الأندلس السليب — موضوع مستورد

**في ذكرى سقوط الأندلس

رائعة أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس.**

**رثاء ألأندلس

أبو البقاء الرندي

لكل شيء إذا ما تم نقصان **** فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دولٌ ****من سرَّهُ زمنٌ ساءته أزمانُ

وهذه الدار لا تبقي على أحد **** ولا يدوم على حال لها شانُ

يمزق الدهر حتمًا كل سابغةٍ**** إذا نبت مشرفيات وخرصان

وينتضي كل سيف للفناء ولو **** كان ابن ذي يزن والغمد غمدان

أين الملوك ذوو التيجان من يمنٍ****وأين منهم أكاليلٌ وتيجانُ

وأين ما شاده شدَّادُ في إرمٍ **** وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ

وأين ما حازه قارون من ذهب **** وأين عادٌ وشدادٌ وقحطانُ

أتى على الكل أمر لا مرد له**** حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا

وصار ما كان من مُلك ومن مَلك **** كما حكى عن خيال الطيفِ وسنانُ

دار الزمان على دارا وقاتله **** وأمَّ كسرى فما آواه إيوانُ

كأنما الصعب لم يسهل له سببُ **** يومًا ولا مَلك الدنيا سليمان

فجائع الدهر أنواع منوعة **** وللزمان مسرات وأحزانُ

وللحوادث سلوان يسهلها**** وما لما حل بالإسلام سلوانُ

دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاء له **** هوى له أحدٌ وانهد نهلانُ

فاسأل بلنسيةَ ما شأنُ مرسيةٍ **** وأين شاطبةٌ أمْ أين جيَّانُ

وأين قرطبةٌ دارُ العلوم فكم **** من عالمٍ قد سما فيها له شانُ

وأين حمصُ وما تحويه من نزهٍ **** ونهرها العذب فياض وملآنُ

قواعدٌ كنَّ أركانَ البلاد فما **** عسى البقاء إذا لم تبقى أركان

تبكي الحنيفيةَ البيضاءَ من أسفٍ **** كما بكى لفراق الإلف هيمانُ

على ديارمن الإسلام خالية **** قد أقفرت ولها بالكفر عمران

حيث المساجدُ قد صارت كنائسَ ما **** فيهنَّ إلا نواقيسٌ وصلبانُ

حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ **** حتى المنابرُ تبكي وهي عيدانُ

يا غافلاً وله في الدهرِ موعظةٌ **** إن كنت في سِنَةٍ فالدهر يقظانُ

وماشيًا مرحًا يلهيه موطنهُ**** أبعد حمصٍ تَغرُّ المرءَ أوطانُ

تلك المصيبةُ قد أنْسَتْ ما تقدَّمها **** وما لها مع طولَ الدهرِ نسيانُ

يا راكبين عتاقَ الخيلِ ضامرةً **** كأنها في مجال السبقِ عقبانُ

وحاملين سيوفَ الهندِ مرهفةُ **** كأنها في ظلام النقع نيرانُ

وراتعين وراء البحر في دعةٍ **** لهم بأوطانهم عزٌّ وسلطانُ

أعندكم نبأ من أهل أندلسٍ **** فقد سرى بحديثِ القومِ ركبانُ

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم **** قتلى وأسرى فما يهتز إنسان

لماذا التقاطع في الإسلام بينكمُ **** وأنتمْ يا عباد الله إخوانُ

ألا نفوسٌ أبيَّاتٌ لها هممٌ **** أما على الخيرِ أنصارٌ وأعوانُ

يا من لذلةِ قومٍ بعدَ عزِّهُمُ **** أحال حالهم ْكفر وطغيانُ

بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم **** واليومَ هم في بلاد الكفرعبدانُ

فلو تراهم حيارى لا دليل لهمْ **** عليهمُ من ثيابِ الذلِ ألوانُ

ولو رأيتَ بكاهُم عندَ بيعهمُ **** لهالكَ الأمرُ واستهوتكَ أحزانُ

يا ربَّ أمٍّ وطفلٍ حيلَ بينهما **** كما تفرقواَ أرواحٌ وأبدانُ

وطفلةٍ مثل حسنِ الشمسِ إذ طلعت**** كأنما هي ياقوتٌ ومرجانُ

يقودُها العلجُ للمكروه مكرهةً**** والعينُ باكيةُ والقلبُ حيرانُ

لمثل هذا يذوبُ القلبُ من كمدٍ **** إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ

ترجمة أبي البقاء الرُّنْدي :

هو صالحُ بنْ شريفَ بنِ صالحٍ، يُكْنَى بِأَبي الطيِّب وأبي البقاء، كان فقيها، بارعا في النثر والنظم. قال عنه أحمدَ المقّرى : وصالح بن شريف الرُّندى: صاحب القصيدة من أشهر أدباء الأندلس.

وقد قال هذه القصيدة في رِثاء المدن الأندلسية التي سقطت في أيدي الصليبيّين الأسبان، توفي الرُّندي-رحمه اللّه تعالى-سنة 684هـ.**

**رثاء طليطلة

لثكـلك كيـف تبتسـم الثغــور ** سـرورا بعـد ما سبيت ثغـــور

أمـا وأبي مصـاب هـد منـــه ** ثبـير الديـن فاتـصـل الثـبـور

لقد قصـمـت ظهـور حين قالـوا ** أميـر الكافـرين لـه ظهـــور

تـرى في الدهـر مسـرورا بعيـش ** مضـى عنـا لطيـتــه السـرور

أليـس بهـا أبي النـفس شهـــم ** يـديـر على الدوائـر إذ تـــدور

لقد خضـعت رقاب كن غلبـــا ** وزال عتـوهــا ومضـى النفـور

وهـان على عزيـز القـــوم ذل ** وسامـح في الحـريم فتى غيــــور

طليـطلـة أبـاح الكفـر منـهـا ** حمــاهــا إن ذا نبــأ كبـيـر

فليس مثالهـا إيـوان كسـرى ** ولا منهـا الخـورنـق والسد ير

محصنـة محسنـة بعيــــد ** تناولهــا ومطلبـهــا عسير

ألم تـك معقــلا للديـن صعبا ** فذللـه كمــا شــاء القديـر

وأخـرج أهلهـا منها جميعــا ** فصـاروا حيث شاء بهم مصيـر

وكـانت دار إيمــان وعلــم ** معـالمهـا التي طمسـت تنـير

فعـادت دار كفـر مصطفـاة ** قد اضطربت بأهليهـا الأمـور

مساجـدها كنـائس أي قلـب ** على هــذا يقـر ولا يطـيـر

فيـا أسفـاه يا أسفـاه حـزنا ** يكـرر ما تكـررت الدهــور

وينشر كل حسن ليس يطــوى ** إلى يـوم يكــون به النشـور

أديلت قاصــرات الطرف كانت ** مصــونـات مساكنهـا القصور

وأدركـهـا فتـور في انتـظـار ** لسـرب في لوا حظه فتــور

وكان بنــا وبالقـينـات أولـى ** لو انضـمت على الكل القـبـور

لقد سخـنـت بحالتهن عيــن ** وكيـف يصـح مغلـوب قـريـر

لئن غبـنـا عن الإخـوان إنـا ** بأحــزان وأشجـان حضــور

نــذور كان للأيـام فيـهــم ** بمهلكهــم فقـد وفـت النـذور

فـإن قلنـا العقوبـة أدركتـهـم ** وجـاءهــم? من الله النكيــر

فإنـا مثلهــم وأشـد منهــم ** نجور وكيف يسلم من يجـــور

أنأمـن أن يحـل بنــا انتقـام ** وفيـنا الفسـق أجمع والفجـور

وأكل للحـرام ولا اضـطـرار ** إليه فيسهـل الأمـر العسيــر

ولكـن جـــرأة في عقـر دار ** كذلك يفعـل الكلب العـقـــور

يزول الستـر عن قـوم إذا مـا ** على العصـيان أرخيـت الستـور

يطــول علي ليلي رب خطـب ** يطول لهــوله الليـل القصيـر

خـذوا ثأر الديـانة وانصـروها ** فقـد حامـت على القتلى النسور

ولا تهنـوا وسـلوا كل عـضب ** تهـاب مضـاربـا منـه النحـور

ومـوتـوا كلـكم فالمـوت أولى ** بكـم من أن تجـاروا أو تجوروا

أصبـرا بعـد سبي وامتـحـانٍ ** يـلام عليهـا القلـب الصبـور

فــأم الثكـل مذكـار ولــود ** وأم الصقــر مقــلات نـزور

نخــور إذا دهيـنا بالـرزايـا ** وليس بمعـجـب بقـر يخــور

ونجبـن ليس نـزأر لو شجعنـا ** ولم نجبـن لكـان لنـا زئـيـر

لقد سـاءت بنـا الأخبـار حتى ** أمـات المخبـرين بهـا الخبـيـر

أتتـنا الكتـب فيهـا كل شــرٍ ** وبشـرنـا بأنحسنـا البشيــر

وقيـل تجمعـوا لفــراق شمل ** طليطـلة تمـلكهـا الكفــور

فقـل في خطــة فيهـا صغـار ** يشيب لكربـها الطفــل الصغير

لقـد صـم السميـع فلم يعـول ** على نبـإ كمـا عمـي البصيـر

تجـاذبنـا الأعـادي باصطناع ** فيـنجـذب المخـول والفقيـر

فبـاق في الديانة تحــت خزي ** تثبطه الشــويهـة والبعـيـر

وآخـر مـارق هـانت عليـه ** مصائب دينــه فلـه السعيـر

كفى حزنـا بأن النـاس قـالوا ** إلى أيـن التحــول والمسيـر

أنتـرك دورنا ونفـر عنهــا ** وليس لنـا وراء البـحـر دور

ولا ثـم الضياع تـروق حسنـا ** نبـاكـرها فيعـجبـنا البكـور

وظـل وارف وخـرير مــاء ** فـلا قـر هناك ولا حـــرور

ويـؤكل من فواكهـها طــري ** ويشـرب من جداولها نميـــر

يـؤدى معـرم في كل شهــر ** ويؤخـذ كل صائفـة عشــور

فهم أحمى لحوزتـنا وأولــى ** بنا وهـم المـوالي والعشيــر

لقـد ذهـب اليقين فلا يقيــن ** وغـر القــوم بالله الغـــرور

فــلا ديـن ولا دنيـا ولكـن ** غـرور بالمعيشـة ما غــرور

رضـوا بالــرق يا لله مـاذا ** رآه وما أشـار بـه مشيـــر

مضى الإسلام فابك دما عليه ** فما ينفي الجوى الدمع الغزيــر

ونـح وانـدب رفاقا في فـلاة ** حيـارى لا تحـط ولا تسيــر

ولا تجـنح إلى سلم وحــارب ** عسى أن يجبر العظم الكسيــر

أنعمى عن مراشـدنا جميعــا ** وما إن منهـم? إلا بصيـــر

ونلـقى واحـدا ويفر جمــع ** كما عن قانص فـرت حميـــر

ولو أنا ثبتـنا كان خيــــرا ** ولكـن ما لنــا كرم وخيــر

إذا مـا لم يكـن صبر جميــل ** فليس بنـافـع عـدد كثيـــر

ألا رجـل لــه رأي أصيــل ** به مما نحـــاذر نستجيـــر

يكـر إذا السيـوف تنـاولتــه ** وأيـن بنا إذا ولت كــــرور

ويطعن بالقنـا الخطـــار حتى ** يقول الرمـح ما هذا الخطيـــر

عظيـم أن يكون الناس طـــرا ** بأنـدلس قتـيـل أو أسيــــر

أذكر بالقـراع الليث حرصـــا ** على أن يقـرع البيض الذكـــور

يبـادر خرقهــا قبـل اتســاع ** لخطب منه تنخسف البــــدور

يوسـع للذي يلقاه صـــــدرا ** فقد ضـاقت بما تلقى صـــدور

تنغـصـت الحيـاة فلا حيـــاة ** وودع جيـرة إذ لا مـجيــــر

فليــل فيه هـم مستكــــن ** ويـوم فيه شر مستطيــــــر

ونـرجو أن يتيح الله نصــــرا ** عليهـم إنـه نعـم النصيــــر

المصادر:

  • المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

  • إحسان عباس،تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين)

  • محمد رضوان الداية ، أبو البقاء الرندي، شاعر رثاء الأندلس**

**نَادَتْكَ أنْدَلُسٌ فَلَبِّ نِداءَها

الشاعر :ابن الأبار القضاعي

نَادَتْكَ أنْدَلُسٌ فَلَبِّ نِداءَها = واجْعل طَواغيتَ الصّليبِ فِداءَها

صَرَختْ بِدَعوَتك العليّة فاحْبُها = من عاطِفاتك ما يقي حوْباءها

واشدُدْ بِجلبك جُرْد خَيلك أزْرَها = تَرْدُدْ على أعْقَابِها أرْزَاءها

هيَ دَارُك القُصوى أوَتْ لإِيالَةٍ = ضَمِنْتَ لها معَ نصْرِها إيواءَها

وبَها عَبيدُك لا بَقاءَ لَهُم سوى = سُبُل الضّراعة يَسْلُكون سَواءَها

خَلَعَتْ قُلُوبُهُمُ هُناك عزَاءَها = لمّا رأتْ أبْصارُهُم مَا ساءها

دُفِعوا لأبكارِ الخُطوب وعُونها = فَهُمُ الغَداةَ يُصابِرونَ عَنَاءَها

وَتَنَكّرَتْ لَهُم اللَّيالي فَاقْتَضَتْ =سَرَّاءَها وَقَضَتْهُمُ ضَرّاءَها

تِلك الجَزيرَةُ لا بقاء لها إذا = لَمْ يَضْمن الفَتْحُ القريب بَقاءَها

رِشْ أيها المولى الرّحيمُ جناحَها = واعْقِدْ بِأرْشية النّجاة رِشاءَها

أَشفى على طرفِ الحياةِ ذَماؤُها = فاستبْق للدّين الحَنيف ذماءَها

حاشَاكَ أنْ تَفْنى حُشاشتُها وَقدْ =قَصَرتْ عليك نداءها ورَجَاءَها

طَافَتْ بِطَائفَة الهُدى آمالُهَا = تَرْجو بِيَحيى المُرْتَضى إحْياءَها

واسْتَشرفَتْ أمْصَارُها لإمَارة = عَقَدت لنَصر المُسْتضام لوَاءَها

يا حَسْرَتِي لِعقائِلٍ مَعْقولَةٍ = سَئم الهُدى نحْو الضّلالِ هِداءها

إيهٍ بَلَنْسيَةٌ وفي ذكراكِ ما = يمري الشؤون دماءَها لا ماءَها

كيف السّبيلُ إلى احتِلال معاهدٍ = شبّ الأعاجِم دُونها هيْجاءها

وإلى رُبىً وأباطِحٍ لَمْ تَعْرَ مِنْ = خلَعِ الرّبيع مصيفَها وشِتاءَها

طابَ المُعرّسُ وَالمَقيلُ خِلالَها = وَتطلّعَتْ غُرَر المُنى أثْناءها

بِأبي مدارسُ كالطلول دَوارسٌ = نَسختْ نواقيسُ الصّليب نِداءَها

ومصانعٌ كسَف الضّلالُ صَباحها = فيخالُه الرّائي إليْه مَسَاءَها

رَاحَتْ بها الوَرْقاءُ تُسمعُ شدوَها = وغَدت تُرجِّعُ نَوْحَها وبكاءَها

عَجَباً لأهْل النار حلّوا جَنّةً = مِنْهَا تمُدُّ عَلَيْهِم أفْيَاءَها

أمْلتْ لهُم فتعجّلوا ما أمّلوا = أيّامُهُم لا سُوِّغوا إملاءها

بُعْداً لِنَفْس أبْصَرَتْ إسْلامَهَا = فَتَوكَّفَتْ عنْ جزّها أسْلاءَها

أمّا العُلوجُ فَقَد أحالُوا حالها = فَمَن المُطيقُ علاجَها وشِفَاءها

أهْوى إليْها بالمكاره جارح = لِلكُفْر كَرّه ماءَها وهواءَها

وكفى أسى أن الفواجعَ جمّة = فَمَتى يُقاوم أسْوُها أسْوَاءها

هَيهات في نَظَر الإمارَة كفُّ ما = تخْشاه ليْت الشُّكرَ كان كِفاءها

مَولاي هَاك معادةً أنْباءَها = لِتُنيلَ منْك سعادةً أبْناءَها

جَرِّدْ ظُباك لمحو آثار العدى = تَقْتلْ ضَراغِمَها وتَسْبِ ظِباءَها

واسْتدْع طائِفَة الإمام لِغَزْوها = تَسْبِق إلى أمثالِها استدْعاءَها

لا غَرْو أن يُعْزى الظهور لملة = لَمْ يَبْرحُوا دُون الوَرى ظُهَراءها

إنّ الأعاجِم للأعاربِ نُهْبَة = مَهْما أمَرْتَ بِغَزْوها أحْياءهَا

تالله لو دَبّت لها دَبّابُها = لَطَوَتْ عَلَيها أرْضَها وَسَمَاءَها

وَلو اسْتَقَلَّت عَوْفُها لقتالها = لاسْتَقبلت بالمُقرَبات عَفَاءَها

أرْسِل جَوارِحَها تَجئك بصيدها = صَيْداً وناد لِطَحْنِها أرْحَاءَها

هُبُّوا لها يا مَعْشَرَ التَّوحِيدِ قَدْ = آن الهُبوبُ وأحْرِزوا عَلْياءها

إنّ الحَفائِظَ من خلالِكُمُ التي = لا يَرْهَبُ الداعي بِهِنّ خَلاءها

هي نُكتةُ الدّنيا فحيهلاً بها = تَجدوا سناها في غدو سناءها

أوْلوا الجَزيرَةَ نُصْرَةً إن العدى = تَبْغِي على أقطارها اسْتيلاءَها

نُقِصَتْ بِأهل الشّرك من أطرافها = فَاستحْفِظوا بالمُؤْمنين بقاءَها

حاشاكُم أنْ تُظْهروا إلْقاءَها = في أزْمةٍ أو تُضْمروا إقْصاءَها

خُوضوا إليها بحْرها يُصبح لكمْ = رَهواً وجوبوا نحوَها بيداءها

وافى الصَّريخ مُثوّبا يدعو لها = من يصْطفي قصد الثّواب ثواءها

دَارُ الجِهاد فلا تَفُتْكمُ سَاحَةً = ساوَتْ بها أحياؤُها شُهَدَاءها

هَذي رسائِلُها تُناجي بِالتي = وَقَفَتْ عَلَيْهَا رَيْثَها ونجَاءَها

ولَرُبّمَا أنْهَت سَوالِبَ للنهى = منْ كائِنات حُمّلت إنْهاءها

وفَدَت على الدّار العَزيزة تَجْتَني = آلاءَهَا أوْ تَجْتَلِي آرَاءَها

مُسْتَسْقِياتٍ مِنْ غُيوث غياثها = ما وَقْعُه يَتَقَدّمُ اسْتسقَاءَها

قَدْ أمّنَتْ في سُبْلها أهْوَالَها = إذْ سَوَّغَت في ظِلِّها أهْواءها

وبِحَسْبِهَا أنّ الأمير المُرْتَضَى = مُتَرَقِّبٌ بِفُتوحها أنْبَاءها

في الله ما يَنويه من إدراكها = بكلاءةٍ يفدي أبي كلاءها

بُشْرى لأَنْدلُسٍ تُحبُّ لقَاءه = ويُحِبّ في ذات الإلَه لِقاءَهَا

صَدَقَ الرُّواةُ المُخْبِرونَ بأنّه = يَشْفِي ضَنَاهَا أوْ يُعيدُ رُوَاءها

إنْ دَوَّخَ العُرْب الصّعابَ مَقَادَةً = وأبى عليها أن تُطيع إبَاءها

فكأن بِفيْلقه العرمْرَم فالقاً = هَامَ الأعاجم نَاسِفاً أرْجَاءَها

أنْذرْهُمُ بِالبَطْشَة الكُبْرى فقدْ = نذَرت صَوارمُه الرّقاقُ دِماءَها

لا يَعدَم الزّمنُ انتصارَ مؤيَّدٍ = تَتَسوَّغُ الدُّنيا بِه سَرّاءَها

ملِكٌ أمَدَّ النَيّرات بِنُوره = وأفادَها لألاؤُه لألاءَها

خَضَعَتْ جَبَابِرَة المُلوكِ لِعزه = ونَضَتْ بِكَفّ صغارِها خُيَلاءَها

أبقى أبُو حَفْصٍ إمَارَتَه له = فَسَمَا إلَيها حامِلاً أعْبَاءهَا

سَلْ دَعْوَةَ المَهْديّ عن آثاره = تُنْبِئْك أنّ ظُباه قُمْنَ إزَاءَها

فَغَزا عِداها واسْتَرَقَّ رقَابَها = وحمَى حِمَاها واستَرَدّ بهَاءَها

قبضت يداه على البسيطة قَبْضَةً = قادَتْ له في قدّه أمراءَهَا

فعلى المَشارق والمغارب ميسَمٌ = لِهُداه شَرّفَ وَسْمُه أسْماءَها

تَطْمو بِتُونِسها بِحارُ جُيوشه = فيزورُ زاخر موْجها زَوْرَاءها

وَسع الزمانَ فضاقَ عنْه جَلالةً = والأرضِ طُرّا ضَنكها وفَضَاءَها

ما أزْمَع الإيغال في أكْنَافِها = إلاّ تصَيّد عَزْمُهُ زُعَمَاءَها

دانَتْ له الدُّنيا وشُمُّ مُلوكِها = فاحْتَلَّ منْ رُتَب العُلى شمّاءها

رَدّتْ سَعَادَتُه على أدْراجِها = غِيَل الزّمان ونَهْنهت غُلَواءها

إن يغْتِم الدُّوَلَ العَزيزَة بأسُه = فَلأنْ يُوالي جُودُه إعطاءَها

تَقَعُ الجَلائلُ وهْو راسٍ راسخٌ= فيها يُوقّعُ للسعودِ جلاءَها

كالطَّوْد في عَصْف الرياح وقَصْفها = لا رَهْوَها يَخْشى ولا هْوجاءها

سامي الذّوائب في أعزّ ذُؤَابَةٍ = أعْلت على خِيَمِ النجوم بنَاءها

بَرَكَتْ بكُلّ مَحَلّةٍ بركاتُه = شَفْعاً يُبَادرُ بذلُها شُفعاءها

كالغَيْث صَبّ على البَسيطة صَوْبَه = فَسَقى عَمائِرَها وجَاد قَواءَها

يَنْميه عَبْد الواحِد الأرْضى إلى = عُلْيا تَجَنّح بَأسها وَسَخَاءَها

في نَبْعَةٍ كَرُمتْ وطابَتْ مَغْرِساً = وسَمَتْ وطالتْ نضْرَةً نُظراءها

ظهرت بِمحتدها السّماء وجاوَزَتْ = بِسُرادقاتِ فخارها جوْزاءها

فئةٌ كرامٌ لا تكُفّ عن الوغى = حتّى تُصرِّعَ حوْلها أكفاءها

وتَكُبُّ في نار القِرى فوْقَ الذُّرى = من عِزّةٍ لُوّاتِها وكُبَاءَها

قد خلقوا الأيَّامَ طيبَ خَلائِق = فَثَنَتْ إلَيهمْ حَمْدها وثَنَاءَها

يُنْضُونَ في طَلَب النّفائِس أنْفُساً = حَبَسوا على إحرَازِها أنْضَاءَها

وَإذا انْتَضَوْا يَوْمَ الكَريهَة بيضَهُمْ = أبْصَرْت فيهم قَطْعها وَمَضاءَها

لا عُذْر عند المكرُماتِ لهم متى = لم تَسْتَبن لعُفاتِهم عذْرَاءها

قَوْمُ الأمير فمنْ يقُومُ بِما لهم = من صالِحاتٍ أفحَمتْ شُعَرَاءَها

صَفْحاً جَمِيلاً أَيُّها المَلك الرّضي = عنْ مُحكماتٍ لم نُطق إحْصَاءها

تَقِفُ القوافي دُونَهنّ حَسيرةً = لا عِيّها تُخْفي ولا إعْيَاءها

فلعل عَلْيَاكمْ تُسامح راجياً = إصْغاءها ومُؤمّلاً إغضاءَها**

الأندلس السليب