**وأما الآية التي بعدها فإن مفهومها يدل على أن الوجه والكفين ليسا بعورة ، فالله تعالى يقول : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } والخمر جمع خمار ، وهو ما يغطى به الرأس ، والجيوب جمع الجيب ، وهو موضع القطع من الدرع والقميص ، فأمر تعالى بأن يلوى الخمار على العنق والصدر ، فدل على وجوب سترهما ، ولم يأمر بلبسه على الوجه ، فدل على أنه ليس بعورة . وليس معنى كلمة الجيب هو الصدر كما يتوهم ، بل الجيب من القميص طوقه وهو فتحته التي تكون حول العنق وأعلى الصدر ، وضرب الخمار على الجيب ليًّه على طوق القميص من العنق والصدر . فالأمر بجعل غطاء الرأس يلوى على العنق والصدر استثناء للوجه ، فدل على أنه ليس بعورة . وبذلك يكون الحجاب غير موجود ، ولم يشرعه الله سبحانه وتعالى .
هذا من حيث الأدلة من القرآن ، أما الأدلة من الحديث على أن الحجاب لم يشرعه الله تعالى ، وأن الوجه والكفين ليسا بعورة ، فلما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها : " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه " ، وقد أخرج أبو داود عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلى وجهها ويداها إلا المفصل " ، وأخرج البيهقي عن أسماء بنت عميس أنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة بنت أبي بكر وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر ، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام ، فلما نظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فخرج ، قالت عائشة رضي الله عنها تنحي فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً كرهه ، فتنحت ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عائشة رضي الله عنها لم قام ؟ قال : " أو لم تري إلى هيأتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا ، وأخ بكمية فغطى بهما كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه ، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه " .
فهذه الأحاديث صريحة بأن الوجه والكفين ليسا بعورة ، وصريحة بأن الله لم يشرع ستر الوجه والكفين ، ولم يشرع الحجاب . إذ لو شرع شيئاً من ذلك لناقض نص هذه الأحاديث التي لا تحتمل أي تفسير أو تأويل ، بل تدل دلالة واضحة صريحة على أن المرأة المسلمة تخرج إلى السوق كاشفة وجهها وكفيها ، وتتحدث إلى الرجال الأجانب ، وهي كاشفة وجهها وكفيها ، وتعامل الناس جميع المعاملات المشروعة ، من بيع وشراء وإجارة وتأجير وشفعة ووكالة وكفالة وغير ذلك وهي كاشفة وجهها وكفيها . وأن الحجاب لم يشرعه الله تعالى إلا لنساء الرسول . وأنه وإن كان القول بالحجاب رأياً إسلامياً لأن له شبهة الدليل ، وقد قال به أئمة مجتهدون من أصحاب المذاهب إلا أن شبهة الدليل التي يستدلون بها واهية ، لا يكاد يظهر فيها الاستدلال .
بقيت مسألة يقول فيها بعض المجتهدين وهي أن الحجاب يشرع للمرأة خوف الفتنة ، فيقولون تمنع المرأة من كشف وجهها بين الرجال لا لأنه عورة ، بل لخوف الفتنة ، وهذا القول باطل من عدة وجوه .
أحدها : أنه لم يرد بتحريم كشف الوجه لخوف الفتنة نص شرعي ، لا من الكتاب ، ولا من السنة ، ولا من إجماع الصحابة ، ولا من علة شرعية يقاس عليها ، فلا قيمة له شرعاً ولا يعتبر حكماً شرعياً . لأن الحكم الشرعي هو خطاب الشارع ، وتحريم كشف الوجه لخوف الفتنة لم يأت في خطاب الشارع ، وإذا علم أن الأدلة الشرعية جاءت على النقيض منه تماماً ، فأباحت الآيات والأحاديث كشف الوجه واليدين إباحة مطلقة لم تقيد بشيء ، ولم تخصص في حالة من الحالات فيكون القول بتحريم كشف الوجه ، وإيجاب ستره تحريماً لما أحله الله ، وإيجاباً لما يوجبه رب العالمين . فهو فوق عدم اعتباره حكماً شرعياً ، هو مبطل لأحكام شرعية ثابتة بصريح النص .
ثانيها : أن جعل خوف الفتنة علة لتحريم كشف الوجه وإيجاب ستره لم يرد فيه أي نص شرعي لا صراحة ولا دلالة ولا استنباطاً ولا قياساً فلا يكون علة شرعية مطلقاً ، بل هو علة عقلية ، والعلة العقلية لا اعتبار لها في أحكام الشرع ، بل المعتبر إنما هو العلة الشرعية ليس غير . وعليه فلا يقام أي وزن لخوف الفتنة في تشريع تحريم كشف الوجه وإيجاب ستره ، لأنه لم يرد في الشرع .
ثالثها : أن قاعدة الوسيلة إلى الحرام محرمة لا تنطبق على تحريم كشف الوجه لخوف الفتنة ، وذلك لأن هذه القاعدة تقتضي أن يتوفر فيها أمران : أحدهما أن تكون الوسيلة موصلة إلى الحرام بغلبة الظن وكان سبباً للحرام ، بحيث ينتج المسبب حتماً ولا يتخلف عنه . والثاني أن يكون ما تؤول إليه قد ورد النص بتحريمه ، وليس مما يحرمه العقل . وهذا غير موجود في كشف الوجه لخوف الفتنة . إذ قالوا بستر الوجه لخوف الفتنة ، ولم يقولوا لتحقق الفتنة ، وعليه فلا ينطبق كشف الوجه لخوف الفتنة على قاعدة تحريم ما يكون سبباً لما هو حرام ، على فرض أن الفتنة تحرم شرعاً على من يفتتن به ، لأنه ليس مما يؤول إليه قطعاً . على أن خوف الفتنة لم يرد نص بجعله حراماً ، بل لم يجعل الشرع الفتنة نفسها حراماً على من يفتتن به الناس ، بل حرم على الناظر نظرة افتتان أن ينظر ، ولم يحرم ذلك على المنظور ، فقد روى أبو داود : " كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته الخثعمية تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه عنها " أي صرف وجه العباس عنها ، بدليل ما جاء في رواية أخرى لهذا الحديث " فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضل فحول وجهه من الشق الآخر " وروى هذه القصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزاد " فقال له العباس : يا رسول الله ، لم لويت عنق ابن عمك قال : " رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما" . ومن ذلك يتبين أن الرسول صرف وجه الفضل عن الخثعمية ، ولم يأمر الخثعمية بستر وجهها ، وكانت كاشفة له ، فلو كانت الفتنة حراماً على من يفتتن به لأمر الرسول الخثعمية بستر وجهها بعد أن تحقق من نظرة الفضل إليها نظرة افتتان . ولكنه لم يأمرها ، بل لوى عنق الفضل ، مما يدل على أن التحريم على الناظر ، لا على المنظور . وعلى ذلك فإن تحريم افتتان الناس بالمرأة لم يرد به نص يحرمه على المرأة التي يفتتن بها ، بل ورد النص بعدم تحريمه عليها ، فلا يكون ما يؤدي إليه حراماً ، حتى لو كان يؤدي إليه حتماً . على أنه يجوز للدولة عملاً برعاية الشؤون أن تبعد أشخاصاً بعينهم عن أعين من يفتنون بهم ، لتحول بين من يفتتن به الناس ، وبين الناس إذا كانت الفتنة في الشخص عامة ، كما فعل عمر بن الخطاب بنصر بن حجاج حين نفاه إلى البصرة ، لافتتان النساء به لجماله . وهذا عام في الرجال والنساء ، فلا يقال إنه يحرم على النساء كشف الوجه لخوف الفتنة ، حتى ولا لتحقق الفتنة ، ولا يكون ذلك من قبيل الوسيلة إلى الحرام محرمة .
تم الرد والحمد لله رب العالمين
**