إدارة الأزمات وحماية الأمة والدولة

**وجاء في سيرة ابن هشام في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في البيعة: “ثُمّ قَال: أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ. قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمّ قَالَ: نَعَمْ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ (نَبِيّاً) لَنَمْنَعَنّك مِمّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللّهِ، فَنَحْنُ وَاَللّهِ أَبْنَاءُ الْحُرُوبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ وَرِثْنَاهَا كَابِرًا (عَنْ كَابِرٍ)” فتمت بذلك كلمة الله وقامت للإسلام دولته.

نعم هذه هي سيرة المصطفى تبين كيف تعامل مع أهل القوة في عصره، فلم يصطدم بهم، بل عمل على كسبهم للإسلام، ثم توجيه قوتهم لتكون هي الحامية للدولة الإسلامية الأولى التي أقامها في المدينة عن يقين وإيمان، وليس من أجل مصالح آنية من منصب أو جاه. حدث هذا بعد أن كسبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لفكرته، فكان إيمانهم بالإسلام وتأثرهم بعقيدته هو المحرك لهم، فقاموا بحماية الدولة وذادوا عنها بأنفسهم وأموالهم، قربة لله وطمعاً في رضاه.

لهذا فإن أي حركة تسعى للتغيير الحقيقي دون أن تكسب ولاء الجيوش لفكرتها ستفشل بكل تأكيد، ويعتبر عملها مهما سمى وعظم عبثاً سيؤدي حتماً إلى الصدام، فالأصل أن تعمل الحركات والأحزاب الساعية للتغيير على كسب الجيوش لفكرتها كما تعمل على كسب الجماهير.

والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه: ما هي الفكرة التي يمكن أن تجذب قادة الجيوش وتحررهم من التبعية التي هم غارقون فيها؟

إن الفكرة الوحيدة القادرة على كسب ولاء الجيوش وقادتها هي الفكرة الإسلامية، بشرط أن تصل إليهم مبلورة في مشروع حقيقي، تجعل من يُخاطَب بها قادر على أن يضع يده ليتلمس صحتها وقدرتها على صياغة منظومة جديدة تعيد للأمة كرامتها وتخلصها من التبعية للكافر المستعمر.

لذلك إن أردنا أن نحل لغز العسكر فما علينا إلا أن نحمل مشروعاً مبدئياً يقوم على عقيدة الإسلام، يقدم هذا المشروع تصوراً كاملاً عن الدولة بجميع أجهزتها ودستورها وعلاقتها بغيرها من الدول ورسالتها التي يجب عليها أن تحملها، ثم نخاطب بهذا المشروع أهل القوة من جيوش الأمة، بعدما يكون لهذا المشروع رأياً عاما منبثقاً عن إدراك أن الالتزام بهذا المشروع هو عبادة لله.

فقط بالمشروع الإسلامي الحقيقي نستطيع أن نحرر العسكر من التبعية للغرب ونحولهم إلى حماة للعقيدة، والذي يجب أن يكون هو الأصل. فقط بالإسلام يمكن أن نمتلك قلوب وعقول كل أبناء الأمة حين نخاطبهم خطاباً قوياً مؤثراً، فإن كان رسول الله قد كسب غير المسلمين إلى الإسلام ثم حول قوتهم لقوة تحمي الإسلام، فمن باب أولى أن يكون كسب أبناء المسلمين أسهل!

إن العقبة الكبرى أمام كسب العسكر هو منافستهم في تبعيتهم للغرب، وهذا يحدث حين يقوم المشتغلون بالتغيير بالإندماج فيما يُسمى بالنظام الدولي والقبول بالحفاظ على العلاقات مع الطرف الآخر في الصراع: (أمريكا)، والقبول بكل ما تمخض عن هذا النظام الدولي الغاشم من اتفاقيات لم تقم أساساً إلا من أجل الحيلولة دون التغيير الحقيقي، فمن يسير في هذا الطريق فهو يحافظ على النظام العلماني شاء أم أبى، ويحافظ على علاقته بأعداء الأمة مهما كانت نواياه، وإذا كان هذا هو الحال، فالطبيعي أن يرى العسكر منه معادياً لهم في نفوذهم، لأن الصراع سيتحول إلى منافسة في إرضاء الغرب والسير في منظومته.

إن تحييد الإسلام عن الصراع سيزيد الهوة بين أبناء الأمة الواحدة، ويجب ألا ننسى أن الأجهزة الأمنية لم يصل مستواها في البطش والإجرام إلى هذه الدرجة إلا بعد غياب الإسلام، أي في ظل النظام العلماني. والإسلام هو الذي سيعيد لمن يعملون في هذه الأجهزة الأمنية كرامتهم وعزتهم المفقودة، والتي انتزعها منهم الحكام العملاء الذين حولوا هؤلاء من رجال أمن وحماية إلى رجال رعب وقمع وإرهاب.

فليشمر الجميع عن سواعدهم ويتمسكوا بالمشروع الإسلامي الحقيقي الذي يجمع أبناء الأمة ولا يفرقهم، لنحول العسكر من قتلة مجرمين إلى أبطال حقيقيين كما كان أسلافهم، وبهذا نكون قد حللنا لغز العسكر الذي حيَّر الجميع وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل 1435 عام.

﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام 153)

*بقلم الدكتور/ ياسر صابر، كاتب ومفكر إسلامي

**لغز العسكر وكيف حلَّه رسول الله

الكاتب: د/ ياسر صابر

حين فازت جبهة الإنقاذ فى الجزائر بالانتخابات البرلمانية بنسبة تزيد عن 80 بالمائة، انقلب عليها العسكر بقيادة الجنرال خالد نزار، وانتهى الأمر بالزج بعشرين ألفًا من الجبهة في السجون، ونشبت حرب راح ضحيتها 200 ألف من الأبرياء. وكذلك حين وصل حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا بدأت معركة تكسير العظام بين العسكر والنظام الجديد مازالت فصولها تدور حتى الآن. أما في مصر فلم يمكث برلمان الثورة أكثر من أربعة أشهر حتى بادر المجلس العسكري بحله عن طريق القضاء العلماني الموالي له والمعادي للحركات الإسلامية التي كانت تسيطر على البرلمان وقتئذ، وأصبح حسب الرؤية العسكرية في حكم الماضي وكأن شيئاً لم يكن. واليوم حدث ما هو أكبر من ذلك: انقلاب على رئيس منتخب (حسب ديمقراطيتهم التي يؤمنون بها)، وزجٌّ بقيادات الإخوان في السجون. وهكذا تبدو العلاقة بين التغيير والعسكر غامضة وتترك أسئلة كثيرة؛ هل العسكر بطبيعتهم ضد التغيير؟ أم أنه لغز العسكر؟

إن أي نظام سياسي يحتاج إلى قوة تحميه، والأنظمة السياسية في العالم الإسلامي، التي قامت على أنقاض دولة الخلافة، لم تخرج من رحم الأمة وإنما أوجدها الاستعمار، وما كانت هذه الأنظمة لتبقى لولا وجود قوة مادية تحميها، وقد عمل الكافر المستعمر الذي أوجد هذه الأنظمة على كسب ولاء قادة الجيوش في عالمنا الإسلامي، حتى يستطيع الإبقاء على أنظمته التي أقامها، وبهذا الولاء أصبحت هذه الجيوش حامية للأنظمة العلمانية بالرغم من أن أبناءها هم أبناء الأمة ويدينون بعقيدتها.

والتغيير الذي يحدث لهذه الأنظمة لا يخرج عن نوعين؛ الأول هو التغيير الشكلي الذي يذهب بحاكم ويبقى على النظام العلماني أي على نفس المنظومة الفكرية، وما أكثر الانقلابات التي قامت في العالم الإسلامي على هذه الشاكلة وأدت إلى تغيير الحكام. أما النوع الثاني فهو التغيير الذي يذهب بالنظام كله والأساس الذي قام عليه ويوجد مكانه نظام الإسلام، وهذا النوع من التغيير هو الذي يشكل صعوبة، وينتهي دائماً بالصدام وعادة ما يُحسم الأمر لصالح العسكر بحكم أنهم أصحاب القوة المادية، ولهذا فإن أي محاولة للتغيير تصطدم بالعسكر لا تخرج عن كونها نوع من أنواع العبث.

فهل يعني هذا أن تستسلم الأمة ولا تهُب من أجل تغيير النظام العلماني وإزالته؟

إن الوقوف مع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وقفة تشريعية تجيب لنا عن هذا التساؤل بوضوح، فرسول الله قد حسم هذه المسألة قبل 14 قرناً من الزمن، حيث عمل على التغيير لإقامة نظام جديد يقوم على أساس الإسلام، وبالرغم من وجود أهل القوة أيضاً في زمنه، إلا أنه أنجز طريقه وأقام دولته، فماذا فعل رسول الله؟

إن الفهم الدقيق لسيرة المصطفى يبين بجلاء أنه عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على كسب أهل القوة في المجتمع لفكرته ليكونوا هم القوة التي تحمي عملية التغيير بل وتقودها إلى إقامة دولة الإسلام، وتظهر السيرة بجلاء أن طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم للنصرة من القبائل قد قام على أساس نصرة الإسلام، عن عقيدة وإيمان، وليس من أجل مصالح آنية. فقد روت كتب السيرة أن الخزرج لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيعة العقبة الثانية قال العباس بن عبادة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف: (يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل؟) قالوا: (نعم)، قال: (إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا أُنهكت أموالكم مصيبةً وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له، بما دعوتموه إليه على نكهة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة)، قالوا: (فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف! فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفّينا؟) قال صلى الله عليه وسلم: (الجنة)! قالوا: (ابسط يدك!) فبسط يده فبايعوه.**

**إدارة الأزمات وحماية الأمة والدولة

اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم

الجزء الثالث: الخلاصة والخاتمة

الكاتب: أ/ فادي عبد اللطيف

وهنا يجدر بنا التأكيد على ضرورة استخلاص الدروس المستفادة من موقعتي الأحزاب والحديبية، ونذكر هنا أمرين اثنين لأهميتهما:

الأول: ملاحظة الظروف المشتركة بين حادثتي الأحزاب والحديبية:

أ- لم يحصل قتال فعلي بين المسلمين والمشركين، رغم احتدام الصراع، واستعداد المسلمين والمشركين للقتال.

ب- كان النصر حليف المسلمين في الحادثتين، في خِطة القتال للدفاع عن المدينة في واقعة الأحزاب، وفي خِطة السلم لنشر الدعوة بين العرب في حادثة الحديبية.

ج- أنزل الله في الحادثتين سورتين كاملتين، سورة الأحزاب وسورة الفتح. آياتٌ تُتلى إلى قيام الساعة، فتصنع من المؤمنين الصادقين قادةً ورجالَ دولة، بما احتوته من أفكار وأحكام في العقيدة والتشريع والسياسة.

د- برز في الحادثتين، وما أُنزل فيهما من آيات، خطورةُ تيّارِ المنافقين ودورُهُ في إضعاف الجبهة الداخلية، معنوياً وإعلامياً ومادياً.

هـ- شكّلت الحادثتان منعطفاً حاسماً في تاريخ الإسلام وقوة دولته وتركّزها، ففي موقعة الأحزاب قُضي على آخر جيب لليهود في المدينة، وفي حادثة الحديبية انتشر الإسلام في مكة، وقُضي على آخر وأكبر كيان لليهود في الجزيرة، وتغلغل الإسلام في قبائل العرب، ومُهّدت الطريق أمام قادة المسلمين، من صحابة الرسول، لمغالبة الدول الكبرى.

والثاني: هو ضرورة قيام رجال الدولة الإسلامية بدراسة الأخطار والأزمات التي ستواجهها الأمة والدولة، وبذلُ الوسع في رسم السياسات العقدية اللازمة لتركيز الفكرة الإسلامية في الداخل، أي في الحكم والمجتمع، ووضعُ السياسات اللازمة لنشر الفكرة الإسلامية عالمياً وَفق طريقة الإسلام. ولمزيد من التوضيح نبرز الأمورَ التالية على سبيل المثال:

1- وضع معالجات لما يُسمّى بمشكلة “الأقليات” في البلاد الإسلامية، ومشكلة الأوساط السياسية المعادية للإسلام داخلياً، على غرار معالجة الرسول - عليه السلام - ليهود المدينة وتيّار المنافقين.

2- ضرورة العناية بوضع السياسات الداخلية والخارجية، والحرص على تنفيذها بدقة ووعي، مع مراعاة التقيّد التّام بالمبدأ وأحكامه، فيجتمع في ساسة الدولة الإسلامية الفكر المبدئي، والتخطيط العملي، والعلاج الواقعي. وهو ما يقتضي دراسة الأحكام الشرعية المتعلقة بالسياسة الداخلية والسياسة الخارجية وعلى رأسها أحكام الجهاد والمعاهدات والصلح.

3- إدراك أهمية الأعمال السياسية والدعائية، التي تسبق وتصاحب وتلي أعمال الجهاد، بحيث يتجلّى في هذه الأعمال المرونةُ والإبداعُ والدهاءُ، واتقانُ المناورات والدبلوماسية.

4- ضرورة انتقال حملة الدعوة إلى سياسيين ورجال دولة، أي انتقال حملة الدعوة الإسلامية من دور متابعة الأزمات إلى إدارتها، ومن تحليل الأحداث إلى صنعها، ومن ترقّب الأخطار إلى مواجهتها والتغلب عليها.

ولتقريب الصورة إلى واقعنا الحالي، ينبغي لنا التفكير في وضع الخطط السياسية، الدفاعية والهجومية، التي تمكننا من حماية الدولة الإسلامية وتركيزها، ونشر الإسلام وظهوره عالمياً. فمثلاً، ما هي الخطة التي تمكّننا من عزل الهندوس عن الصين وروسيا؟ حيث يعتبر كيان الهندوس في جنوب آسيا العدو الرئيس والخطر الأبرز للإسلام في جنوب شرق آسيا. وما هي الاستراتيجية التي تحقق عزل أميركا عن حلفائها في أوروبا وآسيا، كألمانيا واليابان؟ مع ملاحظة اعتماد صناعات هذه الدول على مصادر الطاقة والمواد الخام المتركزة في البلاد الإسلامية، وذلك لأن أميركا تعتبر اليوم العدو الرئيس للإسلام ودولته، والخطر الأكبر على قيام واستمرار دولة الخلافة، خشية على مصالحها الاستعمارية في المنطقة، وخوفاً على مكانتها الدولية، واستشعاراً منها أن الدولة الإسلامية ستسعى لمزاحمتها ولتغيير النظام الدولي في سبيل حمل الدعوة الإسلامية عالمياً.

وصلى الله على سيدنا محمد، والحمد لله رب العالمين**

**إدارة الأزمات وحماية الأمة والدولة

اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم

الجزء الثاني: صلح الحديبية

الكاتب: أ/ فادي عبد اللطيف

ج- معاهدة الحديبية:

أما معاهدة الحديبية فقد جاءت بعد مضي ست سنوات على هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة، وبعد أن اطمأنّ إلى قوة المسلمين واستقرار المجتمع الإسلامي، حيث بدأ - عليه السلام - يفكر في مبادرة لنشر الدعوة، وتقوية الدولة، وإضعاف أعدائه. وقد بلغَ النبيّ أن مواطأةً تجري بين يهود خيبر وقريش يعدّون فيها لغزو المسلمين. فوضع - عليه السلام - خِطةً يوادع فيها قريشاً، ويقضي على خطر خيبر، ويتفرغ لدعوة العرب للإسلام.

أهداف الخطة: وضع - عليه السلام - خِطة للسلم لتحقيق أهدافٍ قريبةٍ وبعيدةِ المدى، كان أهمُّها الآتي:

1- قامت الخِطة على زيارة بيت الله الحرام دون قتال، لتحقيق نصرٍ مبدئيٍّ للدعوةِ في حال سمحت قريش بدخول المسلمين إلى مكة لأداء الحج، أو تحقيقِ نصرٍ سياسيٍّ دعائيٍّ في حال مُنِع المسلمون من زيارة بيت الله الحرام، التي تدّعي قريش تعظيمَه ورعاية حرمته.

2- هدفت الخِطةُ إلى تحييدِ قريش عن قتال المسلمين مدةً من الزمن، حيث كانت تمثل العدوّ الأبرز في محاربة الإسلام، والعائقَ الرئيس أمام انتشاره بين العرب، لما لقريش من مكانة دينية وعسكرية وتجارية بين قبائل العرب، ولكون النبي - عليه السلام - بُعِثَ فيهم، فهم قومُه لكنهم يحاربونه، وهم في نظر العرب أدرى به وبدعواه، فأهل مكة - عندهم - أدرى بشعابها!

3- هدفت الخِطة إلى عزل خيبرَ عن قريش، ومنع قيام تحالف بين مشركين وأهل كتاب، يتسلح بالدين وكتاب موسى - عليه السلام -. ومن شأن عزل خيبرَ أن يسهّل القضاء عليها منفردة ويقي المسلمين شرَّ يهود وتآمرهم وتحريضهم للعرب على حرب الإسلام.

4- وهدفت خِطة السّلم أيضاً إلى نشر الإسلام بين العرب في الدول المجاورة، حيث قصد - عليه السلام - إيجادَ رأيٍ عامٍ عند العرب كافة، ووسط قريش أيضاً، عن سموّ الدعوة الإسلامية وصدقها وتعظيمها لحرمات الله تعالى.

أساليب الخطة: هذا من حيث الأهداف. أما من حيث الأساليب فقد اعتمد - عليه السلام - الإجراءات التالية:

1- استغلّت الخطة العرف الإقليمي السائد لدى العرب بعدم القتال في الأشهر الحُرُم، وهو توقيتٌ هام يمثّل ضغطاً معنوياً على قريش لقبول الموادعة لكونها أشهر أمن وأمان، وإلا فإنها ستظهر بمظهر المعتدي الخارج عن الأعراف المقدّسة لدى العرب، والمنتهك لحرمة الأشهر الحُرُم والبيت الحرام وزائريه.

ومن شأن هكذا رأي عام ضد قريش أن يفقدها الدعم المادي والمعنوي والمكانة الدينية بين العرب، ما يمهّد لإضعافها وعزلها، فيسهل القضاء عليها.

2- أرسل - عليه السلام - إلى القبائل العربية من غير المسلمين يدعوهم للإشتراك معه في الخروج لبيت الله، آمنين غير مقاتلين، قاصداً بذلك إعلام العرب أنه خرج حاجاً وليس غازياً، ما يزيد في إحراج قريش كي لا تمنعه من دخول مكة، سعياً منه - عليه السلام - لإنجاح خِطة السّلم، ولكي يكسب الرأي العام معه فيما لو منعته قريش من الحج.

3- لم يأذن النبي - عليه السلام - للمسلمين بحمل السلاح إلا السيوف في أغمادها، وساق معه سبعين بَدَنة، وأحرم بالعمرة، في رسالة واضحة للرأي العام أن المسلمين خرجوا لزيارة بيت الله الحرام، مسالمين يقصدون العبادة لا القتال.

وعندما علمت قريش بقدوم المسلمين، خرجت بجيش لقتالهم ومنعهم من دخول مكة، إلا أنه - عليه السلام - أصرّ على مواصلة خِطة السّلم التي اختطها للدعوة، فغير وجهة السير كي يتجنب ملاقاة جيش المشركين. وعندما وصل النبيّ والمسلمون إلى الحديبية باشر اتصاله بقريش للتفاوض حول الموادعة، وقام بنشرِ أجواء العبادة بين المسلمين، كي يُظهر لمفاوضي المشركين صدقَ نيّتِهِ في زيارة البيت والموادعة، وأنه لم يأت لقتال.

وبعد مفاوضات شاقّة، تمكّن - عليه السلام - بحكمته وحنكته السياسية من إرغام قريش على عقد المعاهدة لمدة عشر سنين، وأدار المفاوضات نحو الغاية التي أرادها، على الرغم من استياء أصحابه، رضوان الله عليهم، من شروط المعاهدة التي اعتبروها مجحفةً بحقّ المسلمين. إلا أنه - عليه السلام - كان يردّ عليهم بثقةٍ واطمئنانٍ لوعد الله، فيقول: ((أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني)) [رواه البخاري] وقد نصت المعاهدة على البنود التالية:

1- أن تكون المعاهدة معاهدة هدنة، فلا يكون فيها حرب ولا قتال.

2- إن من أسلم من قريش وجاء محمداً بغير إذن وليه ردّه عليهم، ومن ارتدّ من المسلمين وجاء قريشاً لم يردّوه عليه.

3- وإنه من أحب من العرب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه.

4- أن يرجع محمد وأصحابه عن مكة عامهم هذا، على أن يعودوا إليها العام الذي يليه، فيدخلوها ويقيموا بها ثلاثة أيام ومعهم من السلاح السيوف في قُرَبها ولا سلاح غيرها.

5- أن تكون المعاهدة مؤقتة بأجلٍ معين، وجعلت مدتها عشر سنين من تاريخها.

نتائج المعاهدة:

وبعد عقد المعاهدة أنزل الله -تعالى- سورة الفتح: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) [الفتح 1].

فتلاها الرسولُ على المسلمين من أولها إلى آخرها، وبشّرهم بالفتح وظهور الإسلام على الشرك. وقد تحقق ما أراد - عليه السلام - من خطته، فقد نتج عن معاهدة الحديبية خير كثير، أبرزه الأمور التالية:

1- إفشال الحلف بين قريش واليهود.

2- عزل يهود خيبر وحصارهم وإخضاعهم لحكم الإسلام ومصادرة أراضيهم.

3- ظهرت قريش أمام العرب أنها تصدّ عن سبيل الله، وقويَ موقف المسلمين دعوة ودعاية.

4- مكّنت المعاهدة المسلمين من الاتصال المباشر بالمشركين من قريش والعرب بعيداً عن أجواء الحرب والدماء، فلمسوا عبادة المسلمين بعيداً عن دعاوى زعماء مكة، ما ساعد على إظهار الفكرة الإسلامية في ذلك الحشد العظيم، اجتماع الحج، وأوجد رأياً عاماً في مكة وسائر قبائل العرب أن الإسلام هو رسالة التوحيد، وأن النبي والمسلمين هم الأولى بتعظيم بيت الله الحرام، وأنهم على ملة إبراهيم - عليه السلام -، حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، وأن المسلمين هم أولياء البيت المتقون.

5- جعلت المسلمين الذين ظلّوا في مكة بين أظهر المشركين يشكّلون جيباً داخل معسكر العدو.

6- أسلم من قريش رجال من أهل القوة والنفوذ، كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، - رضي الله عنهما -، وكانا من قادة جيش المشركين، وعثمان بن طلحة حارس الكعبة. حتى أن بعض العلماء، كالإمام الزهري وابن القيّم في زاد المعاد، ذكروا أن عدد من أسلم من أهل مكة خلال سنتين فترة سريان المعاهدة كان أكثر ممن أسلم طوال السنين الماضية، وأنه لم يخاطب ذو عقل إلا دخل الإسلام، وهو ما قوّى شوكة المسلمين، وأضعف شوكة مشركي قريش.

7- كشفت الواقعة عن ثقة المسلمين بالرسول - عليه السلام -، ودلّت على قوة إيمان المسلمين وشدّة إقدامهم على المخاطر، وأنهم لا يخافون الموت.

8- علّمت المسلمين أن المناورات السياسية هي من وسائل الدعوة الإسلامية.

9- تمكّن - عليه السلام - من استغلال فترة الصلح لتثبيت الدعوة في الجزيرة، ونشر الإسلام بين العرب والعجم على مستوى الدول، حيث أرسل - عليه السلام -، بعد عقد الحديبية، رسلَه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام والانضواء تحت سلطانه. فأرسل إلى هرقل وكسرى والمقوقس وملك تخوم الشام وملك اليمن، وإلى نجاشي الحبشة، وإلى ملوك عُمان واليمامة والبحرين.

10- بيّنت واقعة الحديبية طريقة الإسلام في السياسة بأنها من جنس الفكرة الإسلامية، صدق ووفاء عهد. لكن الوسيلة لا بد أن يتمثل فيها الدهاء، وهو إخفاء الغايات الحقيقية عن العدو.

وصدق الله ? تعالى- حيث يقول في سورة الفتح: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح 27-28].

وهكذا كانت خِطة الحديبية في واقعها وآثارها فتحاً مبيناً، ونصراً عزيزاً للإسلام ودولته، وطريقاً ممهِّداً لتركيز الإسلام في الجزيرة، ونشر الدعوة خارجها، ومكّن المسلمين من مغالبة الدول الكبرى، ورفع دولتهم الإسلامية لاقتعاد مكانة الدولة الأولى في العالم.**

**اشتدّ الكربُ على المسلمين وعمّ الفزعُ بينهم، وكان الرسول - عليه السلام - على أعظمِ الثقةِ بنصر الله له، وأنه - سبحانه - سيظهر الإسلام على الدين كلّه، ولو كره المشركون. وبدأ النبي الكريم يفكر في مواجهة هذا الخطر الداهم، ومعه ثلةٌ من الرجال المؤمنين، أمرهم ربُّهم أن يتخذوا نبيّه قدوةً حسنة، كما في الصلاة والعبادة، فكذلك في الدعوة والجهاد، وفي الفكر والسياسة. قال - سبحانه - في سورة الأحزاب، مخاطباً المؤمنين، بعد أن بيّن لهم حال المنافقين وإرجافهم: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) .

وهكذا، عندما علم الرسولُ - عليه السلام - بخبر اجتماعِ قريش وقبائل العرب لغزو المدينة، وضع خِطةَ دفاعٍ محكمةٍ لمواجهةِ الأحزاب، ولحماية الأمة والدولة الناشئة، كان أهمُّها الإجراءاتُ التالية:

1- قرر - عليه السلام - أن يتحصّن في المدينة ولا يخرج لملاقاة الأحزاب خارجها.

2- أمر المسلمين بحفر الخندق على طول مدخل المدينة شمالا، وقد شارك - عليه السلام - بنفسه في حفر الخندق، وحرّض المؤمنين على العمل بأقصى سرعة، فتم حفرُ الخندق في ستة أيام.

3- عالج - عليه السلام - معنويات المسلمين الضعيفة بتحريك العقيدة في نفوسهم، وأثار فيهم الشوقَ إلى الجنة ونعيمٍ لا يفنى، كما بشرهم بسيادة الدنيا ووراثة الدول العظمى فبشرهم بكنوز كسرى وفتح قصور الشام.

4- حصّن - عليه السلام - بيوتَ المسلمين الواقعة قرب الجبهة، وأخلى المساكن الواقعة وراء الخندق، ونقل النساء والأطفال إلى المساكن المحصّنة.

5- جمع - عليه السلام - جيشاً قَوامُه ثلاثةُ آلافِ مقاتل.

6- اتّخذ - عليه السلام - إجراءاتٍ تضمن عدمَ تسرّبِ المعلومات وانتشار الإشاعات والدعاية بين المسلمين، كي لا يحصل اضطراب يضعف من عزيمتهم.

هذه أهمُّ الإجراءات التي اتخذها - عليه السلام - داخلياً، حيث جهّز الأمة على مختلف الأصعدة. أما خارجياً فقد وضع النبيّ الكريم مع نُعَيْم بن مسعود خِطةً تهدُفُ إلى تثبيط الكفار عن القتال وبذر النزاع بين الحلفاء، خاصة بين يهود بني قريظة وقريش، زعيمة الحلف. فقد ذهب نُعَيْم إلى بني قريظة، التي لم تكن تعلم بإسلامه، وأخبرهم أن قريشاً وغطفانَ لن تصمدا في حصار المسلمين في ظل الأوضاع القائمة، وقد يرجعون إلى مكة ويخذلون يهودَ في حربهم ضد محمد، وفي هذه الحال سينتقم النبيُّ منهم لنقضهم العهد. ونصح نُعَيْم اليهودَ بعدم القتال بجانب الأحزاب، إلا إذا حصلوا على رهائن من زعماء الحلف، ليضمنوا عدم خذلان قريش وغطفان، فأخذت بني قريظة برأي نُعَيْم.

وذهب نُعيم بعدها إلى قريش، وأخبرهم أن بني قريظة ندِموا على نقض عهدهم مع الرسول، وأنهم يحاولون تصحيح خطئهم وكسب ثقة النبي بجلب بعض أشراف قريش ليقطع رؤوسهم. ونصحهم أن لا يبعثوا ليهود أحداً من رجالهم كرهائن. ثم ذهب إلى غطفان وأخبرهم نفس الخبر.

وبذلك نجح نُعيم في إثارة الشكوك لدى العرب تجاه يهود، فأرسل أبو سفيان إلى كعبٍ بن أسد، زعيمِ بني قريظة، رسالةً يطالبه فيها ببدء القتال، فاعتذر اليهود بسبتهم، وطلبوا إرسال رهائن حتى يطمئنوا على مصيرهم. فتيقّن أبو سفيان من كلام نُعَيْم، وتشاور مع غطفان فإذا هي تتردّد في قتال محمد. وأرسل الله عليهم مطراً غزيراً وريحاً عاصفاً اقتلعت خيامهم، فقرر المشركون الرحيل.

وبعد رحيل الأحزاب حاصر الرسولُ - عليه السلام - بني قريظة، بعد أن نقضوا عهدهم معه وتآمروا للقضاء على المسلمين. فقتل المقاتلة منهم وقسم أموالهم وسبى الذراريَ والنساء. قال تعالى واصفاً حال المسلمين حين أصبحوا على انهيار الحصار، ورحيل الأحزاب، وتحقّقِ وعدِ اللهِ بالنصر:

(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) [الأحزاب: 22-27].

وبهزيمة الأحزاب انتهت آخر محاولة جديّة قامت بها قريش للقضاء على الإسلام ودولته، وبالقضاء على بني قريظة قُضِيَ على آخر قبيلة من قبائل يهود داخل المدينة وحولها، ما كان له أثرٌ كبيرٌ في تركّز الدولة الإسلامية وحمايتها من الأخطار الداخلية، وتماسك المجتمع الإسلامي وانسجامه عقدياً وتشريعياً وسياسياً.

**

**إدارة الأزمات وحماية الأمة والدولة

اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم

الجزء الأول: غزوة الأحزاب

الكاتب: أ/ فادي عبد اللطيف

أ- مقدمة:

تعيش أمتُنا اليومَ أوضاعاً دوليةً صعبةً ومعقدة، تهيمنُ عليها قوى الكفرِ والاستعمار من دول الغرب الرأسمالي. وكلّما نشأت أزمةٌ في بلاد المسلمين، أو حصل صراعٌ دولي بين الدول الغربية على الثروات والمصالح في بلاد المسلمين، يتساءل العاملون للإسلام: كيف يمكن لنا الدفاع عن الأمة الإسلامية وحماية الدولة الإسلامية الناشئة في ظلّ الظروف الدولية القائمة؟ وكيف سيتسنّى لنا مغالبة الدول الغربية العريقة في المكر والاستعمار؟ وكيف سنتمكن من إزالة العقبات التي سيقيمها النظام الدولي أمام حمل رسالة الإسلام عالمياً لهداية الشعوب والأمم؟

يقول الله تعالى في سورة الأحزاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) [الأحزاب 46].

ونحن، استرشاداً بهذه الآية الكريمة، سنحاول في كلمتنا هذه استلهام النور من ذلك السراج المنير، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أضاء على الدنيا برسالة رب العالمين، لا سيما ونحن نعيش اليوم أشد العصور ظلمةً وظلماً، وذلك لنستهدي بسيرته - عليه السلام -، المُؤيَّدِ بالوحي من ربّه، لنرى كيف أدار الصراع العقدي والسياسي مع أعداء الإسلام في عصره، وكيف عالج الأخطار الداخلية والخارجية التي واجهت الأمة والدولة، وكيف تغلّب على الصعاب، وأزال العقبات من أمام دعوة الإسلام، محلياً وإقليمياً، فمهّد بذلك الطريق لصحبه الكرام لمصارعة الدول الكبرى حينذاك، مملكتي فارس والروم.

سنستعرض في هذا المقام موقفين من سيرة النبي الكريم عليه وعلى آله السلام. الموقف الأول هو موقعة الأحزاب، والتي شكّلت أول خطرٍ حقيقيّ هدّد كيان الدولة الإسلامية الحديثة من قبل تحالف قِوى الشرك في الخارج مع يهود بني قريظة في الداخل. والموقف الثاني هو موقعة الحديبية، والتي شكّلت أول مبادرة سياسية، كان لها الأثر الأكبر في إضعاف قوى الشرك وعزلها، وفتحِ آفاقٍ واسعةٍ للدعوةِ الإسلاميةِ إقليمياً ودولياً.

ب- موقعة الأحزاب:

كانت المعارك بين المسلمين وغيرِهم، من المشركين واليهود، تأخذ الشكل التقليدي بين طرفين. واستمرّ ذلك لسنوات عدة، إلا أنه في موقعة الأحزاب واجه المسلمون خِطة جديدة، تمثلت بتشكيل الأحلاف بين أعداء الأمس، اليهود والمشركين، ضد دولة الإسلام. لقد شكّلت موقعةُ الأحزاب منعطفاً في الحرب على الإسلام، وتطوّراً خطيراً في نشوء تحالف ضمّ كيانات متناقضة في العقائد وطرق العيش، اجتمعت في حلف ضد عدوها المشترك: الإسلام ودولته. وقد كان لهذا التطوّر الخطير شأنٌ عظيم، أنزل الله فيه آياتٍ كريماتٍ في سورة (الأحزاب)، وصفت الأزمة وصفاً دقيقاً شاملاً، وعالجتها عقدياً وتشريعياً، ثم حدّدت للمسلمين الخطوط العريضة لكيفية التصدي لها والتغلب عليها.

الخطة:

قام يهودُ بني النضير بتحريضِ العربِ ضد رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، انتقاماً منه بعد أن أجلاهم وبني قَيْنُقَاع عن المدينة. فذهب زعماءُ بني النضير مع زعماءِ بني وائل في وفد إلى قريش، وأبلغوهم أنّ قبائلهم تستعدّ لقتالِ المسلمين، لكنها تنتظر مشاركةَ قريش، وأنّ بني قريظة في المدينة تنتظر قريشاً ليميلوا معهم، فينقضوا عهدهم مع النبي ويقطعوا المدد عن المسلمين. ثم اتصلوا بغطفان وبني مُرَّة وبني فزارة وأشجع وسليم وبني سعد وبني أسد، يؤلّبونهم على حرب المسلمين والثأرِ منهم. وهكذا استطاع اليهودُ أن يؤلّبوا العربَ على حرب الرسول - عليه السلام -، فاجتمع عدد من قبائل العرب في حلفٍ لغزو المدينةِ بقيادة قريش، في جيش قَوَامُه عشرةُ آلافِ مقاتل. وجاءت الأحزابُ فحاصرت المدينة، وهاجم المشركون الخندق ونجحت بعض خيلِهم في اقتحامه، وأعظموا نيرانهم لتخويف المسلمين، ونقض بنو قريظة عهدهم مع رسول الله، وقطعوا المدد عن المسلمين، وألّفوا كتائب تُغِير عليهم من فوق الوادي ومن جنب المدينة، وبدأوا ينزلون من حصونهم إلى منازل المدينة لإرهاب أهلها، كما نشط المنافقون في المدينة في دعايتهم ضد الرسول، يشكّكون في وعده بنصر الله، ويثبطون المؤمنين عن القتال. فبلغ الفزعُ بالمسلمين مبلغاً عظيماً، وزُلزلوا زلزالاً شديداً. وقد وصف الله - سبحانه - حال المسلمين العصيبة، حيث قال - عز وجل -: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) [الأحزاب 10-11].**