أنظمة ألمجتمع في أسئلة فقهية وسياسية

**جواب سؤال من : Irfan Abu Naveed

عن الديمقراطية **

**السؤال:

لقد غزت الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر المفاهيم الخاطئة والمعتقدات الباطلة الدخيلة على ديننا الحنيف والتي تضاد وتصادم العقيدة الإسلامية من كل وجه وجانب، ومنها الديمقراطية الباطلة. المشكلة الخطيرة عندنا، أن بعض المسلمين في إندونيسيا يزعمون أن الديمقراطية من الإسلام، وهم يستدلون عليها بأدلة شرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية بالمفاهيم الضالة، بالتكلف في استعمال هذه الأدلة.

  1. فما هو رأيك يا شيخنا في الديمقراطية؟

  2. وكيف يمكن التخلص من هذه المشكلة الخطيرة؟

  3. أريد أن أكتب كتابا حول هذا الأمر. ما رأيك يا شيخنا؟ وأطلب منك النصيحة المتعقلة بهذا الأمر.**

الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الديمقراطية تعني السيادة للشعب، فهو يشرع من دون الله، أي يحلل ويحرم من دون الله، والله سبحانه يقول: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)، وفي الحديث الشريف الذي أخرجه الطبراني في الكبير عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ»، فَطَرَحْتُهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ) حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»، ولذلك فإن من يشرع من دون الله إثمه كبير كبير.

? فالديمقراطية من هذا الباب نظام كفر لأنها تجعل التشريع للبشر وليس لرب البشر.

ومن باب آخر فهي تقول بالحريات الأربع: العقيدة، والفكر، والملكية، والشخصية.

فتجيز أن يعتقد المرء ما يشاء، فله أن يبدل دينه كما يشاء، وله أن يقول الرأي الذي يريد حتى لو طعن في المقدسات… وله أن يملك بالحلال والحرام، وله أن يعاشر بالزنا ما دام يرضي الطرفين. وهذا أمر محرم في الإسلام، فالردة حرام، والزنا حرام، والتملك بوسائل غير مشروعة حرام، والقول بالسب والشتم كذلك حرام.

? وهكذا فإن الديمقراطية بإطلاقها للحريات كذلك هي نظام كفر لأنها تعني التحلل من الأحكام الشرعية.

وهناك كتاب “الديمقراطية نظام كفر” اطلبه من مكتب الحزب في بلدك، ففيه تفصيل مسألة الديمقراطية وكيف أنها نظام كفر.

وفي الختام أقرئك السلام، وأدعو لك بالعون والتوفيق فيما تكتبه من خير للإسلام والمسلمين.

20 رجب 1434هـ ألموافق2013-05-30

منقول

حكم القاضي بخلاف تبني الخليفة

السؤال: هل يعتبر حكم القاضي بخلاف تبني الخليفة موجباً لنقض الحكم؟ وإن كان كذلك، فلماذا لم يذكر مع حالات نقض الحكم الثلاث المذكورة في كتاب المقدمة الجزء الأول مادة 83.

الجواب

حكم القاضي يُنقض في الحالات الثلاث المبيَّنة عندنا، أي إن ترك الحكم بالإسلام وحكم بأحكام الكفر، أو خالف نصاً قطعياً، أو خالف واقع المسألة، وهذا إذا لم يكن الخليفة قد تبنى، أما إذا كان الخليفة قد تبنى، فإن الواجب على القاضي أن يحكم وفقاً للأحكام الشرعية المتبناة، فيلتزم بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس، وليس بالاستحسان والمصالح المرسلة… ومثلاً يلتزم بأن المزارعة حرام إذا كان هذا الحكم متبنى فلا يحكم بسواه.

فإذا حكم بغير المتبنى فإنّ القاضي يكون قد خالف أمر الإمام وعليه عقوبة، ويُرد حكمه، لكننا لم نذكرها في الحالات الثلاث لأن الأصل أن لا يحكم القاضي بخلاف المتبنى.

والواجب على كل مجتهد أن يترك الحكم الذي أداه إليه اجتهاده في مسألة ما، إذا تبنى الخليفة حكماً فيها، لأن إجماع الصحابة قد انعقد على أن أمر الإمام يرفع الخلاف.

3 من ربيع الأول 1432هـ ألموافق 6/2/2011م

منقول

القضاء بين غير المسلمين في الدولة الإسلامية

أبو بلال كتب:
**سؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… أرجو منك التوضيح لمسألة استثناء النبي ‏صلى الله عليه وسلم‏ لمشركي العرب ممن ‏أقرهم من كفار اليمن على البقاء على دينهم. هل نعتبر هذا الاستثناء في حق مشركي العرب قيداً للعموم الذي ‏ورد في كتاب الدولة الاسلامية ط7 ص144: “والصنفان الأخيران يتركون وما يعتقدون وما يعبدون…” ‏والصنفان هما: أهل الكتاب والمشركون؟ وكذلك قيداً لما ورد في مشروع الدستور المادة 27 الفقرة ب؟ أم أن هذا ‏الاستثناء هو خاص بذلك الجيل فقط؟ وأريد أن أضيف سؤالاً آخر متعلقاً بما ورد في كتاب الدولة الإسلامية ط7 ‏ص144: “تعين الدولة لهم قاضياً منهم ينظر في خصوماتهم في محاكم الدولة”، وكذلك في الكتاب نفسه ‏ص146 الفقرة د: “… من قضاة منهم في محاكم الدولة لا في محاكم خاصة”. نرجو توضيح طبيعة عمل هؤلاء ‏القضاة ووضعهم؟ علماً بأني بحثت عن ذلك قبل أن أرفع لكم سؤالي في مقدمة الدستور فلم أجد. (أي هل يجوز ‏أن يصدر من محكمة الدولة حكمان؟ حكم بالإسلام وحكم آخر بغيره؟) ولكم خالص التقدير.

أخوكم أبو بلال**

ألجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

سؤالاك هما عن النص التالي من كتاب الدولة الإسلامية صفحة 146:‏

‏(…هذا بالنسـبة للمسلمين. وأما غير المسلمين الذين يعتنقون عقيدة غير العقيدة الإسلامية فهم:‏

‏4ــ المشركون وهم عبدة الأصنام والصابئة والمجوس والهندوس وجميع من ليسوا من أهل الكتاب.‏

والصنفان الأخيران يتركون وما يعتقدون وما يعبدون، ويسيرون في أمور الزواج والطلاق حسب أديانهم، ‏وتعين الدولة لهم قاضياً منهم ينظر في خصوماتهم هذه في محاكم الدولة، وأما المطعومات والملبوسات فإنهم ‏يعاملون بشأنها حسب أحكام دينهم ضمن النظام العام (أي ضمن ما تسمح به شريعة الإسلام)، ويعامل غير أهل ‏الكتاب كمعاملة أهل الكتاب، قال عليه الصلاة والسلام في حق المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». أما ‏المعاملات والعقوبات فإنها تنفذ على غير المسلمين كما تنفذ على المسلمين سواء بسواء، فتقام العقوبات على ‏غير المسلمين كما تقام على المسلمين، وتنفذ وتفسخ معاملات غير المسلمين كما تنفذ وتفسخ معاملات المسلمين ‏سواء بسواء، من غير تفريق أو تمييز بين شخص وآخر…)‏

وفي الكتاب نفسه صفحة 147:‏

‏(والخلاصة هي أن الدولة في سياستها الداخلية تنفذ الشرع الإسلامي على جميع الذين يحملون التابعية سواء ‏أكانوا مسلمين أم غير مسلمين ويكون تنفيذها على الوجه الآتي:‏

د ـ تفصل أمور الزواج والطلاق بين غير المسلمين حسب أديانهم من قضـاة منهم في محاكم الدولة لا في ‏محاكم خاصة، وتفصـل هذه الأمور بينهم وبين المـسلمين حسب أحكام الإسلام من قضاة مسلمين…) انتهى.‏

وكذلك ما ورد في المادة السابعة بند ب:‏

‏(المادة 7 - تنفذ الدولة الشرع الإسلامي على جميع الذين يحملون التابعية الإسلامية سواء أكانوا مسلمين أم ‏غير مسلمين على الوجه التالي:‏

ب - يُترك غير المسلمين وما يعتقدون وما يعبدون ضمن النظام العام) انتهى.‏

جواب سؤالك الأول:‏

لا يراد بالمشركين هنا مشركو العرب، بل يقصد بهم عبدة الأوثان من غير العرب كبعض القبائل ‏الإفريقية، وهؤلاء لا يجبرون على ترك أديانهم، وتعاملهم الدولة معاملة أهل الكتاب سوى أنه لا تُؤكل ذبائحهم ‏ولا تُنكح نساؤهم… أما مشركو العرب عبدة الأصنام فإن الحكم الشرعي في حقهم هو التخيير بين الإسلام ‏والقتل، وهؤلاء لم يبق منهم أحد في عصرنا هذا بل انتهوا في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، فمن لم يسلم ‏منهم في حينها قتله المسلمون. وقد بيّنا أحكامهم في كتاب الشخصية الإسلامية الجزء الثاني على النحو التالي:‏

‏"وأما مشركو العرب فلا يقبل منهم الصلح والذمة، ولكن يدعون إلى الإسلام، فإن أسلموا تركوا وإلا قوتلوا ‏قال تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ معناه إلى أن يسلموا. والآية فيمن كان ‏يقاتلهم رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم‏ وهم عبدة الأوثان من العرب، فدل على أنهم يقاتلون إن لم يسلموا. وروى أيضاً من طريق ‏الحسن قال: «أمر رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم‏ أن يقاتل العرب على الإسلام، ولا يقبل منهم غيره، وأمر أن يقاتل أهل الكتاب ‏حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون». قال أبو عبيد: وإنما نرى الحسن أراد بالعرب ها هنا أهل الأوثان ‏منهم الذين ليسوا بأهل الكتاب، فأما من كان من أهل الكتاب فقد قبلها رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم‏ منهم وذلك بَـيِّنٌ في أحاديث. ‏ولم يثبت أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم‏ أخذ من أحد من عبدة الأوثان من العرب الجزية، ولم يقبل منهم بعد نزول آية الفتح وسورة ‏التوبة سوى الإسلام أو الحرب. وما روي أنه أخذ من العرب الجزية كأهل اليمن وأهل نجران، إنما أخذها من ‏أهل الكتاب النصارى واليهود، ولم يأخذها من عبدة الأوثان من العرب." انتهى.‏

جواب سؤالك الثاني:‏

وأما ما جاء في النص المذكور من قوله: “…وتعين الدولة لهم قاضياً منهم ينظر في خصوماتهم هذه في ‏محاكم الدولة،…”، وقوله: “تفصل أمور الزواج والطلاق بين غير المسـلمين حسب أديانهم من قضـاة منهم في ‏محاكم الدولة لا في محاكم خاصة،…”، فليس المقصود أن القضاة المسلمين هم الذين يحكمون بينهم حسب ‏شرائعهم، بل المراد أن الحكم بينهم يكون من قبل قضاة منهم أي من غير المسلمين، ولكن لا تفرد لهؤلاء القضاة ‏محاكم خاصة، بل تكون لهم غرف قضاء داخل مباني محاكم الدولة ويكونون تابعين من ناحية إدارية لمحاكم ‏الدولة، ولا يترك أمر تعيين القضاة لهم بل يكون ذلك بترتيب من الدولة، فالدولة هي التي تعين لهم قضاة منهم ‏يحكمون بينهم في أمور الزواج والطلاق وما يلحق بها، وهذا لا يعني أن محاكم الدولة تحكم بحكمين: حكم ‏إسلامي وحكم غير إسلامي، بل محاكم الدولة تحكم بالإسلام فقط، ولكن يجعل فيها غرف تابعة لها إدارياً يحكم ‏فيها قضاة غير مسلمين في الخصومات الناشئة بين غير المسلمين في أمور الزواج والطلاق وملحقاتها، وفق ‏أديانهم وشرائعهم، كما أقر ذلك الشرع.‏

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

16 من جمادى الثانية 1436هـ ألموافق2015-04-05 م

منقول

**جواب سؤال: توضيح المادة 33 في مقدمة الدستور

(شغور منصب الخليفة وتعيين أكبر المعاونين سناً أميراً مؤقتاً)**

**ألسؤال:

بسم الله العظيم وبه أستعين:

عالمنا الجليل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لي سؤالان أرجو التكرم والتفضل بالإجابة عليهما وأسأل الله أن يسدد خطاكم وخطا العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية:

ورد في مقدمة الدستور أو الأسباب الموجبة القسم الأول صفحة 135 المادة 33 - ب: “إن توفي الخليفة أو اعتزل قبل تعيين الأمير المؤقت، أو كان شغور منصب الخلافة في غير الوفاة أو الاعتزال، فإن أكبر المعاونين سناً يكون هو الأمير المؤقت”. فما دليل هذه المادة؟ ولماذا يكون أكبر المعاونين سنا هو الأمير المؤقت وليس من هو دونه سنا؟**

ألجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن المادة “33” مشروحة جيداً في المقدمة وهي تتعلق بأمرين: الأول تعيين الخليفة قبل وفاته أميراً مؤقتاً، والثاني الترتيب المذكور إن لم يعين الخليفة قبل وفاته أميراً مؤقتاً.

أما الأمر الأول، فدليله كما في المادة هو الإجماع، جاء في المقدمة عند شرح هذه المادة:

(للخليفة، عندما يشعر بدنو أجله قبيل خلو منصب الخلافة بفترة مناسبة، أن يعيِّن أميراً مؤقتاً لتولي أمر المسلمين خلال فترة إجراءات تنصيب الخليفة الجديد، ويباشر عمله بعد وفاة الخليفة، ويكون عمله الأساس هو الفراغ من تنصيب الخليفة الجديد خلال ثلاثة أيام.

ولا يجوز للأمير المؤقت أن يتبنى الأحكام؛ لأن هذا من صلاحية الخليفة الذي تبايعه الأمة. وكذلك ليس له أن يترشح للخلافة أو يسند المرشحين؛ لأن عمر رضي الله عنه عيّنه من غير من رشحهم للخلافة.

وتنتهي ولاية هذا الأمير بتنصيب الخليفة الجديد؛ لأن مهمته مؤقتة بهذه المهمة.

أما دليل ذلك فهو ما صنعه عمر عندما طعن، وكان ذلك على ملأ من الصحابة رضوان الله عليهم دون إنكار فكان إجماعاً.

لقد قال عمر رضي الله عنه للمرشحين الستة حين طعن رضي الله عنه: «وليصلِّ بكم صهيب هذه الأيام الثلاثة التي تتشاورون فيها» ثم قال لصهيب كما في تاريخ الطبري: «صل بالناس ثلاثة أيام، إلى أن قال: فإن اجتمع خمسة، ورضوا رجلاً، وأبى واحد، فاشدخ رأسه بالسيف …» وهذا يعني أن صهيباً عيِّن أميراً عليهم، فهو قد عين أميراً للصلاة، وإمارة الصلاة كانت تعني إمارة الناس، ولأنه أعطي صلاحية العقوبة (فاشدخ رأسه)، ولا يقوم بالقتل إلا الأمير.

وقد تم هذا الأمر على ملأ من الصحابة دون منكر؛ فكان إجماعاً بأن للخليفة أن يعين أميراً مؤقتاً يتولى إجراءات تنصيب الخليفة الجديد.) انتهى

وأما الأمر الثاني وهو كيفية تعيين الأمير المؤقت إن لم يعين الخليفة قبل موته أميراً مؤقتاً، والأولويات في ذلك، فإنه أمر إداري، ويجوز تبنِّي مادة تفصِّل هذا الأمر الإداري، وعليه كان المذكور في المادة “33”: (…فإن أكبر المعاونين سناً يكون هو الأمير المؤقت إلا إذا أراد الترشح للخلافة، فيكون التالي له سناً… وهكذا. فإذا أراد كل المعاونين الترشح فأكبر وزراء التنفيذ سناً ثم الذي يليه إذا أراد الترشح.. وهكذا، فإذا أراد كل وزراء التنفيذ الترشح للخلافة حصر الأمير المؤقت في أصغر وزراء التنفيذ سناً).

وللعلم، فقد روعي في هذا التبني اعتبارات موجبة، فالمعاونون هم أعرف الناس بالحكم وأكثر الناس اطلاعاً على مجريات الأمور أيام الخليفة السابق، ويليهم في المعرفة والخبرة وزراء التنفيذ لالتصاقهم بالخليفة وبأعماله، فهؤلاء أفضل الناس لتولي الإمارة المؤقتة، ولما كان المعاونون سواءً لا تفاضل بينهم في المعاونة، والوزراء كذلك، كانت السن عاملاً مناسباً للتفاضل كما في إمامة الصلاة، إذا تساوى المصلون في شروط الإمامة قُدم أكبرهم سناً، أخرج مسلم في صحيحة عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَوْسَ بْنَ ضَمْعَجٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا، وَلَا تَؤُمَّنَّ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ، وَلَا فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا تَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَكَ، أَوْ بِإِذْنِهِ». وعليه فكان الأمر الإداري المتبنى في هذه المسألة هو تقديم أكبر المعاونين سناً ثم الذي يليه، ثم أكبر وزراء التنفيذ ثم الذي يليه، وهكذا.)

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

02 من شعبان 1435هـ ألموافق2014-05-31م

منقووووول

1- هل مصطلح الخلافة مصطلح فقهي أم مصطلح سياسي؟

**الأسئلة:السلام عليكم،

هل مصطلح الخلافة للدولة الإسلامية هو مصطلح فقهي فرضه الله على هذه الدولة أم هو مصطلح سياسي؟ انتهى**

الأجوبة:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

بالنسبة للسؤال ، فإن نظام الحكم الذي فرضه الله على الأمة هو الخلافة، ومن ثم فهي مصطلح فقهي، أي حقيقة شرعية، وكذلك فإن الخلافة هي نظام حكم، أي فيها أعمال سياسية يقوم بها الخليفة، وتفصيل ذلك:

1- إن الخلافة هي مصطلح فقهي “حقيقة شرعية” لأن النصوص الشرعية دلت على ذلك، ومن هذه النصوص:

  • يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

  • وأخرج أحمد وأبو داود الطيالسي عن حذيفة بن اليمان قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ فِي النُّبُوَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، ثُمَّ سَكَتَ.

  • وأخرج الشيخان مسلم عن أبي حازم قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ».

  • وأخرج مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا».

فالنصوص الشرعية بينت أن النظام “خلافة” والحكام في هذا النظام “خلفاء”، هكذا سماهم الرسول صلى الله عليه وسلم وهكذا سمي الخلفاء الراشدون… والخليفة هو أمير المؤمنين وإمام المسلمين الذي يحكمهم بشرع الله سبحانه، أي أن “الخلافة” و"الخليفة" هي مصطلحات فقهية “حقيقة شرعية” نصّ الشرع عليها، ومنها النصوص المذكورة أعلاه.

2- وأما أن نظام الخلافة فرض، فللأدلة الواردة في ذلك من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ومنها:

أما الكتاب فقد قـال تعالى مخاطباً الرسـول عليه الصـلاة والسـلام: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾، وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك﴾، وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكم بينهم بما أنزل الله هو خطاب لأمته صلوات الله وسلامه عليه، ومفهومه أن يوجِدوا حاكماً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم بينهم بما أنزل الله، والأمر في الخطاب يفيد الجزم؛ لأن موضوع الخطاب فرض، وهذا قرينة على الجزم كما في الأصول، والحاكم الذي يحكم بين المسلمين بما أنزل الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الخليفة. ونظام الحكم على هذا الوجه هو نظام الخـلافة. هذا فضلاً عن أن إقامة الحدود وسائر الأحكام واجبة، وهذه لا تقام إلا بالحاكم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي أن إيجاد الحاكم الذي يقيم الشرع هو واجب. والحاكم على هذا الوجه هو الخليفة، ونظام الحكم هو نظام الخلافة.

وأما السنة فقد رُوي عن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» رواه مسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتة جاهلية. والبيعة لا تكون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا للخليفة ليس غير. فالحديث يوجب وجود بيعة في عنق كل مسلم، أي وجود خليفة يستحق في عنق كل مسلم بيعة بوجوده، وإلا مات المقصر ميتة جاهلية للدلالة على عظم الإثم الناتج عن عدم العمل لإيجاد الخليفة الذي يحكم بالإسلام.

وأما إجماع الصحابة فإنهم، رضوان الله عليهم، أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وقد ظهر تأكيد إجماع الصحابة على إقامة خليفة من تأخيرهم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب وفاته، واشتغالهم بنصب خليفة له، مع أن دفن الميت عقب وفاته فرض. والصحابة الذين يجب عليهم الاشتغال في تجهيز الرسول ودفنه اشتغل قسم منهم بنصب الخليفة عن الاشتغال بدفن الرسول، وسكت قسم منهم عن هذا الاشتغال، وشاركوا في تأخير الدفن ليلتين مع قدرتهم على الإنكار، وقدرتهم على الدفن، فقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ضحى الاثنين، وبقي دون دفن ليلة الثلاثاء ونهار الثلاثاء حيث بويع أبو بكر رضي الله عنه ثم دفن الرسول صلى الله عليه وسلم وسط الليل، ليلة الأربعاء، أي تأخر الدفن ليلتين، وبويع أبو بكر قبل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم. فكان ذلك إجماعاً على الاشتغال بنصب الخليفة عن دفن الميت، ولا يكون ذلك إلا إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت.

? وبناء عليه فإن إقامة الخلافة فرض، ومن ثم إيجاد الخليفة فرض، وأي فرض.

3- وأما أن الخلافة، نظام الحكم في الإسلام، فيها أعمال سياسية يقوم بها الخليفة، فذلك لأن السياسة تعني رعاية الشؤون، والعمل الأصلي للخلافة والخليفة هو رعاية شئون الأمة، ورعاية الشئون من الحاكم هي سياسة.

إن كلمة السياسة في اللغة هي من ساس يسوس أي يرعى الحاكم الشئون، جاء في القاموس المحيط: “وسُسْتُ الرَّعِيَّةَ سِياسَةً: أمرْتُها ونَهَيْتُها”

وجاء في مختار الصحاح في مادة “س وس”: (سَاسَ الرَّعِيَّةَ يَسُوسُهَا سِيَاسَةً بِالْكَسْرِ)

وقد وردت أحاديث تربط رعاية شئون الأمة بالخليفة، ومنها:

أخرج البخاري عَنِ ابْنِ شِهَابٍ… أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ…». فالخليفة عمله رعاية الشئون، ورعاية الشئون من الحاكم هي سياسة وفق معناها اللغوي.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

21 من ربيع الأول 1435هـ ////2014-01-22م

منقول

هل هناك راية محددة يجب أن يلتزم بها السوريون

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، .. كَثُر الجدل هنا في سوريا حول راية رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وكثرت الخلافات .. ومنها سؤالٌ وُجه لـ"هيئة الشام الإسلامية" على موقعها على الانترنت، بعنوان: “هل هناك راية محددة يجب أن يلتزم بها السوريون؟”

وذُكر في الجواب: (لم يَرِد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لونٌ واحد أو شكلٌ واحد لرايات الحرب، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له راية سوداء، وأحياناً بيضاء، وقيل أيضًا صفراء… ولم يثبت أنه صلى الله وسلم كان يكتب شيئًا في تلك الرايات كما قد يتوهمه بعض المتأخرين، وما ورد عن ابن عباس أن راية النبي صلى الله عليه وسلم كان مكتوباً فيها: " لا إله إلا الله محمد رسول الله"، فإنه حديثٌ باطل كما قال العلماء) انتهى

أرجو التفضل بالجواب حول هذا الموضوع وجزاكم الله خيراً.**

الجواب

أولاً: لون اللواء والراية، فإن الأدلة الشرعية الصحيحة والحسنة الواردة تدل على أن اللواء أبيض والراية سوداء ومن هذه الأدلة:

1- أخرج النسائي في سننه الكبرى، والترمذي عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «دَخَلَ مَكَّةَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ». وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عَنْ عَمْرَةَ قَالَتْ: «كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَضَ».

2- أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي في سننه الكبرى عن يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: بَعَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ إِلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ يَسْأَلُهُ عَنْ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاهى؟ فَقَالَ: «كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبَّعَةً مِنْ نَمِرَةٍ».

3- أخرج الترمذي وابن ماجه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاءَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ».

وأخرج البغوي في شرح السنة، عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: «كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَضَ، وَكَانَتْ رَايَتُهُ سَوْدَاءَ… »

ثانياً: أما ما ورد من أنها كانت صفراء كما في حديث أبي داود والبيهقي فهناك مقال في سنده، فالحديث كما يلي: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ الشَّعِيرِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ، عَنْ آخَرَ مِنْهُمْ قَالَ: رَأَيْتُ «رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفْرَاءَ»، وكما ترى فالحديث في سنده اثنان مجهولان، وهو ضعيف.

ثالثاً: أما ما روي من أن (راية علي رضي الله عنه يوم صفين كانت حمراء مكتوب فيها: محمد رسول الله، وكانت له راية سوداء.)، فواضحٌ أنه ليس حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو فعل صحابي، فضلاً عن أن الرواية نفسها كذلك تقول: (وكانت له راية سوداء)، وكما هو معلوم فالمعتمد هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رابعاً: هذا عن لون راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ولون لوائه، أي الراية الرسمية المعتمدة للدولة، وكذلك لواؤها…

أما أن بعض القبائل كانت تتخذ راية بلون خاص بها في الحروب للتمايز فهذا جائز فيمكن أن يتخذ جيش الشام في الحرب راية بلون آخر مع الراية السوداء، وجيش مصر راية بلون آخر مع الراية السوداء… وهذا من المباحات وقد ورد عند الطبراني في الكبير عن مَزِيدَةَ الْعَبْدِيَّ، يَقُولُ: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَدَ رَايَاتِ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَهُنَّ صُفَرًا»، وكذلك ورد عند ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني عَنْ كُرْزِ بْنِ سَامَةَ قَالَ: «…وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَدَ رَايَةَ بَنِي سُلَيْمٍ حَمْرَاءَ»، فهذا من المباحات، والجيوش اليوم تتخذ كتائبها شارات تميزها غير علم الدولة الرسمي، كما هو من المباحات أيضا تمييز الجيوش بأسمائها، كأن يوضع لكل جيش من هذه الجيوش رقم، فيقال: الجيش الأول، الجيش الثالث مثلاً، أو يُسمى باسم ولاية من الولايات، أو عِمالة من العمالات، فيقال، جيش الشام، جيش حلب مثلاً.

خامساً: أما الكتابة عليها، فقد أخرج الطبراني في الأوسط قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ رِشْدِينَ قَالَ: نا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ أَبُو صَالِحٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: نا حَيَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: نا أَبُو مِجْلَزٍ لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاءَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» . لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: حَيَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ).

وحيان بن عبيد الله اختلف في توثيقه:

أ- ذكره ابن حبان من الثقات وذلك في كتابه “الثقات” جزء (6 / 230):

(7491 - حَيَّان بن عبيد الله أَبُو زُهَيْر مولى بني عدي يروي عَن أبي مجلز وَأَبِيهِ روى عَنهُ مُسلم بن إِبْرَاهِيم ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل)

ب- وذكره الذهبي في كتابه ميزان الاعتدال (1 / 623):

(2388- حيان بن عبيد الله، أبو زهير، شيخ بصري. عن أبي مجلز. قال البخاري: ذكر الصلت منه الاختلاط).

والصلت هو بن محمد أبو همام، ذكره أبو الحجاج المزي في كتابه (تهذيب الكمال في أسماء الرجال 2 / 79) قال:

أبو همام الصلت بْن مُحَمَّد الخاركي منسوب إلى “خارك” جزيرة في الخليج العربي قريبة من عمان، وقد روى له البخاري في الصحيح.

وبسبب هذه الاختلاط في كبره فقد عده العقيلي من الضعفاء في كتابه “الضعفاء الكبير -1 / 319” حيث قال:

“حَيَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو زُهَيْرٍ بَصْرِيٌّ… وَحَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: حَيَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو زُهَيْرٍ ذَكَرَ الصَّلْتُ مِنْهُ الِاخْتِلَاطَ…”.

وقال عنه الذهبي في كتابه (المغني في الضعفاء 1 / 198) “حَيَّان بن عبيد الله أَبُو زُهَيْر الْبَصْرِيّ عَن أبي مجلز لَيْسَ بِحجَّة”.

وهكذا فإنه مختلف فيه، فهناك من يجعله في الثقات وآخرون يجعلونه في الضعفاء لأنه اختلط في كبره، فيبدو أنه لما كبر سنه ظهر منه اختلاط، ومع ذلك فإن الموضوع هو كتابة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” على الراية واللواء، والاختلاط لا يضر في هذه الكتابة، وبخاصة وأن بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم راويان في السند ثقتان: أبو مجلز لاحق بن حميد وابن عباس، ولذلك فنحن قد تبنينا كتابة الشهادتين على الراية واللواء.

14 شوال 1433هـ ألموافق2012-09-01

منقول

**جواب سؤال :

حول الميراث في دار الحرب**

**السؤال : ورد في كتاب السياسة الاقتصادية المثلى الصفحة (105) السطر الخامس، ما نصه: وأما بالنسبة لدار الحرب فكل من لا يحمل التابعية الإسلامية فهو أجنبي سواء أكان مسلماً أم غير مسلم، ويعامل معاملة الحربي حكماً سوى أن المسلم لا يستباح دمه ولا ماله. أما الأحكام المتعلقة بالمال وسائر الأحكام فيعامل كغير المسلم سواء بسواء فلا يستحق النفقة ولا يرث أحداً من رعايا الدولة ولا يورث.

والسؤال: هل الدار من موانع الإرث فهي كالقتل والرق واختلاف الدين فلو فرضنا أن رجلاً مسلماً عاش في دار الكفر وله أب مسلم في دار الإسلام وتوفي والده فما هو الدليل على عدم توريثه وهل استحق هذا المال أم لم يستحقه بناءً على قول الرسول: " إن الله أعطى كل ذي حق حقه".**

الجواب

المانع: ما يلزم من وجوده العدم…

وموانع الإرث المتفق عليها بين الأئمة الأربعة ثلاثة: الرق، والقتل، واختلاف الدين، واختلفوا في أمور أخرى منها الردة، واختلاف الدارين… وكل هذه فيها تفاصيل…

ونحن نأخذ باختلاف الدار كمانع للإرث، أي الذي يعيش في دار الكفر لا يتوارث مع من يعيش في دار الإسلام، بمعنى المقيم الأصلي أي ما يسمونه الآن المواطن، وليس الذاهب لغرض ثم يعود… ولا اختلاف الدولتين القائمتين في بلاد المسلمين اليوم حيث لا توجد دار إسلام كالعراق وسوريا… لأن الأصل في بلاد المسلمين أن تكون داراً واحدة، ففي هذه الحالات لا يمنع التوارث.

وأما اختلاف الدار الذي يمنع التوارث فهو في حالة أن تكون هناك دار إسلام ودار حرب، ولا يهاجر المسلم من دار الحرب إلى دار الإسلام بل يبقى “مواطناً” في دار الحرب، ففي هذه الحالة يكون اختلاف الدارين من موانع الأرث، فقد نفى الله تعالى الولاية بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال:ï´؟وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْï´¾، فإذا وجدت دار الإسلام ولم يهاجر لها المقيم في دار الحرب بل بقي يحمل تابعية الدولة المحاربة، فهذا ينطبق عليه الحكم، أي يكون بقاؤه في دار الحرب دون الهجرة إلى دار الإسلام، يكون مانعاً من الإرث، إلا إذا كان بقاؤه في دار الحرب لسبب مشروع كما جاء في الشخصية الجزء الثاني باب “الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام” وبخاصة ما ورد فيه "…إلا أن الذي يستطيع إظهار دينه والقيام بأحكام الشرع المطلوبة إذا كان يملك القدرة على تحويل دار الكفر التي يسكنها إلى دار إسلام، فإنه يحرم عليه في هذه الحالة أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، سواء أكان يملك القدرة بذاته أم بتكتله مع المسلمين الذين في بلاده، أم بالاستعانة بمسلمين من خارج بلاده، أم بالتعاون مع الدولة الإسلامية، أم بأية وسيلة من الوسائل، فإنه يجب عليه أن يعمل لجعل دار الكفر دار إسلام، وتحرم عليه حينئذ الهجرة منها."انتهى. فهؤلاء وأمثالهم بقاؤهم أمر مشروع… لا يؤثر في التوارث.

وكذلك ما جاء في المقدمة القسم الثاني مادة 189، وانقل إليك بعض ما جاء في المقدمة في هذا الباب:

(… وعليه فإنه إن كانت هناك دار إسلام، فإن الاستيطان في دار الكفر لمن وجبت عليه الهجرة هو حرام. وفوق ذلك فإن الاستيطان في دار الكفر يجعل المسلم من أهل دار الكفر، فتطبق عليه أحكام دار الكفر من حيث العلاقات بالدولة الإسلامية، ومن حيث العلاقات بغيره من الأفراد. فلا يقام عليه الحد، “ما دام مقيماً في دار لكفر لأنه ليس تحت سلطان المسلمين”، ولا تستوفى منه الزكاة، ولا يرث غيره ممن هو في دار الإسلام، ولا تجب له النفقة على من هو في دار الإسلام ممن تجب عليه له لو كان في دار الإسلام، لأن أهل دار الكفر لا تطبق عليهم أحكام الشرع، فليس لهم ما للمسلمين وليس عليهم ما على المسلمين فلا تشملهم الأحكام. والدليل على ذلك هو أن المسلمين لا يطلبون ممن في دار الكفر الإسلامَ فحسب، بل كذلك أن يدخلوا تحت سلطان الإسلام. فقد روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ïپ² إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيداً، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ…» رواه مسلم، فالرسول ïپ² يقول: «ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ» رواه مسلم، فهذا نص يشترط التحول ليكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، أي لتشملهم الأحكام…) انتهى

فاختلاف الدار على النحو الذي بيّناه يمنع التوارث.

23 شعبان 1432هـ / 24/7/2011م

منقول

** معنى الحكم**

**السؤال:

1- جاء في نظام الحكم في الإسلام أن (الحكم والملك والسلطان بمعنى واحد)، والسؤال هو: هل هذا هو المعنى اللغوي للحكم أو المعنى الاصطلاحي؟ ثم إن كان بهذين المعنين، فهل أنه لفظ مشترك؟

2- ثم إن كلمة (البيعة)، في الحديث وردت بمعنى العقد بين الخليفة والأمة، فهل هذا المعنى لكلمة (البيعة)، هو معنى لغوي أو شرعي، أي هل هو حقيقة لغوية أو حقيقة شرعية؟**

الجواب

أ- لفظ “حَكَمَ” الذي وضعه العرب، أي في اللغة أو ما يسمى الحقيقة اللغوية، هو “قضى”:

جاء في اللسان: (والحُكْمُ: العِلْمُ وَالْفِقْهُ وَالْقَضَاءُ بِالْعَدْلِ، وَهُوَ مَصْدَرُ حَكَمَ يَحْكُمُ… قضى: القَضاء: الْحُكْم)..

وفي القاموس المحيط: (الحُكْمُ، بالضم: القَضاءُ)

وفي مختار الصحاح (“الْحُكْمُ” الْقَضَاءُ وَقَدْ “حَكَمَ” بَيْنَهُمْ يَحْكُمُ بِالضَّمِّ “حُكْمًا” وَ"حَكَمَ" لَهُ وَحَكَمَ عَلَيْه)ِ…

ب- ولكن هذا اللفظ استعمل اصطلاحاً في صدر الإسلام بمعنى الملك والسلطان، والاصطلاح هو حقيقة عرفية…

فاستعمال “حكم” في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين والعرب من بعدهم بمعنى الملك والسلطان هو استعمال اصطلاحي أي حقيقة عرفية.

ج- لا يسمى اللفظ مشتركاً إلا إذا كانت كل معانيه قد وُضعت في أصل اللغة، أي إذا كانت المعاني المختلفة كلها حقيقة لغوية، لا أن تكون واحدة حقيقة لغوية والأخرى حقيقة عرفية مثلاً، كلفظ الدابَّة فهي قد وضعها العرب بمعنى كل ما يدب على الأرض ثم تعارفوا عليها “حقيقة عرفية” بأنها مقصورة على الحيوانات التي تسير على أربع ويخرج منها الإنسان، فلا يقال لفظ الدابة لفظ مشترك في كل ما يدب على الأرض وفي الحيوان الذي يسير على أربع، لأن العرب لم يضعوا كل هذه المعاني للدابة بل وضعوها لما يدب على الأرض، وبالعرف جُعل فقط للحيوان الذي يسير على أربع… بل يقال عن لفظ الدابة فيما يسير على الأربع حقيقة عرفية.

والخلاصة أن اللفظ المشترك هو الذي كل معانيه وضعها العرب حقيقة لغوية، لا أن يكون أحد المعاني حقيقة لغوية والآخر حقيقة عرفية عامة أو خاصة “اصطلاح”، فهذا لا يكون مشتركاً.

ولذلك فإن لفظ “حكم” ليس لفظاً مشتركاً في القضاء والسلطان، بل يقال حقيقة لغوية في القضاء، وحقيقة عرفية خاصة أي اصطلاح في الملك والسلطان.

2- أما لفظ “بيعة” فهي حقيقة شرعية وليست اصطلاحاً “حقيقة عرفية خاصة” وذلك لأن معناها وُضع من الشرع وليس من العرف، وبيان ذلك:

بيعة في اللغة هي من البيع والشراء…:

(ب ي ع: “بَاعَ” الشَّيْءَ “يَبِيعُهُ” “بَيْعًا” وَ “مَبِيعًا” شَرَاهُ… وَ"بَاعَهُ" أَيْضًا اشْتَرَاهُ فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ… وَ “بَايَعَهُ” مِنَ الْبَيْعِ وَالْبَيْعَةِ جَمِيعًا وَ “تَبَايَعَا” مِثْلُهُ…) مختار الصحاح.

(باعَه، يَبِيعهُ بَيعْاً ومَبيعاً: إذا باعَه، وإذا اشْتَراه، ضِدٌّ… ) القاموس المحيط.

(بيع: البيعُ: ضِدُّ الشِّرَاءِ، والبَيْع: الشِّرَاءُ أَيضاً، وَهُوَ مِنَ الأَضْداد. وبِعْتُ الشَّيْءَ: شَرَيْتُه، أَبيعُه بَيْعاً ومَبيعاً..) اللسان.

وقد وضع لها الشرع معنى آخر وهو الطريقة التي يجري بها نصب الخليفة، وهذه الطريقة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة. وتلك الطريقة هي البيعة.

فيجري نصب الخليفة ببيعة المسلمين له على العمل بكتاب الله وسنة رسوله. والمقصود بالمسلمين هم الرعايا المسلمون للخليفة السابق إن كانت الخـلافة قائمةً، أو مسلمو أهل القطر الذي تقام الخـلافة فيه إن لَم تكن الخـلافة قائمة، أي أصبح للبيعة معنى شرعي بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة:

قال تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ )) . وروى البخاري عن عُبادة بن الصامت قال: «بايعْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم». وفي مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما». فالنصوص صريحة من الكتاب والسنة بأن طريقة نصب الخليفة هي البيعة. وقد فَهِم ذلك جميع الصحابة، وساروا عليه، وبيعة الخلفاء الراشدين واضحة في ذلك.

فأصبحت البيعة بهذا المعنى حقيقة شرعية لأن الحقيقة الشرعية هي التي يُستفاد وضعها من الشرع كما بيناه أعلاه.

29 رجب 1433 هـ ألموافق 2012-06-20

ألموازنة والميزانية

**السؤال: وردت كلمة (الميزانية) في كتاب “النظام الاقتصادي في الإسلام” في موضوع ميزانية الدولة وذلك صفحة 237، كما وردت كلمتا (الميزانية والموازنة) في كتاب “مقدمة الدستور - القسم الثاني” صفحة 114، بالإضافة إلى ورود كلمة (الموازنة العامة) في كتاب “الأموال في دولة الخلافة” في موضوع دواوين بيت المال صفحة 28.

وحسب رأيي، وكوني أعمل في مهنة تدقيق الحسابات واستخدام هذه المصطلحات جزء من تخصصي، أرى أنه لا يصلح أن يحدث تداخل في استعمال هذين المصطلحين كأنهما شيء واحد مع أنهما ليسا كذلك، لذا أرجو إعادة النظر في كيفية استخدام هذين المصطلحين.

فالموازنة هي خطة الدولة المستقبلية لإيراداتها ونفقاتها وتوقعاتها لتلك الإيرادات والنفقات من حيث كفاية مواردها ومواضع نفقاتها.

وأما الميزانية فهي تقرير مالي يصف أعمال الدولة المالية من إيرادات ونفقات ومستحقات لها وعليها في السنة الماضية أو لفترة مالية معينة ماضية، أي بعبارة أخرى هي ملخص للحركات المالية التي حصلت في فترة سابقة.

فالأولى تتحدث عن تخطيط مستقبلي بينما الثانية تتحدث عن ملخص تاريخي.

وفي “النظام الاقتصادي” يذكر كلمة ميزانية ويتحدث عن الموازنة، وفي كتاب “مقدمة الدستور” يتحدث عن الموازنة والميزانية بنفس المعنى مع أنه يشرح موضوع الموازنة، وفي “الأموال” يشير للموازنة بصفتها موازنة.

بالإضافة أنه في كتاب “النظام الاقتصادي” في شرحه لموضوع الموازنة -والتي يذكرها بلفظ الميزانية- وذلك صفحة 239 فإنه يخرج ظاهرياً بنتيجة معاكسة للنتيجة التي يخرج بها في صفحة 115 من “مقدمة الدستور”.؟؟

ففي كتاب “النظام الاقتصادي” يقول: (وعلى هذا لا يوجد أي مجال في الإسلام لوضع ميزانية سنوية للدولة، كما هي الحال في النظام الديمقراطي، لا بالنسبة لأبوابها، ولا لفصولها، ولا لمفردات الفصول، أو المبالغ التي تحتاجها تلك المفردات أو الفصول. ومن هنا لا توضع ميزانية سنوية للدولة الإسلامية، وإن كانت لها ميزانية دائمية قد حدد الشرع أبوابها بالنسبة للواردات والنفقات، وجعل للخليفة أمر تقرير الفصول ومفرداتها، والمبالغ اللازمة لها، حينما تدعو المصلحة، دون نظر لمدة معينة).

وفي كتاب “مقدمة الدستور” يقول: (وما دام للخليفة أن يضع برأيه واجتهاده فصول الواردات والمبالغ التي توضع في كل فصل فإنه لا يوجد مانع من وضع ميزانية سنوية للدولة في فصولها والمبالغ لكل فصل، سواء أكان ذلك في الواردات أم في النفقات. والممنوع هو وضع ميزانية سنوية لأبواب الميزانية، لا لوارداتها ولا لنفقاتها لأنها قد قررتها أحكام شرعية فهي دائمية).

فأرجو توضيح هذا التعارض وجزاك الله خيراً.**

الجواب

1- بالنسبة لما جاء في السؤال بأن هناك فرقاً بين “موازنة” و “ميزانية”، حيث أن “موازنة” هي عن الوضع المالي المستقبلي للدولة، وميزانية هي عن الوضع المالي الماضي للدولة.

هذا التعريف هو عند الذين تختلف عندهم أبواب الواردات، والنفقات بين السنة الماضية والسنة القادمة بغض النظر عن فصول الواردات والنفقات، مثل الأنظمة الاقتصادية الوضعية، فيفرقون في اللفظ لأن الأبواب المالية في السنة الماضية مثلاً تختلف عن الأبواب في السنة القادمة وفق ما يسمونه السلطة التشريعية، حيث هي التي تقر هذا الباب أو تلغيه أو تعدله.

وأما في الإسلام فليس هناك اختلاف بين أبواب الواردات والنفقات الماضية والمستقبلية، فهي دائمية، وإنما تختلف الفصول وفق رأي الخليفة واجتهاده.

ولذلك فإن استعمال اصطلاح “موازنة” أو “ميزانية” هو عندنا بمعنى واحد وهو الصحيح، وبخاصة وأن أصل اشتقاق الاصطلاح هو من “الوزن والميزان”، فأنْ تشتقه “موازنة أو ميزانية”، فهي للدلالة على المقارنة بين طرفين، كأن يكون هذا في كفة والآخر في كفة، هذا من حيث وضع الاصطلاح.

وأما من حيث الاستعمال، فهو واحد إن كان كل من الطرفين لا يتغير ماضياً ومستقبلاً، فإن كانت تتغير فيجوز استعمال هذا الاصطلاح لهذا المعنى وذاك الاصطلاح لذاك المعنى للتوضيح، وأقول من حيث الاستعمال، أما من حيث الاصطلاح فواحد.

2- أما بالنسبة لما لاحظته من اختلاف بين النظام الاقتصادي والمقدمة فليس كذلك، كل ما هنالك أنّ المقدمة فصّلت أكثر من النظام الاقتصادي:

جاء في النظام الاقتصادي:

“الدول الديمقراطية تضع ميزانية عامة للدولة كل سنة. وواقع الميزانية للدولة الديمقراطية هو أن الميزانية تصدر في قانون، اسمه قانون الميزانية لسنة كذا. يصدقه البرلمان، ويسنه قانوناً بعد مناقشته”

"أما الدولة الإسلامية فلا توضع لها ميزانية سنوية، حتى يحتاج الأمر سنوياً إلى سن قانون بها… لأنّ واردات بيت المال تحصّل بحسب الأحكام الشرعية المنصوص عليها، وتصرف بحسب أحكام شرعية منصوص عليها. وهي كلها أحكام شرعية دائمية. فلا مجال للرأي في أبواب الواردات، ولا في أبواب النفقات مطلقاً، وإنما هي أبواب دائمية قررتها أحكام شرعية دائمية. هذا من ناحية أبواب الميزانية. أما من ناحية فصول الميزانية، والمبالغ التي يتضمنها كل فصل، والأمور التي تخصص لها هذه المبالغ في كل فصل. فإن ذلك كله موكول لرأي الخليفة واجتهاده؛ لأنّه من رعاية الشؤون التي تركها الشرع للخليفة يقرر فيها كل ما يراه، وأمرُهُ واجبُ التنفيذ.

وعلى هذا لا يوجد أي مجال في الإسلام لوضع ميزانية سنوية للدولة، كما هي الحال في النظام الديمقراطي، لا بالنسبة لأبوابها، ولا لفصولها، ولا لمفردات الفصول، أو المبالغ التي تحتاجها تلك المفردات أو الفصول. ومن هنا لا توضع ميزانية سنوية للدولة الإسلامية، وإن كانت لها ميزانية دائمية قد حدد الشـرع أبوابها بالنسـبة للواردات والنفقات، وجعـل للخليفـة أمر تقرير الفصول ومفرداتها، والمبالغ اللازمة لها، حينما تدعو المصلحة، دون نظر إلى مدّة معينة." اقتصادي

وجاء في المقدمة:

"إن لفظ الميزانية أو الموازنة اصطلاح غربي، ومعناها بيان الواردات التي تأخذها الدولة، ببيان أبوابها وهي الجهات التي تجمع منها، وبيان فصولها وهي فروع هذه الجهات، وبيان المبالغ التي ترد. وإلى جانب ذلك يوضع بيان النفقات التي تنفقها الدولة، ببيان أبوابها وهي الجهات التي يجري الإنفاق عليها، وبيان فصولها أي فروع هذه الجهات، وبيان المبالغ التي تنفق على كل أمر من هذه الأمور المذكورة في كل فصل. هذا هو واقع الميزانية أو الموازنة. وهذا الواقع لم يكن المسلمون يعرفونه، وإنما يعرفون بيت المال، وإليه ترد الواردات، ومنه تنفق النفقات. غير أن وجود واردات لبيت المال ووجود نفقات منه يشكل واقع الميزانية وإن لم يسم بهذا الاسم، ولهذا لا يوجد ما يمنع من أخذ هذا اللفظ بما يعنيه من اصطلاح، وهو مجموع أبواب الواردات، وأبواب النفقات، وفصول كل منهما. وبناء على هذا تكون للدولة موازنة أو ميزانية، ويكون بيت المال هو الموكل في هذه الميزانية.

أما إعداد هذه الميزانية في أبوابها، وفصولها، والمبالغ التي توضع فيها، فإن الأحكام الشرعية قد قررتها. فالواردات جاءت أحكامٌ شرعية وقررتها كالخراج والفيء، والنفقات جاءت أحكامٌ شرعية وقررت كيفيتها وثبت ما يجب صرفه حتماً وما لا يصرف إلا إذا وجد مال. فالواردات والنفقات جاءت أحكام شرعية قررتها، فتكون أبواب الميزانية على ذلك أبواباً دائمية، لأنه قد قررتها أحكام شرعية، والحكم الشرعي دائم لا يتغير. وأما فصولها وهي الفروع التي تتفرع عنها مثل خراج أراضي البعل، وخراج أراضي السقي أو ما شاكل ذلك فإن الخليفة يضعها، لأنها من رعاية الشؤون، ومما هو متروك لرأيه واجتهاده… وما دام للخليفة أن يضع برأيه واجتهاده فصول الواردات والمبالغ التي توضع في كل فصل، وفصول النفقات والمبالغ التي توضع في كل فصل فإنه لا يوجد ما يمنع من وضع ميزانية سنوية للدولة في فصولها والمبالغ التي لكل فصل، سواء أكان ذلك في الواردات أم في النفقات. والممنوع هو وضع ميزانية سنوية لأبواب الميزانية، لا لوارداتها ولا لنفقاتها لأنها قد قررتها أحكام شرعية فهي دائمية."

فقال في النظام الاقتصادي:

  • لا ميزانية سنوية لأبواب الواردات والنفقات لأنها دائمية وفق الأحكام الشرعية…

  • لا ميزانية محددة بمدة “سنوية أو غير سنوية” لفصول الواردات والنفقات لأنها تتوقف على رأي الخليفة واجتهاده…

  • لكن للخليفة أمر تقدير الفصول لمدة يراها حين تدعو المصلحة دون نظر إلى مدة معينة.

وهو واضح منه أن الخليفة لا يُلزم بوضع ميزانية للفصول بمدة سنة أو أكثر أو أقل، ولكنه له “حينما تدعو المصلحة” أن يضع ميزانية للفصول دون نظر إلى مدة معينة.

وقال في المقدمة:

  • لا يوجد ما يمنع من أن يضع الخليفة ميزانية سنوية للفصول…

  • ولكن الممنوع وضع ميزانية سنوية لأبواب الميزانية فهي دائمية"

وواضح مما في المقدمة أنه ليس على تناقض مع النظام الاقتصادي:

  • ففي المقدمة قالت لا يمُنع من أن يضع الخليفة…

  • وفي الاقتصادي قال للخليفة أمر تقرير الفصول حينما تدعو المصلحة دون نظر إلى مدة معينة…

أي قد يضعها لنصف سنة أو سنة أو سنتين…

فكما ترى فإن الأمر ليس على تناقض.

أما ما ورد في الأموال فهو قد استعمل كلمة موازنة في الوضع المالي المستقبلي، ولا مشكلة في ذلك.

18 ربيع أول 1432هـ ألموافق 21/2/2011م

منقول

تفسير الآية الكريمة
{ ولتكن منكم أمة…}

السؤال : أثناء دراستي لتفسير الآية الكريمة { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون }, وكيف أن (من) هي للتبعيض, استوقفني قوله تعالى { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} . إن هذا العمل أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلوب من كل المسلمين , ويمكن إتيانه من الأفراد , وكذلك يمكن إتيانه من الجماعات , فلماذا إذن قلنا إنه يحتاج إلى جماعة متكتلة من بين المسلمين تقوم به حتى تكون (من ) للتبعيض؟

ثم إن (من) التبعيضية والبيانية تختلطان أحياناً ببعضهما, أفلم يستعمل العرب في لغتهم أدوات تصاحب (من) البيانية أو التبعيضية للتمييز بينهما بشكل واضح؟
أرجو جلاء هذا الأمر وجزاكم الله خيراً.
الجواب
إن (مِنْ) لها معانٍ عدة، من بينها:
(للتبعيض) مثل {منهم من كلم الله}، أي بعضهم، ومثل {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} أي بعض ما تحبون.

و(للبيان) مثل {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} ومثل {يحلون فيها من أساور من ذهب}.

وكثيراً ما يحدث التباس بين هذين المعنيين أي للتبعيض والبيان، ولكن سياق الكلام والقرائن توضح المعنى المقصود.

والآن لنر الآية الكريمة:
{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}

أولاً: من حيث سياق الآيات الكريمة، ما قبلها وما بعدها,أي من حيث اللفظ الذي بُدئ به الخطاب في الآيات الكريمة السابقة واللاحقة:

الآيات كالتالي:
{ واعتصموا بحبل الله جميعاً … ولتكن منكم أمة … ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا…}

إن اللفظ الذي بدئ به الخطاب في الآية السابقة هو للجمع (واعتصموا)، وفي الآية اللاحقة كذلك للجمع (ولا تكونوا)، ولكن الآية موضع البحث الواردة بين الجمعين هي خطاب بلفظ المفرد (ولتكن)، وليس (ولتكونوا).

وفي فقه اللغة إذا اختلف السياق على هذا النحو, أي لفظ جمع فمفرد ثم جمع، هذا يعني أن بدء الخطاب بلفظ المفرد هو مقصود وأنه على غير سابقه ولاحقه.

فالخطاب في الآية السابقة بدئ بلفظ جمع للمسلمين أن يعتصموا، وفي الآية اللاحقة بلفظ جمع للمسلمين أن لا يتفرقوا، وأما ما بينهما فقد بُدئ بلفظٍ مفردٍ للمسلمين, أي ليس لجميعهم.

ولا يقال لماذا قلنا عن (ولتكن) إنها لفظ مفرد, مع أنها تعود إلى (أمة), وأمة جماعة أي ليست فرداً؟

والجواب على ذلك أننا نتكلم عن الناحية اللفظية لبدء الخطاب, ولا يؤثر في اللفظ تابعُه, فمثلاً:
الآية الكريمة { هذا فوجٌ… }, فإن (فوج) هي أكثر من فرد, ولكن هذا لا يعني أن اللفظ (هذا) قد أصبح لفظ جمع, بل هو يبقى لفظاً مفرداً حتى وإن تبعه معنى الجماعة. وكذلك إن قولي لك: " أنتم أكرمكم الله عالمٌ فاضل" فإنَّ “أنتم” هنا لفظ جمع حتى وإن تبعه معنى الفرد “عالم فاضل”.

وهكذا (ولتكن) فهي لفظ مفرد, فالآية { ولتكن منكم أمة …} وليست (كونوا أمة)
ولا يؤثر في ذلك تأنيثها أو تذكيرها لتناسب كلمة (أمة) بعدها, فإنها تبقى لفظاً مفرداً: (ولتكن), وليس (ولتكونوا).

فنحن هنا نتناول الناحية اللفظية, أي نسق الكلام, فالموضوع يتعلق باختلاف نسق الكلام من حيث الألفاظ الثلاثة التي بدئ بها الخطاب في الآيات الثلاث:
( واعتصموا , ولتكن , ولا تكونوا )

وحتى تتضح صورة اختلاف نسق الكلام, خذ مثلاً قوله تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر … إلى قوله تعالى والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس…}

إنك تلاحظ هنا أن خبر (لكن) هو مرفوع, وهكذا جاءت كلمة (والموفون), ولكن ما بعدها كان منصوباً (والصابرين), فهي جاءت بلفظ مغاير لخبر (ولكنَّ), وكذلك بلفظ مغاير للمعطوف عليه (والموفون), واختلاف نسق الكلام هذا في فقه اللغة يعني أن نصب (والصابرين) هو أمر مقصود للرفع من شأنهم, وأنهم خصوا بمدح زائد عما قبلهم, أي أن اختلاف نسق الكلام عندهم جعلهم مقصودين على غير ما سبقهم … وهكذا في كل اختلافٍ لنسق الكلام من العربي الفصيح, فإن له هذا المعنى في فقه اللغة.

وعلى هذا النحو ما جاء في الآية الكريمة من اختلاف نسق الكلام فهو يعني أن الخطاب في الآية الوسطى هو مقصود في اختلافه عما سبقه وما لحقه من خطاب, فهو ليس خطاباً للجميع بل لجزء منهم، أي أن (من) حسب السياق هي للتبعيض وليست للبيان.

ثانياً: من حيث موضوع الآية الكريمة
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتأتى إلا من أفراد قادرين وليس من جميع الأفراد, ومع ذلك فإن الآية ليست أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر فحسب، ولو كانت كذلك لكان هذا ممكناً إتيانه من الأفراد, ولكان الخطاب للجميع. ولكن الآية أمر بالدعوة إلى الخير بالإضافة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والخير في الآية {يدعون إلى الخير} هو الإسلام وهو أي الخير محلّىً بالألف واللام فهو عام أي الإسلام كله، والإسلام كله يشمل العبادات والمعاملات وكذلك يشمل العقوبات والحدود, والدولة التي تطبق العقوبات والحدود … وما دام (الإسلام كله) يشمل الدولة أي الخليفة لتطبيق الأحكام، وحيث لا يمكن أن تقام الخـلافة بعمل فردي بل بكتلة، وهذا واضح، فتكون الآية توجب قيام (أمة) بمعنى جماعة متكتلة من بين المسلمين تدعو إلى الإسلام كله بإقامة دولته، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

ومن الجدير ذكره أنه بدون الدولة لا يتأتى تطبيق الإسلام كله حيث إن الأحكام الشرعية منها ما يقوم به الأفراد كالصلاة والصيام .. ومنها ما لا بد من الإمام أو الخليفة لتطبيقه كالحدود .. فالدعوة إلى الإسلام كله تعني إقامة الخـلافة، وهذه تحتاج العمل الجماعي أي عمل كتلة وليس عمل أفراد.

ولا يقال إن الدعوة لإقامة الدولة غير العمل لإقامة الدولة, فالعمل لإقامة الدولة صحيح يحتاج إلى جماعة متكتلة , وإنما الدعوة لإقامة الدولة فلا تحتاج إلى جماعة بل تتأتى من الأفراد…

لا يقال ذلك لأن الدعوة لإقامة الدولة لا تنفصل عن العمل لإقامتها, فالدعوة في الإسلام ليست ترفاً فكرياً منفصلاً عن العمل. إن الدعوة لإقامة الدولة تلازم العمل لإقامتها, ولا تنفصل عنه. هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعا … وعمل … وطلب النصرة… وأقام الدولة… و اقتداءاً بالرسول صلى الله عليه وسلم, فنحن ندعو ونعمل بالطريقة نفسها… حتى نقيم الدولة بإذن الله.

وهكذا فإن موضوع الآية أي الدعوة إلى الإسلام كله تجعل الخطاب ليس للمسلمين أفراداً غير متكتلين، لأن إقامة الدولة لا تتأتى من دعوة أفراد يعملون غير متكتلين في جماعة, بل دعوتهم ليعملوا ضمن جماعة متكتلة من بين المسلمين قادرة على هذا العمل، فتكون (مِن) للتبعيض وليست للبيان.

ثالثاً: من حيث اللغة
إن هناك أموراً ذكرها علماء اللغة كأدلة على تمييز (من) البيانية عن غيرها، ومن هذه الأمور علامات ثلاث تدل على (من) البيانية, ولا تكون مع (من) التبعيضية, وهي:

1 ? العلامة الأولى ل (من) البيانية هي أن يصح الإخبار بما بعدها عما قبلها، مثلاً:
{واجتنبوا الرجس من الأوثان} فتصلح الأوثان خبراً عن الرجس فتقول: الرجس هي الأوثان.

{أساور من ذهب} فتصلح كلمة (ذهب) خبراً للأساور فتقول: الأساور هي ذهب.
ولكن في الآية موضوع البحث لا تصلح هذه العلامة:

(ولتكن منكم أمة)، فما بعد (مِنْ) هو الضمير (كم) المخاطب، وما قبلها هي من أخوات كان (ولتكن)، و(كم) لا تصلح خبراً لكان السابقة بل تصلح اسماً لها أي لتكن أنتم أمةً. وعليه فلا تكون (مِنْ) هنا للبيان.
هذه هي العلامة الأولى.

2 - العلامة الثانية
[(مِنْ) ومجرورها في موضع الحال لما قبلها إذا كان معرفةً، وفي موضع النعت لما قبلها إذا كان نكرةً].

فمثلاً (أساور من ذهب), فإن (من ذهب) تصلح أن تكون في موضع وصف فتقول هذه أساور مذهبة أو نحو ذلك, لأن أساور نكرة.

وكذلك (الرجس من الأوثان), فإن (من الأوثان) تصلح أن تكون في موضع حال لـ (الرجس) لأنه معرفة, فتقول (الرجس وثناً أمر منكر), فإن (وثناً) هو لبيان هيئة الرجس.

ولا يقال إن (وثناً) لفظ جامد فهو أقرب للتمييز, وليس حالاً لأن الحال وصف مشتق… لا يقال ذلك لأمرين :

الأول أنه صحيح أن الحال في الغالب وصف مشتق { فخرج منها خائفاً}, {وأرسلناك للناس رسولا}… لكن الحال يأتي أحياناً لفظاً جامداً (بعه مداً بدرهم), فإن (مداً) حال. وكذلك ( كر زيدٌ أسداً) , فإن (أسداً) حال … ولكن الغالب في الحال أنه مشتق.

وكذلك فإن التمييز يأتي جامداً , وهو الغالب (عشرون درهماً) , ( رطلاً زيتاً)… ولكنه يأتي أحياناً قليلة مشتقاً (لله دره فارساً) , ( لله دره راكباً).

هذا هو الأمر الأول, أن ليس بالضرورة أن كل جامد يكون تمييزاً ولا يكون حالاً.
وأما الأمر الثاني, وهو المهم , فهو أن الحال هو لبيان الهيئة لصاحبه أي هو هيئة من هيئاته وليس منفصلاً عنه لتمييزه عن غيره.

فمثلاً: (عشرون درهماً) ف (درهماً) تمييز لأنها لا تبين هيئة العشرين بل هي أمر آخر يميز العشرين من غيرها. وكذلك (رطلاً زيتاً) فهنا (زيتاً) تمييز لأن الزيت ليس هيئة الرطل بل هو شيء آخر مفصول عن الرطل وإنما يميزه.

في حين أن (وثناً) في (الرجس وثناً أمر منكر) هو لبيان هيئة الرجس فإن الرجس هنا هو الوثن , وليس الوثن أمراً آخر غير الرجس كالدراهم غير العشرين, والزيت غير الرطل.

هذه هي العلامة الثانية
وفي الآية الكريمة ما قبل مِنْ ومجرورها كلمة (ولتكن) والضمير فيها يعود إلى (أمة) أي إلى نكرة، ولا تصلح (منكم) لتكون في موضع نعت لأمة.

ولا يقال إن (أمة) معرفة لأنها نكرة موصوفة, ومع أن المسألة ليست في كون (أمة) معرفة أو نكرة , بل في صلاحية (من) ومجرورها لتكون نعتاً إذا اعتبرت (أمة) نكرة , أو حالاً إذا اعتبرت (أمة) معرفة . و (منكم) لا تصلح حالاً لـ (أمة) ولا نعتاً لها, فمهما اعتبرت (أمة) نكرة أو معرفة فإن (من) ومجرورها لا يصلحان لا نعتاً ولا حالاً. فالمسألة هي في صلاحية (من) ومجرورها لتكون حالاً إذا كانت (أمة) معرفة أو نعتاً إذا كانت (أمة) نكرة, وليست في تعريف أو تنكير (أمة).

ومع ذلك , ومع أن البحث في كون الوصف الذي يجعل النكرة معرفة, هو ليس موضوع البحث, ولكني أقول إن الوصف الذي يجعل النكرة معرفة هو الوصف الخاص وليس الوصف العام, فلو قلت: جاء رجل كان ينادي في السوق على بيع السلع, فهذا الوصف لا يجعل كلمة (رجل) معرفة بل تبقى نكرة لأن الوصف عام لكل من ينادي في السوق على بيع السلع وليس خاصاً برجلٍ معين.

وفي الآية الكريمة, فإن الوصف الذي تبع (أمة) هو وصف عام, ولذلك فهو لم يخرجها عن كونها نكرة, وهذا واضح من معنى (أمة) في كتب التفسير, فستجد اختلافاً كبيراً في معناها… ولذلك فإن الراجح في كلمة (أمة) هو أنها نكرة وليست معرفة, مع أن علامة (من) البيانية هنا ليست هي كون التابع لها نكرة أو معرفة بل صلاحية (من) ومجرورها لتكون نعتاً إن كانت (أمة) نكرة, أو حالاً إن كانت (أمة) معرفة , و (من) هنا ومجرورها لا يصلحان لا حالاً ولا نعتاً, فإذن (من) ليست بيانية بل تبعيضية.

3 - العلامة الثالثة, وهي علامة مرجحة أي إذا استوت كل العوامل الأخرى بين (من) البيانية و(من) التبعيضية, فهذه العلامة إذا وجدت ترجح (من) البيانية, لأن هذه العلامة لا تأتي مع (من) إلا أن تكون بيانية. والعلامة هي: إذا سبقتها (ما، مهما) فإنهما يرجحان (مِن) بيانية] مثل {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} فهنا سبقها (ما) فترجح أن (من رحمه) للبيان.

ومثل {مهما تأتنا به من آية}، فهنا سبقتها (مهما) فترجح أن (من آية) للبيان.
ونقول عامل مرجح لأنه ليس بالضرورة أن تسبق (ما، مهما) مِن البيانية.

وفي الآية الكريمة موضع البحث فإن عوامل (من) البيانية والتبعيضية ليست مستوية, بل هي تدل على أن (من) هي تبعيضية وفق الأدلة المتعلقة بسياق الخطاب أي اللفظ الذي بدئ به الخطاب, والمتعلقة بموضوع الطلب في الآية. ومع ذلك فحتى لو تساوت (جدلاً), وأشكل معرفة (من) البيانية من التبعيضية, فإننا نعمد إلى هذه العلامة المرجحة (ما , مهما), فنجد أنه لم يسبق (منكم)، لا (ما) ولا (مهما) لتكون مرجحةً للبيان.

ونكرر هذه العلامة هي علامة مرجحة استعملها العرب للتفريق بين (من) التبعيضية والبيانية إذا تساوت كل العوامل الأخرى, وأما إن لم تتساو, فلا يعمد لهذه العلامة المرجحة.

بناءً على هذه الأمور، فإن (من) في الآية الكريمة: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، هي للتبعيض أي لتقم من المسلمين أمة (جماعة متكتلة) لأداء الفروض المذكورة في الآية.
3 من ربيع الثاني 1429هـ ألموافق 8/4/ 2008م

بسم الله الرحمن الرحيم

الاشتراط على الخليفة

السؤال: هل يجوز الاشتراط على الخليفة؟ ثم كيف نفهم ما حدث فى بيعة عثمان رضي الله عنه؟

الجواب

أ - إن الأمة لا تشترط على الخليفة، بل هو يحكم وفق الشرع على الوجه المبين.

ب - أما الذي حدث مع عثمان رضي الله عنه، فهم لم يشترطوا على الخليفة، فلم يكن عثمان رضي الله عنه خليفةً بعد، بل الذي حدث هو موضوع انتخاب. وعند الانتخاب للناخب أن يضع لنفسه قاعدةً ينتخب بموجبها فمثلاً يقول الناخب للمرشح إذا تتعهد بإصلاح الطرق في بلدي أو شبكة المياه، أو تقضي على البطالة أو تعالج الفقر … أنتخبك، فالذي حدث مثل هذا فإن عبد الرحمن بن عوف كان يسألهم من تنتخبون، فيقول هذا علي إذا حكم في أي قضية حدثت زمن عمر بالحكم الذي قضى فيه عمر، فقد كان الناس مرتاحين لحل عمر للقضايا، وهم قالوا بالنسبة للقضايا التي حدثت زمن عمر ثم حدثت زمن علي إذا أصبح خليفةً أن يحكم فيها كما حكم عمر فيها. وهذا الأمر حق للناخب فإن للناخب أن يقول ما شاء من المباحات أو ما يراه هو مندوباتٍ أو واجباتٍ، يقول للمرشح إذا تتعهد فعل كذا أنتخبك.

فوجد عبد الرحمن بن عوف أن معظم الناس يريدون المرشح الذي يتعهد بأن يحكم في القضايا التي تعرض له بالحكم نفسه الذي حكم فيه عمر في تلك القضايا عندما حدثت هي هي في عهده، وليس بالنسبة للقضايا الأخرى التي لم تحدث في عهد عمر.

هذه هي المسألة، وهذا أمر مباح للناخب أن يشترطه على من يريد انتخابه فينتخبه على ضوء ذلك أو لا ينتخبه.

وأما الحكم البرلماني الديمقراطي فإن لمجلس النواب صلاحياتٍ عندهم تحد من قدرة رئيس الدولة على اتخاذ القرار أو تمنعه من اتخاذ القرار إلا إذا وافق البرلمان في كثير من الحالات التي يحددها القانون.

وفي الإسلام فإن مجلس الأمة هو لإبداء الرأي والمحاسبة للخليفة، والأمر مختلف عن مجلس النواب من حيث الصلاحية فهي التشريع والحكم ثم في جزء منها الرأي والمحاسبة.

22/06/2006

جواب سؤال تعقيبي حول:

التدرج في تطبيق الأحكام

كأنَّ الأمر التبس عليك، فأنت تقول: (حديث معاذ: إذا كان مفهوم الشرط للحديث معطل … وكذلك منطوق الحديث لم يستدل به أحد …)، من أين عرفت أن المنطوق لم يقل به أحد؟ إن الذي ورد في الجواب «الحديث نص في الصلاة والزكاة ولم يستدل أحد من الفقهاء به في جواز الطلب بالصلاة دون الزكاة …) فالكل يعمل بالمنطوق أي إذا آمن، ادعه للصلاة، وإذا صلى ادعه إلى الزكاة … . لكن الذي لا يُعمل به مفهوم المخالفة بالشرط، أي إذا لم يصلِّ لا تَدْعُه للزكاة ..، فالذي لا يَعمل به أحدٌ هو التدرج في الصلاة والزكاة، أي لا يأمره بالزكاة إلا بعد أن يصلي، هذا هو الذي لا يَعمل به أحد. لكن القائلين بالتدرج يقيسون على هذا الذي لا يعملون به. فهم يقولون الحديث يقول ادعُه إلى الصلاة ثم إذا صلى ادعُه إلى الزكاة، ويضيفون وهذا يعني التدرج في الأحكام، عندها تسألهم كيف فهمت ذلك؟ يقول قياساً على الحديث فهو يطلب الصلاة فإذا صلى تطلب الزكاة فتسأله عندها: أي أنك تقول بعدم دعوته للزكاة إلا إذا صلى؟ عندها يسكت، لأنه يجد الأمر ثقيلاً أن يفرِّق بين الصلاة والزكاة، فهو يقيس التدرج في غيرها من الأحكام على ما ورد في الحديث من ذكر الصلاة والزكاة، في حين أنه لا يفرِّق بين الصلاة والزكاة. هذا هو الموضوع.

أما منطوقه فيُعمل به، فالأمر صحيح أن تدعوه للزكاة إذا صلى هذا من منطوق الحديث، وتدعوه للصلاة والزكاة، من نصوص أخرى.

فجائز أن تدعو رجلاً بالزكاة بعد أن يستجيب للصلاة ويصلي، وحتى تدرك ذلك، اسأل نفسك:

لو دعوت رجلاً للصلاة دون أن تذكر له الزكاة أيجوز أم لا؟ إنه يجوز أن تدعوه للصلاة، ويجوز أن تدعوه للصلاة والزكاة.

ولو رأيته صلّى فدعوته للزكاة، أيجوز أم لا يجوز؟ إنه يجوز أن تدعوه للزكاة بعد أن يصلي وقبل أن يصلي. لكن الذي لا يجوز هو أن لا ترى جواز دعوته للزكاة إلا إذا صلى أولاً فإن لم يصلِّ لا تجوز دعوته للزكاة.

أي مفهوم المخالفة للشرط هو الذي لا يصح.

فمنطوق الحديث يُعمل به ولا شيء في ذلك، وإنما مفهوم الشرط معطَّل كما ذكرنا في الجواب. أما الذي لا يَعْمل به أحد فهو العمل بمفهوم الشرط في التفريق بين الصلاة والزكاة، فكان الواجب أن لا يقاس عليه التدرج في الأحكام الأخرى ما دام لا يُعمل بالتدرج في الصلاة والزكاة. أما أن لا يُفرِّق بين الصلاة والزكاة، مع أن الحديث نصٌّ فيهما، ثم يجيز التدرج في الأحكام الأخرى قياساً على مفهوم الحديث فهذا الذي قلنا إنه خطأ، ولا يصح القياس فيه لأن الأصل (تفريق الصلاة عن الزكاة) غير معمول به.

2 - كيف تقول: يبدو أن الذين يستدلون بالحديث يستدلون بمفهومه ولا يستدلون بمنطوقه ولا بمفهوم المخالفة للشرط! كيف تقول ذلك:

كيف تقول يستدلون بمفهومه ولا يستدلون بمفهوم المخالفة للشرط؟

وهل له مفهوم غير الشرط؟ فليس في الحديث وصف مفهم للعلية مثل «لا يقضي القاضي وهو غضبان» فالغضب وصف مفهم لعلية منع القاضي من القضاء في حالة الغضب، أما طلب الصلاة أولاً ثم الزكاة الواردة في الحديث فلا تحتوي علة أي أن لفظ الصلاة ولفظ الزكاة ليس وصفاً مفهماً لعلية التفريق بينهما. وليس في الحديث غاية مثل {ثم أتموا الصيام إلى الليل} فيكون لها مفهوم أي أن الليل لا صيام فيه.

وليس في الحديث عدد. مثل: {والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة} فيكون لها مفهوم أي لا أكثر ولا أقل.

وهذه التي يعمل بمفهوم المخالفة.

وكذلك ليس بالحديث مفهوم موافقة بالأدنى إلى أعلى (ولا تقل لهما أفٍّ) فلا تقل أكثر من أف كذلك، أو الأعلى إلى الأدنى (ومنهم من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) أي تأمنه بأقل كذلك. أو الموافقة بالعلاقة اللازمة مثل «احفظ عفاصها ووكاءها».

فكيف تقول يعملون بمفهومه ولكن ليس بمفهوم الشرط؟!

على كلٍّ لم يمر علي أنهم يعملون كما قلت، وإن كان (جدلاً) ففهمهم خطأ، لا هو منطوقاً ولا هو مفهوماً.

3 - أما سؤالك الافتراضي أنه لو عمل أحد بتدرج الصلاة والزكاة، فهل يعني ذلك جواز الاستدلال بالحديث على جواز التدرج؟

إذا صحَّ العمل بالأصل (وهو هنا تدرج الصلاة والزكاة من مفهوم الشرط للحديث)، نعم يمكن القياس على هذا الأصل وفق الأصول.

وهذا القول يصح على افتراض أن مفهوم الشرط معمول به هنا، أي يجوز للإنسان أن يصلي، وبعد مدة يزكي ولا إثم عليه. فإن صح العمل بهذا المفهوم، فنعم يقاس عليه. وأنت ترى أن هذا المفهوم معطَّل بنصوص كثيرة التي تدل دلالةً قاطعةً على أن المرء لا يعفى من الزكاة إلا إذا صلى أولاً، بل هو مسئول عن الزكاة سواء أصلى أم لم يصل، فالصلاة ليست شرط صحة للزكاة.

فالسؤال افتراضي لأن عدم الإثم في الزكاة إلا أن تؤدى الصلاة، هذا غير صحيح بأدلة كثيرة، فمفهوم الشرط معطل.

لكن لنفترض جدلاً أنه غير معطل وأنه غير مخاطب ولا مكلف بالزكاة إلا بعد أن يصلي، ولو كان هذا الفرض صحيحاً فإنه يقاس عليه التدرج في باقي الأحكام فيصبح المرء يأخذ حكماً فيطبقه، وبعد فترة استراحة يأخذ حكماً آخر فيطبقه وهكذا!! وواضح أن هذا بالقطع غير صحيح.

4 - أما ما ذكرته من فهم للحديث (أ، ب، ت) فهو فهم للمنطوق وهو صحيح: ادعهم إلى الإسلام … ادعهم للصلاة … ادعهم للزكاة … وقد بينت لك هذا الأمر في (1)،

المشكلة ليست في محاولة الفهم من المنطوق سواء اختصرت هذا الفهم أو أطلت، المشكلة في المفهوم أي:

تقول في كلامك أ (… فأخبرهم أن الله قد فرض خمس صلوات، فإن أطاعوا لك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً …، مهما فسَّرت أخبرهم، وفسرت أطاعوا كلها تبقى بحثاً في المنطوق ولا شيء في ذلك، لكن السؤال في المفهوم، فأنا أسألك: المنطوق يفيد بعد أن يسلموا، تخبرهم بفرض الصلاة، فإن هم اطاعوا تخبرهم بفرض الصدقة والمفهوم أن لا تخبرهم بفرض الصدقة إن لم يطيعوا لك في الصلاة، هل هذا صحيح؟ ومعنى يطيعوا واضح أنها عن التنفيذ وليس الإنكار لأن هذا تم بعد أن دخلوا في الإسلام فالمفهوم يعني أن لا تطلب من المسلم الزكاة إلا بعد الطلب منه الصلاة .. وهذا لا يصح مهما فسرت المنطوق.

أما موضوع رد الحديث وعدم رده فهو أبسط مما ذهبتَ إليه، فنحن لم نرد الحديث بل عملنا بمنطوقه دون مفهومه لأنه معطل بنصوص أخرى.

وتعطيل مفهوم الحديث لا يعني ردَّه ما دام منطوقه لا يعارض نصاً مقطوعاً بل يمكن جمعه معه كما بينا في جواب السؤال.

أما الحديث الذي رواه البخاري «فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»

فالأمر هنا يعني حكماً واحداً من أحكام الإسلام أي مثلاً: الصلاة، الصيام … وقد ورد ما يؤكد ذلك في روايات أخرى: (وإذا أمرتكم بشيء) في رواية مسلم، (وما أمرتكم به) في رواية أخرى لمسلم.

وواضح منها أن المأمور به حكم واحد، وليست أحكام الإسلام جملةً.

ولذلك فلم يقل مجتهد، كما أعلم، أن الحديث يفيد أن يصوم المرء إذا لم يستطع الصلاة، أو أن يزكي إذا لم يستطع الصيام … فليست استطاعة الصوم شرطاً في أداء الصلاة، ولا استطاعة الصلاة شرطاً في أداء الصوم، ولا استطاعة الزكاة شرطاً في أداء الصيام ولا استطاعة الصيام شرطاً في أداء الزكاة، بل إن الاستطاعة شرط في أداء الحكم نفسه، أي هو أن يقضي الصيام إذا لم يستطعه أداءً، ويصلي جالساً إن لم يستطعها قياماً، ويتيمم إن لم يستطع الوضوء بالماء …

وأنت تلاحظ هنا أن لا بد من القيام بالحكم على وجهه حسب الاستطاعة، وان الاستطاعة مبينة شرعاً بالأدلة وليست وفق ما نريد. فإذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بحكم ننفذه على وجهه وفق الاستطاعة المبينة بوضوح بالأدلة الشرعية.

فالأداء للحكم لا بد، والاستطاعة كما بينها الشرع ولا بد، أي ليست كما نريد.

وهكذا فإن الحديث لا يدل على التدرج في تطبيق الصلاة هذه السنة ثم بعد سنة الزكاة وبعد سنة الامتناع عن الربا … بحجة عدم الاستطاعة، فالاستطاعة هنا غير واردة

14/04/2006

في الثاني عشر من محرم 1427هـ.

11/02/2006م.

بسم الله الرحمن الرحيم

التدرج في تطبيق الأحكام

السؤال

نحن نعلم أن التدرج في تطبيق الأحكام لا يجوز، فلا يجوز تطبيق جزء من الأحكام وترك جزء آخر، بل مطلوب تطبيق أحكام الإسلام كلها، فكيف نفهم الحديثين التاليين اللذين يوردهما دعاة التدرج، ويقولون بجواز تطبيق جزء من الأحكام وترك تطبيق جزء آخر؟ وبمعنى آخر هل يُرَدُّ الحديثان أو يمكن الجمع بينهما، وبين أدلة عدم جواز التدرج ووجوب تطبيق أحكام الإسلام كلها؟ والحديثان هما:

1 - حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ.

2 - حديث عثمان بن أبي العاص: عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُحْشَرُوا وَلَا يُعْشَرُوا وَلَا يُجَبُّوا وَلَا يُسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ قَالَ فَقَالَ إِنَّ لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا وَلَا تُعْشَرُوا وَلَا يُسْتَعْمَلَ عَلَيْكُمْ غَيْرُكُمْ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا رُكُوعَ فِيهِ قَالَ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي الْقُرْآنَ وَاجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي.

الجـواب:

قبل الإجابة عن الحديثين المذكورين في موضوع التدرج بتطبيق جزء من الأحكام وترك جزء، أبيَّن ما يلي:

1 - عند استنباط حكم شرعي لمسألة، يدرس واقعها جيداً ثم تجمع الأدلة المتعلقة بهذا الواقع، وتدرس هذه الأدلة دراسة أصولية ليستنبط الحكم الشرعي.

2 - يُبذَل الوسع أولاً للجمع بين الأدلة فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.

3 - فإذا تعذر الجمع عُمد إلى الترجيح وفق أصوله المتبعة: فالمحكم قاضٍ على المتشابه، والقطعي قاضٍ على الظني، وإذا اجتمع ظني وظني فتدرس قوة الدليل من حيث السند ومن حيث العموم، فقويُّ السَّند يُرَجَّح على الأقل قوة، والخاص يرجح على العام، والمقيد على المطلق، والمنطوق على المفهوم …الخ كما هو مفصل في بابه.

والآن لنناقش موضوع التدرج وتطبيق جزء من الأحكام وترك جزء آخر، ثم نرى كيف يفهم الحديثان:

1 - التدرج وتطبيق جزء وترك آخر لا يجوز وأدلته قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، نذكر بعضها:

قال تعالى: { َأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ }.

فهذا أمر جازم من الله لرسوله، وللحكام المسلمين من بعده بوجوب الحكم بجميع ما أنزل الله من الأحكام، أمراً كانت أم نهياً، لأن لفظ (ما) الوارد في الآية هو من صِيَغ العموم، فتشمل جميع الأحكام المنـزلة.

وقد نهى الله رسـوله، والحكام المسـلمين من بعده عن اتباع أهواء الناس، والانصياع لرغباتهم، حيث قال: { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ }.

كمـا حـذر الله رسـوله والحكام المسـلمـين من بعده أن يفتنه الناس، وأن يصرفوه عن تطبيق بعض ما أنزل الله إليه من الأحكام، بل يجب عليه أن يطبق جميع الأحكام التي أنزلها الله عليه، أوامر كانت أم نواهي، دون أن يلتفت إلى ما يريده الناس. حيث قال: {  وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ }، وقال تعالى: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }، وفي آية ثانية قال تعالى: { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، وفي آية ثالثة قال تعالى: { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }، فجـعل الله في هذه الآيات الثلاث مَن لم يحكم بجميع ما أنزل الله من أحكام، أوامر كانت أو نواهي كافـراً، وظـالماً، وفاسـقـاً. لأن (ما) الواردة في الآيات الثلاث من صـيغ العموم، فتشمل جميع الأحكام الشرعية التي أنزلها الله، أوامر كانت أو نواهي.

وهذا ما كان عليه الخلفاء الراشدون في تطبيق أحكام الإسلام على البلاد المفتوحة وهم أعرف الناس بكتاب الله سبحانه وبكيفية تطبيق رسول الله صلى الله عليه وسلم للأحكام، فقد كان تطبيقهم للأحكام رضي الله عنهم دفعةً واحدةً، دون تأخير أو تسويف أو تدرج. فلم يكونوا يسمحون لمن دخل في الإسلام أن يشرب الخمر أو يزني سنة مثلاً ثم بعد ذلك يُمنع … بل كانت الأحكام تطبق كلها. وهذا متواتر مستفيض في تطبيق الأحكام على البلاد المفتوحة.

وعليه فإنه لا يؤثر أي دليل ظني في هذا الحكم فتحريم التدرج، ووجوب تطبيق أحكام الإسلام كلِّها ثابتان بالنص القطعي.

2 - وهذا يعني أن أي دليل ظني فيه شبهة الدلالة على النقيض من القطعي، فإن القطعي قاضٍ عليه، أي أن الظني يجب أن يُفهم بما لا يعارض القطعي، بمعنى آخر يُعمد إلى إعمال الدليلين بفهم الظني بما لا يتعارض مع القطعي إذا أمكن، وإلا عُمِد إلى الترجيح أي الأخذ بالقطعي وردَّ الظني.

3 - والآن هل يمكن إعمال الدليلين، أي هل يمكن فهم الظني بما لا يتعارض مع القطعي؟

لنبدأ بالحديث الأول: حديث معاذ بن جبل:

(… فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات … فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة … فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائهم أموالهم واتق دعوة المظلوم …):

أ - الحديث صحيح من حيث السند وكذلك من حيث المتن فلا اضطراب فيه فقد أخرجه البخاري.

ب - لا يصح أن يفهم منه جواز التدرج في الأحكام وإلا ناقض القطعي، وهذا لا يصح، لأن تحريم التدرج ثابت بالقطعي، وبهذا عمل الصحابة عند الفتح فطبقوا الإسلام كاملاً على البلاد المفتوحة، وهو أمر متواتر مستفيض.

ج - الحديث نص في الصلاة والزكاة، ولم يستدل أحد من الفقهاء به في جواز الطلب بالصلاة دون الزكاة، أي أن الذين يقولون بالتدرج لا يقولون بالتفريق بين الصلاة والزكاة فلا يجيزون للمسلم الصلاة وترك الزكاة، بل هم يقيسون على (مفهوم) الحديث المتعلق بالصلاة والزكاة، يقيسون عليه التدرج في تطبيق الأحكام الأخرى وهذا باطل لأن حكم الأصل الذي قاسوا عليه غير معمول به عندهم فهم لا يقولون بالتدرج في الصلاة والزكاة ولكن يقولون بالتدرج في تطبيق فروع الأحكام الأخرى، علماً بأن الحديث نص في الصلاة والزكاة.

د - ولذلك فالحديث غير صالح للاستدلال به على التدرج لأن الأصل المذكور فيه (التدرج في الصلاة والزكاة) غير معمول به عند أحد، حتى عند الذين يستدلون بالحديث على التدرج.

هـ - وعليه فلا يصح بحال أن يفهم من الحديث جواز التدرج بتطبيق جزء وترك جزء من االأحكام لأنه عندها يتعارض مع القطعي الذي يحرم التدرج هذا أولاً، وثانياً لا يقاس عليه لأن الأصل (التدرج في الصلاة والزكاة) غير معمول به.

و - إذن هل يُرَدّ أو يمكن إعماله بما لا يتعارض مع القطعي؟ الجواب يمكن فهمه على النحو التالي:

منطوق الحديث لا يدل على التدرج بتطبيق جزء من الأحكام وترك جزء، بل المفهوم هو الذي يدل. فنص الحديث:

«… فادعهم إلى ان يشهدوا … فإن هم أطاعوا لك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات … فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة …».

فالمنطوق يفيد أن تدعوهم للإيمان فإذا آمنوا فادعهم إلى الصلاة فإذا صلوا ادعهم إلى الزكاة. ولكن ليس في المنطوق فإذا لم يؤمنوا لا تدعهم إلى الصلاة وإذا لم يصلوا فلا تدعهم للزكاة. بل هذه فهمت من مفهوم المخالفة بالشرط أي إذا لم يؤمنوا فلا تدعهم للصلاة، وإذا لم يصلوا فلا تدعهم للزكاة.

ومفهوم الشرط في نص ما يعطَّل إذا خالف المنطوقَ في نص آخر مقطوع أو مظنون لأن المنطوق مقدَّمٌ على المفهوم، أي ليس فقط إذا عارض منطوق القطعي بل حتى إذا خالف منطوق الظني فإن المفهوم يعطل ولا يعمل به.

ولذلك فيفهم الحديث بمنطوقه ويوقف عنده، ولا يعمل بمفهوم المخالفة لمعارضته منطوق الأدلة الصريحة بوجوب الأخذ بأحكام الإسلام كاملةً.

وتعطيل مفهوم المخالفة بالمنطوق أمر ثابت في الأصول، ومتفق عليه عند الذين يعملون بالمفهوم وعند الذين لا يعملون به.

فمثلاً: قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا}، فالمنطوق تحريم إكراههن على الزنا إن أردن العفاف، ومفهوم المخالفة نتيجة الشرط هو أن يُكْرهن إذا لم يُردن العفاف، لكن هذا معطل بمنطوق الآية وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} ولذلك لا يعمل بمفهوم المخالفة في الآية {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} ويوقف في الآية عند منطوقها فقط أي منطوقها يُعمل به فلا يُكرهن على الزنا إن أردن العفاف، وأما الحكم في حالة عدم إرادتهن العفاف فلا يؤخذ من مفهوم هذه الآية بل من الأدلة الأخرى التي تحرم الزنا تحريماً مطلقاً.

ومثلاً قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ …} فإن منطوقها القصر في حالة الخوف، ومفهوم الشرط أَنْ لا قصر إن لم تخافوا، لكن هذا المفهوم معطل بمنطوق الحديث الذي أجاب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم السائل عن جواز القصر في حالة الأمن في حين أن الآية ذكرت الشرط {إِنْ خِفْتُمْ}، فقال صلى الله عليه وسلم «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته». لذلك فيعمل بمنطوق الآية أي القصر في حالة الخوف، وأما القصر في حالة الأمن فلا يؤخذ من مفهوم الآية بل من أدلة أخرى، أي من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم المذكور الذي بين جواز القصر في الخوف والأمن، حيث القصر صدقة تصدق الله سبحانه على عباده.

وهكذا يقال في حديث معاذ أن منطوق الحديث يعمل به ولكن لا يعمل بمفهوم الشرط فيه بل يؤخذ حكم الزكاة إن لم يؤدوا الصلاة من أدلة أخرى، وهي التي توجب فرض الزكاة فرضاً عاماً مطلقاً سواء أدى الصلاة أم لم يؤدها.

أي أن أدلة تحريم التدرج بتطبيق جزء من الأحكام وترك جزء يُعمَل بها منطوقاً ومفهوماً، وحديث معاذ يُعمَل به منطوقاً ولا يُعمَل بمفهومه. وهكذا يجمع في العمل بالأدلة وفق الأصول الفقهية المتبعة.

أما الحديث الثاني:

حديث عثمان بن أبي العاص: عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُحْشَرُوا وَلَا يُعْشَرُوا وَلَا يُجَبُّوا وَلَا يُسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ قَالَ فَقَالَ إِنَّ لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا وَلَا تُعْشَرُوا وَلَا يُسْتَعْمَلَ عَلَيْكُمْ غَيْرُكُمْ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا رُكُوعَ فِيهِ قَالَ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي الْقُرْآنَ وَاجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي. هذا اللفظ لأبي داود. لا يجبّوا من التجبية أي الركوع وقد أطلقت مجازاً عن الصلاة.

ونقول في هذا الحديث:

أ - هذا الحديث يؤخذ به وإن كان المنذري قد قال عنه (وقد قيل إن الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص) لكن القول هنا بصيغة المجهول، لذلك يمكن الاحتجاج به.

وبالطريقة نفسها التي تحدثنا فيها عن الحديث الأول، نقول في هذا الحديث:

  • لا يصح أن يُفهَم منه جواز التدرج بتطبيق جزء من الأحكام وترك جزء لأن الأدلة القطعية ثابتة على تحريم التدرج في تطبيق الأحكام.

  • وإذن إما أن يُفهم الحديث بما لا يتعارض مع الأدلة القطعية أي يعمل بالدليلين: القطعي والدليل الظني، وإما أن يعمل بالدليل القطعي ويرد الظني إذا لم يمكن إعمال الدليلين. أي يُعمد إلى الجمع بين الأدلة إن أمكن أو يُعمد إلى الترجيح، ومعلوم أن القطعي قاضٍ على الظني.

  • في هذا الحديث، قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من وفد ثقيف أن (لا تحشروا ولا تعشروا ولا يستعمل عليكم غيركم) ولكن لم يقبل منهم ترك الصلاة. أما عدم استعمال غيرهم عليهم أي أن يكون الوالي على ولايتهم من أهل الولاية، فلا شيء فيه، وهذا جائز في البداية إن وجد الكفؤ من بينهم، لكن ما معنى (أن لا تحشروا ولا تعشروا)؟ قال في اللسان عن معنى لا يحشرون: (أي لا يندبون للمغازي ولا تضرب عليهم البعوث … وقيل لا يحشرون إلى عامل الزكاة ليأخذ صدقة أموالهم). وجاء في اللسان كذلك عن معنى لا يعشرون: (أي لا يؤخذ عشر أموالهم وقيل أرادوا به الصدقة الواجبة). ولذلك فإنه يمكن فهم هذا الحديث بأن يؤخذ معنى (أن لا يحشروا) أي أن لا يحشروا إلى عامل الزكاة فيدفعوا زكاتهم عنده بل في أماكنهم أي أنه هو يأتيهم إلى أماكنهم ويأخذ زكاتهم، وهذا هو أحد معاني (يحشرون). وأن يؤخذ معنى (أن لا يعشروا) أي لايؤخذ عشر أموالهم، وهذا المعنى هو أحد معاني (يعشروا).

وهكذا يكون ما اشترطوه ووافقهم الرسول صلى الله عليه وسلم عليه هو أن يدفعوا زكاة مالهم في أماكنهم، وأن لا يؤخذ منهم العشر بل الزكاة فقط. ويجوز لمن يريد الإسلام أن يشترط دفع زكاته في مكانه، وأن لا يؤخذ منه عشر بل زكاة فقط. وهذا جائز ولا شىء فيه. وبذلك يتم الجمع بين الحديث والأدلة القطعية. غير أن هناك رواية ثانية لأبي داوود من طريق وهب: «قال سألت جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت قال اشترطت على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا». مما يرجح أن معنى لا يحشرون أي لا يندبون للمغازي أي (لا يجاهدون)، ومعنى لا يعشرون أي لا يُزكُّون.

وفي هذه الحالة يكون الحديث خاصاً بوفد ثقيف، وأن قبول عدم جهادهم وعدم زكاتهم هو نص خاص فيهم لا يتعداهم لغيرهم، لأن الحكم الخاص لا يتعدى صاحبه. والحكم الخاص يحتاج إلى قرينة لخصوصيته حتى لا يتعداه، والقرينة هنا هي إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم إن أسلموا فسيتصدقون ويجهادون، ويكون شرطهم لا واقع له، وعِلْم الغيب لا يتأتى لغير الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهي قرينة على أن هذا الحكم خاص.

والأحكام الخاصة واردة فمثلاً: شهادة خزيمة التي اعتبرها الرسول صلى الله عليه وسلم له بشهادة رجلين فهي خاصة به ولا تتعداه إلى غيره، وكذلك أضحية أبي بردة بجذعة من المعز أي التي بلغت ستة شهور فهي خاصة به لا تتعداه إلى غيره، لأن الأضحية من المعز تجب ببلوغها السنة.

وهكذا يعمل بالدليلين: يحرم التدرج في تطبيق الأحكام، وذلك وفق الأدلة القطعية، وتدرُّج الجهاد والزكاة خاص بوفد ثقيف لعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم إن أسلموا سيجاهدون ويزكون.

والخلاصة:

  • يَحْرُم التدرج بتطبيق جزء من الأحكام وترك آخر للأدلة القطعية في ذلك.

  • حديث معاذ بن جبل يعمل بمنطوقه ولا يعمل بمفهوم المخالفة للشرط المذكور.

  • وحديث أبي داوود بروايتيه حيث لم يوافقهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ترك الصلاة، وقبل اشتراطهم عدم الجهاد والزكاة، هو حكم خاص بذلك الوفد لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علم بالوحي أن شرطهم لن يكون له واقع فهم عندما يسلمون سيجاهدون ويزكون.

أي أن الحديثين لا يُردَّان بل يُجمع بينهما وبين الأدلة القطعية الدالة على تحريم التدرج بتطبيق جزء وترك جزء من الأحكام ، وذلك على النحو الذي بيناه.

بسم الله الرحمن الرحيم

الدخول في جيوش الدول القائمة في بلاد المسلمين

**ألسؤال:

هل يجوز الدخول في جيوش الدول القائمة في بلاد المسلمين؟ علماً بأنَّ هناك حديثاً للرسول صلى الله عليه وسلم ينهى عن جنود الأمراء الظلمة؟ وهل يجوز طلب نصرتهم؟ وهل يصح القتال مع الحكام الظلمة؟**

ألجواب

عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على الناس زمان يكون عليهم أمراء سفهاء يقدمون شرار الناس ويظهرون بخيارهم ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها فمن أدرك ذلك منكم فلا يكون عريفاً ولا شرطياً ولا جابياً ولا خازناً». رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح خلا عبد الرحمن بن مسعود وهو ثقة.

وفي رواية في كنـز العمال «… فمن أدركهم فلا يكونن لـهـم عريفاً ولا جابياً ولا خازناً ولا شرطياً» كنـز العمال - الخطيب عن أبي هريرة.

وبإنعام النظر في الموضوع يتبين:

  1. حديث أبي يعلى ينهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الأربعة تحت حكم الأمراء السفهاء الظلمة بشكل مطلق. وفي حديث كنـز العمال نهي عن هذه الأربعة للحكام الظلمة خاصةً حيث ذكر في الحديث (لـهـم) واللام للاختصاص فالنهي متعلق بالحرس الخاص لهؤلاء الأمراء وبمن يجمع المال لهم ويخزنه لهم. ويحمل المطلق على المقيد فيكون النهي ليس عن العريف والجابي والخازن والشرطي على إطلاقها في الدول التي لا يحكم حكامها بالإسلام، وإنما النهي متعلق بالعريف والشرطي والجابي والخازن العاملين مع أشخاص هؤلاء الحكام أي المختصين بهم.

  2. الذي يرضى بحكم الأمراء الظلمة السفهاء يكون آثماً سواء أكان في الجيش أم غير الجيش لأن عدم تغيير الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، وعدم الإنكار عليهم، أو الرضى بهم، كل ذلك إثم عظيم حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع» أخرجه مسلم.

  3. إن طلب نصرة أهل القوة سواء أكانوا في حرس الحاكم أم في غير حرسه لتغيير حكم الظالمين السفهاء الذين لا يحكمون بما أنزل الله، هذا الطلب جائز ولكن بعد بيان واقع النظام الفاسد الذي يعملون فيه، وأنَّ الواجب تغييره، فإذا اقتنعوا بذلك واستجابوا لله ولرسوله فإنّ عملهم هذا عمل عظيم بإذن الله وإذا استعملوا مواقعهم في التعجيل بإقامة حكم الله سبحانه فقد جاؤوا بعمل عظيم.

وذلك لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى القبائل وهي كافرة يدعوها للإسلام فإذا استجابت طلب نصرتها لإقامة حكم الله. وهكذا فإن العاملين في جيش الظالمين إذا استجابوا للحق وعرفوا حكم الشرع في وجوب الإنكار على الظالمين وتغييرهم، واستعدوا للعمل فإنَّ طلب نصرتهم جائزة.

  1. نعم يصح القتال مع الحكام الظلمة إذا كان قتالاً للكفار وليس للمسلمين، لأن الجهاد فرض على المسلمين في جميع الأحوال تحت ظل الحاكم المسلم مهما كان حاله سواء أكان برّاً أم فاجراً ما دام يقوم بالقتال ضد الكفار وذلك لأن آيات القتال جاءت مطلقةً غير مقيدة {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله}؛ {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله}؛ {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا} وآيات غيرها كثيرة لـم تشترط أن يكون الحاكم ظالماً أو غير ظالـم ما دام القتال ضد الكفار.

كما أن هناك أحاديث صريحةً تدل على أن جور الحاكم لا يمنع القتال معه، وهو يعني قاتلوا مع الإمام الجائر. عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والجهاد ماضٍ منذ أن بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل».

20 جُمادى الأولى 1424هـ. / 20/07/2003م.

منقول

بسم الله الرحمن الرحيم
جواب سؤال في موضوع :
النسب القرشي وشروط الخليفة

السـؤال
جاء في الكتب المعتمدة، في موضوع شروط الخليفة أن النسب القرشي شرط أفضلية، ولكنني قرأت في بعض كتب الفقه أن هناك من الفقهاء من يعتبره شرط انعقاد، فهل يمكن أن تزيد هذه المسألة توضيحاً ليطمئن القلب بهذا الحكم الشرعي {قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}؟
ألجـواب
إنه على الرغم من أن قضية المسلمين هي إفامة الخـلافة، وليست زيادة بحث نسب الخليفة، وعلى الرغم من أن ما هو مذكور في الشخصية ج2 ونظام الحكم كافٍ في هذه المسألة، إلا أنني سأحاول في الجواب التالي أن أزيد المسألة توضيحاً بالقدر الذي أراه يوفر الطمأنينة بالحكم الشرعي المتعلق بهذه المسألة بإذن الله.

وهذا هو الجواب:
أولاً: إن أموراً ثلاثةً حدثت على ملأ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثابتةً صحيحةً مشهورةً ومشهودة، تكفي للدلالة على أن النسب القرشي شرط أفضلية لا شرط انعقاد، وهذه هي:
1 - ما كان من أمر السقيفة: فقد اجتمع رؤوس الأنصار فيها لمبايعة خليفة للمسلمين، فسمع بهم أبو بكر وصحبه فجاءوهم وناقشوهم، ثم ذكروا لهم الحديث «الأئمة من قريش» فهدأ القوم وقالوا: (منا أمير ومنكم أمير) ثم استمر النقاش، حتى قال الأنصار: (أنتم الأمراء ونحن الوزراء) أو قالها عمر كما في رواية (إنا قلنا لهم نحن الأمراء وأنتم الووراء) ثم بايعوا أبا بكر رضي الله عنه.
وبالوقوف على هذه الحادثة نرى أن حديث «الأئمة من قريش» كان مفهوماً للصحابة أنه شرط أفضلية وليس وجوب الخلافة في قريش للشواهد التالية:

أ - إن الأنصار هم أنصار الله ورسوله، لازموا الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر مواضعه، وكان صلى الله عليه وسلم يحبهم ويجالسهم بكثرة ويقول: «لو سلك الأنصار وادياً وسلك الناس وادياً لسلكت وادي الأنصار» صاحبوه في غزواته وحله وترحاله، سمعوا كثيراً من أحاديثه، وشاهدوا كثيراً من أفعاله. هؤلاء الذين هذا شأنهم يتداعون إلى سقيفة بني ساعدة لمبايعة أحدهم خليفةً، فإما أنهم لـم يكونوا قد سمعوا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم المذكور على ملازمتهم له صلوات الله وسلامه عليه أو أنهم سمعوه وعلموه على وجهه أنه شرط أفضلية، فالدارس لهذه المسألة ماذا يرجح؟ أليس يرجح أنهم علموه لا أنهم جهلوه؟ وأنهم علموه شرط أفضلية لا شرط انعقاد؟

ب - إن أبا بكر رضي الله عنه علل الحديث عند ذكره فقال: (ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً) وفي رواية أن القائل هو عمر: (وأن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش وهم أوسط العرب داراً ونسباً). وواضح من التعليل أن «الأئمة من قريش» لأنهم حينها كانوا قادة العرب ولا تسلس العرب قيادها إلا لهم، وكان العرب في ذاك الوقت هم جل المسلمين، إن لـم يكونوا كلهم، فالعرب بأكثريتهم يرشحون وبنتخبون لهم خليفةً من قريش وليس من سواها، وهي لفتة عظيمة من أبي بكر وعمر على وجوب أن يحوز الخليفة على رضى جمهرة المسلمين. فلو علم أن غالب المسلمين يريدون فلاناً فهو الذي يبايع، مهما كان نسب هذا الذي يحوز رضاهم.

جـ - إن عمر رضي الله عنه كان يخشى إنْ لـم تتم البيعة بسرعة فإن الأنصار سيبايعون واحداً منهم، أي أنه على الرغم من النقاش وذكر الحديث فهو كان يرى أن الأنصار قد يبايعون واحداً منهم وهذا يعني أنه كان يدرك ان الحديث يفيد الأفضلية وليس الانعقاد لأنه لا يمكن أن يُظَنَّ أن عمر رضي الله عنه يرى أن الأنصار، على ما هم فيه من فضل وتقوى، يعلمون أن الحديث يفيد وجوب الخلافة في قريش، ومع ذلك فلو لـم يسرع بالبيعة لأبي بكر فإن الأنصار سيعودون يبايعون واحداً منهم، أي يخالفون نصاً صريحاً لوجوبها لقريش وهذا ما لا يصلح أن يرد بالنسبة للأنصار. وما تطمئن النفس إليه أن الأنصار وعمر كانوا يرون في القرشية الأفضلية، لهذا كان يجوز الأنصار الخلافة لهم، وكان يجوزها عمر لهم لأنه كان يخشى أن يبايعوا أحدهم، ولو بايعوه كان يرى وجوب طاعته وإلا كان الفساد. يقول عمر (خشينا إن فارقنا القوم ولـم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعةً، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى أو نخالفهم فيكون فساد) وحدوث الفساد قرينة على وجوب الطاعة.

د - إن الأنصار بعد أن بايعوا أبا بكر بقي سعد بن عبادة رضي الله عنه مصراً على عدم البيعة، فما هو الأرجح في فهم هذه الحادث: أن نقول إن سعداً علم من الحديث لَمَّا ذُكر ان البيعة لا تصح إلا لقرشي ومع ذلك بقي مصراً على عدم البيعة وعلى أحقيته بها، أو أن نقول إن سعداً علم من الحديث أن القرشية شرط أفضلية فقط، لهذا بقي مصراً وأجاز لنفسه طلب الخلافة لأنه يرى أن شرط الأفضلية هذا وإن وجد في غيره، لكنه يرى أن عنده من شروط الأفضلية الأخرى ما يفوق غيره؟

ولا يعارض هذا موافقة الأنصار على بيعة أبي بكر، فجمهرة الأنصار بالنقاش وبذكر الحديث وبتعليل أبي بكر وعمر اقتنعوا أن شرط الأفضلية هذا يرجّح كفة المهاجرين فبايعوا، أما سعد فقد رأى أن عنده من شروط الأفضلية ما يعوّض أفضلية النسب (القرشية) فبقي مصراً أن له حقاً في الخلافة.
وأكتفي بهذا عن أمر سقيفة بني ساعدة وما تدل عليه من أن القرشية شرط أفضلية.

2 - ما كان من قول عمر ساعة موته رضي الله عنه: (إن أدركني أجلي ومات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل) وفي رواية: (لو سالـم مولى أبي حذيفة حياً استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول: إن سالماً كان شديد الحب لله). ومعاذ وسالـم ليسا من قريش.

إن هذه الحادثة مشهورة ومشهودة كذلك كسقيفة بني ساعدة، على ملأ من الصحابة، وهي إجماع سكوتي ولـم ينكر عليه أحد، مع العلم أنها مما ينكر مثله لو لـم تكن صحيحة، فإذا كانت الخلافة في قريش وجوباً فكيف يجمع الصحابة على جوازها في غير قريش؟ فهل تفهم هذه الواقعة بأنَّ عمر رضي الله عنه كان يفهم أن الحديث يفيد وجوب الخلافة في قريش ثم يجيزها لغيرهم، أو نفهم بأن عمر رضي الله عنه كان يفهم من الحديث أنّ القرشية شرط أفضلية فرأى أنّ عند سالـم ما يعوِّض هذه الأفضلية بشرط آخر وهو شدة الحب لله؟ أليس هذا الأخير هو ما تطمئن النفس إليه؟ وهنا لا يستطيع أحد أن يقول إن عمر لـم يكن يعلم الحديث، فعمر ممن كان في السقيفة ومن شهودها ومن الذين نقلوا هذا الحديث.

يضاف إلى ذلك أن عمر علل ترشيحه للستة الذين طلب انتخاب خليفة من بينهم فقال: (عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم من أهل الجنة) وفي روايات أخرى (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ) فذكر علة اختيارهم وليس لأنهم قرشيون.

فهذه الحادثة الثانية أي قول عمر بترشيح الستة تدل كذلك على أن (القرشية) كان يفهمها الصحابة أنها شرط أفضلية، وأجمعوا على ذلك بسكوتهم على قول عمر رضي الله عنه.

3 - ما كان من خطبة معاوية التي رواها البخاري، وهي كذلك على ملأ من المسلمين وفي عصر الصحابة فلم يكن عصرهم قد انقضى بعد، وهي تفيد أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يروي حديثاً بأن خليفة سيكون من قحطان (أي ليس من قريش) فغضب معاوية وتكلم على عبد الله بن عمر وجهّله، وقد أخطأ معاوية بتجهيل صحابي. يروي البخاري (كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش ان عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث أنه سيكون ملك من قحطان فغضب معاوية فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يتحدثون بأحاديث ليست في كتاب الله تعالى ولا تؤْثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأولئك جهالكم إلى أن قال معاوية: إن هذا الأمر في قريش…).

فقد كان عبد الله بن عمرو يحدث أن ملكاً أي خليفةً سيكون من قحطان، والملك تطلق على الإمام أو السلطان او الخليفة ولا تطلق على من دونه، وقد فهم ذلك معاوية أن الحديث عن خليفة من فحطان أي من غير قريش فأنكر على عبد الله بن عمرو ووصفه بالجهل

وبدراسة هذه الحادثة هل نرجح ما رواه عبد الله بن عمرو بأن خليفةً سيكون من قحطان أي من غير قريش أو إنكار معاوية عليه؟ والمعروف أن عبد الله بن عمرو صحابي غير مختلف في صحبته وأما معاوية فمختلف في صحبته وعليه يرجح حديث عبد الله بن عمرو على إنكار معاوية عليه. ثم ألا يعني هذا أن القول بأن الصحابة مجمعون على أن «الأئمة من قريش» يعني شرط انعقاد، قول غير صحيح؟ علماً بأن الذي أنكر على عبد الله هو معاوية ولـم يرو إنكار غيره مع أن القول كان على ملأ من الناس.

هذه حوادث ثلاث تمت على ملأ من المسلمين ومن الصحابة، وهي تدل دلالةً يطمئن لها القلب أن الصحابة كانوا يفهمون «الأئمة من قريش» شرط أفضلية، وأن الخلافة تكون فيهم وفي غيرهم.

ثانياً: الأحاديث الواردة التي يستدل بها بعضهم على ان (القرشية) شرط انعقاد:
نحن نعلم أن جميع صيغ الأمر عند العرب، المفردة منطوقاً مفهوماً، والجملة المركبة منطوقاً ومفهوماً، والتي جمع أهل اللغة منها العشرات، كلها تفيد مجرد الطلب وتحتاج إلى قرينة لبيان نوع الطب، في الجزم وغير الجزم والتخيير.

وباستعراض الأحاديث الواردة يُرى أنها تفيد الطلب وتفتقر إلى قرينة جازمة إلا حديثين فيهما شبهة ذلك وسأستعرضهما هنا:

1 - حديث «الأئمة من قريش» وقولهم إنه مبتدأ وخبر وهو يفيد حصر المبتدأ في الخبر وبالتالي فمفهوم المخالفة معمول به أي أنه لا يصح أن يكون الأئمة من غير قريش. وبالتدقيق في هذه الحديث نجد أنه لا يفيد المخالفة لما يلي:

أ - قريش اسم لقبيلة، مفهوم المخالفة لا يعمل به في الحكم المعلق على اسم، سواء كان اسم جنس أم اسم علم أم ما هو في حكمه كاللقب والكنية. وعليه فإذا قلت: (قريش كريمة) فلا يعني أن غير قريش ليست كريمة، وهكذا «الأئمة من قريش» لا يعني أن غير قريش لا يصح فيها الأئمة.

ب - صيغ الحصر المركبة والمفردة لا تفيد كلها الحصر الحقيقي في الأصول أي يكون لها مفهوم مخالفة إلا بقرائن تضاف إلى الصيغة، فإن لـم توجد تلك القرائن المضافة فإن الحصر لا يكون حقيقياً بالمعنى الأصولي فلا يحصر جميع أفراده.
يستثنى من ذلك فيما أعلم صيغتان:

الأولى مفردة وهي باستعمال أداة نافية مع أداة الاستثناء مثل: (لـم وإلاّ) فهاتان الأداتان مجتمعتان تفيدان الحصر قطعاً ويكون لها مفهوم مخالفة مثل: لـم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة إلا في عشرة: الإبل، البقر، الغنم، الذهب، الفضة، الشعير، الحنطة، التمر، الزبيب، السلت (السلت نوع من الشعير). فهنا أفادت الحصر ولها مفهوم مخالفة أي أن غير هذه الأصناف لا زكاة فيها.

الثانية مستفادة من التركيب وهي أن يرد التنصيص على مجموعة أسماء جامدة ويعلق حكم مشروط على كل اسم منها بجامع يجمعها، فهنا يكون حصر له مفهوم مخالفة مثل: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والبر بالبر مثلاً بمثل… فمن زاد أو ازداد فقد أربى» فهنا حصر للسبب المذكور وله مفهوم مخالفة أي أن غير هذه الأشياء لا ينطبق عليها الحكم.

أما غير ذلك فيحتاج إلى قرينة مضافة، مثلاً:
«إنما الربا في النسيئة» هنا وإن كانت إنما تفيد الحصر إلا أنها تحتاج إلى قرينة مضافة، وحيث لا توجد فلا يعمل بمفهوم المخالفة ولذلك هناك ربا فضل.
ومثل «الأئمة من قريش» فهنا مبتدا وخبر، والمبتدأ محصور في الخبر وليس هناك قرينة مضافة، وعليه فلا مفهوم مخالفة فتكون الأئمة من قريش وغير قريش.
هذا بالنسبة للحديث «الأئمة من قريش» الذي لا يوجد في نص الحديث غير المبتدأ والخير. فإن كان له تكملة بقرينة مناسبة تضاف إلى الحصر فعندها يعمل بمفهوم المخالفة حسب القرينة ولا تكون الأئمة إلا في قريش، وهي في الحديث السابق الذي ذكرنه غير موجودة أي القرينة المضافة.

2 - حديث «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين»
هذا الحديث فيه جزءان: «إن هذا الأمر في قريش» وهذا لا يفيد أن الأمر لا يكون في غير قريش، فحصر المبتدأ في الخبر يحتاج إلى قرينة مضافة، ويقال عليه ما قيل على الحديث السابق.

فإذا كانت التكملة «لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه» هي قرينةً مضافةً للجزء الأول أي كانت (لا) عاطفةً تصل الجزأين معاً، فإن الحصر سيصبح أصولياً له مفهوم مخالفة، ويكون الأمر محصوراً وعلى الوجوب في قريش.

فما هي حقيقة (لا) هنا؟
(لا) هنا حرف نفي مصاحب لأداة الاستثناء (إلاّ) وهما تشكلان حصراً كاملاً، أي أنهما يحصران الكب على الوجه في من يعاديهم. وبالتالي فالكب محصور في عداوة قريش، ولا صلة له بالجزء الأول.

ولايصح أن تكون (لا) هنا عاطفةً لأن من شروط مجيء (لا) عاطفةً، كما هو عند علماء اللغة، أن يكون المعطوف مفرداً لا جملةً ولا شبه جملة، وحيث إن المذكور ههنا جملة (لا يعاديهم… وجهه)، لذلك فالكلام هنا جزءان منفصلان: الأول الأمر في قريش والثاني عقوبة معاداة قريش. فيكون الفهم الصحيح أنه نص على أمرين منفصلين: على أن الأمر في قريش، وعلى النهي عن معاداتهم، ولذلك فليست هذه قرينةً تفيد الجزم للجزء الأول من الحديث لأن (لا) ليست عاطفةً.

وبذلك ينتفي القول إن هذا الحديث يفيد وجوب الخـلافة في قريـش، بمـعـنى أنـهـا شرط انعقاد، وتبقى كما هو مبين شرطَ أفضلية.

وأما غير هذين الحديثين من أحاديث فإنه لا تصحبها قرينة تفيد الجزم.

ثالثاً: بقيت نقطة أرى وجوب ذكرها لتتحقق الطمأنينة التامة، وهي أنّ هناك من يقول إنَّ البشرى بعودة الخـلافة الأخيرة على منهاج النبوة يعني أنها لا بد أن تكون كالخـلافة الأولى على منهاج النبوة، وحيث إن الخـلافة الأولى خلفاؤها من قريش إذن فالثانية يجب أن يكون خلفاؤها من قريش.

وهذه النقطة يتضح ضعفها عندما يتبين أن المنهاج لا يكون نسب الأشخاص أساساً فيه بل إنَّ الطريق والمسلك الذي يسلكه هؤلاء الأشخاص هو الأساس فيه.

جاء في القاموس:
(النهج: الطريق الواضح كالمنهج والمنهاج، ونهج كمنع وضح، ونهج الطريق سلكه واستنهج فلان سبيل فلان سلك مسلكه).
فالمنهاج إذن هو الطريق الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا فإن الخلافة القادمة بإذن الله على منهاج النبوة كالخلافة الأولى أي أنها راشدة، ملتزمة كتاب الله سبحانه وسنة رسول صلى الله عليه وسلم وما أرشدا إليه، كما كان عليه الخلفاء الراشدون. أي أنه سيكون في القادمة خلفاء راشدون نهجهم يماثل نهج الخلفاء الراشدين في الالتزام بالإسلام التزاماً عادلاً مستقيماً، سواء أكان نسبهم قرشياً أم لـم يكن، لأن العبرة بالمنهاج الذي هم عليه.

نسأل الله سبحانه أن يكرمنا بنصره، ويعجل لنا فرجه وفضله، وأن يستخلفنا في الأرض كما استخلف الذين من قبلنا، فتعود الخـلافة الراشدة على منهاج النبوة، إنه سبحانه سميع مجيب.
في 27/08/2003م

أسئلة فقهية وسياسية في الحكم وأنظمة ألمجتمع

01 الفهرس

02 النسب القرشي وشروط الخليفة

03 التدرج في تطبيق الأحكام

04 جواب سؤال تعقيبي حول:“التدرج في تطبيق الأحكام”

05 الاشتراط على الخليفة

06 تفسير الآية الكريمة { ولتكن منكم أمة…}

07 حكم القاضي بخلاف تبني الخليفة

08 ألموازنة والميزانية

09 معنى الحكم

10 حول الميراث في دار الحرب

11 هل هناك راية محددة يجب أن يلتزم بها السوريون

12 حول استخدام الخلفاء الراشدين راية العقاب واللواء

13 عن الديمقراطية

14 عن تحديد مدة انتخاب الخليفة

15 حول طلب النصرة

16 حول المدة التي يمهل فيها المسلمون لإقامة الخلافة

18 حكم النساء اللاتي يخرجن إلى ميدان المعركة

19 علاقة الدولة الإسلامية مع الدول المحاربة فعلاً

20 الدولة التي تدور في الفلك

21 حول استعمال لفظ وزير و وزارة في الدولة الإسلامية

22 هل يجوز في عقد البيعة أن تشترط الأمة تحديد مدة للخليفة؟

23 هل يجوز شرعاً إقامة حدٍ من حدود الله في الأرض من قِبَل مجموعات جهادية أو أفراد؟

24 حول استقرار الرأي على عثمان رضي الله عنه خليفة للمسلمين

25 علاقة تأخير دفن الرسول صلى الله عليه وسلم بالبيعة

26 حول تفكير الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة

27 المشاركة في أنظمة الكفر

28 الجهاد ليس هو الطريقة لإقامة الخلافة

29 دوافع الصراع بين الدول

30 معنى ?القدرة? في شروط انعقاد الخلافة

31 الاستقتراض من الدول الأجنبية

32 القضاء بين غير المسلمين في الدولة الإسلامية

33 نية الحربي الإقامة في دار الإسلام

34 الدخول في جيوش الدول القائمة في بلاد المسلمين

35 تصريح سلطان بروناي نيته تطبيق الشريعة

36 هل مصطلح الخلافة مصطلح فقهي أم مصطلح سياسي؟

37 الجزية وجزيرة العرب

38 توضيح المادة 33 في مقدمة الدستور

(شغور منصب الخليفة وتعيين أكبر المعاونين سناً أميراً مؤقتاً)

39 الجهاد في العمل لإقامة الدول

40

هل يجوز شرعاً إقامة حدٍ من حدود الله في الأرض من قِبَل مجموعات جهادية أو أفراد؟

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هل يجوز شرعاً إقامة حدٍ من حدود الله في الأرض من قِبَل مجموعات جهادية أو أفراد في ظل “عدم وجود دولة الخلافة الإسلامية”، وبارك الله فيكم وأعانكم**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن إقامة الحد تترتب على حكم القضاء بعد ثبوت البينة الشرعية، والقضاء هو الإخبار بالحكم على وجه الإلزام، وهذا الإلزام يعني وجود قوة تُلزم الخصوم بالحكم، وهذه القوة هي السلطان، أي الحاكم الذي يقيم شرع الله ويلزم المسلمين بهذه الأحكام، فلا تنفذ الحدود إلا من الحاكم الذي يقيم شرع الله. وأما الأدلة على ذلك فهي ما يلي:

1- أدلة مجملة ومنها:

يقول سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ… ﴾

ويقول سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

ويقول سبحانه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً… ﴾.

وأخرج البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»

وأخرج مسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ»

وأخرج الترمذي في سننه عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ…».

وهذه أدلة مجملة توجب إقامة الحدود والعقوبات (فاجلدوا، فاقطعوا، فاقتلوه، جلد مائة والرجم…)، فلم تبين من الذي يقيم العقوبة وكيف يقيمها. والأدلة المجملة كما في الأصول تحتاج إلى بيان، والتزامها يكون وفق بيان هذا المجمل. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة هذا المجمل، وكذلك بينه إجماع الصحابة رضوان الله عليهم في عهد الخلفاء الراشدين بياناً واضحاً بأن العقوبات يقيمها الحاكم بكيفية واضحة مبينة في النصوص الشرعية، ومن هذه النصوص المبينة للنصوص المجملة:

أ- يقول سبحانه ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾. وهذه الآية الكريمة، وآيات أخرى غيرها مستفيضة في هذا الموضوع، تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المكلف بتنفيذ الأحكام، وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم في الحكم هو خطاب لكل حاكم يحكم بالإسلام يأتي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بناءً على القاعدة الأصولية التي تنص على أن خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم هو خطاب لأمته على وجهه، فإن كان في موضوع الحكم كان خطاباً للخلفاء من بعده صلى الله عليه وسلم ما لم يرد دليل التخصيص، وهو هنا غير وارد، وإذن فالذي ينفذ الأحكام هو الحاكم الذي يحكم بالإسلام.

ب- وهناك أحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم تبين أن صاحب الذنب الذي يوجب الحد كان يؤتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقيم الحد عليه:

أخرج مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ»، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، «فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ»، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم.

وأخرج البيهقي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ “رَجُلًا ذَكَرَ أَنَّ ابْنَهُ زَنَا بِامْرَأَةِ رَجُلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ»، فَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا، وَأَمَرَ أُنَيْسًا أَنْ يَغْدُوَ عَلَى امْرَأَةِ الْآخَرِ، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا”.

وأخرج البيهقي كذلك في السنن الصغير عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، «أَنَّ رَجُلًا، زَنَا بِامْرَأَةٍ، فَلَمْ يُعْلَمْ بِإِحْصَانِهِ، فَجُلِدَ، ثُمَّ عُلِمَ بِإِحْصَانِهِ، فَرُجِمَ» وأخرج النسائي نحوه.

وأخرج أبو داود في سننه عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَيَّ خَمِيصَةٌ لِي ثَمَنُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاخْتَلَسَهَا مِنِّي، فَأُخِذَ الرَّجُلُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَ بِهِ لِيُقْطَعَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، أَنَا أَبِيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا؟ قَالَ: «فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» وفي رواية الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشْفَعُوا مَا لَمْ يَتَّصِلْ إِلَى الْوَالِي، فَإِذَا أُوصِلَ إِلَى الْوَالِي فَعَفَا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِقَطْعِهِ مِنَ الْمِفْصَلِ.

ج- وهناك حوادث في عهد الخلفاء الراشدين كان يؤتى بصاحب الذنب الذي يوجب الحد إلى الخليفة أو نوابه لإقامة الحد عليه، ومن هذه الحوادث:

أخرج أبو داود الطيالسي في مسنده عَنْ حُضَيْنِ أَبِي سَاسَانَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ: حَضَرْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ وَرَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ: «أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ…»

وأخرج أحمد في مسنده عن عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ “أبي موسى الأشعري” «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ: انْزِلْ وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ قَالَ: " مَا هَذَا؟ " قَالَ: كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السَّوْءِ فَتَهَوَّدَ. قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ».

وقاتل أبو بكر المرتدين عندما أنكروا الزكاة، أخرج ابن حبان في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عَنْهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قاتلهم أبو بكر وقَالَ: “وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ”.

والخلاصة هي كما أن الخاص قاض على العام، والمقيد قاض على المطلق وفق قواعد الأصول، فإن المبين قاض على المجمل، فيكون الذي يقيم الحدود هو الحاكم الذي يحكم بالإسلام، أي الإمام، وهذا أمر ثابت وفق ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سار عليه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، كما بينا آنفاً… وهذا أمر مشهور طوال عهود الخلافة الإسلامية، وقد وردت أقوال لبعض العلماء المعتبرين في هذا الأمر:

  • قول ابن تيمية “خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا كقوله والسارق والسارقة فاقطعوا… لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرا عليه والعاجزون لا يوجب عليهم… والقدرة هي السلطان فلهذا وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه”.

  • قال الإمام علاء الدين الكاساني: “وأما شرائط جواز إقامتها يعني الحدود… فهو الإمامة”.

  • القرطبي يقول: “لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر - الحدود - الإمام ومن ينوب منابه”.

  • قال الإمام الشافعي: “لا يقيم الحد على الأحرار إلا الإمام ومن فوض إليه الإمام”.

  • قال ابن قدامة: “لا يجوز لأحد إقامة الحد إلا بالإمام أو نائبه”.

3- وفي حالة عدم وجود السلطان الذي يحكم بشرع الله فإن الواجب على المسلمين هو العمل الجاد المجد لإيجاد السلطان الذي يحكم بالإسلام لأنه فرض للنصوص الكثيرة الواردة في ذلك من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة:

أما الكتاب فقد قـال تعالى مخاطباً الرسـول عليه الصـلاة والسـلام: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾، وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك﴾، وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكم بينهم بما أنزل الله هو خطاب لأمته صلوات الله وسلامه عليه، ومفهومه أن يوجِدوا حاكماً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم بينهم بما أنزل الله، والأمر في الخطاب يفيد الجزم؛ لأن موضوع الخطاب فرض، وهذا قرينة على الجزم كما في الأصول، والحاكم الذي يحكم بين المسلمين بما أنزل الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الخليفة. ونظام الحكم على هذا الوجه هو نظام الخـلافة. هذا فضلاً عن أن إقامة الحدود وسائر الأحكام واجبة، وهذه لا تقام إلا بالحاكم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي أن إيجاد الحاكم الذي يقيم الشرع هو واجب. والحاكم على هذا الوجه هو الخليفة، ونظام الحكم هو نظام الخـلافة.

وأما السنة فقد رُوي عن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» رواه مسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتة جاهلية. والبيعة لا تكون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا للخليفة ليس غير. فالحديث يوجب وجود بيعة في عنق كل مسلم، أي وجود خليفة يستحق في عنق كل مسلم بيعة بوجوده. وروى مسلم عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الإمام جُنة يُقاتَل من ورائه ويُتقى به». وروى مسلم عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يُحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». فهذه الأحاديث فيها وصف للخليفة بأنه جُنة، أي وقاية. فوصف الرسول بأن الإمام جنة هو إخبار فيه مدح لوجود الإمام، فهو طلب؛ لأن الإخبار من الله ومن الرسول، إن كان يتضمن الذم فهو طلب ترك، أي نهي، وإن كان يتضمن المدح فهو طلب فعل، فإن كان الفعل المطلوب يترتب على فعله إقامة الحكم الشرعي، أو يترتب على تركه تضييعه، كان ذلك الطلب جازماً. وفي هذه الأحاديث أيضاً أن الذين يسوسون المسلمين هم الخلفاء، وهو يعني طلب إقامتهم. على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة الخلفاء، وبقتال من ينازعهم في خلافتهم. وهذا يعني أمراً بإقامة خليفة، والمحافظة على خلافته بقتال كل من ينازعه. فقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمره قلبه، فليطعه إن استطاع. فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر». فالأمر بطاعة الإمام أمر بإقامته، والأمر بقتال من ينازعه قرينة على الجزم في دوام إيجاده خليفة واحداً.

وأما إجماع الصحابة فإنهم، رضوان الله عليهم، أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وأجمعوا على إقامة خليفة لأبي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان، بعد وفاة كل منهم. وقد ظهر تأكيد إجماع الصحابة على إقامة خليفة من تأخيرهم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب وفاته، واشتغالهم بنصب خليفة له، مع أن دفن الميت عقب وفاته فرض. والصحابة الذين يجب عليهم الاشتغال في تجهيز الرسول ودفنه اشتغل قسم منهم بنصب الخليفة عن الاشتغال بدفن الرسول، وسكت قسم منهم عن هذا الاشتغال، وشاركوا في تأخير الدفن ليلتين مع قدرتهم على الإنكار، وقدرتهم على الدفن، فقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ضحى الاثنين، وبقي دون دفن ليلة الثلاثاء ونهار الثلاثاء حيث بويع أبو بكر رضي الله عنه ثم دفن الرسول صلى الله عليه وسلم وسط الليل، ليلة الأربعاء، أي تأخر الدفن ليلتين، وبويع أبو بكر قبل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم. فكان ذلك إجماعاً على الاشتغال بنصب الخليفة عن دفن الميت، ولا يكون ذلك إلا إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت. وأيضاً فإن الصحابة كلهم أجمعوا طوال أيام حياتهم على وجوب نصب الخليفة. ومع اختلافهم على الشخص الذي يُنتخب خليفة، فإنهم لم يختلفوا مطلقاً على إقامة خليفة، لا عند وفاة رسول الله، ولا عند وفاة أي خليفة من الخلفاء الراشدين. فكان إجماع الصحابة دليلاً صريحاً وقوياً على وجوب نصب الخليفة.

وهكذا فإن الواجب على المسلمين عند عدم وجود الحاكم الذي يحكم بالإسلام “الخليفة” أن يبذلوا الوسع في إيجاده، ووجود الخليفة فرض وأي فرض، فهو الذي يقيم الحدود الواجبة من رب العالمين، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبخاصة وأن إقامة الحدود فرض عظيم فيه صلاح الأمة واستقامة أمرها. أخرج ابن ماجه في سننه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا».

وفي الختام فإني ألفت نظر المسلمين في مناطق النزاع التي لا يوجد فيها حكم مستقر ولا دولة، ألفت نظرهم إلى وجوب حل المشاكل بين المسلمين صلحاً، فلا يتركوا هذه المشاكل تتفاقم بين الناس بل يحلوها صلحا فيقوم العلماء وأولو الألباب وأهل الحل والعقد في البلد بالإصلاح بين الناس لحل مشاكلهم، وسد حاجات الفقراء منهم، والوقوف مع المظلوم لأخذ حقه ممن ظلمه… وذلك للنصوص العامة في هذه الأمور، وفي الإصلاح بين الناس، وهذه النصوص غير مخصصة بوجود الحاكم، وكذلك للنصوص المطلقة في الإصلاح غير المقيدة بوجود الحاكم، ومن هذه النصوص:

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

وأخرج أحمد في مسنده عَنْ أم الدرداء عن أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى قَالَ: “إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ قَالَ: وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ” وأخرجه أبو داود في سننه، وصححه ابن حبان عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، بلفظ: قال رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ، بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ، وَالْقِيَامِ؟» ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ».

وعليه فإن حل المشاكل في مناطق النزاع حيث لا وجود لدولة يكون صلحاً بشرط أن لا يحل هذا الصلح حراماً ولا يحرم حلالاً بناء على النصوص الشرعية الواردة ومنها:

أخرج أبو داود في سننه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» زَادَ أَحْمَدُ، «إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»

وأخرج الترمذي في سننه عن كَثِيرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ

وكذلك أخرجه ابن حبان في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بلفظ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا».

فالإصلاح بين الناس مطلوب سواء أوجد الحاكم أم لم يوجد. هذا هو الحكم الشرعي الذي أراه في المسألة، والله سبحانه أعلم وأحكم.

والخلاصة:

1- إن الحدود يقيمها الحاكم الذي يحكم بالإسلام، وهي تكفر الذنب الذي أوجب الحد، أي لا يعاقب المذنب في الآخرة على ذلك الذنب الذي حُدَّ عليه في الدنيا. أخرج البخاري في صحيحه عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.

2- في مناطق النزاع حيث لا دولة، ولا حكم مستقر، فلا تترك المشاكل تتفاقم بل تحل صلحاً بتدخل أهل الحل والعقد والعلماء والذين لهم قبول مؤثر، ويصدقوا العمل ويخلصوا فيه، والله سبحانه المستعان.

هذا هو الراجح لدي في سؤالك حول إقامة الحدود، وقد ذكرت الأدلة الشرعية في ذلك ووجه الاستدلال ومن ثم استنباط الحكم، والله سبحانه أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

30 من محرم 1435هـ الموافق 2013-12-03

منقول

هل يجوز في عقد البيعة أن تشترط الأمة تحديد مدة للخليفة؟

**السؤال:

الخلافة عقد مراضاة واختيار، وقد اشترطت الأمة على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه على أن من يحكمها لا بد أن يحكمها بكتاب الله تعالى وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وزادوا على ذلك (منهج الشيخين(؟… فهل يمكن أن نفهم من ذلك أنه يجوز في عقد البيعة أن تشترط الأمة تحديد مدة للخليفة؟ نرجو التوضيح وجزاكم الله خيرا.**

الجواب:

قبل الجواب أذكرك بما يلي:

أ-إن للمسلم أن يشترط في العقود ما شاء إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، في قضية عتق بريرة… ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».

وأخرج الترمذي في الحديث الصحيح عن كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَالمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا».

ب-فإذن يجوز أن يشترط المسلم في العقود إلا أن يُحلَّ حراماً أو يحرم حلالاً، أي إلا أن يخالف شرع الله، فهو شرط باطل لا يصح ولا يجوز.

ج-إن تقليد المجتهد لمجتهد آخر جائز، وهذا ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وعليه فإن اشترط مسلم على مجتهد أن يقلد مجتهداً آخر في مسألةٍ ما وإلا فلا يبايعه، فهذا جائز لأن تقليد المجتهد لمجتهد آخر يجوز.

جاء في الشخصية الجزء الأول باب واقع التقليد الفقرة الثانية صفحة 222 ما يلي:

(…والمجتهد إذا حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل، فإن اجتهد فيها وأدّاه اجتهاده إلى حكم فيها، فلا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أدّاه إليه اجتهاده، ولا يجوز له ترك ظنه أو ترك العمل بظنه في هذه المسألة إلا في أربع حالات:

إحداها - إذا ظهر له أن الدليل الذي استند إليه في اجتهاده ضعيف، وأن دليل مجتهد آخر غيره أقوى من دليله، ففي هذه الحالة يجب عليه ترك الحكم الذي أداه إليه اجتهاده في الحال وأخذ الحكم الأقوى دليلاً…

ثانيتها - إذا ظهر له أن مجتهداً غيره أقدر على الربط، أو أكثر اطلاعاً على الواقع، وأقوى فهماً للأدلة، أو أكثر اطلاعاً على الأدلة السمعية، أو غير ذلك، فرجّح في نفسه أن يكون هو أقرب إلى الصواب في فهم مسألة معينة، أو في فهم المسائل من حيث هي… فإنه يجوز له أن يترك الحكم الذي أداه إليه اجتهاده ويقلد ذلك المجتهد الذي يثق باجتهاده أكثر من ثقته باجتهاد نفسه.

ثالثتها - أن يتبنى الخليفة حكماً يخالف الحكم الذي أداه إليه اجتهـاده. ففي هـذه الحـال يجب عليه ترك العمل بما أداه إليه اجتهاده والعمل بالحكم الذي تبناه الإمام…

رابعتها - أن يكون هناك رأي يراد جمع كلمة المسلمين عليه لمصلحة المسلمين. فإنه في هذه الحالة يجوز للمجتهد ترك ما أدى إليه اجتهاده، وأخذ الحكم الذي يراد جمع كلمة المسلمين عليه، وذلك كما حصل مع عثمان عند بيعته… إلا أن هذا يجوز للمجتهد ولا يجب عليه. بدليل أن علياً لم يقبل أن يترك اجتهاده لاجتهاد أبي بكر وعمر، فلم ينكر عليه أحد، مما يدل على أن ذلك جائز وليس بواجب.

وهذا كله في المجتهد إذا كان اجتهد بالفعل، وأداه اجتهاده إلى حكم في المسألة. أما إذا لم يسبق للمجتهد أن اجتهد في المسألة، فإنه يجوز له أن يقلد غيره من المجتهدين… فقد صح عن عمر أنه قال لأبي بكر: “رأينا تبعٌ لرأيك” وصح عن عمر أنه كان إذا أعياه أن يجد في القرآن والسنة ما يقضي به إذا ورد عليه الخصوم نظر هل كان لأبي بكر قضاء، فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به. وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يأخذ بقول عمر رضي الله عنه. وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة في حوادث متعددة ولم ينكر عليهم منكر، فكان إجماعاً سكوتياً.) انتهى

د- إن نصوص البيعة للخليفة تناقض التقييد بالمدة، لأن البيعة للرسول صلى الله عليه وسلم والبيعة للخلفاء الراشدين كانت على الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا قيْدُها، فإن ترك الخليفة الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن ولايته تنتهي وفق الأحكام الشرعية الواردة في ذلك التي فصَّلت كيفية عزل الخليفة وصلاحية المظالم… ووضع قيد آخر لا يجوز لأنه يخالف نص البيعة، الذي هو الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا ثابت بالسنة وإجماع الصحابة:

أما السنة، فقد أخرج البخاري عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ… فَقَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: «أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ» ، قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» وأخرجه مسلم كذلك.

وأخرج مسلم أيضاً عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - حَسِبْتُهَا قَالَتْ - أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا»

وواضح من كل ذلك استمرار البيعة والطاعة ما دام الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا عند الكفر البواح، أي المخالفة القطعية للشرع.

وأما إجماع الصحابة، فإن بيعة الخلفاء الراشدين فكانت على الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليست على مدة محددة، وكانت بيعتهم على ملأ من الصحابة رضوان الله عليهم، فكانت إجماعاً بعدم تحديد المدة، وإنما استمرار الخليفة متوقف على طاعته لله سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أي الحكم بما أنزل الله. أخرج معمر بن راشد في جامعه قال: خَطَبَنَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ… أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ».

وواضح من هذه الأدلة أن المدة غير محددة، بل طاعة الخليفة لله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم هي المنصوص عليها، فما دام يحكم الخليفة بما أنزل الله فولايته مستمرة، فإذا خالف نصاً مقطوعاً به فتنتهي ولايته ولو كانت شهراً أو شهرين… وذلك وفق الأحكام الشرعية الواردة في عزل الخليفة وصلاحية قاضي المظالم…

هـ-أما ما حدث في انتخاب الخليفة بعد عمر رضي الله عنه، وأنهم اشترطوا على عبد الرحمن بن عوف الذي كان موكلاً بسؤال الناس عن الخليفة الذي يريدون، اشتَرَطُوا أنهم يبايعون الخليفة الذي إذا عرضت عليه مسألة كانت قد حدثت في عهد الخليفتين قبله وحكم فيها أبو بكر أو عمر فعليه أن يقلدهم في حكم تلك المسألة الذي حكم فيه، ولا يجتهد فيها، فرفض علي رضي الله عنه ذلك إلا أن يجتهد رأيه في كل مسألة، وقبل عثمان رضي الله عنه فبايعوه، فهذا الشرط جائز لهم أن يشترطوه، وجائز له أن يقبله فيقلد، أو لا يقبله فيجتهد، فتقليد المجتهد لمجتهد آخر جائز شرعاً كما بيّنا سابقاً عن تقليد المجتهد لمجتهد آخر في عصر الصحابة رضوان الله عليهم.

والخلاصةأن الشرط جائز في العقود إذا لم يخالف نصاً شرعياً، وإلا فلا يجوز ولا يصح، ولأن شرط تحديد المدة للخليفة مخالف لنص البيعة الثابت بالسنة وإجماع الصحابة الذي هو الحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذن لا يجوز اشتراط تحديد المدة على الخليفة الذي يراد بيعته.

16 من جمادى الثانية 1434 ألموافق 06-04-2013

منقول

**الجهاد في العمل لإقامة الدولة **

**السؤال:

هناك من يقول إنه يجب أن يُعْتَمَدُ على الدور المكي في ألسعي لإقامة الخلافة وليس على الدور المدني، فيعدُّ الأعمال القتالية “الجهاد” في مرحلة الدعوة لإقامة الخلافة مخالفةً للشرع لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم بذلك… ويضيف القائل: لماذا لا تؤخذ أدلة إقامة الخلافة من الدور المدني حيث كان الجهاد قائماً ومعمولاً به؟ فهل من جواب شاف كاف في هذه المسألة؟ وجزاك الله خيرا.**

الجواب:إن في هذا السؤال أموراً عدة تحتاج إلى بيان:

1- إن الأدلة الواردة، سواء أكانت من الكتاب أم من السنة واجبة الاتباع على وجهها، ولا فرق بين الأدلة الواردة في مكة المكرمة وبين الأدلة الواردة في المدينة المنورة.

2- إن الأدلة المطلوبة هي الأدلة على المسألة وليس الأدلة على غير المسألة:

أ- مثلاً إذا أردت معرفة كيف أتوضأ، فإني أبحث عن أدلة الوضوء حيث كانت، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ويُستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة… ولكني لا أبحث عن أدلة الصيام لآخذ منها حكم الوضوء وكيفيته.

ب- ومثلاً إذا أردت معرفة أحكام الحج، فكذلك أبحث عن أدلة الحج حيث كانت، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ويُستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة، ولكني لا أبحث عن أدلة الصلاة لآخذ منها حكم الحج وكيفيته.

ج- ومثلاً إذا أردت معرفة أحكام الجهاد: على العين أو على الكفاية، في الدفاع أو ابتداء، ما يترتب على الجهاد من أحكام الفتح ونشر الإسلام، الفتح عنوةً أو صلحاً… فإني أبحث عن أدلة الجهاد حيث كانت، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ويُستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة، ولكني لا أبحث عن أدلة الزكاة لآخذ منها حكم الجهاد وتفاصيله.

د- وهكذا في كل مسألة، فإنه يبحث عن أدلتها حيث وردت في مكة أو في المدينة، ويؤخذ الحكم الشرعي للمسألة من هذه الأدلة وفق الأصول المتبعة.

3- والآن نأتي إلى مسألة إقامة الدولة الإسلامية، ونبحث عن أدلتها، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ونستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة.

إننا لا نجد أي أدلة لإقامة الدولة الإسلامية إلا التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته في مكة المكرمة، فقد دعا إلى الإسلام سراً، فأوجد كتلة مؤمنة صابرة… ثم أعلنها بين الناس في مكة وفي المواسم… ثم طلب نصرة أهل القوة والمنعة، فأكرمه الله سبحانه بالأنصار، فهاجر إليهم وأقام الدولة.

هذه هي أدلة إقامة الدولة، ولا توجد أدلة غيرها، فالرسول صلى الله عليه وسلم بيَّنها لنا في سيرته بياناً شافياً، وعلينا التزامها، فالموضوع ليس دوراً مكياً قبل فرض الجهاد، ودوراً مدنياً بعد فرض الجهاد، بل هو البحث عن أدلة إقامة الدولة، وهي ليست إلا في مكة إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأقام الدولة.

وهي شيء والجهاد شيء آخر، وكما قلنا فإن أدلة إقامة الدولة تؤخذ من مظانها، وأدلة الجهاد تؤخذ من مظانها، وهذه غير تلك ولا تتوقف الواحدة على الأخرى، ولهذا لا يتعطل الجهاد بعدم وجود دولة الخلافة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ». أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن أنس بن مالك. ولذلك فإن الجهاد ماض وفق أحكامه الشرعية سواء أكانت الخلافة قائمة أم غير قائمة.

وكذلك لا يُعطَّل العمل لإقامة الخلافة بسبب تعطيل الحكام للجهاد، فالعمل للخلافة ماض إلى أن تقام لأنه يحرم على المسلمين القادرين أن لا تكون في أعناقهم بيعة لخليفة… أخرج مسلم عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».

وعليه فالجهاد ماض، والعمل للخلافة ماض إلى أن تقام، ولا يتوقف أحدهما على الآخر، فهما مسألتان، ويبحث لكل مسألة عن أدلتها الشرعية، ويستنبط منها الحكم الشرعي الخاص بالمسألة وفق الأصول المتبعة.

4- ولذلك فالتزام الحزب بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم التي بينها في مكة إلى أن أقام الدولة في المدينة، وعدم استعمال الأعمال القتالية خلال مرحلة الدعوة لإقامة الدولة ليس فيه دور مكي ودور مدني، بل لأن أدلة إقامة الدولة ليست إلا التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة إلى أن أقام الدولة في المدينة، فالمسألة هي طريقة إقامة الدولة، وليست هناك من طريقة بينها الرسول صلى الله عليه وسلم إلا تلك التي في سيرته صلى الله عليه وسلم في مكة.

ولو كانت المسألة هي عن أعمال الدولة الإسلامية وأجهزتها… لأخذناها من الأدلة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة لأن الدولة أقيمت هناك.

5- والخلاصة:

أ- أن أحكام أية مسألة تؤخذ من الأدلة الواردة في المسألة سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، فأحكام الصيام من أدلة الصيام، وأحكام الصلاة من أدلة الصلاة، وأحكام الجهاد من أدلة الجهاد وأحكام إقامة الدولة من أدلة إقامة الدولة… وهكذا.

ب- أن الالتزام بطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة لإقامة الدولة هو لأنه لا توجد أدلة لإقامة الدولة إلا تلك المبينة في مكة المكرمة… ولو كان هناك أدلة وردت في المدينة لإقامة الدولة لكان الاستدلال بها أيضاً.

نسأل الله سبحانه العون والتوفيق لإقامة الدولة الإسلامية، الخلافة الراشدة، فيعز الإسلام والمسلمين، ويذل الكفر والكافرون، ويعم الخير في ربوع العالم، وما ذلك على الله بعزيز.

منقول

الدولة التي تدور في الفلك

**السؤال:

ورد في كتاب مفاهيم سياسية في موضوع الموقف الدولي: “…وأما الدولة التي في الفلك فهي الدولة التي تكون مرتبطة في سياستها الخارجية مع دولة أخرى ارتباط مصلحة لا تبعية، مثل اليابان مع أميركا، وأستراليا مع كل من أميركا وبريطانيا، وكندا مع كل من أميركا وبريطانيا وفرنسا، وتركيا (حالياً) مع بريطانيا وأميركا.”

والسؤال هو هل يمكن للدولة التي تدور في الفلك أن تخرج في سياستها الخارجية عن سياسة الدولة الكبرى التي تدور في فلكها؟ فمثلا هل يمكن لتركيا أن تخرج عن السياسة الخارجية لأمريكا في قضية من القضايا كسوريا مثلاً؟**

الجواب:

الدولة التي تدور في الفلك ربما تخرج عن فلكها في جزئية من جزئيات السياسة الخارجية لأن ارتباطها ارتباط مصلحة لا ارتباط تبعية، فهي تبحث عن مصلحتها، ولكن يجب ملاحظة عوامل التأثير والضغط لدول الفلك الكبرى عليها والتي تمنعها من الخروج في جزئية من هذه الجزئيات، وقوة هذا المنع أو ضعفه تتوقف على مدى تأثير الدولة الكبرى في وصول الطبقة الحاكمة في الدولة التي تدور في الفلك إلى الحكم، فإن كان تأثير الدولة الكبرى قوياً كان انفكاك الدولة التي تدور في الفلك عن أية جزئية بالغ الصعوبة، وكلما قل تأثير الدول الكبرى كلما كانت الدولة التي تدور في الفلك أقدر على الانفكاك في جزئية أو أكثر من السياسة الخارجية للدولة الكبرى، وسنوضح هذا ببعض الأمثلة، ثم نختمها بموضوع تركيا:

1- اليابان:

إن نظام الحكم والوضع الداخلي فيها مستقر وكذلك مؤسسات الدولة مستقرة فبإمكانها أن تخرج عن جزئية من جزئيات السياسة الخارجية، والدوران في فلك أمريكا دون أن يخاف السياسيون على مصيرهم. إلا أن القيود التي فرضتها عليها أمريكا في نهاية الحرب العالمية الثانية مثل منعها من تطوير أسلحتها الاستراتيجية وخاصة النووية، وكذلك الاتفاقيات الأمنية التي فرضت عليها… إلى جانب الضغوط الأمريكية على اقتصاد اليابان، كل ذلك أوجد لأمريكا تأثيرا في السياسة اليابانية وفي الطبقة الحاكمة وفي الأحزاب السياسية، وخاصة الحزب الديمقراطي الليبرالي الذي حكم اليابان منذ عام 1955 طوال 54 عاما متواصلة إلا فترة بسيطة للحزب الاشتراكي لم تتجاوز شهورا، واستمر في الحكم حتى هزيمته في انتخابات 2009، ومن ثمّ عاد الحزب الديمقراطي الليبرالي مع مؤتلفيه إلى الحكم في نهاية العام الماضي حيث فاز في انتخابات نيابية عامة في 15\12\2012، فكل ذلك أوجد تشابكاً بين المصالح الأمريكية وبين المصالح اليابانية، وكذلك تأثيراً أمريكيا قويا في السياسة اليابانية بحيث أصبح من هو في الحكم خائفا من أن يتحرك عكس ما تريده أمريكا أو يخرج عن جزئية من الجزئيات وهو يدور في فلكها، فيخاف من أن تثير أمريكا الأحزاب المعارضة ضده أو أن تثير في وجهه مشاكل اقتصادية ما يؤثر في اقتصاد اليابان فتهتز حكومته أو تسقط. ولذلك فإن اليابان لم تخرج عن الدوران في الفلك الأمريكي في عموم السياسة الخارجية، لكنها كانت تنأى بنفسها عن المشاركة الفعلية في بعض قضايا السياسة الخارجية الأمريكية غير المؤثرة كثيراً… فمثلا رفضت المشاركة في الحرب ضد العراق عام 1991، واكتفت بالمشاركة الرمزية عند احتلال العراق عام 2003، حيث اكتفت اليابان بالمشاركة بألف جندي مساندة للقوات الأمريكية في البحث عما يسمى أسلحة الدمار الشامل، ولكنها قدمت دعما لأمريكا مقداره 13 مليار دولار لتسديد مصاريف الحرب، أي أن اليابان خرجت في بعض الجزئيات إلا أنها كما ترى ليست ذات تأثير كبير…

2- كندا:

إن حكام كندا يراعون مصالح بلادهم ويسيرون مع هذه الدولة أو مع تلك حسب ما يحققها، أو ينأون بأنفسهم عن السير معها عندما لا يرون مصلحة لهم في ذلك. ولكن هناك تأثيراً للدول الثلاث “أمريكا وبريطانيا وفرنسا” التي تدور كندا في فلكها، في السياسة الخارجية الكندية، وفق عوامل تختلف عن اليابان، أي ليست قيوداً عسكرية أو اتفاقيات أمنية… وإنما لعوامل أخرى، فكندا ترتبط ببريطانيا في كومونولثها فنصف السكان من أصول قادمة من بريطانيا، وهي ترتبط بفرنسا بفرانكفونيتها فحوالي 16% من أصول قادمة من فرنسا، وهي مجاورة لأمريكا وتشترك معها في أطول حدود في العالم بدون حماية، فكأنهما متداخلتان، وتشتركان في تجارة حرة كأكبر شريكين تجاريين، فتشتركان في اتفاقية التجارة الحرة منذ عام 1988 وضمتا إليهما المكسيك عام 1992. وانضمت إلى منظمة الدول الأمريكية عام 1990 الواقعة تحت تأثير الولايات المتحدة.

ولأن هذه العوامل أقل تأثيراً من القيود والاتفاقيات كما في اليابان… فإن كندا أكثر قدرة من اليابان على الخروج في جزئياتٍ عن السياسة الخارجية للدول الثلاث، فكندا تحتفظ بعلاقات رسمية مع كوبا ولم تسر مع أمريكا في الحصار عليها ومقاطعتها. ورفضت الاشتراك بجانب أمريكا وبريطانيا في الحرب على العراق عام 2003 فكان موقفها أقرب إلى الموقف الفرنسي… ولكنها لا تخرج عنها في المسائل الكبيرة المؤثرة في السياسة الدولية، ولذلك نراها قد شاركت في حرب أفغانستان بجانب أمريكا ودول الناتو الأخرى وهي عضو مؤسس فيه، وساهمت سابقاً بشكل رئيس بجانب أمريكا في الحرب الكورية بين عامي 1950- 1953. وفي الزمن الأسبق شاركت في الحربين العالميتين الأولى والثانية بجانب بريطانيا… أي أن كندا تدور في فلك هذه الدول الثلاث بسبب العوامل السابقة لكن تأثير تلك الدول ليس قوياً لدرجة تمنع كندا من الانفكاك في جزئيات من السياسة الخارجية للدول الثلاث، ومع ذلك فكما قلنا فهي لا تخرج في قضايا السياسة الدولية المهمة…

3- تركيا:

إن تأثير أمريكا في توصيل الطبقة الحاكمة للحكم قوي، فأردوغان يشعر أنه لم يستطع أن يصل إلى الحكم وتثبيت نفوذه في الداخل إلا بمساعدة أمريكا، فيرى أن مصيره مرتبط بأمريكا التي أصبحت لها سيطرة كبيرة في تركيا بحيث تستطيع أن تتحكم في الحكم والحكام والقضاء والاقتصاد والجيش والأجهزة الأمنية. فغدا اقتصاد تركيا متوقفا على الدعم الأمريكي بفتح باب القروض والتسهيلات الاقتصادية لها، ومن هذه التسهيلات: عدم ضغط صندوق النقد الدولي على حكومة أردوغان كما فعل مع حكومة سلفه أجاويد فأسقطها الصندوق… وعدم طلب الدائنين في أندية البنوك الأجنبية جدولة الديون المتراكمة على تركيا… وعدم قيام مؤسسات التصنيف الدولية الأمريكية من ستاندرز آند بورز مرورا بموديز إلى فيتش بإعطاء نقط سلبية للاقتصاد التركي، بل أعطت هذه المؤسسات نقاطا إيجابية… وكذلك تسهيل الطريق أمام تركيا للحصول على استثمارات في الخارج، وتشجيع دخول الشركات الأجنبية للاستثمار في الداخل. ثم إن أمريكا هي وراء الإنجازات التي حققها أردوغان في الجيش بضرب عملاء الإنجليز ضربة قوية والإتيان برجال يؤيدونه في رئاسة الأركان وهم من المرتبطين بأمريكا، وكذلك الإنجازات التي حققها نحو السيطرة على القضاء، فكل ذلك تم بمساعدة أمريكية. وساعدتها داخلياً في الأمن والمسألة الكردية، فهي كانت وراء قبول حزب العمال الكردستاني لخطة السلام ووقف أعمال التمرد، وذلك لأن أوجلان من عملاء أمريكا وحزب السلام والديمقراطية يتبع خط أوجلان. فالاستقرار الداخلي كان بتعاون عملاء وأصدقاء أمريكا الآخرين معه في الأحزاب والتنظيمات والهيئات الأخرى.

ولهذا فإن تأثير أمريكا قوي على الحكم في تركيا، ومن ثم فإن خروج تركيا في أية جزئية عن السياسة الخارجية الأمريكية هو أمر بالغ الصعوبة، وسنستعرض بعض الوقائع ليتضح كيف التصاق أردوغان بالسياسة الخارجية الأمريكية:

أ- إن أردوغان قبل الثورة السورية قد وثق العلاقة مع نظام بشار عميل الأمريكان إلى حد الصداقة الشخصية والعائلية حتى أصبح يقول أخي وصديقي بشار رغم أن بشار كان يقوم بأعمال إجرامية في داخل لبنان وفي داخل سوريا ذاتها مثل مجزرة سجن صيدنايا عام 2008، فلم ينظر لها أردوغان كمجزرة…! وكان بشار بأجهزته الأمنية والمخابراتية مستمرا في عملية إذلال الناس وإهانتهم، وأردوغان يرى ويسمع، ومع ذلك يستمر في توثيق علاقته مع بشار لأن أمريكا كانت تريد استمرار هذه العلاقة…

ب- وعندما اندلعت الانتفاضة بقي أردوغان يدعم بشار ويسير في حركاته وتصريحاته حسب تحركات الأمريكيين وتصريحاتهم. وعندما طالب مؤخرا بالتدخل العسكري وذهب إلى واشنطن في الزيارة الأخيرة في 16\5\2013 نراه قد كف عن المناداة بالتدخل. وعندما دعت أمريكا إلى جنيف 2 لإجراء حوار بين المعارضة والنظام وتشكيل حكومة انتقالية من الطرفين قامت حكومة أردوغان وأعلنت تأييدها لذلك.

ج- وعندما نادت فرنسا بالتدخل في ليبيا بجانب الثوار ضد القذافي رفض أردوغان ذلك وهاجم فرنسا، ولكن عندما قررت أمريكا التدخل هناك قام أردوغان وأيد أمريكا.

د- وعندما أراد أردوغان زيارة غزة في نهاية أيار/ مايو الماضي طلبت منه أمريكا أن يؤجلها، وجاء ذلك على لسان وزير خارجيتها كيري في 22\4\2013 بتصريح علني أثناء زيارته لتركيا ما دفع نائب رئيس الوزراء التركي بولنت ارينتج إلى أن يقول: “تصريح السيد كيري (المتعلق بطلبه من رئيس الوزراء تأجيل زيارته لغزة) من المنظور الديبلوماسي والسياسي مستهجن وخاطئ وغير صحيح”. (رويترز 23\4\2013) وادعى ارينتج قائلا: “الحكومة التركية فقط هي التي تملك الحق في أن تقرر متى وإلى أين يسافر رئيس الوزراء أو أي مسؤول تركي”. ولكن هذا القول لم يكن مطابقا للواقع، حيث تناسى رئيس الوزراء أمر زيارته المزمعة لغزة ولم يعد يتحدث عنها، بل عندما ورد على لسان مسؤولين أنه سيقوم بزيارتها في 5 تموز/ يوليو الماضي سارعت مصادر الحكومة التركية لنفي القيام بهذه الزيارة، وذلك امتثالا للأوامر الأمريكية.

فهذه الأمثلة وغيرها تدل على أن تركيا لم تستطع أن تخرج في جزئية من جزئيات السياسة الخارجية عن الفلك الذي تسير فيه. مع العلم أن أردوغان كان يريد من زيارته لغزة تقوية شعبيته التي اهتزت بسبب خذلانه لأهل سوريا بعدما وعدهم بنصرتهم قائلا: “لن نسمح بحماة ثانية…”، فنفذ نظام بشار الإجرامي حماة ثانية وثالثة… في كل مدينة وقرية من دون أن يتحرك أردوغان وحكومته، بل إن النظام السوري أسقط طائرة تركية وأطلق النار على المخيمات السورية في داخل تركيا وعلى قرى تركية وقتل أتراكاً، ولكن أردوغان لم يتحرك، مع أن هذا سبب كاف للتدخل، وكان له الحق في ذلك لو فعل، إلا أن أمريكا منعته من ذلك.

ومن الجدير ذكره أن تركيا لم تعد تدور في فلك بريطانيا بعدما تم توجيه ضربة قوية لقوى الإنجليز في الجيش حيث أُبعِدوا عن رئاسة الأركان وجرت لهم اعتقالات على أعلى المستويات، وما زالوا يقبعون في السجون، وما زالت تجري لهم تصفيات في الجيش، ومن المتوقع أن يجري المزيد منها في بداية الشهر القادم حيث تجري في كل سنة إعادة النظر في الترفيعات أو تجميدها أو الإحالة على التقاعد للضباط. ويشرف على ذلك رئيس الأركان مع قادة الجيوش وبموافقة رئيس الوزراء، أي أن تركيا حاليا تدور في فلك أمريكا، وتأثير أمريكا قوي في شئون تركيا، وإذا استمر الحال على ما هو عليه من ارتباط تركيا القوي بأمريكا، فقد تقترب تركيا من التبعية الكاملة لأمريكا ويصبح دورانها في الفلك محل تساؤل!

الحادي والعشرين من رمضان 1434هـ ألموافق 2013-07-30

منقول