**أنواع البريد في الحضارة الإسلامية
الكاتب: د/ راغب السرجاني
كان للبريد في الحضارة الإسلامية أنواع عِدَّة، تُعَبِّر جميعها عمَّا بلغته الحضارة الإسلامية من تطوُّرٍ وما عايشته من نظام، ويمكن أن نرى ذلك في التقسيمات التالية:
1- البريد البري:
كانت وسيلة البريد البَرِّيِّ رجالاً يُطْلَقُ عليهم اسم الفُيوُج أو السعاة، وهم رجال تَعَوَّدُوا الجري والصبر في السير، واستخدم المسلمون الدوابَّ في حمل الرسائل على نطاق واسع، وخاصَّة البغال، وكانت محطات البريد المنتشرة على الطرق البرية بين مدن الأمصار الإسلامية، تقوم برعاية دوابِّ البريد، وتأمين راحتها وأعلافها، واستبدالها عند الحاجة بدوابَّ أخرى؛ ليُتَابِع حامل الرسائل سفره مسرعًا نحو الجهة التي هو قاصدها، وقد كانت هذه المحطة مزوَّدة بدوابَّ من بغال وخيل وإبل، ومَنْ يتعهَّدها بالعناية والخدمة، وقد اسْتُخْدِمَتْ لهذا الغرض أفضل أنواع الخيول المعروفة باسم الخيل الشهارة، والإبل النجب، والتي كانت أسرع من الخيل وأصبر على السير.
ولما كانت تلك المحطات على سكك تمتدُّ مسافات طويلة، ولما كان من الصعب على البغل اختراق الصحارى ذات الرمال بعيدة الغور، والتي تقلُّ فيها المياه، فقد رُوعِيَ أن تكون طريق البريد ممتدة في الأرضين التي يكثر وجود الماء فيها، وتتوفَّر فيها الآبار، وفي مواضع مأمونة قليلة الرمال.
2- البريد البحري:
حيث كانت تُسْتَخْدَمُ المراكب البحرية، قال الحسن بن عبد الله: وإذا كانت البلاد بحرية فيكون لصاحب الخبر مراكب خفيفة سريعة، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي هو أَوَّل مَنْ أجرى في البحر السفن المقيَّرة المسمَّرة غير المخرَّزة والمدهونة.
3- البريد الجوي:
وكانت وسيلته الحمام الزاجل، الذي كان يُتَّخَذُ لحمل المُكَاتبات على شكل بطائق تُعَلَّق به، ويُعْرَف باسم “الهدي”.
فلم يَكْتَفِ المسلمون بما وصل إليه نظام البريد البري أو البحري، ولكنهم خَطَوْا خطوات واسعة في تنظيم نقله وسرعة وصوله، فكان الحمام الزاجل أفضل وسيلة لذلك.
وكان لهذا الحمام مكانة خاصَّة، ويباع بأسعار مرتفعة؛ ولهذا تنافس الناس لا سيما في مدينة البصرة في اقتنائه، وصار الحمام متجرًا من المتاجر بين الناس، وبلغ ثمن الطائر منه سبعمائة دينار، وشاع استعماله في زمن السلطان نور الدين زنكي وفي زمن العبيديين (الفاطميين)، وبلغت مسافات طيرانه ما بين القاهرة والبصرة، والقاهرة ودمشق، وأُقِيمَتْ له الأبراج في الطرق، وكان الحمام ينتقل من كل برج إلى آخر يليه ليطلب برجه الذي هو مستوطنه إذا أُرْسِلَ، وكان يوضع في أبراج دمشق من حمام مصر، وفي أبراج مصر من حمام دمشق للغرض نفسه، وقد جَرَتِ العادة أن تكتب الرسائل من صورتين ترسلان مع حمامتين، وتطلق إحداهما بعد ساعتين من إطلاق الأخرى؛ حتى إذا ضَلَّتْ إحداهما أو قُتِلَتْ تَصِلُ الأخرى، كما لا يُرْسَلُ الحمام في الجوِّ الممطر، أو قبل تغذيته غذاءً كاملاً.
وكان الإيجاز والتركيز من أهمِّ مميزات الرسائل التي ينقلها الحمام الزاجل، ويبدو أن هذا النوع من البريد كان مقصورًا على فترات الحروب؛ حيث كانت الرسائل تُكْتَبُ على ورق خفيف -يُسَمَّى بطائق أو ورق الطير- في صيغة مختصرة، وبخطٍّ دقيق يُعْرَفُ بخطِّ الغبار؛ لأنه مثل ذَرَّات الغبار، وبلُغَةٍ أشبه بالشفرة، تُعَلَّقُ تحت جناح الحمام لحفظها من المطر.
إنها صورة رائعة تلك التي نَظَّمَ بها المسلمون خطًّا بريديًّا باستخدام الحمام، والتي لا تقلُّ عن تنظيم خطٍّ بريدي على البَرِّ أو البحر.
وللبحث بقية **