**ونعود ونبقى مع الأخ ( مفكر )،حيث يتابع في رده التوضيحي القيم ، وتحليله لواقع التشريعي الاسلامي للكيفية التي يجب أن يكون عليها مجتمع الاسلام ، والحصانات التي وضعت للمحافظة على مجتمع الاسلام وتقيد المسلمين بذلك، ورغم ذلك كان اصرار صاحب الموضوع على ما نقلنا رغم ذلك :
والسؤال الآن: كيف نصنع إذاً هيبة الأمة وكيف نحافظ عليها ونُـنَـمّيها ؟
إن البحث في كيفية صناعة الهيبة أو تنميتها يقتضي البحث ابتداءً في واقعها وماهيتها. والمقصود بالهيبة، هو رهبةٌ توجِدُها الأمة فيمن حولها تمنعهم من الانحراف ابتداءً، وتتجلى في قدرتها على التحرك في حال لمست انحرافاتٍ في سلوك الحاكم أو أيٍّ من أجهزة الدولة. ويُشترط في التحرك حتى يوجد الهيبة المطلوبة أربعة أمور نوردها مع ذكر المقاييس التي تمكن من التأكد من وجودها من عدمه:
1- الوعي: ومقياسه قدرة الأمة على تحديد ما الذي يمكن أن تتساهل فيه، وما الذي لا يجوز لها أن تتساهل فيه، وما الذي يجب أن تسترخص المهج في سبيله. وأهمية هذا الوعي تتجلى في كونه يمكنها من قطع الطريق على الحاكم إذا حاول أن يجرَّها إلى معارك جانبية وأمور ثانوية لجعلها تَغُضُّ الطرف عن الأمور العظام. وهذا الوعي لا يتأتى إلا إذا كانت الأمة مبصرةً لأهدافها، مُدركةً لحقيقة ما يجري على الساحة السياسية الداخلية والخارجية، مُطَّـلعةً على ما يُحاك من مؤامرات، مدركةً لخلفيات وأهداف ما يُـتَّخذ من قرارات، قد كوّنت مناعةً من الانسياق وراء الادعاءات أو المزايدات الكاذبة.
2- السرعة: ومقياسها قدرة الأمة على التحرك بمجرد إحساسها بالبوادر الأولى للانحراف، وليس بعد أن تقع الفأس في الرأس.
3- الكثافة: ومقياسها قدرة الأمة على التحرك بكل فئاتها وليس بفئةٍ دون أخرى.
4- الفعالية: ومقياسها قدرة الأمة على إدراك نقاط الضعف التي تمكنها من الضغط بفعالية، وقدرتها على الاستمرار في الضغط حتى بلوغ الهدف. فالتحرك ليس غايةً في حد ذاته، ولكن وسيلة لتحقيق الغاية وهي التأثير على الحاكم. لذلك فالتحرك لا يجوز أن يكون مبعثراً، كما لا يجوز أن يكون موجهاً إلى نقطة قوةٍ لا تؤلم الحاكم، بل يجب أن يكون مركزاً في اتجاه ما من شأنه التأثير على القرارات المتخذة. هذا عن واقع الهيبة والشروط التي يجب أن تتوفر في الأمة لكي تكون عندها هيبة. فكيف نصنع هذه الهيبة وكيف ننميها؟ قبل بدء البحث ينبغي الإشارة، أن إشباع الحاجات الأساسية وهو الأمر الذي يشغل الأمة الآن، ويُذهب هيبتها، ويُذلُّها أمام حكامها، قد جعله الله حقاً مكفولاً لها في عنق الدولة. فقد ألزم الله الدولة بضمان هذه الحاجات (مأكل / مشرب / ملبس / مسكن / تعليم / طب / أمن) ضماناً تامّاً لكل فردٍ فردٍ من أبناء الأمة، وجعل على الدولة أن تشبع هذه الحاجات للأفراد دون فضلٍ منها ولا منة، ودون أن تستحق حتى مجرد الشكر على ذلك. ولا شك أن الأفراد إذا علموا أن حاجاتهم الأساسية مكفولةٌ لهم سلفاً فإن هذا يُجرِّئهم ويمنحهم هامشاً أكبر من الحركة ولا يُبقيهم أذِلَّـةً لحكامهم. أما كيف تُصنع الهيبة، فإن ذلك يقتضي أمرين:
أ ? وجود الأحزاب السياسية: قلنا إن هيبة الأمة تتجلى في قدرتها على التحرك الواعي السريع الكثيف والفعال، والتحرك الواعي الفعال يقتضي فهماً صائباً للقرارات المتخذة من الحاكم، وإدراكاً لنقاط الضعف والقوة عنده والتي تُمكِّن من الضغط عليه ضغطاً كفيلاً بإرجاعه إلى الجادة. والتحرك السريع والكثيف يقتضي قدرةً تأطيرية واسعة للأمة، أي وجود رجال ذوي كلمة مسموعة لدى الأمة متغلغلين في جميع أوساطها قادرين على تحريكها. والملاحظ لأحوال الشعوب يجد أن الفهم السياسي الصائب والقدرة التأطيرية الواسعة لا يمكن أن توجد إلا إذا وُجدت أحزابٌ سياسيةٌ حقيقيةٌ تملك حرية الحركة. فكيف نظر الإسلام إلى مسألة وجود الأحزاب السياسية؟ بالعودة إلى نصوص الوحي، نجد أن الله قد فرض على المسلمين إيجاد حزبٍ سيـاسيٍّ واحدٍ على الأقل، فـ: ] وَلتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ [ [آل عمران: 104]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عملٌ سياسي، والأمر بإيجاد جماعةٍ مكلفةٍ بهذا العمل هو أمرٌ بإيجاد حزبٍ سياسي. ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضةً شرعية، وكان القيام بهذا الفرض على الوجه الأكمل لا يتسنى إلا من خلال جماعات أو تكتلاتٍ أو أحزابٍ قائمة على هذا الأساس، كان حكم إيجاد هذه الجماعات كحكم ما يجب أن توجد من أجله، أي أن حكم إيجاد الجماعة كحكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواءً بسواء، وذلك من باب “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”. وحيث إنه ثبت أن إيجاد هذه الجماعات فرضٌ، فإنه يحرم على الحاكم شرعاً اشتراط الإذن المسبق لإنشائها لأنه يكون ربطاً لأداء ما افترضه الخالق بإذن المخلوق، ولو جاز ذلك لجاز للحاكم مثلاً اشتراط الإذن للصلاة أو الزكاة أو باقي الفرائض. واصفاً تَجَبُّر فرعون لما اشترط حصول السّحرة على إذنه قبل أن يؤمنوا بالله : ] قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [ [الأعراف: 123]. إلا أن وجود هذه الأحزاب في حدِّ ذاته غير كافٍ إلا إذا كان لديها هامشٌ واسعٌ للحركة وحصانةٌ من ترهيب الحاكم ومضايقاته. وهنا أيضاً نجد أن الشرع قد تدخَّل وضمن هذا الشرط، فقد حرّم الله على الحكام التجسُّس على المسلمين وتَتَبُّع عوراتهم، : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [ [الحجرات: 12]،
يتبع…**
