي الأرض الميتة حق بعد ثلاث سنين، بدليل إيراد الإحياء في صدر الحديث مما يدل على أنه يشمله، ويؤيد هذا أيضاً أن الإجماع الذي انعقد على أخذ الأرض ممن عطلها كان في حادث ارض مقطعة إقطاعاً وليست محجرة مما يؤكد أن لفظ محتجر ليس قيداً. ولا يقال أن الإجماع هنا مخصوص بنوع معين من الأرض وهو الأرض المقطعة لأنه انعقد على فعل عمر في عدم إرجاعه الأرض التي اقطعها رسول الله لمزينة أو جهينة وفي أخذه الأرض التي اقطعها رسول الله لبلال، فهو خاص بالأرض المقطعة فلا يشمل الأرض التي ملكت بالشراء أو الهبة أو الإرث. لا يقال ذلك لأن الإجماع عام وليس خاصاً بالأرض المقطعة، لأن النص الذي قاله عمر عام فإنه قال: “من عطل أرضنا ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له” وهذا عام. فلفظ (من عطل) من صيغ العموم وقد سمعه الصحابة ولم ينكره على عمر منهم منكر فكان الإجماع على هذا العموم. أما كونه حصل في حادثة ارض مقطعة فهو سبب، والقاعدة الشرعية (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) فيظل العام على عمومه فيكون قوله: “من عطل أرضنا” شاملاً لكل أرض سواء أكانت قد ملكت بالإقطاع أم الشراء أم الإرث أم غير ذلك. وعليه فإن أي تعطيل للأرض مدة ثلاث سنين متتالية يجعل حكمها أن تؤخذ ممن عطلها مهما كان سبب الملك الذي ملكها به سواء الإحياء أو التحجير أو الشراء أو الإقطاع أو غير ذلك.
ومن هذا كله يتبيّن أن ملكية الأرض تعني استغلالها جبراً بوصف هذا الاستغلال جزءاً لا يتجزأ من الملكية، فإذا لم يحصل الاستغلال مدة ثلاث سنوات سقطت الملكية حتماً وتؤخذ الأرض من مالكها جبراً عملاً بقول الرسول: «وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين» وعملاً بإجماع الصحابة على قول عمر: “من عطل أرضنا ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له”.
هذا من ناحية كيفية ملكية الأرض، أما من ناحية كيفية العمل فيها فإن الشارع قد حدد كيفية العمل في الأرض تحديداً واضحاً. فقد أجبر الشخص على أن يتولى هو استغلالها، فجعل لمالك الأرض أن يزرع أرضه بآلته وبذره وحيوانه وعماله وأن يستخدم لزراعتها عمالاً يستأجرهم للعمل بها مقابل أجر لهم هم، ولكنه منع إجارة الأرض للزراعة منعاً مطلقاً، لا بجزء من الناتج وهو ما يسمى بالمزارعة، ولا بالنقد، ولا بغيره. منع أن تكون الأرض أداة للاستغلال كالدور والدواب وغيرها، بل أجبر على استغلالها بذاتها. فيحرم تأجير الأرض للزراعة مطلقاً سواء أكانت أرضاً عشرية أم أرضاً خراجية، وسواء أكان الأجر نقوداً أم غيرها، وسواء أكان على ما تنبته أو على زرع أرض للمالك من قبل المستأجر مقابل زراعته للأرض أو غير ذلك فإجارة الأرض للزراعة محرمة شرعاً تحريماً عاماً من غير تخصيص ومطلقاً من غير أي قيد. فقد جاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه». وجاء في صحيح مسلم: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ». وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكاريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى». فهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة تدل دلالة تامة على النهي عن تأجير الأرض نهياً عاماً، ولم يأت أي دليل يخصصها بنوع من الأرض، ولا جاء دليل يقيدها بأي قيد، فتبقى عامة ومطلقة. وهذا النهي قد اقترن بقرائن تدل على أنه طلب ترك جازم، مما يدل على أن تأجير الأرض حرام. فقد أخرج أبو داود عن جابر قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله». وهو وعيد يفيد التحريم وهو قرينة على تحريم المخابرة، أي المزارعة، وهي تأجير الأرض بجزء مما يخرج منها. وجاء في النسائي: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض، قلنا يا رسول الله إذن نكريها بشيء من الحب. قال: لا، قال: نكريها بالتبن. فقال: لا، قال: كنا نكريها على الربيع، قال: لا، ازرعها أو امنحها أخاك». والربيع النهر الصغير أي الوادي، أي كنا نكريها على أن يزرع المستأجر لنا الأرض التي على جانب النهر أجرة لزراعته له باقي الأرض. فهذا الحديث قرينة على أن النهي طلب ترك جازم للتأكيد الذي فيه، إذ واضح فيه الإصرار على النهي وهو للتأكيد. والتأكيد في هذا الحديث أشد من التأكيد اللفظي، أي أشد مما لو قال: «لا تكروا الأرض، لا تكروا الأرض، لا تكروا الأرض» لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض نهياً عاماً ومطلقاً فطلب منه أن تكرى بنوع معين فرفض، ثم طلب منه أن تكرى بنوع آخر فرفض، ثم طلب منه ثالثاً أن تكرى بنوع آخر فرفض، وحدد النهي تحديداً تاماً، فقد قيل له: «إذن نكريها بشيء من الحب» فرفض وقال: «لا» فقيل له: «نكريها بالتبن» فرفض وقال: «لا» فقيل له: «كنا نكريها على الربيع» فرفض وقال: «لا» ثم أكد ذلك بتحديد النهي فقال معقباً على هذه الطلبات بشكل جازم: «ازرعها أو امنحها أخاك» وهذا قرينة من أقوى القرائن على تأكيد النهي أي على أن طلب الترك هو طلب جازم فيكون دليلاً على التحريم، ويؤيد هذا أيضاً ما ورد في رواية أبي داود عن رافع قال: «أنه زرع أرضاً فمر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسقيها، فسأله لمن الزرع؟ فقال زرعي ببذري وعملي ولي الشطر ولبني فلان الشطر، فقال: أربيتما، فرد الأرض على أهلها وخذ نفقتك» فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاملة بأنها ربا والربا حرام، وطلب إلى رافع أن يرد الأرض ويأخذ نفقته، أي طلب منه فسخ المعاملة، فدل هذا على أن النهي نهي جازم فهو حرام. وهذا كله يدل على تحريم إجارة الأرض للزراعة مطلقاً. أما تأجيرها لغير الزراعة فجائز لأن النهي في أحاديث الزراعة إنما انصب على تأجير الأرض للزراعة فقط ولم يكن نهياً عاماً عن كل تأجير للأرض.
فهذه الأحكام الثلاثة، وهي جعل الأرض تملك بالتحجير، وبالإحياء، وبالإقطاع، زيادة على ملكيتها بما يملك به أي مال آخر من شراء، وأرث، وهبة، وجعل استغلالها جزءاً لا يتجزأ من ملكيتها، فإذا لم يحصل مدة ثلاث سنوات تسقط الملكية، أي إجبار المالك على استغلال الأرض وأخذها منه إذا أهملها ثلاث سنوات، ثم منع مالك الأرض من تأجيرها للزراعة منعاً باتاً… هذه الثلاث هي خير علاج ناجع لموضوع الأراضي. فهي عالجت كيفية الملكية، وكيفية العمل بما يضمن الإنتاج، واستمرار الإنتاج، وزيادة هذا الإنتاج. وبذلك يكون الإسلام قد عالج مصدراً هاماً من مصادر الاقتصاد، وهو الزراعة بهذه الأحكام للأراضي.

منقول عن كتاب :
"السياسة الاقتصادية المثلى "- المحامي عبد الرحمن المالكي - 1383هـ - 1963م

أحكام الأراضي في الإسلام

والإسلام قد شرع أحكاماً خاصة للأراضي. فجعل الأرض تملك ابتداءاً بالشراء، وتملك بالإرث، وتملك بالهبة، وتملك بالإحياء، وتملك بالتحجير، وتملك بالإقطاع.

أما الملك بالشراء وبالإرث والهبة فظاهر، وأما الملك بالإحياء فإن كل ارض ميته إذا أحياها أحد فهي ملك له. والأرض الميتة هي الأرض التي لم يظهر عليها أنه جرى عليها ملك أحد فلم يظهر فيها تأثير شيء من إحاطة أو زرع أو عمارة أو نحو ذلك، ولا يوجد أحد يملكها أو ينتفع بها، وإحياؤها هو اعمارها، أي جعلها صالحة للزراعة كزراعتها أو تشجيرها، أو البناء عليها أو بعمل أي شيء يدل على العمار من حيث جعلها صالحة للزراعة: قال صلى الله عليه وسلم : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» وقال: «من عمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها». وقال: «أيما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عمروه فهم أحق به». وأما التحجير فهو أن يجعل على حدود الأرض ما يدل على تخصيصها له وتحديدها بحدود معينة، كأن يضع حولها حجارة أو سياجاً، أو جداراً، أو ركائز من حديد أو خشب أو شريطاً أو ما شاكل ذلك. فكل شيء يدل على تحديدها وفصلها عن غيرها بحدود يعتبر تحجيراً، والتحجير كالإحياء سواء بسواء، يملك المحجر الأرض بمجرد وضعه ما يحددها من حجارة وغيرها. ويملك المحجر الأرض التي حجرها بمجرد حصول التحجير لقوله صلى الله عليه وسلم : «من أحاط حائطاً على أرض فهي له» وقوله: «من أحاط حائطاً على شيء فهو له». فالإحياء والتحجير تملك الأرض بهما، ولا تحتاج ملكيتها إلى إذن الدولة. فالأرض الميتة إذا أحياها الشخص أو وضع حولها حدوداً فإنه يملكها بدون استئذان من الدولة مطلقاً.

وأما الإقطاع فهي الأراضي التي تعطيها الدولة للأفراد مجاناً دون مقابل، وهي الأراضي التي سبق عليها إحياء ولكن لا مالك لها فتكون الدولة هي مالكتها فهذه الأرض لا تملك بالإحياء ولا بالتحجير لأنها ليست ميتة ما دام قد سبق أن زرعت فهي حية ولكن لا مالك لها، فلا تملك إلا بتمليك من الدولة. فقد أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر أرضاً. فإعطاء الدولة لأحد من الرعية أرضاً هو الإقطاع وهو جائز بدليل فعل الرسول له.

فالأرض تملك بالإقطاع، وتملك بالتحجير، وتملك بالإحياء، تماماً كما تملك بالشراء وبالإرث وبالهبة سواء بسواء. وهذا غير موجود في غير الأرض. ثم أن الأرض حين تملك بأي واحد من هذه الأشياء يجبر مالك الأرض على استغلالها. ولا يسمح له بتعطيلها، أي يكون استغلالها جزءاً لا يتجزأ من ملكيتها. فإن ملكيتها تجعل مالكها مجبراً على استغلالها. فإذ أهمل ذلك وعطل الأرض ثلاث سنين تنزع منه جبراً وتعطى لغيره. فإن عدم استغلالها ثلاث سنوات يبطل ملكيته لها ويجبر حينئذ على رفع يده عنها وتنزع منه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «عادي الأرض لله ولرسوله ثم لكم من بعد، فمن أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين» وأخرج يحيى بن آدم من طريق عمرو بن شعيب، قال: «أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناساً من مزينة أو جهينة أرضاً فعطلوها، فجاء قوم فأحييوها، فقال عمر: لو كان قطيعة مني أو من أبي بكر لرددتها ولكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال: وقال عمر: من عطل أرضناً ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له». والمراد من قول عمر: "لو كانت قطيعة مني أو من أبي بكر لرددتها، ولكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي إنه قد مضى عليها ثلاث سنين، أي لو كانت من أبي بكر لما مضى عليها ثلاث سنوات أو مني لما مضى عليها ثلاث سنوات، ولكن من رسول الله، فيكون قد مضى عليها أكثر من ثلاث سنوات، فلا يمكن إرجاعها. ويؤيد هذا تعقيبه على هذا الكلام بقوله: “من عطل أرضنا ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له”. وأخرج أبو عبيد في الأموال عن بلال بن الحارث المزني: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اقطعه العقيق أجمع، قال: فلما كان زمان عمر قال لبلال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك لتحجره على الناس، إنما أقطعك لتعمل، فخذ ما قدرت على عمارته ورد الباقي». فهذا يدل على أن مالك الأرض يجبر على استغلالها، فإن لم يستغلها يمهل ثلاث سنوات، فإن لم يستغلها بعد الثلاث أخذتها الدولة وأقطعتها لغيره. حدث يونس عن محمد بن اسحق عن عبد الله بن أبي بكر قال: «جاء بلال بن الحارث المزني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستقطعه أرضاً، فأقطعها له طويلة عريضة، فلما ولي عمر قال له: يا بلال إنك استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضاً طويلة عريضة فقطعها لك وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنع شيئاً يسأله وأنت لا تطيق ما في يديك، فقال: أجل، فقال: فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه، وما لم تطق وما لم تقو عليه فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين. فقال: لا افعل والله شيئاً أقطعنيه رسول الله، فقال عمر: والله لتفعلن، فأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين». هذا العمل من عمر تم على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم ينكر عليه منكر من الصحابة، مع أنه مما ينكر لأنه أخذ لملك مسلم بالقوة. فكان هذا العمل والسكوت عليه إجماعاً وهو دليل شرعي. فيكون الحديث وإجماع الصحابة دليلاً شرعياً على أن الأرض إذا لم يقم صاحبها بزرعها وأهملها ثلاث سنوات، أخذتها الدولة جبراً عنه وأعطتها لغيره ولا يقال أن الحديث نص في الأرض المحجرة فلا يشمل غيرها فما ملك من الأرض بالتحجير وأهملت ثلاث سنوات تؤخذ من المحتجر بنص الحديث، وأما ما ملك من الأرض بالإحياء أو الشراء أو الهبة أو الإرث أو القطاع فلا يؤخذ لأنه لا ينطبق عليه الحديث، لا يقال ذلك لأن ذكر التحجير إنما هو ذكر لسبب من أسباب الملك، ومثله سائر الأسباب، ولا يفهم منه معنى القيدية، لأن لفظ محتجر في الحديث ليس وصفاً مفهماً حتى يكون قيداً بل هو وصف غير مفهم فلا يكون قيداً. أي أن لفظ: (محتجر) ليس وصفاً مفهماً يفيد العليّة حتى يصلح قيداً مثل أكرم العالم، ومثل: «القاتل لا يرث» ومثل: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» وما شاكل ذلك، فإن الوصف في مثل هذه الأمثلة الثلاث وصف مفهم يفيد أن علة الإكرام هي العلم وأن علة عدم الإرث كونه قاتلاً وأن علة عدم القضاء كونه غضبان، فهي تفيد العلية فتكون قيداً. ولكن لفظ محتجر ليس من هذا القبيل بل هو وصف غير مفهم مثل أكرم الجاهل ومثل: «من أحاط حائطاً على أرض فهي له» ومثل: «من احتكر طعاماً» وما شاكل ذلك، فإن الوصف في مثل هذه الأمثلة وصف غير مفهم فلا يفيد العلية، فليس الجهل علة للإكرام، ولا إحاطة الحائط علة ملك الأرض بل لو وضع أي شيء يدل على احتجازها ولو صخرة على كل طرف من أطرافها أو قضيت حديد أو أي شيء فإن الأرض تكون له فإحاطة الحائط ليس قيداً لأنها وصف غير مفهم، وكذلك الطعام ليس علة للاحتكار أي ليس كونه طعاماً يطعم علة للاحتكار بل الاحتكار ممنوع في أي شيء ولو احتكر حريراً كان آثماً لأن لفظ الطعام ليس وصفاً مفهماً وهكذا.

>>>>> يتبع

طريقة معالجة أضرار الإقطاع
لقد حصلت أضرار من ملكية بعض الأشخاص لأراض واسعة فاتخذ ذلك ذريعة للحملة على ملكية الأراضي الواسعة وأطلق عليها لفظ الإقطاع، وصارت الحملة على الإقطاع في كل مكان، وجعل علاج الإقطاع إلغاء الملكية الواسعة وليس معالجة الأضرار، وحين تباح ملكية الأراضي الواسعة مهما كانت سترد عدة أسئلة عن أضرار الإقطاع وعن علاج هذه الأضرار، ولهذا قد يقال أن ملكية الأراضي الواسعة قد أدت إلى أضرار كبيرة، فهناك أشخاص يملكون أراضي واسعة وهم الإقطاعيون، فيعطلون بعض الأراضي لعدم قدرتهم عليها في حين أنه يوجد أشخاص لديهم نشاط زراعي لا يجدون أرضاً يزرعونها، فكانت ملكية هؤلاء الأشخاص أي الإقطاعيين للأراضي الواسعة سبباً في تعطيل الأرض وحرماناً للبلاد من نشاط ذوي النشاط الزراعي، وهذا ناتج عن الإقطاع أي عن ملكية الأراضي الواسعة ولذلك يجب أن يقضي على الإقطاع والجواب على ذلك هو أن هذه مشكلة من مشاكل حيازة الأرض وليست هي مشكلة حيازة الأرض، فتعالج المشكلة نفسها ولا يعالج موضوع حيازة الأرض. والذي جعلها مشكلة هو تعطيل الأرض وعدم إنتاجها وليس هو ملك الأراضي الواسعة أو ملك الأراضي القليلة أو عدم ملك الأرض. أي الذي جعلها مشكلة هو الإنتاج وعدم الإنتاج وليس المساواة في حيازة الأرض أو عدم المساواة، ولذلك تعالج هذه المشكلة بقيود لهذه الحيازة توضع لتحقيق الإنتاج، فيربط الإنتاج بالحيازة لأنه بالنسبة للأرض جزء منها إذ الإنبات جزء من تكوين الأرض الزراعية، فمن ينتج يملك ومن لا ينتج لا بملك. هذا هو علاج هذه المشكلة وليس علاجها بإعادة توزيع الأراضي، أي ليس علاجها بالمساواة في حيازة الأرض. ومن هنا فإن ما يسمونه بالإقطاع أي ملكية الأراضي الواسعة ليس مشكلة بوصفه إقطاعاً أي ملكية واسعة للأراضي، وإنما المشكلة فقط هي الإنتاج وعدم الإنتاج، سواء أكان المالك يملك أراضي واسعة أم أراضي قليلة، فمن ينتج يملك ومن لا ينتج يؤخذ منه ما يحوزه من الأرض ليحوزها المنتجون ليس غير.
وقد يقال أن ملكية الأراضي الواسعة قد أدت إلى استغلال الإقطاعيين للفلاحين فهناك أشخاص يملكون أراضي واسعة وهم الإقطاعيون ولا يعطلونها، ولكنهم يجعلونها تنتج بواسطة غيرهم، فلا يتولون الإنتاج فيها بأنفسهم وإنما يتولى الإنتاج فيها غيرهم ويأخذون هم جزءاً من هذا الإنتاج دون بذل أي جهد. فهم يؤجرون الأرض الزراعية لذوي النشاط الزراعي ويأخذون أجرتها منهم، فيكون تولي الإنتاج لغيرهم وحيازة الأرض لهم، وهذا ظلم، وهو ناتج عن الاستغلال، لذلك يجب أن يقضى على الإقطاع ليقضى على الاستغلال. والجواب على ذلك هو أن هذه مشكلة من مشاكل حيازة الأرض وليست هي مشكلة حيازة الأرض. فتعالج المشكلة نفسها ولا يعالج موضوع حيازة الأرض. والذي جعلها مشكلة هو فصل الإنتاج عن الملكية، فوجدت ملكية أرض لا تتولى الإنتاج، ووجد تولي للإنتاج لا يملك أرضاً. وليس ملك الأرض الواسعة أو القليلة أو عدم ملك الأرض، أي الذي جعلها مشكلة هو تولي مالك الأرض للإنتاج وعدم توليه وليس المساواة في حيازة الأرض وعدم المساواة، أي ليس الإقطاع وعدم الإقطاع، ولذلك تعالج هذه المشكلة بمنع فصل الإنتاج عن الملكية منعاً باتاً، فيمنع تأجير الأرض للزراعة مطلقاً، فيجبر مالك الأرض على أن يتولى هو إنتاجها بنشاطه الزراعي، وإلا أخذت الأرض منه دون مقابل. هذا هو علاج هذه المشكلة، وليس علاجها بإعادة توزيع الأراضي، أي ليس علاجها بالمساواة في حيازة الأرض. ومن هنا لم يكن الإقطاع أي ملك الأرض الواسعة هو المشكلة، وإنما المشكلة فقط هنا هي فصل الإنتاج عن الملكية سواء أكان المالك يملك أراضي واسعة أم أراضي قليلة، فمن يملك أرضاً مهما كانت صغيرة أو كبيرة يجبر على أن يتولى الإنتاج فيها بنفسه أو تؤخذ منه ويمنع من جعل غيره يتولى الإنتاج فيها أي يمنع من تأجيرها للزراعة.
ومن هذا كله يتبين أن ما يشاهد في بعض الأحيان من ضرر في ملكية الأرض الواسعة أي فيما يسمونه بالإقطاع ليس ناتجاً عن سعة الملكية للأرض أي عن الإقطاع، وإنما هو ناتج إما عن عدم الإنتاج أي عن تعطيل الأرض وإما عن كون الذي يتولى الإنتاج هو غير المالك أي عن إجارة الأرض. فالضرر لم ينتج عن الإقطاع، أي لم ينتج عن ملكية الأراضي الواسعة فقد يحصل في ملكية الأراضي القليلة أيضاً وإنما ناتج عن غير ذلك. ولهذا يجب أن يعالج الشيء الذي جاء الضرر منه لا غيره. فإذا عولج الشيء الذي لم يأت الضرر منه لا يحصل علاج للضرر بل يحصل ضرر آخر. ولهذا فإنه إذا ظن أن الضرر آت من سعة الملكية للأرض أي من الإقطاع واعتبر الإقطاع هو المشكلة فإنه يؤدي إلى أحد أمرين إما إلغاء الملكية في الأرض إلغاءاً تاماً وتصبح الأرض مشاعاً بين الناس، وإما إلغاءها إلغاء جزئياً بتحديد المساحات التي يصح أن تملك، وكلا العلاجين خطأ محض. أما وجه الخطأ في إلغاء الملكية في الأرض إلغاءاً تاماً فهو أنه يناقض فطرة الإنسان. لأن ملكية الأشياء أياً كانت أرضاً أو غيرها مظهر من مظاهر غريزة البقاء، وهي حتمية الوجود في الإنسان لأنها جزء من تكوينه، ومظهر من مظاهر طاقته الطبيعية فيستحيل عقلاً وواقعاً إلغاؤها. وكل ما هو غريزي في الإنسان لا يمكن قلعه من الإنسان، ما دامت تنبض فيه الحياة، وأية محاولة لإلغائها إنما هي كبت للإنسان يؤدي إلى القلق، ومن هنا كان من المستحيل إلغاؤها. ولا يقال أن جعل الأرض مشاعاً لا يلغي الملكية مطلقاً وإنما يلغيها في شيء معين ويطلقها في غيره فتبقى غريزة البقاء تظهر في الملكية، لا يقال ذلك لأن مظهر الملكية في غريزة البقاء لا يتجزأ إذ هو الحيازة من حيث هي حيازة، فكل ما يحاز يبرز فيه مظهر الحيازة من غريزة البقاء، فمنع الملكية في أي شيء يناقض فطرة الإنسان.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن واقع الذين حاولوا إلغاء الملكية قد دل على الإخفاق وعلى الضرر. فها هي ذي المزارع الجماعية في روسيا والصين الشيوعية دلت الوقائع الثابتة على إخفاقها. فإنه بالرغم من الكبت والضغط بكل وسائل الإكراه كان يبرز على الفلاحين مظهر الحيازة بأشكال مختلفة حاولوا علاجها بالسماح لهم بملكية الاستهلاك ولكنها لم تعالج وظل مظهر الملكية يبرز على كل فرد. وفوق ذلك فقد أخفق الإنتاج الزراعي إخفاقاً بارزاً وانخفض مستواه انخفاضاً فظيعاً. والدليل على ذلك أن خروشوف قد أشار أكثر من مرة إلى نقص الإنتاج الزراعي وأظهر أكثر من مرة سخطه على تأخر الإنتاج الزراعي. ومثل ذلك كان الحال في الصين الشيوعية بالنسبة لانخفاض مستوى الإنتاج الزراعي والنقص فيه. وهذا الإخفاق في المزارع الجماعية، أي في عدم ملكية الأرض وجعلها مشاعاً بين الناس أمر طبيعي وحتمي، فإن ما هو عمل كل فرد لا يقوم به أي فرد، وإذا قام به تحت الضغط وبالحديد والنار لا يقوم به على الوجه الذي يقوم به لو كان ملكه. ومن هنا جاء الضرر في معالجة مشاكل الأراضي على أنها مشكلة إقطاع.
هذا إذا عولجت بإلغاء ملكية الأرض إلغاءاً كلياً، أما إذا عولجت بإلغاء الملكية إلغاءاً جزئياً بتحديد المساحات التي يصح أن تملك فإن ذلك يكون تحديداً للملكية بالكم وهذا لا يجوز لأنه يحد من نشاط الإنسان ويعطل جهوده ويقلل إنتاجه. فهو حين يمنعه من حيازة ما يزيد على مساحات معينة أوقفه عند حد معين من الإنتاج فحرم من مواصلة النشاط وحرم الناس من الانتفاع بجهود هؤلاء الأفراد من النشاط الزراعي، فيكون هذا العلاج إيجاداً لضرر وليس إزالة للضر، وخلقاً لمشكلة وليس علاجاً للمشكلة، ومن هنا أيضاً يأتي الضرر من معالجة مشاكل الأراضي على أنها مشكلة إقطاع.
ولهذا كله لا يجوز أن ينظر لمشاكل الأراضي على أنها مشكلة إقطاع فتعالج على هذا الأساس، لما في هذه النظرة من خطأ أساسي، لأنها ليست المشكلة، والضرر ليس آتياً منها، وإنما المشكلة الحقيقية في الأرض هي الإنتاج وعدم الإنتاج. فالأساس في حيازة الأرض هو الإنتاج، فيجب أن تستبعد مسألة الإقطاع استبعاداً تاماً، لأنه لا محل لها، ولأنها ليست المشكلة، ولأن أي علاج على أساسها يجلب الضرر ويوجد المشاكل ويؤخر الإنتاج. ولذلك كان من الخطأ المحض البحث في إعادة توزيع الأراضي بين الناس لأن الموضوع في معالجة مشاكل الأراضي ليس توزيعها على الناس ولا المساواة في هذا التوزيع بل الموضوع محصور في نقطة واحدة ليس غير هي: الإنتاج. ولهذا لا بد أن تكون الأحكام التي تعالج حيازة الأرض منصبة على تحقيق الإنتاج في الحيازة وعلى منع فصل الحيازة عن الإنتاج، أي منصبة على جعل الغاية من ملكية الأرض وهي الإنتاج جزءاً لا يتجزأ من هذه الملكية بغض النظر عن سعة الأرض المملوكة أو قلتها وبغض النظر عن المساواة أو عدم المساواة.
>>>>> يتبع

خطأ المساواة في ملكية الأرض
على أن المساواة بين الناس في حيازة الأرض غير واردة مطلقاً لا من قريب ولا من بعيد. إذ المساواة في موضوع الحيازة كلها غير واردة على الإطلاق سواء أكانت حيازة أرض أم حيازة غيرها، فهي في حيازة الأرض من باب أولى أن تكون غير واردة. أما بالنسبة لكون المساواة غير واردة في الحيازة أي في الملكية فظاهر من أن المساواة فيها غير واقعية وغير عملية. فإن الناس بطبيعة فطرتهم التي خلقوا عليها متفاوتون في القوى الجسمية والعقلية، ومتفاوتون في إشباع الحاجات. فالمساواة بينهم لا يمكن أن تحصل، إذ لو ساويت بينهم في حيازة السلع والخدمات جبراً بالقوة تحت سلطة الحديد والنار فإنه لا يمكن أن يتساووا في استعمال هذا المال في الإنتاج ولا في الانتفاع به. ولا يمكن أن تساوي بينهم بمقدار ما يشبع حاجاتهم. وعليه فإن المساواة بين الناس في الحيازة، أي الملكية، غير واقعية وغير عملية فهي أمر نظري خيالي.
على أن المساواة بين الناس في الحيازة مع تفاوتهم في القوى تعتبر بعيدة عن العدالة. فالتفاضل بين الناس والتفاوت في حيازة المنافع وفي وسائل الإنتاج أمر حتمي، وهو الأمر الطبيعي. فإذا ساويت بينهم في الحيازة فقد ظلمت من بذل جهداً أكبر وكان أقوى على العمل حين ساويته بمن بذل جهداً أقل وكان لا يقوى على العمل مثله. ولهذا فإن المساواة بين الناس في الحيازة، أي الملكية، ظلم.
وأيضاً، فإن حيازة الإنسان للشيء، إما أن تكون للإنتاج، وإما أن تكون للاستهلاك أو لهما معاً ولا تخرج عنهما. والإنتاج أمره متعلق بالقدرة على القيام به، والاستهلاك أمره متعلق بإشباع الحاجة من الشيء المراد استهلاكه، وكل منهما لا علاقة له بالمساواة وعدم المساواة، وإنما علاقته بالنسبة للإنتاج بوجود القدرة حتى يعلم هل يحصل الإنتاج أم لا، وبالنسبة للاستهلاك بوجود المنفعة التي تشبع حاجة في الشيء المراد حيازته وعدم وجودها، وبوجود قابلية الإشباع ومداها عند من يريد حيازة الشيء، وهذا لا يمت إلى المساواة بصلة. وعليه فإنها تكون من هذه الناحية أيضاً غير واردة.
هذا بالنسبة للحيازة أي الملكية مطلقاً ومنها ملكية الأرض. وأما بالنسبة للأرض فإن الإنتاج جزء من طبيعة تكوينها كما أن إنبات الشعر وإنبات الأسنان جزء من طبيعة تكوين الإنسان. فالأرض الزراعية جزء من طبيعة تكوينها الإنبات ولو لم يقم بزراعتها أحد، وهذا الإنبات مهما يكن نوعه هو إنتاجها. فالإنتاج في الأرض جزء لا يتجزأ من طبيعة تكوين الأرض الزراعية، فهي إنما تملك للإنتاج الزراعي، ومحصورة ملكيتها في الإنتاج الزراعي. فإذا دخلت المساواة في حيازة الأرض الزراعية فإنها تخرج هذه الأرض الزراعية عن موضوعها وهو الإنتاج. لأنه إذا حظر على الناس ملكية الأرض الزراعية إلا بالتساوي أدى ذلك إلى تعطيل الأرض التي يملكها العاجزون عن العمل والضعفاء والكسالى وإلى قلة إنتاجها. ووجود هؤلاء أي العاجزين والضعفاء والكسالى أمر حتمي في كل أمة وفي كل شعب، فيكون إدخال المساواة في حيازة الأرض قد أدى إلى تعطيل الأرض وإلى قلة إنتاجها، وهذا إخراج للأرض الزراعية عن موضوعها وهو الإنتاج، وهدم للحيازة نفسها. لأن الأرض الزراعية إنما ملكت للإنتاج فإذا تعطل هذا الإنتاج فقد هدمت ملكيتها، وبذلك تكون المساواة بين الناس في حيازة الأرض قد أدت إلى وقف الإنتاج وإضعافه أي أدت إلى ضرر كبير. وعلى هذا فإن المساواة في حيازة الأرض بالذات فوق كونها كالمساواة في سائر الملكية من حيث كونها غير واقعية وغير عادلة وغير واردة، هي مضرة كل الضرر فلا يصح أن تبحث في حيازة الأرض مطلقاً، بل يجب أن تستبعد عند البحث في ملكية الأراضي الزراعية. ومن هنا كان من الخطأ البحث في الموضوع الذي يسمونه الإصلاح الزراعي أي بإعادة توزيع ملكية الأراضي بين الناس بالتساوي، وكان من الخطأ البحث فيما يسميه الناس بالإقطاع أي ملكية الأراضي الواسعة وإعادة توزيعها بين الناس بالتساوي، لأن التساوي في ملكية الأرض مضر، ولأن البحث في ملكية الأرض يجب أن لا يكون في سعة ملكية الأرض أو قلتها، بل يجب أن ينحصر البحث فيها بالإنتاج.
>>>>> يتبع

** ألزراعة وملكية الأرض في الإسلام**
المحامي عبد الرحمن المالكي
أساس الزراعة هو الأرض. وأما جهد الإنسان وخبرته الفنية والآلات فإنما هي وسائل وليست أساساً للزراعة. صحيح أن جهد الإنسان له أثر في أنواع الإنتاج وفي زيادته، ولكنه ليس هو الأساس في أصل الإنتاج. وصحيح أن الخبرة الفنية لها أثر في أنواع الإنتاج وفي زيادته، ولكنها ليست هي الأساس في أصل الإنتاج. وصحيح أيضاً أن الآلة لها أثر في أنواع الإنتاج وفي زيادته، وقد يكون أثرها أكثر من أثر جهد الإنسان، ولكنها كذلك ليست الأساس في أصل الإنتاج. فلو لم يكن هناك أرض لا يستطيع الجهد أن ينتج زراعة، ولا تملك الخبرة الفنية أن تنتج زراعة، ولا يمكن أن تنتج الآلة زراعة مطلقاً. في حين أنه لو لم يكن هناك جهد للإنسان، ولو لم تكن خبرة فنية، ولو لم تكن هناك آلة فإن الأرض تنتج حتى ولو كان إنتاجها غذاءً للحيوان وطعاماً للنيران، فإنها على أي حال يحصل منها إنتاج. وهذا يدل بشكل واضح على أن أساس الزراعة هو الأرض.
ومن الخطأ أن يقال أن الآلة وجهد الإنسان وخبرته الفنية هي القوى المنتجة، وأن العلاقات بين الناس الذين يزرعون أو ينتجون تشكل الجانب الآخر من موضوع الإنتاج وهو ما يسمى بعلاقات الإنتاج، وأن أسلوب الإنتاج يحدده الاثنان معاً، يعني قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. هذا الكلام ظاهر الخطأ في موضوع الزراعة، لأن الذي ينتج في الزراعة إنما هو الأرض ولو لم يعمل فيها أحد. وكيفية حيازتها وكيفية العمل فيها هي التي عينت وجه الإنتاج هل هو فردي أو جماعي. أما علاقات المزارعين بعضهم مع بعض ومع غيرهم فلا دخل لها في أسلوب الإنتاج. فإذا كانت حيازة الأرض مباحة فردياً كانت حيازتها فردية، وحين تكون حيازتها فردية يكون العمل فيها فردياً وإنتاجها فردياً، فيكون وجه الإنتاج فردياً. وإذا كانت حيازتها ممنوعة وكانت مشاعاً بين الناس، فإنه إن كان العمل فيها جماعياً وإنتاجها جماعياً كان وجه الإنتاج جماعياً. وإن كانت مشاعاً للناس وكان العمل فيها فردياً يأخذ منها من يستطيع الحصول عليها، فيكون إنتاجها له أدى ذلك إلى جعل حيازتها فردية حتى ولو حيازة لموسم واحد، أي لسنة واحدة، وحينئذ يكون وجه الإنتاج فردياً. فالذي عين وجه الإنتاج هو كيفية الحيازة للأرض وكيفية العمل فيها وليس جهد الإنسان، ولا خبرته الفنية، ولا الآلة، ولا علاقات الإنتاج. ولذلك يجب أن يكون البحث في الزراعة منصباً على الأرض: في كيفية ملكيتها، وفي كيفية العمل فيها، ولا شأن في موضوع الزراعة للجهد ولا للخبرة الفنية ولا للآلة ولا لعلاقات الإنتاج. فالجهد مصدر منفصل للاقتصاد وله أحكام خاصة، والآلة من الصناعة وهي كذلك مصدر منفصل عن الزراعة ولها أحكام خاصة، والخبرة الفنية وعلاقات الإنتاج ظاهر أنهما لا علاقة لأي منهما بالزراعة بوصفها زراعة فحسب. ومن هنا يحصر البحث في الزراعة بأحكام الأراضي ليس غير.
وحين تبحث معالجات الأراضي في كيفية ملكيتها وكيفية العمل فيها، يجب أن يلاحظ أن الموضوع هو حيازة الأرض للإنتاج الزراعي وليس الموضوع المساواة بين الناس في حيازتها، وأن الموضوع استمرار هذا الإنتاج وزيادته، وليس الموضوع كثرة الأراضي التي تملك أو قلتها. ولذلك يجب أن ينظر في موضوع حيازة الأرض وفي موضوع العمل فيها إلى الإنتاج الزراعي، وإلى استمراره، وإلى زيادته، ولا دخل لأي بحث آخر. فلا يرد موضوع توزيع الأراضي بين الناس بالتساوي أو بالتفاوت، وبالتالي لا يرد ما يسميه الناس في هذه الأيام بالإقطاع أي ملكية الأراضي الواسعة. ولذلك كان من الخطأ المحض البحث في الموضوع الذي يسمونه الإصلاح الزراعي، أي بإعادة توزيع ملكية الأراضي بين الناس، بالأخذ ممن يملكون أراضي واسعة وإعطائها لمن لا يملكون أبداً، أو لمن يملكون أراضي قليلة. لأن الموضوع في معالجة الأرض ليس توزيعها على الناس، ولا المساواة بين الناس في هذا التوزيع، بل الموضوع محصور في نقطة واحدة هي الإنتاج، واستمرار هذا الإنتاج، وزيادته. لأن موضوع ملكية الأرض ليس كملكية باقي المواد من عقار وسلع ونقد ومواش وغير ذلك، بل الموضوع هو ملكية للإنتاج وليس مجرد ملكية فقط. وموضوع ملكية الأرض أيضاً ليس ملكية لإشباع الحاجات الأساسية والحاجات الكمالية من هذه الملكية، بل هي ملكية للإنتاج، وليس للإشباع، أو على حد تعبيرهم وليس للاستهلاك. والإنتاج فهيا جزء لا يتجزأ من وجودها، فهو جزء لا يتجزأ من ملكيتها. فهي ليست كالمصنع إنتاجه ليس جزءاً من وجوده، ولا كالبيت إنتاجه ليس جزءاً من وجوده، بل هي تختلف عن كل سلعة في الدنيا، إذ لا توجد سلعة في الدنيا تنتج من نفسها دون أن يباشر الإنتاج فيها أحد سوى الأرض، فإنها تنتج ولو لم يباشر الإنتاج فيها أحد، فكان إنتاجها أي كونها تنتج جزءاً لا يتجزأ من وجودها، وهذا غير موجود في غيرها على الإطلاق، ولهذا لا توجد سلعة في الدنيا إنتاجها جزء من وجودها سوى الأرض. فكان جزءاً من ملكيتها حتماً، فكانت ملكيتها تعني الإنتاج قطعاً. ومن هنا يجب أن تكون للأرض بالذات من دون باقي الأموال أحكام خاصة من حيث ملكيتها، ومن حيث العمل فيها، وليست هي كملكية باقي الأموال، ولا كالعمل في غير الأرض، أحكام تجعل الغاية من ملكية الأرض جزءاً لا يتجزأ من هذه الملكية تنصب الأحكام عليها بحسب تحقق الغاية أو عدم تحققها، أي أحكام تجعل الملكية متحققة إذا وجد الإنتاج، وباقية ما بقي الإنتاج، ويجعلها تزول إذا لم يتحقق الإنتاج بغض النظر عن سعة المساحات المملوكة أو قلتها، وبغض النظر عن مساواة الناس في ملكيتها وعدم مساواتهم.
>>>>> يتبع

** أحكام إحياء الموات**
ما هو إحياء الموات ، وما هو أحكامه ؟.
الحمد لله
الموات - بفتح الميم والواو - : هو ما لا روح فيه ، والمراد به هنا الأرض التي لا مالك لها .
ويعرفه الفقهاء رحمهم الله بأنه الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم .
فيخرج بهذا التعريف شيئان :
الأول : ما جرى ملك معصوم من مسلم وكافر بشراء أو عطية أو غيرها .
الثاني : ما تعلقت به مصلحة ملك المعصوم ؛ كالطرق والأفنية ومسيل المياه ، أو تعلقت به مصالح العامر من البلد ، كدفن الموتى وموضع القمامة والبقاع المرصدة لصلاة العيدين والمحتطبات والمراعي ؛ فكل ذلك لا يملك بالإحياء.
فإذا خلت الأرض عن ملك معصوم واختصاصه ، و أحياها شخص ؛ ملكها ؛ لحديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً : ( من أحيا أرضاً ميتة ؛ فهي له ) , رواه أحمد والترمذي وصححه , وورد بمعناه أحاديث , وبعضها في ( صحيح البخاري ) .
وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء ، وإن اختلفوا في شروطه ؛ إلا موات الحرم وعرفات ؛ فلا يملك بالإحياء ؛ لما فيه من التضييق في أداء المناسك ، واستيلائه على محل الناس فيه سواء .
ويحصل إحياء الموات بأمور :
الأول : إذا أحاطه بحائط منيع مما جرت العادة به ؛ فقد أحياه ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أحاط حائطاً على أرض ؛ فهي له ) ، رواه أحمد وأبو داود عن جابر ، وصححه ابن الجارود ، وعن سمرة مثله , وهو يدل على أن التحويط على الأرض مما يستحق به ملكها ، والمقدار المعتبر ما يسمى حائطاً في اللغة ، أما لو أدار حول الموت أحجاراً ونحوها كتراب أو جدار صغير لا يمنع ما وراءه أو حفر حولها خندقاً ؛ فإنه لا يملكه بذلك ، لكن يكون أحق بإحيائه من غيره ، ولا يجوز له بيعه إلا بإحيائه .
الثاني : إذا حفر في الأرض الموات بئراً ، فوصل إلى مائها ؛ فقد أحياها ؛ فإن حفر البئر ولم يصل إلى الماء ؛ لم يملكها بذلك ، وإنما يكون أحق بإحيائها من غيره ؛ لأنه شرع في أحيائها .
الثالث : إذا أوصل إلى الأرض الموات ماء أجراه من عين أو نهر ؛ فقد أحياها بذلك ؛ لأن نفع الماء للأرض أكثر من الحائط .
الرابع : إذا حبس عن الأرض الموات الماء الذي كان يغمرها ولا تصلح معه للزراعة ، فحبسه عنها حتى أصبحت صالحة لذلك ؛ فقد أحياها ؛ لأن نفع الأرض بذلك أكثر من نفع الحائط الذي ورد في الدليل أنه يملكها بإقامته عليها .
ومن العلماء من يرى أن إحياء الموات لا يقف عند هذه الأمور بل يرجع فيه إلى العرف فما عده الناس إحياء ؛ فإنه يملك به الأرض الموات ؛واختار ذلك جمع من أئمة الحنابلة وغيرهم ؛لأن الشرع ورد بتعليق الملك عليه ولم يبينه , فوجب الرجوع إلى ما كان إحياء في العرف.
ولإمام المسلمين إقطاع الأرض الموات لمن يحييها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث العقيق , وأقطع وائل بن حجر أرضاً بحضرموت , وأقطع عمر وعثمان و جمعاً من الصحابة , لكن لا يملكه بمجرد الإقطاع حتى يحييه , بل يكون أحق به من غيره , فإن أحياه ملكه , وإن عجز عن إحيائه ؛ فللإمام استرجاعه وإقطاعه لغيره ممن يقدر على إحيائه ؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استرجع الإقطاعات من الذين عجزوا عن إحيائها .
ومن سبق إلى مباح غير الأرض الموات ؛ الصيد ، والحطب ؛ فهو أحق به .
وإذا كان يمر بأملاك الناس ماء مباح ( أي : غير مملوك ) كماء النهر وماء الوادي , فللأعلى أن يسقي منه ويحبس الماء إلى الكعب ثم يرسله لمن بعده … وهكذا ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( اسق يا زبير ! ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر ) ؛ متفق عليه ، وذكر عبد الرزاق عن معمر الزهري ؛ قال : نظرنا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر ) . فكان إلى الكعبين ؛ أي : قاسوا ما وقعت فيه القصة ، فوجدوه يبلغ الكعبين , فجعلوا ذلك معياراً لاستحقاق الأول فالأول , وروى أبو داود وغيره عن عمرو بن شعيب ؛ أنه صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزور ( واد في المدينة مشهور ) : ( أن يمسك الأعلى حتى يبلغ السيل الكعبين , ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل ) .
أما إن كان الماء مملوكاً ؛ فإنه يقسم بين الملاك بقدر أملاكهم , ويتصرف كل واحد في حصته بما شاء .
ولإمام المسلمين أن يحمي مرعى لمواشي بيت مال المسلمين ؛ كخيل الجهاد , وإبل الصدقة ؛ ما لم يضرهم بالتضييق عليهم ؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع لخيل المسلمين ) ؛ فيجوز للإمام أن يحمي العشب في أرض الموات لإبل الصدقة وخيل المجاهدين وأنعام الجزية والضوال إذا احتاج إلى ذلك ولم يضيق على المسلمين .
من كتاب الملخص الفقهي للشيخ صالح آل فوزان .

أثر التطور الزراعي عند المسلمين الأوائل:
وأنتج المسلمون كل ما يحتاجونه حتَّى قال أحد من أرَّخوا للحضارة: "لم أسمع أنَّ المسلمين في شتى الأرجاء كانوا يستوردون سلعًا غذائيَّة من خارج أقطار الوطن الإسلامي، ووضعوا المؤلفات العلمية التي عرفوا فيها خواص التربة، وكيفية تركيب السماد، كما أدخلوا تحسينات جمة على طرق الحرث والغرس والري.
وأصبحت الزراعة علمًا له أصوله وقواعده، شأنها في ذلك شأن باقي فروع العلم والمعرفة، وذلك بعد أنْ ظهرت المؤلفات العلميَّة في هذا المجال في كثير من الأقطار الإسلاميَّة، وظهر الكثير من المصنفات العلميَّة القيمة التي تعكس هذا الاهتمام، وتقدم مادة غنية بالمعلومات المبنية على الملاحظة والاستمرار بتتبع مظاهر الحياة في النبات والحيوان، غير أنَّ مُعظم هذه التصانيف لم تكن كتبًا مستقلة.
كما وضعوا المؤلفات في كيفية استنباط المياه، وحفر الآبار، والاحتيال في زيادة ماء البر، وإطلاع -استخراج- الماء من عُمق بعيدة، ومعرفة أماكن وجوده في باطن الأرض قربًا أو بعدًا دون حفر، وتغير طعم المياه، واختلاف طبائعها وأفعالها، وصفة إفلاح التلقيح وزرعه وغرسه… ودراسة أنواع النبات، وكيفية زرعها وتسميدها، وكيفية عمل البيادر وخزن الحنطة، كما تناول بعضها تقسيم الأراضي وأنواعها، وما يصلح للاعتمار منها، وطريقة جلب الماء ومقدار الماء اللازم، وتنظيف الأرض المعتمرة، وقلع الأشجار أو النباتات التي تضر بالأرض.
وظهرت أيضًا "المؤلفات التي تُعنى بالنبات وأسمائه وأسماء الأشجار، وبيان بعض فوائده واستخدامه؛ مثل: كتاب “الشجر” لابن خالويه (ت 370ه)، وكتاب أبي العباس أحمد بن محمد العشاب، الذي تردد بين الشام والأندلس، وكان له معرفة بالعشب والنَّبات، وهذا الكتاب رتب فيه أسماء الحشائش على حروف المعجم، ومنها كتاب “الفلاحة والعمارة” للسميساطي أبي الحسن علي بن محمد العدوي، الذي كان معلمًا لأبي تغلب بن ناصر الدولة، وكتاب “الفلاحة” لعلي بن محمد بن سعد، وكتاب “الفلاحة” لابن وحشية.

وهذه الكتب وغيرها مما تركه لنا بعضُ عُلماء العرب من الكتب الزِّراعية، التي طبع بعضها بلغتنا في أوروبا- دليلٌ كبير على ترقي هذا الفن أيام لَم يكُن في الأرض مَن يُحسن ذلك.
تلك كانت جهود سلفنا الصالح في مجال الرقي بالزراعة، التي أفادوا بها البشرية، وهي تظهر لنا أنهم لم يقصروا جُهدهم على تقديم الزاد الروحي فقط -كما يظن الكثيرون- وإنَّما قدموا معه زادًا ماديًّا؛ ليجمعوا للناس بين خيري الدنيا والآخرة.

والحمد لله رب العالمين

المصدر: شبكة الألوكة بتصرف. islambuild

تقدير الأمراء المسلمين للفلاح ودوره:
وأهم من ذلك كله أنَّ أمراءهم حاولوا قدر الإمكان رفع العبء عن الزَّارع؛ حيثُ رفضوا جباية الخراج على الأراضي إلَّا بعد مسحها؛ إحقاقًا للعدل، وأن يُراعى ما تحتمله الأرض من غير حيف بمالك ولا إجحاف بزارع، فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: “اتقوا الله في الفلاحين، لا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب”.

وهذا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يكتب إلى عامله “عبد الملك بن عمير”: “لا تضربن رجلًا سوطًا في جباية درهم، ولا تبيعن لهم رزقًا، ولا كسوة شتاء، ولا صيف ولا دابة… ولا تقيمن رجلًا في طلب درهم، فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين، إذًا أرجع إليك كما ذهبت من عندك، فقال: وإن رجعت كما ذهبت، ويحك! إنَّما أمرنا أن نأخذ منهم العفو”.
وهذا زياد ابن أبيه يكتب إلى بعض عُمَّاله أنْ أحسنوا إلى الفلاحين، فإنَّكم لا تزالون سمانًا ما سمنوا، ولما ماطل بعضُ الفلاحين أو أصحاب الأراضي في سدادِ الخراج في عهد العباسيين، وأراد بعض الأمراء تعذيبَهم حتى يُجبروهم على سداده، شاور الخليفة المهدي محمد بن مسلم، فقال: يا أميرَ المؤمنين، هذا موقف له ما بعده وهم غرماء المسلمين، فالواجب أن يطالبوا مطالبة الغرماء… فتقدم إلى أبي عبيد الكاتب بالكتاب إلى جميع العمال برفع العذاب عن أهل الخراج.
وكان كثيرٌ من أمراء المسلمين فيما بعد يسلفون الفلاحين؛ لينفقوا على زروعهم دون مقابل؛ تشجيعًا لهم على الزراعة.
وكان الأمراء يوصون الجند الذين يذهبون للجهاد بعدم التعرض للفلاحين أيًّا كانت ديانتهم، فهذا أحد الخلفاء العباسيين ينصح قائده أثناء سيره بالجيش: “أن يمنع الجند أن يتخطوا الزُّروع، وأن يطأها أحد منهم بدابته، ويَجعلها طريقه في مقصده، وألا يأخذوا من أهلها الأتبان إلا بأثمان ورضا أصحابها، وصار من الأقوال المأثورة عند الأمراء: “أحسنوا إلى المزارعين، فإنَّكم لم تزالوا سمانًا ما سمنوا”.
وبذلك وجد العامل أو الزارع تحت ظل الإسلام الدَّوافع التي تحثه على العمل بنفس راضية مطمئنة، وأحس أنَّه يجني ثمار عمله لنفسه بعد أن كان في ظل الدول السابقة -كالدولة الرومية مثلًا- يُعد من توابع العقار، فينتقل العقار من مالك إلى آخر، وفلاحوه معه يسمونهم الأقنان -جمع قنّ- إلا الذين تَسمُو بهم هممهم إلى التقرُّب إلى رجال الدولة”.
وضرب المسلمون بتلك الجهود مثلًا رائعًا في المهارة الزِّراعية، حتى قال بعض المستشرقين: “إنَّهم أول من نظم ممارستها بقوانين، وإنَّهم لم يقتصروا على العناية بالمزروعات… وإنَّما اعتنوا عناية فائقة بتربية القطعان، وخاصَّة الأغنام والخيل، وإن أوروبا لتدين لهم بإدخال التجارب الكُبرى، وجميع أنواع الفواكه الممتازة… وإضافة إلى المزروعات الأصغر شأنًا، مثل: السبانخ والكراث”، وصار ما ينتجونه من محاصيل يقارب “مائة نوع من الحبوب والخضر والفاكهة والأزهار”.
وكان من نتيجة هذا الاهتمام وتلك الجهود “أنْ نَمت الأراضي والثروة الزراعية على طول امتداد العالم الإسلامي، من أواسط آسيا شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، بحيث لا يقع البصر فيها إلا على خضرة يتصل لونها بلون السماء الأزرق”.
وسبق المسلمون العالم في الازدهار الزِّراعي، ونقلوا ذلك إلى أكثر الأماكن التي فتحوها أو نزلوا بها، يقول شكيب أرسلان: “فإنَّ هؤلاء القوم لم يحلوا في مكانا إلا طبقوا الأراضي بالعمل… وشقوا تحتها الجنان”.
>>>>> يتبع

دور الأمراء في نهضة الزراعة عند المسلمين:
وازداد اهتمام المسلمين بالزِّراعة بعد أن اتَّسعت رقعة الدولة الإسلامية واستقرت أمورها، ويسروا كلَّ السُّبل لامتلاك الأراضي وتعميرها وزرعها؛ عملًا بوصية الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ)) [مسند أحمد]، وأضحى الاهتمام بالزراعة من واجب الأمراء والحكام، وليس الأفراد فحسب؛ وذلك لأنَّ هؤلاء الأمراء كانوا يدركون تمامًا العلاقة بين الازدهار الزراعي، وزيادة الخراج الذي يُعد أهم مصادر بيت المال، كما كانوا يدركون تمامًا العلاقة القوية بين حالة الزرع وبين الوارد.
واهتموا بإصلاحِ وسائل الري وتنظيفها، وبنوا السدود وشقوا القنوات والأنهار التي لا يُحصى عددها، لدرجة أنَّ مدينة كالبصرة وحدَها كان بها ما يزيد على مائة ألف نهر، يجري في جميعها السميرات، ولكل نهر منها اسم ينسب إلى صاحبه أو الناحية التي صب فيها الماء، وأقاموا الجسور والقناطر.
وبذلوا في سبيل ذلك أموالًا طائلة، واستخدموا لها عددًا كبيرًا من العُمَّال، حتَّى ذُكر أن الحجاج بن يوسف الثقفي أراد أنْ يستكملَ نهر سعد في نواحي الأنبار، وكان دهاقينها قد سألوا سعد بن أبي وقاص من قبل أن يَحفره لهم، فجمع الرجال لذلك، فحفروا حتى انتهوا إلى جبل، فلم يُمكنهم شقه وتركوه فجمع -أي: الحجاج- الفعلة من ناحية، وقال لقُوَّامه: انظروا إلى قيمة ما يأكل الرَّجل من الحفَّارين في اليوم، فإنْ كان وزنه مثل ما يقلع، فلا تمتنعوا عن الحفر، وأنفقوا عليه حتى استتموه. [معجم البلدان للحموي]
وهذه سياسة حكيمة في النهوض بالزِّراعة، قلَّما يصل إليها أحد حتى في عصرنا الحديث.
إضافةً إلى ذلك، فقد أقام المسلمون شبكة من القنوات والمجاري الظاهرة فوق الأرض أو الجوفيَّة، التي حفرت تحت الأرض بطريقة هندسية محكمة الإتقان.
وبذلوا جهودًا كبيرة لتجفيف البطائح والمستنقعات، وعملوا على إزالة الأملاح التي تهدد بإفساد المزارع، وتحويل الأرض إلى سباخ بقشط الطبقة الملحية من على وجه الأرض وجمع الأملاح، أو بزراعة بعض النباتات التي تقاوم الملح كالحب والشعير، وزرعوا كل نوع من النبات في التربة الصَّالحة له بعد أن درسوا صلاحية كل تربة ومناسبتها لأنواع النبات المختلف.
وحرصوا على ألا يبور أيُّ جزء من الأرض الصالحة للزراعة، ليس هذا فقط؛ بل عمدوا إلى “المرتفعات والسفوح والجبال التي ما كان أحد يظن أنَّه يُمكن الاستفادة منها في الزراعة؛ لجفافها الدائم”، فعمَّروها، وأنشؤوا عددًا كبيرًا من الطرق، وعنوا بصيانتها، وأقاموا الجسور حول الأنهار لمنع فيضانها، حتى كان الأمراء والقواد يقومون بالإشراف عليها بأنفسهم.
كما عرفوا أيضًا تأثير المناخ على النباتات، ففي كتاب “فرائد الملاحة” يقول مؤلفه عن البنفسج: “والضباب إذا دام عليه يومًا وليلة دبله، البرد الشديد يفسده فسادًا لا صلاح بعده، والرعد المتتابع يُوهنه، ووقوع الدخان ربَّما أفسده”.
وعرفوا بعض الطُّرق المساعدة على سرعة نمو النبات مِثْلما يعرف الآن بالمخصبات، يقول ابن وحشية: “إنَّ خير وسيلة للإسراع بنموها هو أن تغمس البذور أو أطراف الأقلام في الزيت”، وبحثوا في طبيعة الأراضي، وتكوين التربة.
ونظروا في كيفيَّة تكوين الأمطار وأهمية الرِّياح لسيرها، وفائدة الجبال وأثرها في توزيع الأمطار على شتَّى مناحي الكرة الأرضية، واعتنوا بتسميد الأراضي عناية كبيرة، بعد أن عرفوا السماد الصالح لكل نوع من النبات، فزاد مَحصول الأرض تبعًا لذلك زيادة واضحة، وعرفوا التلقيح، وكذلك عرفوا نظام التطعيم لبعض الأشجار، واستخرجوا أصنافًا جديدة.
>>>>> يتبع

الزراعة الناجحة بالإسلام

تعدُّ الزراعة من المهن اللَّازمة لحياة البشرية، والتي لا تحيا بدونها، وقد ورد في القرآن الكريم بعضُ الآيات التي تلفت انتباه الناس إلى ذلك؛ منها قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ* وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ* لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} [يس: 33- 34]، وقوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ* يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 10- 11]، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99].

وقد أمر الله -سبحانه وتعالى- البشر بالسَّعي والتنقيب في الأرض؛ لإخراج ما فيها من خيرات عن طريق الزراعة وغيرها؛ فقال -عزَّ وجل-: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

ثم جاءت أحاديث رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- لتَحث المسلمين على الزراعة وبيان مَنافعها، من ذلك قوله: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ)). [رواه: البخاري ومسلم]
وبيَّن -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الزَّارع لا يجني ثِمارَ عمله في الدُّنيا فقط، وإنَّما زراعته وسيلة يتقرب بها إلى الله تبارك وتعالى، كما يتقرب صاحب المال بماله، فقال: ((ما من مسلم يزرع زرعًا أو يغرس غرسًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة؛ إلَّا كان له به صدقة)) [البخاري وأحمد]، ونهى -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن ترك الأرض بورًا من غير زرع، فقال: ((من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإنْ أَبَى فليمسك أرضه)). [رواه البخاري، ومسلم]، وحذر من التَّهاون في أمر الزراعة بقوله: ((إنْ قامت السَّاعة وفي يد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقومَ حتَّى يغرسها، فليغرسها؛ فله بذلك أجر)). [مسند أحمد].
فالإنتاج في رأي رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- لا ينبغي أن ينقطعَ، والعمل ينبغي ألا يتوقف، حتَّى ولو بسبب اليأس من النَّتيجة؛ أي: قبل قيام الساعة بلحظة، كما وضَّح رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّ العمل في الزراعة قد يكون مكفّرًا للذنوب، فقال: ((مَنْ أَمْسَى كالًّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ أَمْسَى مَغْفُورًا لَهُ)) [المعجم الأوسط للطبراني].
ولما كانت الزراعة عرضة للإصابة بالآفات، مِمَّا يجعل الناس يحجمون عنها إلى غيرها، كما يحدث في بعض المجتمعات الإسلاميَّة الآن، وجدنا رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يُواسي من يصاب بذلك، ويَحثُّه على البقاء في عمله، حتَّى لا تختل أوضاع المجتمع، فقال: ((مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ زَرْعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الْعَوَافِي إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهِ أَجْرًا)) [المعجم الكبير للطبراني].
وكان لتلك الأحاديث، وهذه الآثار التي حثَّت على الزراعة دَوْرٌ كبير في اتِّخاذ كافة التدابير نحو الاهتمام بالزراعة، اهتمامًا كَفَلَ لهم توسيع مجالات الرزق، وتحسين الوضع الاقتصادي، خاصَّة أنَّ المنتجات الزراعية هي المصدر الأول للمواد الغذائية التي يعتمد عليها الناس في معاشهم، كما أنَّها تقدم أهم المواد الأولية في الصناعة، فالقطن والكتان من أهمِّ المواد في المنسوجات التي يلبسها الناس، والأخشاب ضرورية للبناء، ولصنع كثير من الأثاث، ثُمَّ إن كثيرًا من الأصباغ والعطور والأدوية تعتمد على المنتجات الزراعية.
كما أنها مما يضمن للإنسان طعامه، ويتحمَّل إصره، ويتكفَّل عبئه؛ لسد رمقه، وأن الأمة مهما تقدَّمت في الإنتاج الصناعي، وعظُم شأنها، فكثر مالها وتضاعف يسارها، لا تزال تبقى عالةً على غيرها إذا لم تكفُل أرضُ بلادِها قُوتَها، كما تظل مجحفة الجوع، دائمة الخضوع لأعدائها.

مظاهر اهتمام المسلمين الأوائل بالزراعة:
وفهم الصحابة والمسلمون الأوائل ذلك -وكانوا خير سلف- فانطلقوا مطبقين لتعاليم الإسلام، التي تحث على الزراعة، رَغْم مشاغل بعضهم الجسيمة واستغنائهم، فهذا عثمان بن عفَّان -رضي الله عنه- يقول وقد سُئل: أتغرس بعد الكبر؟ فقال: لأنْ توافيني السَّاعة وأنا من المصلحين خير من أن توافيني وأنا من المفسدين، وقيل لأبي الدرداء وهو يغرس جوزة: أتغرس وأنت شيخ، ولا تُطعم إلا بعد عشرين سنة؟، فقال: لا عليَّ بعد أن يكون الأجر لي.
وهذا عبدالرحمن بن عوف رغم غناه كان يمسك المسحاة بيده، ويحول بها الماء، وطلحة بن عبيد الله كان أول من زرع القمح في مزرعته بالمدينة، وكان يزرع على عشرين ناضحًا، وينتج ما يكفي أهله بالمدينة سنتهم، حتى استغنوا عمَّا يستورد من بلاد الشام، وكان أبو هريرة يرى المروءة في تلك الأفعال، فقد سئل مرة: ما المروءة؟ فقال: تقوى الله وإصلاح الضيعة.
>>>>>>>>>> يتبع

تشجيع الزراعة
يجبر كل من ملك أرضا على استغلالها, ويعطى المحتاج من بيت المال ما يمكنه من هذا الاستغلال, وكل من يهمل الأرض ثلاث سنين من غير استغلال تؤخذ منه وتعطى لغيره.
**وبناء عليه :**أن كل من يحمل تابعية الدولة الحق في أن يتملك الأرض لاستغلالها , ولكنه إن لم يقم باستغلالها فأهملها ثلاث سنوات متوالية, فعلى الدولة أن تأخذها منه وتعطيها غيره، وله أن يأخذ من بيت المال ما يمكنه من استغلالها إن كان محتاجا للمال.
والدليلما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: )(عادي الأرض لله ولرسوله, ثم لكم من بعد, فمن أحيا أرضا ميتة فهي له, وليس لمتحجر حق بعد ثلاث سنين))، فالشخص يملك الأرض الموات بعد أن يحييها أو يضع عليها سياجا أو حجارة أو وضع اليد عليها, وأما الأرض التي يملكها الشخص بغير الأحياء بالشراء أو الإرث أو الهبة أو غير ذلك, فإنها كذلك, إذا لم يستغلها ثلاث سنوات متتالية تؤخذ من مالكها, والدليل على ذلك, ما أخرجه يحيى بن أدم عندما قال: أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من مزينة أو جهينة أرضا فعطلوها, فجاء قوم فأحيوها, فقال عمر: لو كانت قطيعة مني أو من أبي بكر لرددتها ولكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي لو كانت قطيعة من عمر أو من أبي بكر لما مر عليها ثلاث سنوات ولهذا لكان ردها, لأن مدة أبي بكر في الخلافة سنتان, ويظهر أن الحادث كان بعد مُضي سنة من تولي عمر ولكنها قطيعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم, أي منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولذلك لا أردها, وقول عمر رضي الله عنه: ((من عطل أرضا ثلاث سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له))،
وحادثة بلال بن الحارث المزني: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه العقيق أجمع، قال: فلما كان زمان عمر قال لبلال, إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك لتحجره على الناس, إنما أقطعك لتعمل, فخذ منها ما قدرت عمارته ورد الباقي))
فهذا يدل على أن الأرض التي يملكها الشخص بغير الأحياء وبغير وضع اليد, كأن كان يملكها بالإقطاع أو بالشراء أو الإرث أو غير ذلك, فإنها تؤخذ منه إذا لم يستغلها ثلاث سنين متوالية, وقد كان هذا أمام مرأى من الصحابة, ولم يسمع أنه أنكر عليه أحد منهم, لذا فإن ذلك إجماع, لأن هذا مما ينكر مثله, لأن إجماع الصحابة السكوتي هو إن فعل أحد منهم فعلا مما ينكر على ملأ منهم, لا ينكر عليه أحد, وهو دليل شرعي, وعليه تكون الأرض العامرة المملوكة لشخص إذا لم يعمرها ثلاث سنين متوالية تأخذها الدولة منه جبرا عنه ودون مقابل, ولا يقال أن هذا في الأرض المقطعة, لأن الموضوع ليس سؤالا, ولا حادثة حصلت, فكان النص خاصا بها, بل هو عام, فيكون عاما لكل أرض مملوكة, فالحكم يشمل الجميع الأرض المملوكة بالشراء أو الإقطاع أو الأحياء, والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((وليس لمحتجر حق بعد ثلاث)).

وأما إعطاء الفلاحين من بيت المال ما يمكنهم من زراعة أرضهمفإن دليله ما فعل عمر رضي الله عنه في أرض العراق المفتوحة, فإنه لما فتحت العراق ترك الأرض تحت يد أهلها ولم يقسمها على المحاربين مع أنها من الغنائم, وأعطى الفلاحين مالا من بيت المال, يتقوون به على زراعة أرضهم, مع أنهم كانوا غير مسلمين بعد, ومع أن الفلاحين بوصفهم فلاحين ليسوا مما يستحقون شيئا من بيت المال ما داموا يملكون أرضا فلا يدخلون في الفقراء ولا في المساكين, فهذان الأمران مما ينكر مثلهما لمخالفتهما لأحكام الغنائم وأحكام بيت المال, فترك الأرض بيد أهلها بعد أن غنمها المسلمون, وعدم تقسيمها على المحاربين, فقد وجد في الصحابة من ينكره على عمر رضي الله عنه, وصار فيه نقاش بينهم وبينه, إلى أ ن قدم لهم عمر الدليل الأقوى فكان إجماعا سكوتيا, هذا الأمر الأول، أما الأمر الثاني وهو إعطاء الفلاحين في العراق من بيت المال مالا لزراعة أرضهم, فلم ينكره أحد على عمر, فكان إجماعا سكوتيا على أن الفلاحين يعطون من بيت المال ما يمكنهم من زراعة أراضيهم, فالإجماع ألسكوتي من الصحابة هو دليل هذه المادة.

تأجير الأرض للزراعة
يمنع تأجير الأرض للزراعة مطلقا, سواء أكانت خراجيه أم عشرية, كما تمنع المزارعة, أما المساقاة فجائزة مطلقا.
إن الأرض سواء أكانت عشرية أم خراجيه لا يجوز تأجيرها للزراعة, ولا مزارعتها, وذلك لكثرة النصوص التي منعت إجارة الأرض, فلا تؤجر بالنقود ولا بالمبادلة ولا بغيرها, كما لا يجوز مزارعتها أي تأجير الأرض بشيء مما تخرج, أو بشيء مما تنبته من الطعام أو غيره, لأن كله إجارة.
فقد روى رافع بن خديج قال: ((كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكر أن بعض عمومته أتاه فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعا, وطواعية رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفع, قال: قلنا ما ذاك؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له أرض فليزرعها, ولا يكريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى)).
وعن أبن عمر رضي الله عنهما قال: ما كنا نرى بالمزارعة بأسا حتى سمعنا رافع بن خديج يقول: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها)).
وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها, فإن أبى فليمسك أرضه)).
وفي سنن النسائي ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض, قلنا يا رسول الله: إذن نكريها بشيء من الحب, قال: لا, قال نكريها بالتبن, فقال لا, قال نكريها على الربيع, قال: لا ازرعها أو أمنحها أخاك)) .
فهذه الأحاديث صريحة في نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن تأجير الأرض, والنهي وإن كان يدل على مجرد طلب الترك, غير أن القرينة هنا تدل على أن الطلب للجزم.
أما بالنسبة لتحريم المزارعة, فقد أخرج أبو داوود عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من لم يذر المخابرة (المزارعة) فليؤذن بحرب من الله ورسوله)).
ومما تقدم نرى وضوح الإصرار على التأكيد عن النهي, والأحاديث ظاهر فيها الجزم, فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاهم عن كراء الأرض على الإطلاق. فقد قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: نكريها بشيء من الحب, قال: لا, ثم قالوا نكريها بالتبن فقال لا, ثم قالوا نكريها على الربيع فقال لا, ثم أكد ذلك بقوله: ((أزرعها أو أمنحها أخاك))، فتكرار اللفظ يفيد التوكيد على الرفض, وتنوع الحالات التي جاء بها النهي تدل على الجزم, وما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: ((أزرعها أو أمنحها أخاك)) يفيد الحصر, وحرف (أو) للتخيير بين شيئين افعل هذا أو هذا, ومعناه لا تفعل غيرهما، فهذا الحصر يدل على الجزم , فهو قرينة على أن النهي الوارد في الأحاديث عن إجارة الأرض للزراعة نهيا جازما, ويؤيد أن النهي للتحريم ما ورد في رواية أبي داوود عن رافع قال: (( انه زرع أرضا فمر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسقيها, فسأله لمن الزرع ولمن الأرض؟ فقال: زرعي ببذري وعملي, ولي شطر ولبني فلان الشطر, فقال: أربيتما, فرد الأرض على أهلها, وخذ نفقتك)), فهنا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المعاملة بأنها ربا, والربا حرام بالنص القطعي, وأيضا طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من رافع أن يرد الأرض على صاحبها بما فيها من زرع ويأخذ نفقته, أي طلب منه فسخ المعاملة, فدل على أن النهي نهي جازم فهو حرام.
فالأدلة التي أستند أليها بعض الفقهاء في جواز إجارة الأرض للزراعة, أدلة جرى تمحيصها ومحاولة تبيان ما فيها من عدم الانطباق على ما أجازوه من أن تأجير الأرض الزراعية جائز فتبين بوضوح أن استدلالهم لم يكن في محله, وذلك عند محاكمتها.
أما المساقاة الواردة في المادة: وهي تأجير الشجر على جزء من ثمره أو تأجير الشجر مع الأرض التابعة له, على جزء من التمر والزرع على أن يكون الشجر أكثر من الأرض.
والدليل على أن هذا هو معنى المساقاة شرعا, وعلى جواز المساقاة, الأحاديث الواردة في ذلك,
فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال)( قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم, اقسم بيننا وبين إخواننا النخل, قال: لا, فقالوا تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة, قالوا سمعنا وأطعنا)).
وأخرج البخاري عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما , أخبره, أن النبي صلى الله عليه وسلم, عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع, فكان يعطي أزواجه مائة وسق, ثمانون وسقا تمرا, وعشرون وسقا شعيرا, فقسم عمر خيبر، فخير أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم, أن يقطع لهن من الماء والأرض, أو يمضي لهن الأوسق, وكانت عائشة اختارت الأرض.
وأخرج مسلم وأبو داوود والنسائي: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم, ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها)).
فهذه الأحاديث تبين معنى المساقاة, أنها تأجير الشجر وحده على جزء من ثمرة كما هو ظاهر في حديث أبي هريرة من فعل الأنصار, وتدل على أنها أي المساقاة تأجير الشجر ومعه الأرض على جزء من ثمر الشجر وزرع الأرض, كما هو ظاهر في حديث نافع عن عبد الله بن عمر ((عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمرا أو زرع))
وكما هو ظاهر في حديث مسلم وأبي داوود والنسائي((نخل خيبر وأرضها))، فتدل على أن التأجير إما للشجر وحده وإما للشجر والأرض معا, وتدل أيضا على أن الأرض تكون أقل من الشجر, فواقع المساقاة التي أجازها الشرع هي: تأجير الشجر بجزء من ثمره أو تأجير الشجر والأرض بجزء من الثمر وجزء من الزرع على أن يكون الشجر أكثر من الأرض .

الإسلام والحثّ على الزراعة
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }الأنعام99 ، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }الأنعام141.
ويقول رسول الله محمد صلـى الله عليه وسلم: " إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليفعل" رواه أحمد.
لقد حث الإسلام على الزراعة واعتنى بها وحرص عليها ودعا الى الاعتناء بها وزيادة مساحة الأراضي الزراعية، كما حث على حفر وشق الموارد المائية، فقال عليه الصلاة والسلام: " من أحيا أرضاً ميتة فهي له " رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
ويكفي لبيان أهمية ومنزلة الزراعة في الإسلام أن الله تعالى قدم الحبوب والزروع على غيرها في قوله سبحانه وتعالى: { وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ{33} وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ{34} لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ{35}يس .
ففي هذه الآيات الكريمة نقاط أساسية ومهمة تتعلق بالأرض والنبات و الزراعة منها:
الاولى : امتنان الله تعالى على عباده بتسخير الارض لهم، وأنه جعل من خصائصها قابليتها للزراعة فتتحول الارض القاحلة الى بساتين نضرة وحدائق غناء.
الثانية : فيها توجيه الى ضرورة استصلاح الارض البور.
الثالثة : فيها تقديم الاهم على المهم وتنظيم الاوليات في الغذاء، ففي تقديم الحبوب على النخيل والاعناب دليل على أهميتها حيث أن الحبوب هي الغذاء الاساسي اليومي للانسان.
الرابعة : في قوله تعالى: >وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ < توجيه رباني الى ضرورة العمل، فهذا الخير العميم من الحبوب والثمار والفواكه، إنما جاء بعمل الايدي بعد أن وهبهم الله صحة الابدان والقدرة على الانتاج، وذلل لهم الارض، وسهل لهم سبل إحياءها بإرشادهم الى أدوات الزراعة وعلومها ولوازمها.
الخامسة : فيها إشارة واضحة الى أهمية الماء في الزراعة ووجوب شق الترع وحفر الآبار.
وقد أكد الله تعالى على أهمية الزراعة وقدم الحبوب على غيرها لأهميتها في قوله جل جلاله: { وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً{14} لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً{15} وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً{16} النبأ .
وقد جعل الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه من الأجر والثواب للمزارعين مالايعلمه إلا الله فقال: (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو انسان إلا كان له به صدقة) رواه البخاري ومسلم.

وقال عليه الصلاة والسلام: (سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علم علما، او كرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، او ورث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته) اخرجه البزار وابو نعيم.
وقد حث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه على الغرس والزراعة حتى في أشد المواقف وأصعبها فقال: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليفعل) رواه أحمد.
فالزراعة من موارد الكسب الحلال وفيها يظهر توكل المؤمن على الله تعالى، فما في الصنائع كلها أبرك منها ولا أنجح اذا كانت على وجهها الشرعي، ففيها يحصل الأجر الكبير من الله، اضافة الى ما فيها من رفع لمستوى المعيشة واحياء لحراثة الارض وتشجيع للايدي العاملة واستثمار للقوى الكامنة وتخفيف لوطأة البطالة وانتفاع باصحاب الكفاءات وارباب المؤهلات، والتوجيه لمزاولة الأعمال الحرة ومضاعفة للجهود في سبيل إنماء الثروة، وفي كل هذا تشجيع على الاقتصاد المحلي وزيادة في الدخل القومي ونهوض بالامة الى المستوى اللائق بها بين الامم.
ولا شك أن الانسان اذا اطمأن الى رزقه وتيسرت له اسباب عيشه لا يطمع في كسب المال من غير حله فيستتب الأمن وتسود الطمأنينة ويعم السلام، ومن هنا نرى اهتمام الاسلام بالزراعة والدعوة الى مراعاة الزراع والرأفة بهم وعدم تحميلهم ما لا يطيقون، ذكر الكتاني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خصص ثلث ايراد مصر لعمل الجسور والترع لإرواء الأراضي.
& جاء رجل الى امير المؤمنين سيدنا علي - فقال: ياأمير المؤمنين اتيت ارضا قد خربت وعجز عنها اهلها فكرست انهاراً وزرعتها، فقال سيدنا علي: (كل هنيئاً وانت مصلح غير مفسد، معمر غير مخرب).
& وكان يقول لعماله : (ليكن نظركم في عمارة الارض ابلغ من نظركم في استجلاب الخراج، والزراعة عمارة).
وقد سلك كثير من خلفاء المسلمين وامرائهم نهج الخلفاء الراشدين في توجيه عنايتهم واهتمامهم الى عمارة الارض واستصلاحها، وأمروا ببناء السدود وحفر الترع.
& فلما ولي الحجاج أمر العراق في ايام عبد الملك بن مروان وابنه الوليد عمد الى استصلاح المزيد من اراضي الأهوار - فانفق عليها الكثير من الدراهم وأقطع الارض الموات لمن يرغب في إحيائها، وأمد الفلاحين بالقروض المالية رغبة منه في دعمهم ومساعدتهم، وهو اول من قام بتمويل الفلاحين بالقروض الحسنة.
& واكثر الحجاج من الماشية، وبعث له عامله على السند محمد بن القاسم الثقفي آلاف الجواميس ليستعين بها في إحياء الارض وزراعتها.
& كذلك نرى الخليفة العادل الراشد عمر بن عبد العزيز يقوم بتقديم القروض الحسنة للعاملين في الارض ولو كانوا من أهل الذمة لما في ذلك من مصلحة للمسلمين وذلك عندما كتب الى واليه عبد الحميد بن عبد الرحمن الذي بعث اليه يستشيره بشأن التصرف في فضول بيت المال - قال: (أنظر من كانت عليه جزية فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه فإنا لانحتاجهم لعام ولا لعامين).
فهيا بنا الى الأخذ بأسباب القوة، وزراعة مايفيد وينفع الأمة، حتى نكون أمة تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع، وتشرب الماء مما تجمع.


منقول للإفادة