أنظمة المجتمع والإرهاصات

ميثاق الأمة

الميثاق لغة وشرعاً العهد قال تعالى : ( إلاّ الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) ، وقال : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلّمة إلى أهله ) ، وقال : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) ،وقال:(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنّه ) .

ويطلق اصطلاحاً في هذا العصر على مجموعة من القواعد يؤمن بها الشعب ، ويجعلها وجهة نظره في الحياة ، ويتخذها مصدراً لدستوره وقوانينه .

والشعب الذي يتخذ ميثاقاً له إنما هو الشعب الناشيء ، الذي انشأ له دولة ، وبدأ حياة جديدة غير حياته التي كان يعيش عليها ، كما هي الحال في الدول الافريقية ، وفي كل دولة ناشئة حديثاً وبادئة في حياة جديدة غير حياتها الأولى .

وحين انفصلت البلدان العربية عن جسم الخلافة العثمانية عند انتهاء الحرب العالمية الأولى ، حاول كل قطر صار كياناً أن يضع له ميثاقاً ، سمّاه الميثاق الوطني ، أو الميثاق القومي . كما حصل في العراق وسورية مثلاً . أما الشعوب والأمم العريقة الوجود فلا تفكر في وضع ميثاق لها ، لأنه قد تركزت عندها عقيدة سياسية معينة ، وتركزت لديها قواعد معينة جعلتها وجهة نظرها في الحياة ، واتخذتها مصدراً للأحكام التي تقوم مقام الدستور والقوانين ، إن لم يكن لديها دستور وقوانين ، واتخذتها مصدراً للدستور والقوانين ، إن كان لها دستور وقوانين . وهذه القواعد محفوظة ومعروفة ومتفق عليها دون أن تكتب ، ودون أن يقال عنها أنها ميثاق الأمة ، أو ميثاق وطني ، أو ميثاق قومي ، وهذه هي الحال في جميع الدول العريقة .

والأمة الإسلامية مِن أعرق الأُمم على الأرض وعندها عقيدة سياسية ، هي وحدها العقيدة الصحيحة ، وتركزت في نفوسها أفكار وأحكام جعلتها وجهة نظرها في الحياة ، واتخذتها مصدراً للأحكام التي تنظم الدولة وسائر العلاقات ، أو ما يسمونه بالدستور والقوانين ، وقد سطر ذلك كله في مصدرين عظيمين هما الكتاب والسنة . ولهذا ليست هي في حاجة إلى ميثاق يسمى ميثاق الأمة ، ولا يصح أن يكون لها ميثاق وطني ، أو ميثاق قومي ، لأن الكتاب والسنة يوجبان عليها محاربة الرابطة الوطنية والرابطة القومية .

غير أنَّ هذه الأمة الإسلامية لما تأثرت بالأفكار الغربية ، من جرّاء الغزو التبشيري والثقافي ، ثم السياسي والعسكري ، من الدول الغربية الكافرة لبلاد المسلمين .

ولما بعدت عن تطبيق الإسلام في الدولة والمجتمع ، بعد أن قُضي على دولة الخلافة عام 1924م .

فَقَدَ الكتاب والسنة في نفوس أبنائها الصفة السياسية ، والصفة التشريعية ، ولم تعد العقيدة الإسلامية لديهم عقيدة سياسية .

فضعف عندهم من جراء ذلك تَصوُّر أن الإسلام عقيدة ونظام للحياة والدولة والمجتمع .

إلا أن هذه الأمة الإسلامية العريقة صحت من غفوتها ، بعد المعاناة الشديدة ، التي لحقتها من جراء بُعدها عن الإسلام ، ومن جراء سيطرة الغرب وأفكاره وأنظمته ، وعملائه . وبعد أن كشفت الغرب على حقيقته البشعة ، وأدركت فساد أفكاره وأنظمته ، وفساد الأفكار والأنظمة الإشتراكية والشيوعية ، وفساد القومية والإقليمية ، ومدى خطرهما عليها ، وعلى كيانها كأمة .

فعادت إلى إسلامها لتجد فيه الحل لمشاكلها ، واصبح هو أملها في الخلاص ، وفي إنقاذها مما تعانيه وتكابده ، وأصبحت تتصور أن العقيدة الإسلامية هي عقيدة سياسية ، وأن الكتاب والسنة يحويان نظاماً كاملاً للحياة والدولة والمجتمع ، وأنهما لهما الصفة السياسية والصفة التشريعية . وصارت تدرك أن خلاصها وإنقاذها ونصرها لا يتم إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة ووضعهما موضع التطبيق والتنفيذ .

ولذلك كان الأمر الطبيعي والأمة تشعر بضرورة تغيير المجتمع الحالي ، وتؤمن بالكتاب والسنة أن يجعل الكتاب والسنة ميثاق الأمة ، وأن يتخذا مصدراً للدستور والقوانين . غير أن اتخاذ الكتاب والسنة ميثاقاً للأمة لا بد أن يظهر في خطوط عريضة ، تبرز فيها أفكار تحوي كيفية التطبيق في اتخاذ الكتاب والسنة ميثاقاً ، وتتضمن ما يضمن سلامة السير في تعيين ماذا يعني الكتاب ، وماذا تعني السنة ، وتبين ما هو أسلوب فهمهما ، وكيف يكونان مصدر الدستور والقوانين ، وتشرح ما هي ماهيَّة الدولة التي تقوم على أساسهما ، من أجل تنفيذهما ، ولذلك كان لا بد من أن يكون اتخاذ الكتاب والسنة ميثاقاً مبلوراً في خطوط عريضة تعبر عن الصورة العملية لاتخاذ الميثاق ، ومن هنا وجدت فكرة هذا الميثاق .

وهذه هي الخطوط العريضة التي يتبلور فيها اتخاذ الكتاب والسنة ميثاقاً للامة .

21 ? غير المسلمين مخاطبون بأحكام الإسلام بالأصول والفروع سواء بسواء ، لأن الإسلام جاء لجميع الناس . قال تعالى : (وما أرسلناك إلا كافة للناس) ولأن الله سبحانه قد كلفهم صراحة ببعض الفروع ، فالآيات الآمرة بالعبادة متناولة للكفار ، كقوله تعالى : (يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) وقوله : ( ولله على الناس حج البيت) ولأنهم لو لم يكونوا مكلفين بالفروع لما أوعدهم عليها ، فقد قال تعالى : (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة)، وقال :(فلا صَدَّق ولا صلَّى ولكن كذب وتولّى ) ، وقال : (ما سلككم في سقر قالوا لم نَكُ من المصلين ولم نَكُ نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين)، فثبت كونهم مكلفين ببعض الأوامر والنواهي ، فكذلك سائر الأوامر والنواهي ، فهم مخاطبون بأحكام الإسلام ، ومكلفون بالفروع كما هم مكلفون بالأصول إلا أنهم لا يكرهون على تغيير عقائدهم ، ولا على تغيير الأحكام التي هي عندهم من العقائد ، ويُقَرُّون على ما أقرَّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحكام ، وذلك لقوله تعالى : (لا إكراه في الدين) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " إنه مَن كان على يهوديته ونصرانيته فلا يُفتَن عنها " ، فيتركون وما يعتقدون وما يعبدون ، وأي فعل اقرهم الرسول  عليه كشربهم الخمر ، وكزواجهم فإننا لا نتعرض لهم ، وما عدا ذلك من العقوبات والمعاملات فإنه يطبق عليهم كما يطبق على المسلمين ، سواء بسواء ، ويُستثنى من ذلك البعثات الدبلوماسية ، فإن لهم ما يسمى بالحصانة الدبلوماسية لقول النبي صلى الله عليه وسلم لرسولي مسيلمة : " أمَا والله لولا أن الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما " .

22 ? الذين ارتد آباؤهم عن الإسلام ، ووُلدوا بعد ارتداد آبائهم ، أي وُلدوا من أبوين كافرين مرتدين فإنهم يعتبرون كفاراً ، ولا يعتبرون مرتدين ، أما عدم اعتبارهم مرتدين ، فلأنهم لم يرتدوا هم ، بل الذين ارتدوا هم آباؤهم ، فلا ينطبق عليهم أنهم ارتدوا ، وأما اعتبارهم كفاراً فلأنهم تولدوا من أبوين كافرين ، وكل من تولد من أبوين كافرين كافر ، لما رُوي عن ابن مسعود : " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد قتل عقبة بن أبي مُعَيْط قال : مَن للصبية ؟ قال : النار " وفي رواية " النار لهم ولأبيهم " ولما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم قال : " هم منهم " وهؤلاء الذين ارتد آباؤهم يعاملون معاملة الذين الذي وُلدوا عليه ، فإن كان اليهودية أو النصرانية عوملوا معاملة اليهود أو النصارى ، أي معاملة أهل الكتاب ، وإن صاروا مشركين عوملوا معاملة المشركين ، فلا تؤكَل ذبائحهم ولا تُنكَح نساؤهم .

23 ? الرأسمالية كالشيوعية كلّ منهما كفر ، والاشتراكية بجميع أنواعها كفر ، فعقيدة فصل الدين عن الدولة عقيدة كفر ، وعقيدة المادية والتطور المادي عقيدة كفر ، واشتراكية الدولة ، والاشتراكية الزراعية وما شابهها كفر ، وكما أن النصرانية دين كفر ، فكذلك الرأسمالية مبدأ كفر ، وكما أن اليهودية دين كفر ، فكذلك الشيوعية مبدأ كفر ، لأنها كلها ملل كفر ، والكفر ملّة واحدة ، وكذلك جميع أنواع الاشتراكية كفر .

12 ? الأمة هي مجموعة من الناس تجمعها عقيدة واحدة ينبثق عنها نظامها ، والأمة الإسلامية تجمعها العقيدة الإسلامية ، والعقيدة الإسلامية تنبثق عنها الأحكام الشرعية ، فالمسلون أمة واحدة .

13 ? الرابطة التي تربط المسلمين بعضهم مع بعض هي العقيدة الإسلامية ، وبهذه العقيدة تحصل الأُخُوَّة الإسلامية ، قال تعالى :frowning: إنما المؤمنون إخوة )، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم " ، فبالإيمان بالإسلام صاروا إخوة .

14 ? الرابطة التي تربط الرعية في الدولة هي التابعية ، وليس العقيدة الإسلامية ، فمن يحمل التابعية يملك جميع الحقوق التي يستحقها ، والواجبات التي تجب عليه ، ولو كان غير مسلم ، ومَن لا يحمل التابعية فليس له ما للمسلمين ، وليس عليه ما عليهم ، لأن الذمّي قد ضمن له الشرع ذلك . لما رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوّا العاني " ، قال أبو عبيد ( وكذلك أهل الذمة يُجاهد مِن دونهم ، ويفك عُناتهم ، فإذا استُنقِذوا رجعوا إلى ذمتهم وعهدهم أحراراً ، وفي ذلك أحاديث ) ، ولأن المسلم الذي لا يرحل للعيش تحت سلطان المسلمين ليس له ما للمسلمين ، وليس عليه ما عليهم . لما ورد في حديث سليمان بن بريدة " أدعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم انهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما على المهاجرين " فهذا نص يشترط التحول ليكون لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا ، أي لتشملهم الأحكام .

15 ? التابعية هي حمل الولاء للدولة والنظام ، واتخاذ دار الإسلام تحت ظل سلطان الإسلام دارَ إقامة دائمية .

16 ? القومية نعرة خبيثة وعنصرية مدمّرة ، وقد حَرَّمها الإسلام ، قال صلى الله عليه وسلم : " إذا الرجل تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تُكنوا " وقال عن الحمية الجاهلية : " دعوها فإنها منتنة " وجاء في مسلم أن رسول الله صلى الله علية وآله وسلم قال : " ومن قاتل تحت راية عُميّة يغضب لعصبة ، أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقُتل فقَتْلَة جاهلية " . والقومية حين دستها الدول الكافرة بين المسلمين مزقت شمل المسلمين إلى أقوام وأجناس ، فحين تحركت في المسلمين القومية التركية ، والقومية العربية ، والقومية الكردية ، والقومية الفارسية تصدَّع صفَ الأمة الإسلامية ، فأدى ذلك إلى تفرق كلمة المسلمين ، وتمزُّق دولتهم ، وانفصال أقطارهم بعضها عن بعض ، فكان خطرها مدمراً للامة الإسلامية ، وهادماً للدولة الإسلامية ، وإذا تمكنت من المسلمين جعلتهم أمماً ، وحفرت بين بلادهم خندقاً لا يمكن ردمه ، ولا يتأتى أن يُعقَد فوقه جسر ، وجعلت بينها حدوداً كجدار من رصاص ، يجعلها بالنسبة لبعضها دار حرب ، ولذلك كانت الدعوة إلى القومية إثماً كبيراً ، ومنكراً فظيعاً ، وكان اتخاذها رابطة إجراماً في حق المسلمين ، وفي حق الإسلام ، فيجب محاربة القومية ، ومقاومة الدعوة لها ، وجوباً كوجوب الجهاد . ومثل القومية في الإثم والشر الإقليمية والمذهبية الطائفية ، فهذه كلها تؤدي إلى تفتيت الأُمة وبالتالي إضعافها ، فيعامل كل من يدعو إلى القومية والإقليمية والمذهبية الطائفية معاملة المجرم الذي يستحق أقسى العقوبات .

17 ? العالم كله من بلاد إسلامية ، وبلاد غير إسلامية إما دار إسلام ، وإما دار حرب وكفر ، ولا ثالث لهما مطلقاً ، ودار الإسلام هي البلاد التي تُحكم بسلطان الإسلام ، وتُطبَّق عليها أحكامه ، وأمانها بأمان المسلمين ، أي بسلطانهم ، وأما دار الكفر أو دار الحرب فهي البلاد التي لا تُحكَم بسلطان الإسلام ، ولا تُطبَّق عليها أحكامه ، أو التي أمانها بغير أمان المسلمين ، أي بغير سلطانهم ، لأن إضافة الدار للحرب أو للكفر ، أو إضافتها للإسلام هي إضافة للحكم والسلطان ، لا للسكان ولا للبلاد . بدليل أن الرسول ïپ² اعتبر ذلك في وصفه دار المهاجرين ، وإعطاء مَن يأتيها أن يكون له ما للمسلمين ، وعليه ما عليهم مِن الأحكام ، ففي حديث سليمان بن بريدة " ثم ادعهم إلى التحوّل مِن دارهم إلى دار المهاجرين " فأمَر بالتحوّل مِن بلاد ليس عليها سلطان الإسلام إلى بلاد عليها سلطان الإسلام ، ثم قال بعد ذلك مباشرة " وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما على المهاجرين " . فرتب على التحوّل أحكاماً ، وجعل التحوّل شرطاً ليكون لهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما عليهم ، مما يدل على أن الدار إنما تُعتَبر بالسلطان والأحكام والأمان ، فبحسبها تكون ، فان كانت إسلامية كانت دار إسلام ، وإن كانت كفراً ، كانت دار كفر .

18 ? لا يجوز لمن يقيم إقامة دائمية في دار الحرب أي دار الكفر أن يدخل دار الإسلام إلا بأمان ، أي إلا بإذن خاص للدخول ، لأن الحربي يُمنَع مِن دخول دار الإسلام إلا بأمان ، وأما مَن كانت داره دار إسلام ، ولم يكن داخلاً تحت سلطان الخليفة ، كأن كان خارجاً عن الخلافة ، أو لم تنضم بلاده لسلطان الخلافة ، فإنه يدخل بغير أمان ، أي بغير إذن ، وحكمه في الدخول كحكم مَن كان داخلاً تحت سلطان الخليفة سواءً بسواء ، من غير أي فرق بينهما .

19 ? البلاد الإسلامية هي البلاد التي حكمها المسلمون بسلطان الإسلام ، وطُبِّقت عليها أحكام الإسلام ، سواء أكانت لا تزال عامرة بالمسلمين كالقفقاس ، أو كانت قد أُجلي عنها المسلمون ، واستوطنها الكفار كالأندلس المسماة باسبانيا فكلها بلاد إسلامية ما دام قد حكمها المسلمون بسلطان الإسلام ، وطُبّقت عليها أحكام الإسلام ، ويترتب على ذلك أن تظل أحكام أراضيها كما كانت يوم سلطان الإسلام ، إن فتحت فتحاً كانت أرضها خراجية كالأندلس ، وإن اسلم أهلها عليها كانت أرضها عشرية كاندونيسيا ، وكذلك كل بلاد تسكنها أكثرية إسلامية ، ولو لم يسبق أن حكمها المسلمون ، فهي بلاد إسلامية ، لأنه قد اسلم أهلها عليها .

20 ? الوحدة بين البلاد الإسلامية فرض على المسلمين لأن الإسلام حَرَّم تعدُّد الدولة الإسلامية ، فحرّم تعدّد الخلافة ، قال صلى الله عليه وسلم : " ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " ، فإنه ينهى عن تقسيم الدولة إلى دولتين ، إذ منازعة الخليفة اقتطاع جزء من البلاد ، وإقامة خلافة ثانية فيها ، وقال صلى الله عليه وسلم : " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " فإنه ينهى عن إقامة دولتين في البلاد الإسلامية ، إذ مبايعة خليفتين هي إقامة دولتين ، فهذه النصوص صريحة في تحريم تعدّد الدول ، فإذا تعددت كان ذلك منكراً وجبت إزالته ، وإزالة تعددها إنما هو توحيدها .

أحكام عامة

1 ? لقد آمنت الأمة بالإسلام عقيدة ونظاماً ، وطريقة معينة في العيش ، ووجهة نظر في الحياة تعيش بحسبه ، وتحيا في الدنيا من أجله ، وتحمله للعالم قيادة فكرية ورسالة عالمية .

2 ? الإسلام هو الدين السماوي الذي أنزله الله سبحانه على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لتنظيم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبغيره من بني الإنسان .

3 ? الإسلام إنما يتمثل بالكتاب والسنة .

4 ? الكتاب والسنة نزل بهما الوحي من عند الله على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فالكتاب جاء به الوحي لفظاً ومعنىً من عند الله ، والسنة جاء بها الوحي معنىً من عند الله وعَبَّر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم بألفاظ من عنده .

5 ? يجب على كل مسلم مكلّف أن يتقيد في جميع أفعاله بالأحكام الشرعية ، ولا يحلّ له أن يكون فِعلٌ من أفعاله بوصفه عبداً لله على غير ما جاء في خطاب الشارع ، أي على غير الحكم الشرعي لقوله تعالى : (فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شجر بينهم) ، ولقوله : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " ، ولقوله تعالى:( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) . فالتقيد بالحكم الشرعي هو من مقتضيات العقيدة الإسلامية ، ولذلك قال تعالى :frowning: فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شجر بينهم) .

6 ? العقيدة الإسلامية هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله تعالى .

7 ? العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين ، ولا بد أن يكون دليل العقيدة قطعياً ، لأن الله ذمَّ الذين يعتقدون عن ظن ، فقال تعالى :frowning: إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) ، فنعى على من يتبعون الظن عند الكلام على العقيدة ، واعتبر الظن ضلالاً فقال :(وإن تطع أكثر مَن في الأرض يُضلّوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن)، ولم يعتبره علماً فقال :frowning: وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) .

8 ? الحكم الشرعي يجوز أن يؤخذ عن ظن ، ويجوز أن يؤخذ عن يقين . فخبر الآحاد يعتبر حجة في الأحكام الشرعية كلها ، ويجب العمل به سواء أكانت أحكام عبادات ، أم معاملات أم عقوبات ، أم غير ذلك ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ، ثم أداها إلى من لم يسمعها ، فرُبَّ حامل فقه لا فقه له ، ورًبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه " .

فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " عبداً " ولم يقل عبيداً ، وعبد جنس يصدق على الواحد وعلى الأكثر ، فمعناه أنه يمدح الواحد والآحاد في نقل حديثه ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في وقت واحد اثني عشر رسولاً إلى اثني عشر ملكاً يدعوهم إلى الإسلام ، وكان كل رسول واحداً في الجهة التي أُرسِل إليها ، فلو لم يكن تبليغ الدعوة واجب الاتباع بخبر الواحد لما اكتفى الرسول صلى الله عليه وسلم بإرسال واحد للتبليغ ، وقد انعقد إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد في الأحكام الشرعية .

9 ? العقيدة والاعتقاد بمعنى واحد ، وهو الإيمان ، والإيمان هو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل . فلا بد أن تجتمع هذه الثلاث معاً وهي الجزم ، والمطابقة للواقع ، وأن يكون ذلك عن دليل ، أن تجتمع في التصديق حتى يصح أن يكون إيماناً ، أي عقيدة . ولهذا لا يحرم التصديق غير الجازم بخبر الآحاد ، لأنه لا يكون اعتقاداً .

10 ? الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء ، أو بالتخيير ، أو بالوضع ، فخطاب الشارع هو الحكم الشرعي ، ولهذا فإن ما ليس خطاباً للشارع لا يعتبر حكماً شرعياً . والحكم هو الرأي في المسألة المتعلقة بفعل العبد ، وهذا الرأي إن كان من الشارع فهو حكم شرعي ، وإن كان من غير الشارع فليس حكماً شرعياً ، وتعتبر التعاريف الشرعية والقواعد الكلية أحكاماً شرعية إذا استنبطت باجتهاد صحيح .

11 ? العقيدة والحكم الشرعي كلّ منهما فكر ، ولكنهما يختلفان بالنسبة لتعلق هذا الفكر ، فإن كان متعلقاً بفعل العبد فهو حكم شرعي ، سواءً أكان متضمناً ما يؤمن به ، أم لم يتضمن ، وإن كان غير متعلق بفعل العبد ، وإنما هو يتعلق بأفعال القلب ، أي بالتصديق ، وعدم التصديق فهو من العقيدة ، فبالنسبة لما جاء في خطاب الشارع من أفكار ينظر ، فإن كان مما طُلب الإيمان به ، ولم يطلب فيه العمل ، كالقصص والإخبار بالمغيبات فهو من العقيدة ، وإن كان مما طُلب فيه العمل فهو من الأحكام الشرعية . فقوله تعالى : (آمِنوا بالله ورسوله)، وقوله :frowning: الله خالق كل شيء ) ، وقوله : (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ) ، وقوله : (وَيُطافُ عليهم بآنية من فضة) وما شابه ذلك من نصوص الشرع التي لم يطلب فيها عمل يعتبر من العقيدة . وقوله تعالى : (فإن ارضعن لكم فآتوهن أجورهنَّ ) ، وقوله : ( وأحل الله البيع )، وقوله :(إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح)، وقوله

صلى الله عليه وسلم: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا " ، وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع ، من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن شر المسيح الدجّال " ، وما شاكل ذلك من نصوص الشرع التي طُلب فيها عمل يُعتبر من الأحكام الشرعية .

وأما بالنسبة لما لم يأتِ في خطاب الشارع من الأفكار المتجددة فإنه يُفهم واقعها أولاً ممن لهم خبرة بفهم هذا الواقع ، ثم يُفهم النص الشرعي المتعلق بجنس هذا الواقع ، أو الذي يحوي عِلّة متعلقة بهذا الواقع وبجنسه ، ثم يُطبَّق هذا النصُّ على ذلك الواقع ، فإن انطبق عليه كان داخلاً تحته، فيُعطى ما لذلك النصّ من حيث كونه قد طُلب فيه عمل ، أو لم يُطلب عمل فيعرف ما إذا كان من العقائد ، أو من الأحكام ، فيعتبر كأنه جاء في خطاب الشارع ، لأن خطاب الشارع قد جاء بحكمه . وهكذا جميع الأفكار ، فكل فكر متعلق بفعل العبد فهو من الأحكام الشرعية ، وكل فكر ليس متعلقاً بفعل العبد فهو من العقائد .

السياسة الخارجية

77 ? العالم كله في حكم الشرع قسمان لا ثالث لهما ، وهما دار حرب أو دار كفر ، ودار الإسلام . فكل بلاد تحكم بالإسلام ، وأمانها بأمان الإسلام ، كانت دار الإسلام ، ولو كان أهلها من غير المسلمين . وكل بلاد تحكم بغير الإسلام ، وأمانها بغير أمان الإسلام ، فهي دار حرب أو دار كفر ، ولو كان أهلها من المسلمين . ففي حديث سليمان بن بُرَيْدَةَ " ادعُهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم " . فهذا نص يشترط التحول لدار المهاجرين ، ليكون لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا ، ودار المهاجرين كانت هي دار الإسلام ، وما عداها دار حرب ، وهؤلاء الذين أسلموا طُلب منهم أن يتحولوا إلى دار الإسلام ، حتى تُطَّبق عليهم أحكام دار الإسلام ، وإن لم يتحولوا لا تطبق عليهم أحكام دار الإسلام ، يعني تطبق عليهم أحكام دار الحرب ، ثم إن كلمتي دار كفر ، ودار إسلام اصطلاح شرعي ، وهي مضافة إلى الإسلام ، وإلى الحرب والكفر وليست مضافة إلى المسلمين ، ولا إلى الكفار ، وإضافتها إلى الإسلام تعني الحكم والأمان بالنسبة للدولة ، فتكون دار الإسلام هي التي يتحكم بالدولة فيها دين الإسلام ، وتحكمه في الدولة إنما يعني السلطان والأمان ، وهذا كله دليل على أن العالم إما دار الإسلام ، وإما دار الكفر ، وبناء عليه فإن السياسة الخارجية إنما تعني علاقة الدولة بالبلاد التي تُعتبر دار كفر ، سواء كان أهلها مسلمين أو غير مسلمين . وكل بلاد تحكم بالإسلام ، وأمانها بأمان الإسلام لا تنطبق عليها السياسة الخارجية ، بل تُعتَبر من السياسة الداخلية ولو كانت منفصلة عن الدولة بكيان مستقل .

78 ? العلاقة الخارجية للدولة مبنية على أساس حمل الدعوة الإسلامية ، سواء أكانت علاقة سياسية أم اقتصادية ، أم ثقافية أم غير ذلك ، فيتخذ فيها حمل الدعوة أساساً لكل تصرف من التصرفات ، فالرسول  قد جعل علاقاته مع كل دار كفر سواء مع قريش ، أو مع سائر القبائل مبنية على أساس حمل الدعوة ، سواء في الحرب أو الصلح ، أو الهدنة ، أو حسن الجوار ، أو التجارة أو غير ذلك ، وكذلك صحابته من بعده . فالسياسة الخارجية أساسها حمل الدعوة الإسلامية .

79 ? السياسة الخارجية تقوم على أمرين ? أحدهما القيام بأعمال مقصودة لتبليغ الدعوة وهذا يأخذ ناحيتين ? القيام بما يسمى بالحرب الباردة ، والسير في خطة الدعوة والدعاية ، من دعاة وبرامج تبليغ وما شاكل ذلك ، وثانيهما القيام بالأعمال السياسية ، وما يُسمى بالأعمال الدبلوماسية ، فذهاب الرسول  للعمرة في حادث الحديبية من الحرب الباردة ، وآية  يسألونك عن الشهرِ الحرام قِتال فيه ، قُلْ قتال فيه كبير  من الدعاية ، وإرساله عليه السلام في يوم الرجيع ستة من أصحابه ليعلموا الناس الإسلام وإرساله يوم بئر معونة أربعين رجلاً من خيار المسلمين إلى نجد يعلمونهم الإسلام من خطة الدعوة ، وإرساله الرسل إلى الملوك من الأعمال الدبلوماسية ، وعقده المعاهدات مع صاحب أيلة على حدود الشام من الأعمال السياسية ، وهكذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقوم بأعمال مقصودة لتبليغ الدعوة ، ويقوم بأعمال سياسية ودبلوماسية لحمل الدعوة ، هذه الأعمال كلها تعتبر من تبليغ الدعوة قبل القتال ، وهو مما طلبه الشرع ، عن ابن عباس قال : ( ما قاتل رسول الله  قوماً قط إلا دعاهم ) ، وعنه  أنه قال لفروة بن مسيك : " لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام " .

80 ? الأصل في القانون الدولي أن العالم كان منذ القديم يجري بين دوله عرف عام واصطلاح يوافق عليه الجميع ، بقواعد وأفكار معينة . مثل عدم قتل الرسل ، ومثل عدم قتل النِساء ، ومثل عدم الإجهاز على الجريح ، ومثل عدم تعذيب الأسير ، وما شاكل ذلك ، ولكن الأصل في القانون الدولي الحديث هو أن الدول المتقاربة الغايات ، وهي الدول النصرانية في العالم قد عقدت عدة مؤتمرات ، واتفقت على قواعد معينة ، وأفكار معينة جعلتها قوانين دولية ، وألزمت نفسها بها ، وكان ذلك لتنظيم علاقات الحرب والسلم فيما بينها وحصرت مراعاة هذه القوانين بها وحدها ، ولم تدخل فيها الدولة الإسلامية التي كانت قائمة يومئذٍ ، ولم تعتبر القوانين الدولية منطبقة عليها . ولذلك كانت القوانين الدولية لا تشمل الدولة الإسلامية ، ولا تراعيها الدول الغربية مع الدولة الإسلامية ، فلما ضعفت الدولة العثمانية ، وأخذت تسترضي الدول الغربية ، أرادت أن تدخل في القوانين الدولية ، وأن تجعلها تشملها ، فمانعت الدول الغربية في أول الأمر ، ولكن لمّا تنازلت الدولة العثمانية عن جعل الشرع هو الحكم في علاقاتها الدولية ، ورضيت بجعل القوانين الدولية هي الحكم في علاقاتها مع الدول ، وافقت الدول الغربية على إدخالها معها ، وصارت تراعي القوانين الدولية بالنسبة لها ، ومنذ ذلك التاريخ غلب التعامل بين الدول على جعل القوانين الدولية عامة ، وهذا ما هو جارٍ الآن ، غير أن هذا يخالف أحكام الشرع ، فإن علاقة الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى يُحكَّم فيه الشرع ، لا القوانين الدولية ، ولذلك يُنظر للقوانين الدولية لكل قانون على حدة ، فيُؤخذ واقعه ويُفهم تمام الفهم ، ثم يُؤخذ النَصُّ الشرعي ، ويُفهم كذلك تمام الفهم ، ثم يطبق عليه ، ويعطى الحكم الذي دل عليه النص الشرعي ، ولذلك يُحَّكم الشرع بالعلاقات الدولية بيننا وبين الدول الأخرى ، وليس القوانين الدولية .

81 ? كما أن وجود الفرد الحقوقي إنما هو بالنسبة لعلاقته بغيره من الأفراد ، وليس بالنسبة لأعماله لذاته فقط ، فكذلك وجود الدولة الحقوقي إنما هو بالنسبة لعلاقاتها بغيرها من الدول ، وليس بالنسبة لأعمالها الداخلية فقط ، لأن الدولة شخصية معنوية ، تُعتَبر بحسب ما لهذه الشخصية من مكانة ، وما لدى الدول الأخرى من صورة عنها . والدولة الحاملة للدعوة أكثر تأثيراً بالنسبة لعلاقاتها بغيرها من الدول فإن وجودها الحقوقي وحمايتها يتوقفان على مدى هذه العلاقات كأي دولة ، يضاف إلى ذلك أن تبليغها الرسالة التي تحمل دعوتها ، يتوقف على مدى هذه العلاقات ، وعلى مدى ما لشخصيتها من تأثير ، وما لدى الدول الأخرى من صورة عنها ، ولذلك تعتبر المحافظة على شخصيتها بين الدول مِن أهمِّ أهداف السياسة الخارجية ، وقد اعتادت الدول أن تشوّه سمعة الدول الأخرى التي تعاديها ، وأن تحط من منزلتها لدى العالم ، بإيجاد رأي عام ضدها ، كما كانت تفعل الدول الغربية تجاه الدولة الإسلامية ، والرأي العام الدولي والعالمي له تأثير كبير في مكانة الدولة ، وفي الحرب وفي السلم ، ولهذا لا بد للدولة أن تهتم بالرأي العام الدولي ، حتى تقاوم إيجاد رأي عام ضدها ، وحتى توجد رأياً عاماً لها ولفكرتها ولدعوتها . وقد كان الرسول  يهتم بذلك ، قال عليه الصلاة والسلام : " نُصرت بالرعب من مسيرة شهر " .

82 ? إن الله سبحانه قد أمر المسلمين بحمل الدعوة إلى الناس كافة ، وإدخالهم في دولة الخلافة ، وشرع الجهاد طريقة لحمل الدعوة ، فيجب أن تنهض الدولة إلى إعلان الجهاد على الكفار دون هوادة ، ودون توقف ، ومنذ أن قامت للمسلمين دولتهم حتى آخر الخلافة الإسلامية ، والمسلمون هم الدولة الأولى في العالم سياسة وعلماً وقوة ، فلا يجوز للمسلمين أن يعقدوا أحلافاً عسكرية ، أو معاهدات حماية مع الكفار مطلقاً ، ولا يجوز لهم أن يضعوا قضاياهم في يد مجلس الأمن ، أو هيئة الأمم المتحدة ، أو في يد أيَّة دولة في الدنيا ، وأن يقبلوا الخضوع للقوانين الدولية الكافرة ، أو الهيمنة الأجنبية مهما كانت الظروف ، والله سبحانه يقول :frowning: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) ، فمثل هذه العلاقات والمساعدات من قبل الكفار والهيئات الدولية الكافرة تتنافى مع سياسة الدولة الإسلامية ، التي يجب أن تهيمن هي على الموقف الدولي ، وتعود ثانية الدولة الأولى في العالم .

منقول

شكل الدولة

68 ? يختلف شكل الحكم في الإسلام عن سائر أشكال الحكم اختلافاً جوهرياً ، فليس هو نظاماً ملكياً ، ولا يقر النظام الملكي ، فهو لا يجعل لرئيس الدولة أية حقوق سوى ما لأي فرد من أفراد الأمة ، ولا يجعل رئيس الدولة مالكاً ، بل منفذاً لشرع الله ، وليس هو رمزاً للأمة يملك ولا يحكم ، بل هو مُوَلّى مِن قبل الأمة في الحكم ، يحكم نيابة عنها ، ولا يملك شيئاً من هذا الحكم ، وليس فيه ولاية عهد مطلقاً .

وليس هو نظاماً جمهورياً ، فرئاسة الدولة فيه لا تحدّد بزمن معين ، وإنما تحدّد بكيفية معينة ، فالخليفة تشترط فيه شروط حتى يكون أهلاً للخلافة ، فإذا اختل شرط من هذه الشروط فإنه يخرج عن الخلافة ، وينعزل في الحال ، أو يصبح مستحقاً للعزل ، ولكن ما دام مستكملاً هذه الشروط فإنه يظل خليفة حتى يموت ، وأيضاً فإن في النظام الجمهوري تحدّد صلاحيات رئيس الجمهورية من الشعب ، بخلاف الإسلام فإن صلاحيات رئيس الدولة غير محددة ، فهو يملك جميع الصلاحيات وهو الدولة بكل صلاحياتها .

وليس هو نظاماً دكتاتورياً ، فإن رئاسة الدولة فيه مقيدة بأحكام الشرع فلا يُحلّ حراماً ولا يحرّم حلالاً ، بل هو مقيد بالشرع ، بخلاف النظام الدكتاتوري فإنه مطلق الصلاحية ، يسير برأيه حسب ما يرى ، وهو المشرّع وهو المنفذ ، أما الخليفة فليس بمشرع ، وإنما هو منفذ للشرع .

وليس هو نظاماً إمبراطورياً ، فالأقاليم التي يحكمها مهما كانت مختلفة الأجناس فإنها ترجع إلى مركز واحد ، وهو يساوي بين الأجناس في كل أنحاء الدولة ، ولا يجعل لمركز الدولة أية ميزة على غيره ، ومالية الأقاليم مالية واحدة تجبى للجميع ، فلا يُنفق على إقليم بقدر ما يجمع منه ، بل يُنفق عليه ما يحتاجه بغض النظر عما جبى منه ، وتشريعه لكل الأقاليم واحد ، وسلطة الحكم في كل الأقاليم واحدة .

وليس هو نظاماً اتحادياً تنفصل أقاليمه بالاستقلال الذاتي ، وتتحد في الحكم العام ، بل هو نظام وحدة تعتبر فيه كل الأقاليم بلداً واحداً ، ولا يملك أي إقليم أية سلطة من الحكم ، لا في السياسة الداخلية ، ولا في السياسة الخارجية ، ولا في الاقتصاد ، ولا في التعليم ، ولا في أي شيء مطلقاً ، بل السلطة كلها في يد واحدة وفي مركز واحد ، وقد أمر الشرع بالقتل والقتال للمحافظة على الوحدة ، قال صلى الله عليه وسلم : " ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنه الآخر " ، فشكل الدولة يختلف عن جميع أشكال الدول ، إذ هو خليفة يطبق الشرع ، ولا يصير خليفة ، أي لا يملك السلطة إلا إذا ولاه المسلمون بالبيعة ، عن مطلق الرضا والاختيار ، ومتى صار خليفة صار بيده وحده جميع صلاحيات الحكم .

69 ? السلطان غير القوة ، وإن كان لا يعيش إلا بها ، والقوة غير السلطان ، وإن كان لا يستقيم أمرها إلا به .

فالسلطان هو الحكم ، وولاية الأمر ، وهو كيان تنفيذي لمجموعة الأفكار والمفاهيم والمقاييس التي تقبلها الأمة ، فعمله هو تنفيذ الأحكام ، والرعاية لشؤون الناس ، وتصريف أمورهم .

وبذلك يكون غير القوة ، وإن كان السلطان لا يمكن أن يعيش إلا بالقوة ، لأنها هي أداة الحماية للحكم ، ولمجموعة الأفكار والمفاهيم والمقاييس والأحكام التي قام عليها السلطان ، وهي في نفس الوقت أداة بيد السلطان يستخدمها لتنفيذ الأحكام ، وقهر المجرمين والظالمين والمعتدين ، وقمعهم حتى يلتزموا بالأحكام .

أما القوة في الدولة ، فهي ليست رعاية شؤون الناس ، ولا تصريفاً لأمورهم ، أي هي ليست السلطان ، وإن كان وجودها ، وتكوينها ، وتسييرها ، وإعدادها ، وتجهيزها لا يتأتى بدون السلطان .

وهي عبارة عن كيان مادي يتمثل في الجيش ، ومنه الشرطة ينفذ به السلطان الأحكام ، ويقهر به المجرمين والفسقة ، ويقمع الخارجين ، ويصد به المعتدين ، ويتخذه أداة لحماية السلطان ، وما يقوم عليه من أفكار ومفاهيم ومقاييس .

ومن هنا يتضح أن السلطان غير القوة ، وأن القوة غير السلطان .

لذلك لا يجوز أن يصبح السلطان قوة ، لأنه إن تحول السلطان إلى قوة فسدت رعايته لشئون الناس ، لأن مفاهيمه ومقاييسه تصبح هي مفاهيم القهر والقمع والتسلط ، وليس مفاهيم الرعاية ، ويتحول إلى حكم بوليسي ، ليس له إلا الإرهاب ، والتسلط والكبت والقهر وسفك الدماء .

وكما لا يجوز أن يصبح السلطان قوة كذلك لا يصح أن تكون القوة سلطاناً ، لأنها ستصير تحكم بمنطق القوة ، وترعى شؤون الناس بمفاهيم ومقاييس الأحكام العسكرية ، ومقاييس القمع والقهر ، وكلا الأمرين يسبب الخراب والدمار ، ويولّد الرعب والخوف والفزع ، ويوصل الأمة إلى حافة الهاوية . مما سيوقع أشدّ الضرر بالأمة . والقاعدة الشرعية تقول : ( لا ضرر ولا ضرار ) .

70 ? يقوم نظام الحكم على أربع قواعد هي :

أ ? السيادة للشرع ، لا للشعب .

ب ? السلطان للامة .

ج ? نصب خليفة واحد فرض على المسلمين .

د ? للخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية ، فهو الذي يسن الدستور وسائر القوانين . أما أن السيادة للشرع وليس للشعب كما تنص على ذلك الدساتير الديمقراطية فذلك أن الأمة الإسلامية ليست مسيّرة بإرادتها ، تفعل ما تريد ، بل هي مسيرة بأوامر الله ونواهيه ، فهي خاضعة للشرع ، ومن هنا كانت السيادة للشرع . وأما قاعدة السلطان للامة فمأخوذة من جعل الشرع نَصْبَ الخليفة من قِبَل الأمة ، ومِن جعله يأخذ السلطان بالبيعة ، وأما القاعدة الثالثة فإن فرضية نصب الخليفة ثابتة في الحديث الشريف ، قال : " من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهلية " ، فالواجب هو وجود بيعة في عنق كل مسلم ، أي وجود خليفة يستحق في عنق كل مسلم بيعة بوجوده ، وأما القاعدة الرابعة فقد ثبتت بإجماع الصحابة ، ومن هذا الإجماع أُخذت القواعد الشرعية المشهورة ( أمر الإمام يرفع الخلاف ) ، و ( وأمر الإمام نافذ ) ، و ( وللسلطان أن يُحدث مِن الأقضية بقدر ما يَحدث مِن مشكلات ) .

71 ? تقوم الدولة على ثمانية أجهزة هي :

1 ? الخليفة .

2 ? معاون التفويض .

3 ? معاون التنفيذ .

4 ? أمير الجهاد .

5 ? الولاة .

6 ? القضاة .

7 ? مصالح الدولة .

8 ? مجلس الأمة .

وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم جهاز الدولة على هذا الشكل فقد كان هو رئيس الدولة ، وأمر المسلمين بأن يقيموا لهم رئيس دولة حين أمَرهم بإقامة خليفة ، وقد اختار الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر وعمر وزيرين ، أي معاونين له ، وقال : " وزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر " ، وهو قد عين للمقاطعات ولاة ، وعين قضاة يقضون بين الناس ، وأما الجهاز الإداري فقد عين صلى الله عليه وسلم كُتَّاباً لإدارة مصالح الدولة . وأما إمارة الجهاد التي تشرف على الناحية الحربية والخارجية والداخلية والصناعة ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه كانوا هم بأنفسهم يتولون ذلك . غير أن عمر بن الخطاب أنشأ ديواناً للجند وجعل له مسؤولاً خاصاً ، وهو من صلاحيات أمير الجهاد . وأما مجلس الأمة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستشير المسلمين حينما يريد ، وكان يدعو أشخاصاً معينين بشكل دائمي ليستشيرهم وكانوا من نقباء القوم ، ومن هذا يتبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أقام جهازاً معيناً للدولة على شكل مخصوص .

72 ? يُعيّن الخليفة معاون تفويض له ، يتحمل مسئولية الحكم ، فيفوض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضاءها على اجتهاده تفويضاً عاماً .

ولذلك يشترط في هذا التقليد حتى يكون عقد نيابة أن يشتمل على لفظ يدل على عموم النظر ، أي يدّل على أن له جميع صلاحيات الحكم ، وأن يشتمل كذلك على لفظ يدل على أنه نائب عن الخليفة ، أي لا بد في التقليد للمعاون من ألفاظ تدل على واقع المعاون ، وهو النيابة عن الخليفة ، وأخذ جميع ما للخليفة من صلاحيات ، فهو بيده ما بيد الخليفة من صلاحيات الحكم ، فهو كالخليفة في السلطة سواءً بسواء ، ولذلك كان الناس يشكون لأبي بكر من عمر حين كان يتولى سلطة المعاون ، ويسألونه هل أنت الخليفة أم عمر ؟ فيقول : أنا وهو وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة ، إلا أن المعاون لا يقوم بعمل إلا إذا اطلع الخليفة عليه قبل القيام به ، فإن منعه الخليفة امتنع وإلا قام به ، واطلاعه الخليفة على العمل ليس أخذ إذن به ، بل هو مجرد إطلاع ، ولا ينتظر الإذن ، بل يقوم بالعمل بعد إطلاع الخليفة ، إلا أن يمنعه عن القيام به ، وكذلك للخليفة أن يُلغي الأعمال التي قام بها المعاون ، إذا كانت مما لو حصلت من الخليفة له أن يرجع عنها ، أما الأعمال التي إن حصلت مِن الخليفة نفسه ولا يصح أن يرجع عنها ، فلا يملك إلغاءها إذا قام بها المعاون ، وذلك كحكم نَفّذه على وجهه ، أو مال وضعه في حقه ، ويجب على الخليفة أن يتصفح أعمال المعاون كلها ليُقر منها الموافق للصواب ، ويستدرك الخطأ ، فالمعاون نائب عن الخليفة في كل أعمال الخلافة ، غير أن عمله هو مطالعة الخليفة لما أمضاه من تدبير وأنفذه من ولاية وتقليد قبل تنفيذ ذلك ، وامتناعه عن العمل إن أوقف عنه ، وكان يسمى وزير تفويض .

73 ? يُعيِّن الخليفة معاوناً للتنفيذ ، وعمله من الأعمال الإدارية وليس من الحكم ، ودائرته هي جهاز لتنفيذ ما يصدر عنه أو عن معاون التفويض للجهات الداخلية والخارجية ولرفع ما يرد إليه من هذه الجهات ليكون واسطة بين الخليفة وغيره ، يؤدي عنه ويؤدي إليه ، وهذا الجهاز يكون بمثابة معاون للخليفة ولكنه معاون في التنفيذ ، وليس في الحكم ، فهو موظف ، وليس بحاكم ، وكان يُسمّى وزير تنفيذ ، والأصل فيه أن يكون واحداً ، له أن يُعيِّن معه من يقوم بالأعمال ، إلا انه يجوز أن يُعيَّن أكثر مِن واحد ، وإذا عيّن أكثر من واحد جعل كل وحد على قسم معين ، ووزير التنفيذ هذا متصل مباشرة برئيس الدولة ، وعلاقته إنما هي مع رئيس الدولة لأنه ينفذ له ما يريد ، ويرفع إليه ما يأتي فهو كالمعاون من أجهزة الخليفة المتصلة به مباشرة ، وإن كان ليس من أجهزة الحكم . ومن هنا كانت دار الخلافة مؤلفة من ثلاث جهات : أحدها الخليفة وهو رأس الدولة ، وثانيها المعاونون أو وزراء التفويض ، وثالثها جهاز التنفيذ أو وزير التنفيذ .

74 ? مجلس الأمة مكون من الأشخاص الذين يمثلون المسلمين في محاسبة الحكام وفي الرأي ليرجع إليهم الخليفة ، ويجوز لغير المسلمين أن يكونوا في مجلس الأمة من أجل الشكوى مِن ظلم الحكام ، أو من إساءة تطبيق أحكام الإسلام عليهم ، ولا حق لهم في الشورى ، ولا في حصر المرشحين للخلافة ، ولا في انتخاب الخليفة ، ولا في مبايعته ، ولا في مناقشة القوانين وتشريعها . وهؤلاء الأعضاء ينتخبون انتخاباً مباشراً من الناس ، ولكل مَن يحمل التابعية إذا كان بالغاً عاقلاً الحق في أن يكون عضواً في المجلس رجلاً كان أو امرأة ، مسلماً كان أو غير مسلم . وللمسلمين من الأعضاء حق حصر المرشحين للخلافة ، ورأيهم في ذلك ملزم .

75 ? للمسلمين الحق في إقامة أحزاب سياسية لمحاسبة الحكام ، أو للوصول إلى الحكم عن طريق الأمة على شرط أن يكون أساسها العقيدة الإسلامية ، وأن تكون الأحكام التي تتبناها أحكاماً شرعية ، ولا يحتاج الحزب لأي ترخيص ، ويمنع أي تكتل يقوم على غير أساس الإسلام كالأحزاب الشيوعية أو القومية أو الوطنية .

76 ? لكل فرد من الرعية أن يصدر أي جريدة أو مجلة سياسية كانت أو غير سياسية وأن يصدر أي كتاب دون حاجة لأي ترخيص ، ويعاقب كل من يطبع أو ينشر أو يصدر أي شيء من شأنه أن يناقض الأساس الذي تقوم عليه الدولة أي العقيدة الإسلامية .

الدولة

64 ? السلطان يكمن في الأمة ، أو في الفئة الأقوى منها ، ولكنه إنما يظهر ويتمثل في شخص واحد منها هو الأمير ، وما لم يوجد الأمير لا يوجد سلطان وجوداً فعلياً ، وبما أن السلطان هو رعاية شئون الناس وإدارة مصالحهم ، ولا غنى للناس عن رعاية مصالحهم لذلك لا يصح أن تخلو الأمة مِن أمير ، فوجود الأمير في الأمة واجب حتمي ، تحتمه طبيعة حياة الأمة ، ومِن هنا كان وجود الأمير واجباً محتماً ، وكان خلو الأمة مِن أمير لا يصح أن يكون ولا بحال من الأحوال ، وقد جاء الشرع بوجوب نصب الأمير ، وأجمع الصحابة على عدم جواز خلو الأمة مِن أمير . عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يَحلّ لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم " ، وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم " ، واخرج البزار بإسناد صحيح من حديث عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمرّوا أحدكم " ، فهذه الأحاديث تدل على أن نصب الأمة أميراً عليها فرض ، وأما عدم جواز خلو الأمة من أمير فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على عدم جواز خلو الأمة مِن أمير أكثر من ثلاثة أيام ، فقد باشروا الاجتماع في السقيفة للبحث في نصب خليفة لرسول الله  منذ بلغهم نبأ وفاته ، وظلّوا في نقاش في السقيفة ، ثم في اليوم الثاني اجتمع الناس في المسجد ، فاستغرق ذلك ليلتين بثلاثة أيام ، وأيضاً فإن عمر عهد إلى أهل الشورى عند ظهور تحقق وفاته من الطعنة ، وحدّد لهم ثلاثة أيام ، ثم أوصى إذا لم يُتفق على الخليفة أن يُقتل المخالف بعد الأيام الثلاثة ، ووكل خمسين رجلاً من المسلمين بتنفيذ ذلك ، أي بقتل المخالف ، مع أنهم مِن أهل الشورى ومن كبار الصحابة ، وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة ، ولم ينقل عنهم مخالف أو مُنكِر ، مع أنه مما ينكر ، لأن فيه الأمر بقتل كبار الصحابة إن خالفوا ، فكان إجماعاً من الصحابة على أنه لا يجوز أن يخلو المسلمون مِن خليفة أكثر من ليلتين بثلاثة أيام ، وحين أوصى عمر لأهل الشورى قال لهم تشاوروا ثلاثة أيام ، وليصلِّ بكم صهيب هذه الثلاثة أيام التي تشاورون فيها .

65 ? السلطان للامة ، ولكل واحد من أبنائها حق أن يتقدم لأخذ السلطان منها ما دام جامعاً لشروط الخلافة . فإذا خلا منصب الأمير كان على أهل الحَلّ والعقد أن يحصروا المرشحين للإمارة ما دام كل واحد من أبناء الأمة الجامعين لشروط الخلافة له أن يرشح نفسه ، وبعد حصر المرشحين تختار الأمة من هؤلاء مَن تراه أهلاً للإمارة ، إلا أن على أهل الحَلّ والعقد أن يختاروا أميراً مؤقتاً ، ريثما يتم انتخاب الخليفة أو الأمير الدائم ، إذا لم يكن الخليفة الأول أو الأمير الأول قد نَصّب أميراً يخلفه في الإمارة ريثما تختار الأمة أميرها ، أو خليفة المسلمين ، فإن الأمة حين طلبت من عمر أن يستخلف ، حصر المرشحين للخلافة في ستة يُختار منهم ، وبدأ عبد الرحمن بن عوف يأخذ رأي الناس فيمن يختارونه مِن هؤلاء الستة ، وقال : لم أترك رجلاً ولا امرأة إلا واستشرته ، أي أخذت رأيه ، وإلى أن يتّم انتخاب واحد مِن الستة المحصور ترشيح الخلافة بهم عَيَّن عمر صهيباً أميراً على الناس حتى يَتمَّ الانتخاب .

66 ? الدولة كيان تنفيذي لمجموعة المقاييس والمفاهيم والقناعات التي تقبلتها الأمة أي للأحكام الشرعية . والدولة هي التي تقود الأمة في معترك الحياة فوق رقعة محدودة مِن الأرض . وكيان الأمة ، وكيان الدولة يشكلان في هذه البقعة كياناً واحداً تحتل الدولة فيه مركز القيادة ، فحتى يَظلَّ هذا الكيان المُشكَّل من الكيانين موجوداً ، وحتى يَظلّ كيان الدولة كياناً صالحاً يرعى شؤون الناس حسب مجموعة المقاييس والمفاهيم والقناعات ، وحتى تضمن الأمة الطمأنينة والاستقرار لا بد من أن توجد في كيان الدولة مفاهيم الانضباط تبعاً لوجودها في كيان الأمة ، ولا بد من أن تكون هذه المفاهيم مغروسة في النفوس طاغية على العلاقات متمكنة من الأجواء بحيث يصبح عرفاً عاماً منبثقاً عن وعي عام ، وهذه المفاهيم أهمهما خمسة هي :

الأول : أن يظل السلطان عملياً للامة ، وان يعتبر اغتصابه منها جريمة يعاقب عليها أشدّ العقاب ، فالشرع جعل نصب الخليفة للامة بجعل البيعة لها ، وجعل الخليفة إنما يأخذ السلطان بهذه البيعة ، فجعل طريقة أخذ السلطان هي البيعة . وجعل البيعة للمسلمين جميعاً يدل على أن السلطان للامة ، وانه إنما يؤخذ منها ، وبما أن البيعة عقد مراضاة واختيار كسائر العقود ، لذلك كان لا بد أن يؤخذ السلطان مِن الأمة بالرضا والاختيار مِن غير إكراه ولا إجبار ، وإن أخذت بالإكراه والإجبار كانت عقداً باطلاً لم ينعقد ، فيكون مَن أخذ السلطان بالبيعة إجباراً لم تنعقد بَيعتُه ، فلا يكون قد أخذ السلطان ، ومَن أخذ السلطان بدون بيعة كان مغتصباً ، لأنه لا يملكه إلا بعقد بيعة بالرضا والاختيار .

الثاني : الطاعة الكاملة للحاكم عن رضا واطمئنان في كل ما أَمر به ، ونهى عنه ، مما جعل الشرع له تصريفه برأيه واجتهاده ، وحتى لو ظلم ، وأكل الحقوق ، فإن طاعته تَظلُّ واجبة ، ولا يُعصى إلا إن أمر بمعصية . عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " وعن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : " سيليكم بعدي ولاة ، فيليكم البر ببره ، والفاجر بفجوره ، فاسمعوا وأطيعوا في كل ما وافق الحق " ، وروى البخاري عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مَن كره مِن أميره شيئاً فليصبر عليه ، فإنه ليس أحد مِن الناس خرج مِن السلطان شبراً فمات إلا مات ميتة جاهلية " ، وروى البخاري عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها ، قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : أدوّا إليهم حقهم ، وسلوا الله حقكم " .

فهذه الأحاديث تُري مبلغ ما حَّث الشرع على طاعة ولاة الأمر من المسلمين ، مهما ظلموا وأكلوا أموال الناس .

الثالث : وجوب القيام بمحاسبة الحكام ونقدهم بالقول ، ومهاجمتهم بقارص الكلام ، بالرغم مِن وجوب طاعتهم ، لأن الأمة قوّامة على قيام الحاكم بمسئولياته ، ومُلزَمة بالإنكار عليه . فعن أم سلمة عن النبي  قال : " إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون ، فمن كره فقد برئ ، ومَن أنكر فقد سلم ، ولكن مَن رضي وتابع " ، أي كره المنكر فليغيره ، ومن لم يقدر على تغييره فأنكر ذلك بقلبه فقد سلم ، ولكن من رضي وتابع ، أي رضي بفعلهم بقلبه ، وتابعهم عليه في العمل لم يبرأ ولم يسلم . وقال عليه الصلاة والسلام : " سيد الشهداء حمزة ، ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله " .

الرابع : مقاتلة الحاكم بالسلاح إذا ظهر الكفر البَواح ، أي إذا حكم الحاكم بأحكام الكفر ، أو إذا سكت عن طغيان الكفر في البلاد ، فإنه في هذه الحال يجب قتاله ، ففي حديث أم سلمة " قالوا أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صلّوا " ، وفي رواية " ألا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صلّوا " ، وفي حديث عوف بن مالك " قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال : لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة " ، وفي حديث عبادة بن الصامت " وأن لا ننازع الأمر أهله ، قال : إلا أن تَروا كفراً بَواحاً عندكم من الله فيه برهان " ، ووقع عند الطبراني " كفراً صُراحاً " ، وفي رواية لأحمد " ما لم يأمرك بإثم بَواحاً " . فهذا كله يدل على وجوب حمل السلاح على الحاكم إذا ظهر الكفر البَواح .

الخامس : يجب أن ينهض المسلمون لقتال الأعداء تحت ظِلّ الحاكم مهما كان حاله ، سواء أكان براً أم فاجراً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " الجهاد ماضٍ مع البَرّ والفاجر " ، أخرجه أبو داود عن أبي هريرة .

هذه المفاهيم الخمسة مفاهيم انضباط لا بد من وجودها في كيان الدولة وكيان الأمة ، ولا بد من طغيانها ، وإن عدم وجودها يعرض الأمة والدولة للأخطار .

67 ? يجب تطبيق الإسلام كاملاً ، ودفعة واحدة ، ويحرم التدرج في تطبيق أحكامه . فبعد نزول قوله تعالى :(اليوم أكملت لكم دينكم ) أصبح المسلمون مطالبين بالعمل بجميع الأحكام الشرعية ، سواءً كانت تتعلق بالعقائد أو العبادات أو الأخلاق ، أو المعاملات ، أو تتعلق بالحكم ، أو الاقتصاد ، أو الاجتماع ، أو بالسياسة الخارجية في العلاقة بالشعوب والأمم والدول في حالتي السلم والحرب .

إذ لا فرق بين حكم وحكم ، ولا بين واجب وواجب ، ولا بين حرام وحرام . فكما يجب أن نقوم بالصلاة والصيام والزكاة ، كذلك يجب أن نقوم بنصب خليفة ، وبإزالة أحكام الكفر ، والحكم بما أنزل الله . وكما يحرم علينا شرب الخمر وأكل الربا ، كذلك يحرم علينا السكوت على الحكام الظلمة والفسقة ، كما يحرم علينا السكوت على تطبيق أحكام الكفر ، وموالاة الدول الكافرة .

فيجب أن يقام بالإسلام كله ، وأن يطبق جميعه ، ولا يجوز التدرج في تطبيقه ، لأن المسلمين مطالبون بتطبيقه كاملاً . قال تعالى :(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) أي يجب عليكم أن تأخذوا جميع ما جاءكم به الرسول من الواجبات ، وان تبتعدوا عن جميع ما نهاكم عنه من المحرمات ، لأن ( ما ) في الآية من صيغ العموم . فتشمل وجوب أخذ جميع ما جاء به من واجبات ، ووجوب الانتهاء عن جميع المنهيات .

كذلك قوله :frowning: وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) فهو أمر للرسول ولمن بعده من الحكام أن يحكموا بجميع ما أنزل الله من الأحكام ، لأن ( ما ) في الآية من صيغ العموم ، وقد نهى الله في الآية الرسول والحكام من بعده عن اتباع أهواء الناس ، كما حذره والحكام من بعده أن يفتنهم الناس عن بعض الأحكام التي أنزلها الله . وقد جعل الله مَن لم يحكم بجميع ما أنزل من الأحكام كافراً وظالماً وفاسقاً ، لأن ( ما ) الواردة في آيات الحكم الثلاث عامة لجميع الأحكام المنزلة ، لأنها من صيغ العموم . والرسول صلى الله عليه وسلم أوجب قتال الحاكم ، وإشهار السيف في وجهه إذا ظهر الكفر البواح ، الذي عندنا من الله فيه برهان ، أي إذا حكم بأحكام الكفر ولو حكماً واحداً . كما ورد في حديث عبادة بن الصامت " وأن لا ننازع الأمر أهله ، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان " .

لذلك لا عذر في عدم تطبيق أحكام الإسلام جميعها ، ودفعة واحدة ، ودون تدريج بحجة عدم القدرة على تطبيقه ، أو عدم ملائمة الظروف للتطبيق ، أو لعدم تقبل الرأي العام الدولي بذلك ، أو لعدم قبول الدول الكبرى ، أو غير ذلك من الحجج الواهية فكلها أعذار وحجج واهية لا قيمة لها . وكل مَن يحتج بها ويتخذها عذراً في عدم تطبيق الإسلام كاملاً ، فلن يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً .

الاقتصاد

53 ? المشكلة الاقتصادية ليست فقر البلاد ، وإنما هي فقر الأفراد ، وبعبارة أخرى المشكلة الاقتصادية هي توزيع الثروة ، وليست إنتاج الثروة ، فمشكلة فقر البلاد إذا حصلت تُحلُّ بالعمل على زيادة الإنتاج ، أو بالتوسع ، أو بالاندماج في بلاد أخرى ، وحصولها ليس حتمياً ، فقد تحصل في البلاد الفقيرة ، وقد لا تحصل كالبلاد الغنية ، وهي لا تتعلق بوجهة النظر في الحياة ، ولا تختلف باختلاف الشعوب والأمم ولا تشكل مشاكل بين السكان . أما مشكلة فقر الأفراد فهي تحصل حتماً ، لأن وجود أشخاص عاجزين ، أو مصابين بمرض الكسل ، أو طرأ عليهم عجز ، كل ذلك ومثله حتمي الحصول في المجتمع ، وكون الملكية غريزة وتسابق الناس على زيادة ملكيتهم لا يخلو منه مجتمع . لذلك فإن وجود الفقر في الأفراد أمر لا مناص من حصوله ، وبذلك كانت مشكلة فقر الأفراد أمراً لا مناص من وقوعه ، فتحتاج إلى حَلّ ، ثم إن هذه المشكلة تتعلق بوجهة النظر في الحياة وتختلف باختلاف الشعوب والأمم ، فأناس يرون أن الجزاء يجب أن يكون بقدر الجهد ، فمن لا يُنتج كان من العدل أن يكون فقيراً ، وأناس يرون أن العاجز عن الكسب ظُلْمٌ أن يُحرَم من حق العيش ، فإن عجزه خلقة ، أو طرؤ العجز عليه ليس في ملكه ، وبذلك كان العدل أن يُضمَن له العيش ، وأيضاً فإن التنافس في معترك الحياة على العيش والتسابق على المال أمر طبيعي ، وهذا التنافس والتسابق يوجد مشاكل بين السكان لا بد من حلها ، وهذا كلهُ يُري أن المشكلة التي لا بد لها من حَلّ هي مشكلة فقر الأفراد ، لا فقر البلاد ، ومعالجة فقر الأفراد تؤدي إلى معالجة فقر البلاد ، ولهذا كانت المشكلة هي التوزيع ، وليس الإنتاج .

54 ? يجب أن يُضمَن إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع أفراد الرعية فرداً فرداً إشباعاً كلياً ، وأن يُضمَن تمكُّن كل فرد منهم من إشباع جميع الحاجات الكمالية ، وأن يُضمَن للرعية كلها الأمن والتعليم والتطبيب ، وسائر الحاجات الأساسية للجماعة .

55 ? الملكية ثلاثة أنواع هي : الملكية الفردية ، والملكية العامة ، وملكية الدولة . أما الملكية الفردية فهي حكم شرعي ، مقدّر بالعين أو المنفعة يقتضي تمكين مَن يضاف إليه مِن انتفاعه بالشيء وأخذ العوض عنه . وأما الملكية العامة فهي إذن الشارع للجماعة بالاشتراك في الانتفاع بالعين ، وأما ملكية الدولة فهي كلّ مال مصرفه موقوف على رأي رئيس الدولة واجتهاده .

56 ? الملكية العامة ثابتة في طبيعة المال وصفته ، بغض النظر عن رأي الدولة فينظر إلى واقع المال ، فإن كان المال مِن مرافق الجماعة كساحات البلدة ، أو من المعادن كالنفط ، أو من طبيعته أن لا يملك فردياً ، كان ملكاً عاماً طبيعياً ، ولا تستطيع الدولة إبقاءه ملكاً فردياً ، وإن لم يكن هذا المال مِن أي واحد من هذه الثلاثة بقي ملكاً فردياً ، ولا يحلّ للدولة أن تملكه جبراً عن صاحبه لا ملكية عامة ، ولا ملكية للدولة ، وأما ملكية الدولة فإنها محصورة في المال الذي فيه حق لعامة المسلمين ، وهو غير المال الذي هو ملك لعامة المسلمين ، فإن كان في المال حق لعامة المسلمين كالخراج ، والضرائب ، والفيء كان ملكاً للدولة يجب أن تملكه ، وإن لم يكن فيه حق لعامة المسلمين كان ملكاً للأفراد ، ولا يَحلّ لها أن تملكه ، وعلى ذلك فإن ما يُسمّى بالتأميم لا يَحِلُّ مطلقاً ، لأنه يعني تحويل الملكية الفردية إلى ملكية الدولة ، إذا رأت أن هناك مصلحة عامة ، تقتضي ملكية هذا المال المملوك فردياً ، وهذا لا يجوز ، لأن الشرع حَرَّم أخذ المال تحريماً عاماً . قال عليه السلام : " لا يَحلّ لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه " ، وحدّد ما هو ملكية عامة ، وجعله في طبيعة المال ، وصفته ، لا برأي الدولة ، وحدّد ما هو ملكية للدولة وجعله محصوراً فيما هو حق لعامة المسلمين .

57 ? لملكية الأرض أحكام خاصة بها ، وحيازة الأرض أنها للإنتاج الزراعي ، واستمرار هذا الإنتاج وزيادته ، فتملك الأرض كما يُملك أيّ مال بالشراء ، والهبة ، والإرث ، وغير ذلك من أنواع الملك ، وتملك علاوة على ذلك بالإحياء بأن كانت ميتة فأحياها ، وبتمليك الدولة للأفراد ، وهو ما يُسمَّى في الاصطلاح الشرعي ( بالإقطاع ) ومتى ملك الشخص الأرض أجبر على أن يتولى بنفسه استغلالها ، إما بمباشرته هو العمل فيها ، أو بتأجيره عمالاً وحيوانات وآلات حرث وغير ذلك ، ولا يحلّ له أن يؤجرها للزراعة مطلقاً ، وإذا أهملها ثلاث سنوات دون استغلال أُخذت منه جبراً ، وأعطيت لغيره ، قال عليه السلام : " مَن أحيا أرضاً ميتة فهي له " ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم اقطع أبا بكر وعمر أرضاً ، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من كانت له أرض فليزرعها ، أو فلّيُرزِعها أخاه ، ولا يكاريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى " ، وروي أن عمر جعل التحجير ثلاث سنين فإن تركها حتى تمضي ثلاث سنين فأحياها غيره فهو أحق بها ، وهو القائل ( ليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين ) .

58 ? تباح التجارة الخارجية لجميع أفراد الرعية إباحة مطلقة ، سواء أكانت بضاعة أم نقداً ، فلا رخص استيراد ولا رخص تصدير ، ولا اذونات عملة لعموم قوله تعالى :(وأحلَّ الله البيع) وعموم قوله عليه السلام : " بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد " ، وهذا عام يشمل التجارة الداخلية والخارجية على السواء ، ولا تؤخذ ممن يحمل التابعية ضريبة جمرك مطلقاً . لقول الرسول عليه الصلاة والسلام : " لا يدخل الجنة صاحب مكس " . وأما غير الرعايا ممن لا يحملون التابعية فإنه لا يسمح لهم بدخول البلاد ، ولا بإدخال مالهم إليها سواء أكان بضاعة ، أم نقداً ، إلا بإذن خاص ، أي إلا برخص استيراد ، وأذونات عملة ، وللدولة أن تأذن لهم ، ولها أن تمنعهم ، لان مَن لا يحمل التابعية لا يدخل إلا بأمان ، ويؤخذ من هؤلاء الذين لا يحملون التابعية ضريبة جمارك حسب ما يـأخذون من تجارنا ، رُوي عن أبي مجلز لاحق بن حميد قال : ( قالوا لعمر كيف نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا ؟ قال : كيف يأخذون منكم إذا دخلتم إليهم ؟ قالوا : العشر ، قال : فكذلك خذوا منهم ) .

59 ? التجارة الخارجية تعتبر حسب تابعية التاجر لا حسب منشأ البضاعة ، فالتجار الحربيون حكماً يمنعون من التجارة في بلادنا إلا بإذن خاص للتاجر ، أو للمال . والتجار المعاهدون يعاملون حسب المعاهدات التي بيننا وبينهم ، والتجار الذين من الرعية يمنعون من إخراج ما تحتاجه البلاد من المواد ، ومن إخراج المواد الاستراتيجية ، ولا يمنعون من إدخال أي مال يملكونه .

ويستثنى من هذه الأحكام البلد الذي بيننا وبين أهله حرب فعلية كإسرائيل ، فإنه يأخذ أحكام دار الحرب الفعلية في جميع العلاقات معه ، تجارية كانت أم غير تجارية .

60 ? يمنع استغلال واستثمار الأموال الأجنبية في البلاد ، كما يمنع منح الامتيازات لأي أجنبي .

61 ? لا يجوز للدولة الإسلامية أن تشترك في صندوق النقد الدولي ، ولا في البنك الدولي ، ولا أن تستعين بهما لتقويم نقدها ، أو لتحسين أوضاعها المالية ، أو الاقتصادية ، لما يترتب على ذلك من ضرر للدولة ، وضرب لنقدها واقتصادها . لأنهما مؤسستان تستخدمهما أمريكا للتحكم بالنقد والتجارة في العالم .

كما لا يَحِلُ للدولة الإسلامية أن تأخذ قروضاً أجنبية من المؤسسات المالية أو من الدول الأجنبية لتمويل مشاريعها ، أو لتحسين اقتصادها ، أو للمحافظة على قيمة نقدها .

لما في ذلك من خطر على الدولة ، واقتصادها ، ونقدها ، وسيادتها ، إذ أن القروض الأجنبية أداة لإفقار البلاد ، وضرب اقتصادها ، ونقدها ، وزيادة ديونها أضعافاً مضاعفة ، ووسيلة لبسط نفوذ الدول الكافرة المقرضة عليها ، مما ينقص من سيادتها ويرهن إرادتها . وذلك مما لا يجوز شرعاً ، لأنه وسيلة إلى الحرام ، والوسيلة إلى الحرام محرَّمة ، ولأن هذه القروض لا تكون إلا بالربا ، والربا حرام أيضاً .

ونظرة بسيطة إلى الدول التي سمحت لنفسها بأخذ القروض الأجنبية كالأردن ومصر وتركيا والسودان وغيرها من الدول تُري أن هذه الدول لم يتحسن اقتصادها ، ولم تنجح مشاريعها ، ولم تحافظ على قيمة نقدها ، ولم تعالج فقرها ، بل بالعكس فقد انهار نقدها ، وازداد فقرها ، وتدهور اقتصادها ، وفشلت مشاريعها ، وتضاعفت ديونها أضعافاً مضاعفة ، وأصبحت إرادتها مرهونة لصندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي ، وأصبح للدول المقرضة نفوذ عليها ، مما أدى إلى إضعاف سيادتها .

62 ? الأصل في ملكية المصنع أنها ملكية فردية ، وليست ملكية عامة ، ولا ملكية دولة ، فإن الرسول  استصنع خاتماً ، واستصنع المنبر ، وقد استصنع كلاً منهما عند من يملك المصنع ملكية فردية ، وكان الناس يستصنعون في أيام الرسول  ، وسكت عنهم ، مما يدل على أن الرسول قد أقرَّ الملكية الفردية للمصانع مطلقاً . ولم يرد نصٌّ يدلّ على أن المصانع ملكية عامة أو ملكية دولة ، فتكون ملكية فردية .

غير أن المصانع التي تنتج مادة الملكية العامة يجوز أن تأخذ حكم المادة التي تنتجها ، فتصبح ملكية عامة ، كما يجوز أن تكون مملوكة للدولة ، باعتبارها نائبة عن الأمة في استخراج مادة الملكية العامة ، ويجوز أن تكون مملوكة للأفراد ، تستأجرها الدولة منهم لاستخراج هذه المادة .

63 ? واردات الدولة الدائمية هي الفيء ،والجزية ، والخراج وخمس الركاز ، والزكاة ، وتؤخذ هذه الواردات دائمياً ، سواء أكانت هناك حاجة ، أم لم تكن ، فإذا كفت هذه الواردات كان بها ، وحينئذ لا يَحلّ للدولة جمع ضرائب مطلقاً ، أما إذا لم تفِ هذه الواردات للنفقات يُنظَر ، فإن كانت الحاجات التي لم تكفها الواردات حاجات غير ضرورية ، ولا يُصيب البلاد والناس ضرر من عدم القيام بها كفتح طريق يغني عنها غيرها ، وحفر آبار يمكن الاكتفاء عنها بما هو موجود لا يحلّ أن تجمع الدولة ضرائب من أجل القيام بها ، بل تؤجَّل حتى يوجد مال من الواردات الدائمية ، وإن كانت ضرورية بأن كان يٌصيب البلاد ، أو الأمة ضرر من عدم القيام بها ، ففي هذه الحالة تجمع الدولة ضرائب للقيام بها بقدر ما يلزمها ، لأن ذلك مما يجب على بيت المال والمسلمين ، فإذا لم يوجد في بيت المال مال انتقل وجوبها على المسلمين ، وتجمع مِن كل مَن كان لديه ما يَفضُل عن حاجاته حسب حاله وأمثاله بالمعروف ، ولا يصح أن تفرض الضرائب غير المباشرة مطلقاً ، فلا ضرائب حراسة ، ولا ضرائب صحية ، ولا ضرائب بلدية ، ولا رسوم محاكم ، ولا رسوم دلالة ، ولا غير ذلك مطلقاً .

المجتمع

50 ? المجتمع هو مجموعة من الناس تنشأ بينهم علاقات دائمية ، ففرد زائداً فرداً زائداً فرداً يساوي جماعة ، أي ينشأ من هذه المجموعة من الأفراد جماعة ، فإذا نشأت بين هؤلاء الأفراد علاقات دائمية كانوا مجتمعاً ، وإن لم تنشأ بينهم علاقات دائمية ظلوا جماعة ولا يشكلون مجتمعاً ، فالذي يجعل مجموع الناس يشكل مجتمعاً إنما هو العلاقات الدائمية فيما بينهم . وهذه العلاقات إنما تنشأ بدافع مصالحهم ، فالمصلحة هي التي توجد العلاقة ، ومن غير وجود مصلحة لا توجد علاقة . إلا أن هذه المصالح إنما يُعيّنها من حيث كونها مصلحة أو مفسدة مفهوم الإنسان عن المصلحة ، فإن رأى الشخص أن هذا الأمر مصلحة نشأت العلاقة ، وإن رأى أن هذا الأمر ليس مصلحة لم تنشأ العلاقة فالمفهوم هو الذي عين المصلحة ، وبالتالي فالمفهوم هو الذي أوجد العلاقة ، وبما أن المفاهيم هي معاني الأفكار ، فتكون الأفكار هي التي عينت المصلحة ، وبالتالي هي التي أوجدت العلاقة ، فوحدة الأفكار بين مجموعة الناس ، أوجدت وحدة النظر إلى المصالح ، وبالتالي أوجدت العلاقة ، غير أن وحدة الأفكار وحدها لا تكفي لأن توجد العلاقة ، بل لا بد أن تكون معها وحدة المشاعر ، أي أن هذه المصلحة لا بد أن يُسَرّ بها الشخصان حتى توجد العلاقة ، أي لا بد أن تتحد مشاعرهما في النظرة إلى المصلحة من سرور وغضب ، وحزن وألم إلى غير ذلك من المشاعر ، إلى جانب وحدة الأفكار حتى توحد المصلحة ، وبالتالي حتى توجد العلاقة ، إلا أن وحدة الأفكار والمشاعر كذلك لا تكفي ، بل لا بد أن تكون معها وحدة النظام الذي يعالجون به هذه المصالح حتى توجد العلاقة ، أي لا بد أن يتفقا على كيفية معالجة هذه المصلحة حتى توجد العلاقة ، ولهذا فإن العلاقة حتى توجد بين الناس لا بد أن تتحقق بينهم وحدة الأفكار والمشاعر والنظام ، فإذا لم توجد وحدة هذه الأمور الثلاثة بينهم لا توجد علاقة . ومن هنا كان المجتمع هو الناس وما يوجد بينهم من أفكار ومشاعر وأنظمة ، فالمجتمع مكوَّن من أناس وأفكار ومشاعر وأنظمة ، فهو مجموعة من الناس بينهم علاقات دائمية ، إلا أن هذه العلاقات الدائمية إنما أوجدتها وحدة الأفكار والمشاعر والأنظمة فيما بينهم ، وبحسبها تكون المجتمعات ، ولذلك تختلف المجتمعات بين الناس باختلاف الأفكار والمشاعر والأنظمة لديهم .

51 ? المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي تسير العلاقات فيه بالأفكار والمشاعر والأنظمة الإسلامية ، أي هو مجموعة من المسلمين تكون العلاقات التي تنشأ بينهم وبين بعضهم ، وبينهم وبين غيرهم مُسيَّرة بالعقيدة الإسلامية ، والأحكام الشرعية ، فوجود مسلمين فقط دون تحكم الأفكار والمشاعر والأنظمة الإسلامية في علاقاتهم لا يجعل المجتمع مجتمعاً إسلامياً ، بل لا بد من أن تكون الأفكار والمشاعر والأنظمة التي تتحكم في علاقاتهم كذلك أفكاراً ومشاعر وأنظمة إسلامية فكون الأفكار والمشاعر والأنظمة التي تُسيّر العلاقات إسلامية شرط أساسي ليكون المجتمع مجتمعاً إسلامياً . فلا يكفي أن يكون الناس مسلمين ، بل لا بد أن تكون الأفكار والمشاعر والأنظمة إسلامية أيضاً ، لان المجتمع أناس وأفكار ومشاعر وأنظمة . ومن هنا كان المجتمع الذي يعيش فيه المسلمون اليوم في جميع أقطار العالم مجتمعاً غير إسلامي ، ولو كان الناس مسلمين ، لان العلاقات لا تُسيّر جميعها بالأفكار والمشاعر والأنظمة الإسلامية ، حتى البلدان التي لا تزال تفصل الخصومات في القضاء حسب الأحكام الشرعية فإنها مجتمع غير إسلامي ، لأنها تُسيِّر باقي العلاقات على غير أفكار الإسلام وأحكامه ، ولا بد أن تُسيّر جميع العلاقات حسب العقيدة الإسلامية ، والأحكام الشرعية ، حتى يكون المجتمع مجتمعاً إسلامياً .

52 ? طريقة تغيير المجتمع غير الإسلامي الذي يعيش فيه المسلمون اليوم وإيجاد مجتمع إسلامي مكانه هي تغيير جميع العلاقات دفعة واحدة ، أي بشكل انقلابي لا بالتدريج ، أي بإلغاء جميع العلاقات الموجودة ، وإيجاد علاقات إسلامية مكانها دفعة واحدة ، وتبدأ مِن نظام الحكم ، وتنتقل لسائر الأنظمة دفعة واحدة ، فأول عمل يقام به تحطيم أجهزة الحكم القائمة تحطيماً تاماً ، وإيجاد أجهزة الحكم الإسلامي مكانها ، وأجهزة الحكم تُلزم الناس بأفكار الإسلام وأحكامه ، وتفرض على المسلمين أن يكون المُسيِّر لهم في أعمالهم أوامر الله ونواهيه ، وأن يكون مقياس الأمور كلها لديهم هو الحلال والحرام ، وتسير في إحداث هذه التغيير بالتوجيه وبإيقاع الجزاء ، فتذكر المسلمين بالإسلام ، وتشرح للناس جميعاً أفكار الإسلام وأحكامه ، وفي نفس الوقت تعاقب المخالف بالحدود والجنايات والتعزير ، ولكنها تعتمد في إلزام المسلمين بالتقيّد بأفكار الإسلام وأحكامه على ما لديهم من اعتقاد ، أي على الدافع الذاتي ، فإن لم يوجد هذا الدافع الذاتي لجأت إلى الإلزام بالقوة وإيقاع الجزاء

سن الدستور والقوانين

46 ? كلمة القانون اصطلاح ، ومعناه الأمر الذي يصدره السلطان ليسير عليه الناس . وقد عُرِّف بأنه ( مجموع القواعد التي يَجبر السلطان الناس على اتباعها في علاقاتهم ) وقد أطلق على القانون الأساسي لكل دولة كلمة الدستور ، وأُطلق على سائر القوانين الأخرى غير القانون الأساسي كلمة القانون . وقد عُرّف الدستور بأنه ( القانون الذي يُحدّد شكل الدولة ونظام الحكم فيها ، ويُبيِّن حدود واختصاص كل سلطة فيها ) . هذا ما تعنيه كلمتا الدستور والقانون ، فالدستور والقانون كل منهما أمر السلطان ، والمسلمون إنما هم مقيدون بأوامر الله ونواهيه ، فهم مقيدون بالكتاب والسنة ، والسلطان نفسه مُقيَّد بأوامر الله ونواهيه ، أي بالكتاب والسنة ، ومن هنا هم ليسوا بحاجة ماسة إلى دستور وقوانين ، لأن الأحكام الشرعية قد بيَّنت القواعد التي يجب عليهم اتباعها في علاقاتهم ، وبيّنت شكل الدولة ونظام الحكم ، واختصاص كل سلطة . فدستورهم وقانونهم إنما هو الحكم الشرعي ، أي خطاب الشارع ، به وحده يتَقَّيدون ، وبحسبه وحده يسيرون في علاقاتهم ، وسائر أفعالهم وتصرفاتهم ، سواءً في الدولة ، أو في المجتمع . ومن هنا لم يكن للدولة الإسلامية منذ عهد الخلفاء الراشدين حتى زوال الخلافة الإسلامية أي دستور أو قانون ، إلا حين سيطرت الدول الكافرة على آخر الدولة الإسلامية في آخر أيام العثمانيين ، فأجبروها على سن القوانين ، ثم سن دستور .

47 ? إن الله تعالى أمر بطاعة السلطان ، وتنفيذ أوامره . قال تعالى :(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : " ومَن يُطع الأمير فقد أطاعني ومَن يَعصِ الأمير فقد عصاني " ، غير أن طاعة السلطان مُقَيّدة بما جُعل له أن يقوم به برأيه واجتهاده ، لا بكل شيء ، فهو لا يُحلُّ حراماً ، ولا يُحرِّم حلالاً بحجة أن الله أمر بطاعته ، وإنما ينفذ أحكام الشرع على الناس ، فالطاعة إنما هي طاعة الشرع وقد جعل الله له أن ينفذ أحكامه برأيه واجتهاده ، فوجبت طاعته في هذا ، وما عداه فالطاعة هي لله ورسوله لا للسلطان . والسلطان إنما ينفذ شرع الله ، وبما أن الأحكام الشرعية اختلف الصحابة فيها ، واختلف المجتهدون فيها ، ففهم بعضهم من النصوص الشرعية غير ما فهمه البعض الآخر ، وبذلك تعدّد فَهْم الأحكام ، فإن الشارع قد جعل للخليفة أن يتبنى رأياً من هذه الآراء ، ويُلزم الناس بالعمل به وتجب طاعته في هذا ، وقد انعقد إجماع الصحابة على أن للخليفة أن يتبنى أحكاماً ، وأنه إذا تبنى حكماً وجبت طاعته ، وصار هو حكم الله في حق المسلمين جميعاً . صحيح ان طاعة الخليفة فيما تبنى مِن الأحكام واجبة ، وله أن يُلزم الناس بأحكام مُعينة ، ولكن القيام بذلك ليس قياماً بأمر الخليفة ، وإنما هو قيام بما أمر الله ، والخليفة إنما عَيَّن فهماً مُعيَّناً مِن أفهام متعددة للنص الشرعي ، فالعمل إنما يكون بالحكم الشرعي لا بأمر الخليفة ، بدليل أنه لو تبنى غير الحكم الشرعي لما وجبت طاعته ، بل حرمت طاعته . ومن هنا لم يكن الالتزام بما تبنى الخليفة طاعة لأمر الخليفة في أمر مِن أوامره هو ، وإنما هو طاعة لله فيما أمر الله ، فهو قيام بما أمر الله ، لا بما أمر الخليفة ، ومن هنا لم يكن للسلطان أن يجبر الناس على اتباع قواعد معينة يضعها لهم ، إلا في حالة واحدة هي ما جعل الله له أن يقوم به برأيه واجتهاده .

48 ? إن عدم حاجة المسلمين لدستور وقوانين إنما هي عدم حاجة لأحكام مِن وضع البشر يأمر بها السلطان ، لأن الشرع جاء بكل شيء ، قال تعالى :  ونزّلنا عليّك الكتب تِبياناً لكل شيء  فلم تبق هناك حاجة لدستور وقوانين مِن وضع البشر ، ولكن ما جعل الشرع للخليفة مِن تبني أحكام معينة فيما اختلفت فيه آراء المجتهدين ، وما جعله له من إلزام الناس بآراء معينة مِن آرائه هو فيما جعل له أن يقوم به برأيه واجتهاده ، كأمر قيادة الجيش ، ونفقات واردات بيت المال ، وما شاكل ذلك ، فإنه يجعل للسلطان صلاحية أن يسن دستوراً وقوانين ، وأن يُجبر الناس على اتباعها ، وعلى ذلك يجوز أن يكون للمسلمين دستور وقوانين مِن الأحكام الشرعية ، ومما جعلته الأحكام الشرعية للخليفة أن يقوم به برأيه واجتهاد . وبالنسبة لتبني الأحكام يُنظر ، فإن كان الخليفة لا يستطيع أن يقوم بأمر يتوجب عليه القيام به إلا إذا تبنى حكماً معيناً في ذلك الأمر ، أو كانت وحدة الدولة ، أو وحدة الحكم ، أي السلطان ، أو وحدة الأمة أو وحدة البلاد لا تتأتى ، أو لا يُحافظ عليها إلا إذا تبنى حكماً معيناً ، فإن التبني في هاتين الحالتين يكون واجباً على الخليفة ، عملاً بالقاعدة الشرعية . ( ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب ) ، وأما في غير هاتين الحالتين فإن التبني جائز ، وليس بواجب . وأما بالنسبة لما جعل له أن يقوم به برأيه واجتهاده ، فإن كان يمكنه أن يعطي رأيه في العمل حين لزوم القيام به ، ولا ضرورة لأن يُعيَّن له أسلوباً معيناً سلفاً ، فإنه في هذه الحال يجوز له أن يبيّن رأياً معيناً للقيام بذلك العمل ، ويجوز أن لا يبيّن ، أي يجوز له أن يَسنَّ قانوناً ، ويجوز أن لا يَسنَّ ، وأما إذا كان القيام بالعمل لا يتأتى إلا بوضع أساليب مدروسة ومحضرة ، وإذا لم توضع تعذر القيام بالعمل ، وحصلت الفوضى ، فإنه حينئذٍ يجب القيام بسن القوانين ويحرم عدم سنّها ، وعلى ذلك يكون سنّ قواعد معينة يجبر الناس على القيام بها واجباً في بعضها ، وجائزاً في بعضها الآخر ، أما جمع هذه القواعد الواجبة والجائزة في دستور واحد ، وفي قانون واحد فذلك جائز ، وليس بواجب ، ومن هنا كان سن دستور وقوانين للمسلمين جائزاً ، ولكن من الأحكام الشرعية ، ومما جُعل للخليفة أن يقوم به برأيه واجتهاده .

49 - إن تبني الأحكام الشرعية يحدّ من البحث والإبداع ، ولا يشجع على الاجتهاد ، لأنه يُلزم الناس بالحكم المتبنى ، إذ لا يجوز لهم أن يعملوا بغيره ، والحكم إنما يستنبط للعمل به ، لا لمجرد العلم والمعرفة ، فإذا كان العمل به لا يجوز فإن المجتهد حينئذٍ لا يرى حاجة للاستنباط ، لأن مجرد العلم لا يحفز على الاجتهاد ، كما يحفز داعي العمل ، وبذلك يَحدّ من البحث والإبداع ، ولا يشجع على الاجتهاد ، ومن هنا كانت الأحكام التي تبناها الخلفاء الراشدون قليلة جداً ، بل نادرة ، ومن أجل هذا نصح الإمام مالك الخليفة أبا جعفر المنصور أن لا يتبنى كتابه الموطأ ، وان يترك الناس يعملون بما يرون ، وذلك حين طلب أبو جعفر المنصور من الإمام مالك أن يتبنى كتابه بعد أن حث ابن المقفع أبا جعفر على أن يتبنى للقضاة أحكاماً معينة يلزم الناس العمل بها . إذ أن ترك الناس يعملون بما يرون يكثر الإبداع ، ويشجع الاجتهاد ، وينمي الثروة الفكرية ، والثروة التشريعية ، ويشحذ العقول ، ويوجد في الأمة الحشد من المبدعين والمجتهدين . وعلى هذا لا بد أن يحاول التقليل من الأحكام المتبناة إذا حصل سَنّ دستور وقوانين .

فهم الكتاب والسنة

39 ? الكتاب والسنة قول عربي ، وهو قول تشريعي ، والاستدلال بهما يتوقف على معرفة اللغة العربية .

40 ? اللغة العربية كسائر اللغات وضعها العرب ، واصطلحوا عليها ، فتكون من اصطلاح العرب ، وليست توقيفاً مِن الله تعالى . وما دام العرب قد اصطلحوا عليها فطريق معرفتها هي أخذها عنهم ، فإذا قالوا هم إن لفظ كذا موضوع لمعنى كذا ، أو قالوا إن معنى كذا موضوع للفظ كذا قُبل قولُهم وسُلّم به ، ولم يناقش ، لأنه لا مشاحة في الاصطلاح ، فالمسألة مسألة وضع اصطلحوا عليه وليست مسألة عقلية ، ولا متعلقة بالإدراك .

41 ? المراد بالعرب هنا العرب الاقحاح ، الذين كانوا يتكلمون اللغة العربية قبل فساد اللسان العربي ، وقد ظلّ قسم منهم حتى القرن الرابع الهجري ، كانوا يسكنون البادية ، ولم تفسد لغتهم ، وأما مَن جاء بعدهم مِن العرب فلا تؤخذ اللغة عنهم ، وليس كلامُهم حجة .

42 ? لا بد من التقيد في مدلول اللفظ بما وضعه العرب ، وحصر معنى اللفظ بما وضعه العرب ، لأن المسألة مسألة نقل عن الواضع كما وَضع ليس غير ، وعلى ذلك فإن كون الكلمة مشتقة من مادة معينة لا يعني أن جميع مشتقات هذه المادة تتحد في المعنى ، وأن إحداها تعطي معنى الأُخرى ، فقد تعطي اللغة أكثر من كلمة للمعنى الواحد ، وقد لا تعطي للكلمة إلا معنىً واحداً وُضِعت له ، ولا يُعطي هذا المعنى غيرها ، وذلك كله حسب وضع العرب ، فاتحاد الكلمات بالاشتقاق لا يعني الاتحاد في المعنى ، بل تأخذ الكلمة معناها الذي وضعه لها العرب بغض النظر عن مادة الاشتقاق .

43 ? إن التقيد في مدلول اللفظ بما وضعه العرب لا يعني منع الاشتقاق والتعريب والمجاز ، فلنا أن نثري اللغة العربية بهذه الأبواب الثلاثة ، لأن هذه الأبواب ليست خاصة بالعرب الاقحاح ، وإنما الخاص بهم هو وضع أصول الاشتقاق والتعريب والمجاز ، ووضع تفصيلات اللغة العربية وأوزانها ، أما استعمال المجاز والاشتقاق والتعريب فهو لكل عربي عارف باللغة ، ما دام يسير على ما وضعه العرب ، وبذلك كانت اللغة العربية بالمجاز والاشتقاق والتعريب قادرة على التعبير عن كل معنى جديد ، وكل شيء جديد ، وبالتالي كانت قادرة على التعبير عن الحوادث المتجددة لاستنباط حكمها من النصوص الشرعية .

44 ? إن قدرة الكتاب والسنة على إعطاء الحكم لكل حادثة تتوقف على قدرة اللغة العربية على التعبير عن كل معنى يتجدد ، وهذا يوجب بل يُحتم أن تتحد اللغة العربية بالإسلام ، أي بالكتاب والسنة ، بحيث يصبحان شيئاً واحداً غير قابل للانفصال ، أي أن تكون اللغة العربية جزءاً جوهرياً مِن الإسلام ، أي جزءاً من الكتاب والسنة غير قابل للانفصال عنهما ، وهذا هو الذي كان ، والذي يتحتم أن يظل حتى آخر الدهر ، ومِن هنا كانت معرفة اللغة العربية شرطاً أساسياً مِن شروط الاجتهاد ، وكانت قراءة الفاتحة باللغة العربية شرطاً مِن شروط صحة الصلاة ، وكانت ترجمة القرآن الكريم غير جائزة مطلقاً ، ولذلك خرج المسلمون من جزيرة العرب يحملون إلى العالم الكتاب والسنة بيد ، واللغة العربية باليد الأخرى ، ويُعلمون الناس اللغة العربية كما يعلمونهم الكتاب والسنة سواءً بسواء ، ولهذا يجب أن يجعل المسلمون اللغة العربية كالكتاب والسنة سواء بسواء من حيث تعلّمها ومن حيث المحافظة عليها فإنه لا بقاء في واقع الحياة ، وواقع العلاقات المتجددة للكتاب والسنة بغير اللغة العربية .

45 ? إن الوقوف عند حد المعاني التي وضع العرب لها الألفاظ ، والتقيد بما وضعوه لا يمنع اللغة العربية مِن أن تسع العلوم والاختراعات المتجددة ، فإنه تجوز لأرباب كل علم وكل اختراع أن يضعوا مصطلحات لعلمهم واختراعهم ، فيصطلحون على وضع ألفاظ معينة ، من اللغة العربية لمعانٍ معينة من علومهم ومخترعاتهم ، فذلك جائز ، وقد وضعه العرب أنفسهم ، وجعلوا الاصطلاح جائزاً ، ولكن يخصّص فيما اصطلح له ، فعلم النحو وقواعد الإملاء وما شاكل ذلك لم يضع العرب مصطلحاتها وإنما وضعها أرباب تلك العلوم ، ولم يعرفها العرب فاصطلاحات العلوم وضعها أهل العلوم ، وقد قَبِل ذلك العربُ الاقحاح وأقروه ، فكذلك كل علم يتجدد ، وكل اختراع يتجدد توضع له اصطلاحات جديدة من قبل أرباب العلم وأرباب الاختراع ، ويستعملون له اللغة العربية ، على أن يتقيدوا بالألفاظ العربية وبالأوزان العربية حتى يَظلَّ اللفظ عربياً كما وضعه العرب ، ولا يتغير فيه إلا المعنى المنقول له اصطلاحاً . وبذلك تتسع اللغة العربية للعلوم والاختراعات المتجددة مع التقيُّد بما وضعه العرب والوقوف عند حده .

السنة

33 ? السنة هي قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفعله ، وتقريره مما صدر عنه غير القرآن الكريم ، وهي وحي من الله تعالى ، لأن الله سبحانه يقول :(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى )، ويقول : (إن أتبع إلا ما يوحى إليّ)، ويقول :(قُل إنما أتبع ما يوحى إليّ)، ويقول :frowning: إنما أنذركم بالوحي).

34 ? السنة كالقرآن من حيث كونها وحياً من الله ، ومن حيث كونها شريعة الله ، ولا فرق بين القرآن الكريم والسنة في الشريعة ، فكل منهما خطاب الشارع لقول الله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ، و ( ما ) من صيغ العموم . ولقوله :frowning: من يُطع الرسول فقد أطاع الله) ، وقوله : (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) ، فالسنة دليل شرعي كالقرآن الكريم من غير أي فرق بينهما .

35 ? وصلت السنة إلينا عن طريق الرواية ، بخلاف القرآن الكريم ، فإنه قد نُقِل إلينا نَقلاً فَعَيّنُ القرآن الكريم الذي نزل على رسول الله ، والذي ألقاه على قوم تقوم الحجة القاطعة بقولهم ، والذي أمر بحفظه وكتابته هو الذي نُقِل إلينا كما نزل به الوحي عيناً ، أما السنة فإن الرواة قد رَووا لنا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما فعله ، وما سكت عنه ، ولهذا كان اعتبار الشيء أنه من السنة متوقفاً على الراوي .

36 ? الذين رَووا عن الرسول صلى الله عليه وسلم إما أن يكونوا من الصحابة ، أو لا يكونوا من الصحابة ، لأنه ليس كل مَن رأى الرسول صلى الله عليه وسلم صحابياً ، ولا كل من روى عنه صحابياً ، بل الصحابي لفظ عربي فيفهم حسب دلالة اللغة . والصحابي لغةً هو كل مَن تحقق فيه معنى الصُحبة ، ولم يرد نصٌّ شرعي يبين معنى الصحابي ، فيكون معناه ما دلت عليه اللغة ، وقد رُوي عن سعيد بن المسيب في تعريف الصحابي أنه ( لا بد من أن يصحبه سَنَة أو سنتين ، أو يَغزو معه غَزوة أو غزوتين ) أما مَن رأى الرسول  أو رَوى عنه ولم يصحبه فليس بصحابي ، ولذلك لما سُئل أنس بن مالك : هل بقي مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرك ؟ قال : ( بقي ناس مِن الأعراب رأوه ، أما مَن صحبه فلا ) .

37 ? يُلزَم كل مسلم بقبول رواية الصحابي والاحتجاج بها ، ولا يَحلُّ له ردّها ، لأن عدالة الصحابة ثابتة بنص القرآن الكريم القطعي ، فمن ثبت أنه مِن المهاجرين ، أو أنه من الأنصار قبلت روايته قطعاً ، ولا يَحلّ لمسلم ردها لأنه يعني رَدّ مَن أثنى الله عليه ، وعدّله في القرآن الكريم .

38 ? غير الصحابة مِن الرواة يشترط فيمن يُحتجّ بروايته منهم أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه ، فالوثوق بالراوي حتى يُعتَبر ما رواه أنه من السنة لا يتم إلا إذا توفرت فيه العدالة والضبط ، فلا بد من التحري الدقيق عمن يؤخذ عنه الحديث . ولا تُقبل رواية مَن في مذهبه رأي يَكفر من يعتقده ، وكذلك من يستحلُّ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لتأييد مذهبه ، أو للدعوة إلى فرقته والترغيب بها ، أو لمصلحة الإسلام ، أو ما شاكل ذلك . لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " مَنْ كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده مِن النار " ، فالكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساقِط العدالة قطعاً .

أنظمة المجتمع والإرهاصات

002…ميثاق الأمة

003…أحكام عامة

006…أحكام متنوعة

007…ألكتاب

008…السنة

009…فهم الكتاب والسنة

010…سن الدستور والفوانين

011…المجتمع

012…الاقتصاد

013…الدولة

014…شكل الدولة

015…السياسة الخارجية

016…

الكتاب

29 ? الكتاب هو القرآن الكريم المنزل على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل ، وهو ما نُقِل إلينا بين دَفتي المصحف بالأَحرف السبعة نقلاً متواتراً .

30 ? ما نُقل إلينا مِن القرآن الكريم نقلاً متواتراً ، وعلمنا أنه من القرآن هو وحده الذي يكون حجة ، وأما ما نُقل إلينا منه آحاداً كمصحف ابن مسعود وغيره فلا يكون حجة ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفاً بإلقاء ما أُنزل إليه من القرآن الكريم على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم ، وَمن تقوم الحجة القاطعة بقولهم فلا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه ، فإذا وٌجِد مِن القرآن الكريم شيء لم ينقله مَن تقوم الحجة بقولهم ، وإنما نُقِل آحاداً ، فإنه لا يعتبر ، لأنه جاء على خلاف ما كُلِّف به الرسول صلى الله عليه وسلم في انفراد الواحد بنقله ، وعلى خلاف ما كان عليه إلقاء القرآن مِن الرسول مِن إلقائه على عِدَّة من المسلمين يحفظونه ، ويكونون ممن تقوم الحجة القاطعة بقولهم ، إلى جانب أمره بكتابته .

31 ? ليس للقرآن الكريم ظاهر وباطن ، وإنما هو كلام عربي ، جاء على لسان العرب . قال تعالى :(قرآناً عربياً )، وقال :frowning: بلسان عربي مبين ) ، فيفهم كما يفهم أي كلام عربي ، ومُراد الله سبحانه من القرآن الكريم هو ما عَبّر عنه القرآن الكريم ، وليس هناك مُراد لله تعالى يُعبّر عنه ، ويفهم مُراده مِن فَهم العبارات التي عَبّر بها فحسب ، فمراد الله سبحانه هو ما جرى التعبير عنه ليس غير ، فالمفهوم العربي هو مُراد الله سبحانه مِن كلامه الذي عَبّر عنه باللفظ العربي ، والأسلوب العربي ، فالمراد مِن الخطاب هو ما دَلّ عليه الخطاب بالأدلة اللغوية ، والدلالة الشرعية التي جاءت بالكتاب أو السنة ، وهذا ليس له ظاهر وباطن ، وإنما له مدلول دلّ عليه الكلام العربي ، بالفهم العربي ، للألفاظ العربية ، والأساليب العربية .

32 ? القرآن مشتمل على آيات مُحكماتٍ وأُخر متشابهات . على ما قال تعالى :(منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) أما المحكم فهو ما ظهر معناه وانكشف كشفاً يرفع الاحتمال ، أي ما كانت دلالته صريحة ، لا تحتمل التأويل . كقوله تعالى :(واحلّ الله البيع وحرّم الربا) ، وقوله :(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) ، وقوله : (ولكم في القِصاص حياة يا أولي الألباب ) . وأما المتشابه فهو المقابل للمحكم ، وهو ما يحتمل أكثر من معنى ، أي ما تعارض فيه الاحتمال ، واحتمل عدة معان متعارضة . كقوله تعالى :frowning: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء )، وقوله : (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) ، وقوله :(أو لامستم النساء ) ، وقوله:( ويبقى وجه ربك ) ، وقوله : ( فإنك بأعيننا ) ، وقوله : (مما عملت أيدينا ) . وما شاكل ذلك مما يحتمل لفظه عدة معان متعارضة ، لا يمكن الجمع بينها ، فيحتاج إلى قرينة لفظية تُعيِّن أحدها . أو مما ظاهره موهم للتشبيه فيستحيل شرعاً أو عقلاً أن يكون المراد منه مدلول لفظه ، فيحتاج إلى قرينة شرعية أو عقلية تُعيِّن المعنى المراد منه .

أحكام متنوعة

24 ? شاعت في هذا العصر كلمتا حضارة ومدنية ، صارتا تطلقان على شيء واحد هو إنتاج العقل ، فتطلقان على الفلسفة والفكر ، وكل ما يتعلق بوجهة النظر في الحياة ، وتطلقان على الأشكال المادية المحسوسة ، مما تُنتجه الصناعة والفن ، وكل ما هو مِن الأشكال المحسوسة في الحياة ، فيُقال حضارة الأُمم السابقة ، ومدنية الأمم السابقة ويُراد بهما ما تركته هذه الأمم ، مِن أفكار تتعلق بوجهة النظر في الحياة ، كالدين والفلسفة وما شاكل ذلك ، وما تركته من آثار مادية وأشكال محسوسة . كالبناء والأدوات المصنوعة وغير ذلك ، وكذلك يُقال حضارة هذا العصر ومدنية هذا العصر ، ويراد بهما هذا المعنى ، وهو كل ما يُنتجه العقل مِن فكر ، ومن أشكال مادية . وهذا الإطلاق على هذا الوجه لهاتين الكلمتين خطأ ، فإن ما يُنتجه العقل مما يتعلق بوجهة النظر في الحياة متباين تمام التباين مع ما يُنتجه مِن الأشكال المادية المحسوسة كالصناعات والاختراعات ، والصواب أن تطلق إحداهما على أحد هذين الأمرين وتطلق الكلمة الثانية على الأمر الآخر ، والأولى أن تطلق كلمة الحضارة على إنتاج العقل مما يتعلق بوجهة النظر في الحياة ، لأنها من الحضر مقابل البدو ، فإنه يراد منها طريقة الحياة ، وأن تُطلق كلمة مدنيّة على الأشكال المادية المحسوسة ، فَتُعَرّف الحضارة بأنها مجموعة المفاهيم عن الحياة ، وتعرّف المدنية بأنها الأشكال المادية المحسوسة .

والحضارة تختلف باختلاف الأمم وطرائقها في العيش ، فالحضارة الشيوعية هي غير الحضارة الغربية ، والحضارة الإسلامية غير الحضارة الغربية ، وغير الحضارة الشيوعية ، ولا توجد حتى الآن حضارة إنسانية مطلقاً ، لأن مجموعة مفاهيم الأمم والشعوب عن الحياة مختلفة ومتباينة ، فما لدى الإنسانية من حضارات هو حضارات مختلفة ومتباينة ، وكذلك ما في تاريخ العالم من حضارات هو حضارات مختلفة متباينة ، فحضارة الإسلام غير حضارة الروم ، وحضارة اليونان غير حضارة الفرس وهكذا ، فكلمة حضارة إنسانية لا وجود لها .

25 ? الحضارة الإسلامية تتناقض مع الحضارة الغربية ، وتتناقض كذلك مع الحضارة الشيوعية ، فأساس الحضارة الإسلامية هو العقيدة الإسلامية ، بخلاف أساس الحضارة الغربية ، فإن أساسها هو فصل الدين عن الدولة ، وبخلاف أساس الحضارة الشيوعية فإن أساسها هو المادية ، وهي أن الحياة والإنسان والكون تتطوّر من نفسها تطوراً ذاتياً ، فالعالم بطبيعته مادي ، وحوادث العالم المتعددة هي مظاهر مختلفة للمادة المتحركة ، هذا بالنسبة للأساس .

أما تصوير الحياة فإنه عند الرأسمالية هو النفعية ، وعند الشيوعية هو التطوّر ، بمعنى الانتقال الحتمي من حال إلى حال في حركة تصاعدية ، بخلاف الإسلام فإن تصوير الحياة عنده هو الحلال والحرام . وأما السعادة فإنها لدى الحضارة الغربية والحضارة الشيوعية بمعنى واحد وهو إشباع المتع الجسدية ، بخلاف الإسلام فإن السعادة عنده هي الطمأنينة الدائمة ، سواء أشبعت المتع الجسدية أو أصابها الحرمان ، فإنه إذا وُجدَت الطمأنينة الدائمة نال الإنسان السعادة ، وإذا لم توجد لم ينل السعادة ، وإذا أُشبعت جميع المتع الجسدية ، فلا تتحقق السعادة إلا بالطمأنينة الدائمة وهي تُنال بنوال رضوان الله ، ومن هنا كانت السعادة بمعناها الأساسي طلب رضوان الله ، لأن به تتحقق الطمأنينة الدائمة ، وبهذا التناقض بين أساس الحضارة الإسلامية ، وأساس الحضارة الرأسمالية ، وأساس الحضارة الشيوعية ، وبين تصوير الإسلام للحياة ، وتصوير الرأسمالية والشيوعية لها وبين معنى السعادة في نظر الإسلام ، ومعنى السعادة في نظر الرأسمالية والشيوعية تكون الحضارة الإسلامية على النقيض من الحضارة الغربية ، وعلى النقيض من الحضارة الشيوعية .

26 ? لا يجوز للمسلم اخذ حضارة غير الحضارة الإسلامية مطلقاً ، إذ لا يجوز للمسلم أخذ مجموعة المفاهيم عن الحياة غير ما جاء به الإسلام ، فهو مقيَّد بأخذها من الإسلام فيحرم عليه أخذ غيرها ، سواء أكانت متعلقة بالنظرة إلى الحياة ، أم كانت متعلقة بمعالجة مشاكل الحياة ، فكل حضارة غير الحضارة الإسلامية لا يَحلّ أخذها مطلقاً ، أما المدنية فإنه ينظر فيها ، فإن كانت غير متأثرة بوجهة النظر في الحياة فإنه يجوز أخذها كالصناعات والأسلحة وأدوات الزينة ، وأشكال الثياب وأشكال التزيين والتجمل وغير ذلك ، فإن هذه أشياء ، والأصل في الأشياء الإباحة ، أما إذا كانت متأثرة بوجهة النظر في الحياة فإنه لا يجوز أخذها كرسم كل ذي روح ، ونحت كل ذي روح ، وما شاكل ذلك مما جاء النهي الصريح عنه ، فالمدنية يجوز أخذها إلا ما جاء النهي عنه ، أما الحضارة فلا يجوز أخذها مطلقاً .

27 ? يجب أن يُفرَّق بين العلوم التجريبية ، وما هو مٌلحق بها كالرياضيات ، وبين المعارف الثقافية ، فالعلوم التجريبية وما يُلحق بها عالمية لا تختص بأمة من الأمم ، ولا تتعلق بوجهة النظر في الحياة ، فهي في روسيا كما هي في أمريكا حقائق واحدة ، وعلوم واحدة دون أي فرق ، وهي لدى جميع الشعوب والأمم حديثاً وقديماً واحدة ، لم تختلف ولن تختلف باختلاف الشعوب والأمم ، ولا باختلاف وجهة النظر في الحياة ، بخلاف الثقافة وهي المعارف التي تؤثر في العقل وحكمه على الأشياء ، فإنها تختلف باختلاف وجهات النظر . فالنظرة الثقافية في روسيا ، تختلف عن النظرة الثقافية في أمريكا ، فالتشريع والاقتصاد والتاريخ وما شاكلها هي في روسيا غيرها في أمريكا ، وكذلك الثقافة الإسلامية غير الثقافة الشيوعية ، وغير الثقافة الرأسمالية ، والنظرة الثقافية في الإسلام غيرها لدى الغرب ، وغيرها لدى الشيوعيين ، ولهذا لا بد أن يُفرَّق في التعليم بين العلم بمعناه في العصر الحديث ، وبين الثقافة ، فتدرس العلوم التجريبية وما يحلق بها حسب الحاجة ، وتؤخذ من كل إنسان ، إلا إذا كانت بعض هذه العلوم تُؤدي إلى زيغ في العقائد ، أو ضعف في المعتقدات ، فإن هذه العلوم فقط يحرم تعليمها ، فإذا فقدت تأثيرها جاز تعلُّمها ، بخلاف الثقافة فإنه يقتصر في تعليمها على الثقافة الإسلامية ، ويوقف عند حَدِّ النظرة الثقافية في الإسلام ، إلا في المرحلة العالية ، ومراحل البحث والنقد ، فإنه يجوز أن تُعلّم ، ولكن لا لأخذها ، بل لنقضها وإبطالها ، ولا يُعلَّم شيءٌ منها من غير أن يُعلَّم إلى جانبه نقضه وإبطاله ، لأن القرآن الكريم جاءت فيه عقائد الآخرين ، ولكن جاءت في معرض بيانها لإبطالها والرد عليها .

أما الفنون والصناعات فقد تُلْحَق بالعلم ، كالتجارة والملاحة والزراعة فتؤخذ ، وقد تُلْحَق بالثقافة ، مثل رسم كل ذي روح ، وصنع الصلبان ، فلا تؤخذ لأنها تتأثر بوجهة النظر في الحياة .

28 ? هناك فرق بين الطريقة والوسيلة والأسلوب ، فالطريقة تكون حسب وجهة النظر في الحياة ، وتختلف باختلافها ، ويُلْتَزم بها ولا تتغيّر ، أما الوسيلة والأسلوب فإن كلاً منهما يكون حسب ما يتطلبه العمل ، ولا تختلف باختلاف وجهة النظر ، ولا يُلْتَزم بها ، بل تتغير ، فإثارة التناقضات في نظر الشيوعية من الطريقة ، والجهاد في نظر الإسلام مِن الطريقة ، واستعمار الشعوب في نظر الرأسمالية من الطريقة . أما الأدوات التي تستعمل مثل المدفع والسيف والقنبلة الذرية ، وكيفية استعمال هذه الأدوات مِن مثل الخطط الحربية ، والفنون العسكرية ، وما شاكل ذلك فإنه من الوسائل والأساليب ، ومن هنا لا يصح أخذ الطريقة من غير الإسلام ، بل لا بد أن يُلْتَزم بالطريقة التي جاء بها الإسلام ، بخلاف الوسائل والأساليب فإنه يجوز أخذها أنّى وُجدت إلا ما جاء نهي صريح عنه .