ألْهِجْرَةُ وَألْفَلاح

**بيَّن الله عز وجل لحَبيبه صلى الله عليه وسلم ما ينبغي عليه في عبادة الله في قوله تعالي: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}الحجر97

ما العلاج لذلك؟ وكلنا نشكو في هذا العصر من ضيق الصدور، ومن الأمراض والأحوال التي تُسبب المضائق للخلق أجمعين، أجاب رب العزة: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} الحجر98

إذاً علاج الضيق والهم والغم والكرب والشدائد التسبيح والتحميد والسجود لله، {فَسَبِّحْ} أي نزه الله أن ترى غيره فعالاً، واحمد الله على عطاياه، واشكر الله بالإكثار من السجود لله.

نزه الله أن ترى شريكاً له في فعله، وإذا رأيت الكل من الله وبالله فاحمد الله على جميع عطاياه، ثم اشكر الله على ما وهبك من فضله وخيره على الدوام فكن له من الساجدين على الدوام.

هذا الدواء كم مدته؟ {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}الحجر99

استمر على هذا الدواء حتى يأتيك اليقين، واليقين إما أن نقف عند معناه الشرعي واللغوي وهو الموت، أي اعبد الله على كل حالاتك حتى تلقى الله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عرَّفه بذلك، فعندما مات أحد أصحابه صلى الله عليه وسلم وهو عثمان بن مظعون رضي الله عنه وكان حَبيباً لديه، قال فيه صلى الله عليه وسلم: {أَمَّا هُوَ ?أي عثمان- فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنِّي لأَرْجُو الْخَيْرَ له}{1}

فأراد صلى الله عليه وسلم باليقين الموت.

وقال صلى الله عليه وسلم متحدثاً عن ذاته كما أمره ربه: {مَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنَ الْتَاجِرِينَ، وَلَكِنْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}{2}

وإما بلسان أهل العرفان: فاليقين أن يصل الإنسان إلى موت النفس وحياة القلب وحياة الروح، فإذا ماتت النفس عن شهواتها وحظوظها ولذاتها وأهوائها عاش القلب في عالم اليقين. وعالم اليقين أي عالم الحقائق التي لا تقبل الظن ولا الوهم ولا الخيال ولا الشك، العوالم اليقينية أو العوالم الإلهية كعالم الملكوت وعالم الجنة والعوالم القدسية: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}الأنعام75

فاليقين لمن غابت عين حسه عن رؤية الأشياء، ونظر بعين قلبه على باطن المبدعات، وإلى قدرة الله المنطلقة في الكائنات، هذا يصل إلى علم اليقين، وهذا يقول فيه صلى الله عليه وسلم: {لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات}{3}

العبادة معناها التقرب والتزلف والتذلل إلى الله، كل شيء فيه قول أو عمل يجعل المرء يتقرب به إلى الله، ويتزلف به إلى الله، ويتذلل به إلى الله فهو عبادة، ولذلك تستلزم العبادة لمن يؤديها أن يكون قائماً في مقام العبودية، أي متحلياً بالذل والفقر والإفتقار والحاجة الماسة إلى غِنى الغَني، وإلى فتح الفتاح، وإلى إعزاز العزيز، وإلى علم العليم

يشعر في كل أنفاسه بأنه يحتاج إلى الله، حتى في حركة أعضاءه وحواسه، لأن الإنسان لا يتحرك ولا يسكن إلا بإذن من يقول للشيء كن فيكون. هذه العبادة التي ينبغي أن نكون عليها أجمعين على الدوام لله، لأن كل الكائنات قائمة في هذا المقام: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}الإسراء44

الغاية من العبادة الإقرار بالعبودية وبالحاجة وبالفاقة إلى عطاء الله، وإلى قدرة الله، وإلى معونة الله وتوفيق الله ورعاية الله، هذا الجوهر ينبغي أن يتحقق في أي عبادة، فإذا تحقق هذا الجوهر في الصلاة فاعلم علم اليقين أنها مقبولة إن شاء الله

إذا صلَّى المرء ما شاء الله ولم يشعر في ركعة منها أو في لحظة منها أنه يحتاج إلى مولاه، أو أنه فقير إلى عطاياه، أو أنه لا يستطيع أن يفعل أي فعل أو يتحرك أي حركة إلا بإذن الله، إذا لم يشعر بهذه المعاني فإنه يؤدي الصلاة حركات ظاهرة خالية من الخشوع الذي يقول فيه الله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ{1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ{2} المؤمنون

ولذلك كان يقول الحَبيب صلى الله عليه وسلم في سجوده: {اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}{4}.

ويقول صلى الله عليه وسلم أيضاً في سجوده: {اللَّهُمَّ سَجَدَ لَكَ سِوَادِي وَخَيَالِي، وَبِكَ آمَنَ فُؤَادِي}{5}.

كل العبارات عبارة عن تذلل وإقرار لله بالعبودية، لأن العبادة تحتاج إلى العبودية لله، هذه العبودية لله كل الكائنات قائمة بها، ولا يعصى إلا الإنسان، ولذلك هو الذي عليه المعول في هذه الأكوان، وهو الذي اختصه الله بالأنبياء والمرسلين ليقيم عليه الحجة بعد الحجة: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} النساء165

حتى تُقام الحجج.

أما الكائنات كلها فمذللة ومسخرة ومُقرة ومعترفة بعظمة الله وقدرته، وكلها تُسبح الله وتحمده على ما أولاها من عطايا جمة لا يحيط بأحدها أحد إلا إذا علَّمه مولاه جل في علاه.

{1} صحيح البخاري ومسند أحمد عن أم العلاء بنت الحارث رضي الله عنها {2} حلية الأولياء لأبي نعيم وأخلاق النبي لأبي الشيخ الأصبهاني {3} أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة، تخريج أحاديث الإحياء العراقي {4} صحيح مسلم وسنن الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه {5} الحاكم في المستدرك والبزار عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه**

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {الجمال المحمدى ظاهره وباطنه}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Algamal_Almohamady.pdf&id=578)

www.youtube.com

**كان صلى الله عليه وسلم إذا تكلم لا يسرد كسردنا، وإنما يتكلم بتؤدة وترتيل وتفصيل، كان يُحدِّث حديثاً لو عدَّه العاد لعدَّه، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: {مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ بَيْنَهُ فَصْلٌ يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ}{1}

وفي روايةأخرى: {كَان النَبِي صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأَحْصَاهُ}{2}

وكان يُكرر كلامه ثلاثاً، ويُكرر السلام إذا ألقاه ثلاثاً، ويُكرر كل أقواله ثلاثاً لتُفهم عنه صلوات ربي وتسليماته عليه، فعن أنس رضي الله عنه قال: {كَانَ النَبِي صلى الله عليه وسلم إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاثًا}{3}

وكان صلى الله عليه وسلم يتبسم في حديثه، وقد روى ابن مسعود رضي الله عنه {أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتبسم}، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ}{4}

وكان صلى الله عليه وسلم يرفع بصره إلى السماء إذا حدَّث، وكان صلى الله عليه وسلم يطيل الصمت ويقلل الكلام ولا يتكلم بغير حاجة، وكان صلى الله عليه وسلم يكني عما يستقبح ذكره، وكان إذا تكلم يُحرك يده، فإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، فعن هند بن أبي هالة رضي الله عنه قال: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا، وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَبَهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِهَا فَيَضْرِبُ بِبَاطِنِ رَاحَتِهِ الْيُمْنَى بَاطِنَ إِبْهَامِهِ الْيُسْرَى}{5}

وإذا زاد عجبه من أمر يُسبح الله (سبحان الله) إن كان هذا الأمر في عالم المُلك أو في عالم الغيب، فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ، وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجَرِ -يُرِيدُ بِهِ أَزْوَاجَهُ - حَتَّى يُصَلِّينَ، رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ فِي الآخِرَةِ}{6}

خوفاً من هذه الفتن التي رآها في نومه صلى الله عليه وسلم.

وكان صلى الله عليه وسلم أحيانا يحرك رأسه عند الحديث، ويضرب يده على فخذه عند التعجب، فعن علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {أَلا تُصَلِّيَانِ؟، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا}{7}

ولذلك كان السادة الوارثين ? ومنهم الإمام أبو العزائم رضي الله عنه - كل رجل منهم كان ضرَّابا على فخذيه، تشبهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى في هذه الحركات، لأن الإنسان لو لم يرضَ أن يتشبه بحَبيب الله ومُصطفاه في أي أمر من هذه الأمور؛ فإن هذا لشر وسوء في نفسه

وكان صلى الله أحيانا ينكش الأرض بعود، فعن علي رضي الله عنه قال: {كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي جَنَازَةٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ الأَرْضَ بِعُودٍ، فَقَالَ: لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ فُرِغَ مِنْ مَقْعَدِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَقَالُوا: أَفَلا نَتَّكِلُ.قَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ}{8}

وكان صلى الله عليه وسلم أحياناً يمسح الأرض بيده فعن أبي قتادة قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول: {مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلْتَمِسْ لِجَنْبِهِ مَضْجَعًا مِنَ النَّارِ " فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ذَلِكَ وَيَمْسَحُ الأَرْضَ بِيَدِهِ}{9}

وكان صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعيه السبابة والوسطى، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ}{10}

وفي رواية {بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ، أَوْ كَهَاتَيْنِ، وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى}{11}

وكان صلى الله عليه وسلم أحياناً يشبك أصابعه فعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ}{12}

فكان هذا الهَدْى هو الذي رأيناه في الصالحين من عباد الله في دقة تشبههم بحَبيب الله ومُصطفاه، ولعل البعض يقول: وما في هذا الأمر لو تركناه؟ كانوا يقولون: لا تُصغرن من الخير شيئاً لعل رضا الله فيه، ولا تحقرن من المعاصي والذنوب شيئاً لعل غضب الله فيه، لا تستقل في شيء مع الله، لأن الله له أمور يُبديها ولا يبتديها، ولا يعلم أسرارها ولا أنوارها إلا ذائقيها وعارفيها نسأل الله أن نكون منهم أجمعين.

وكان صلى الله عليه وسلم يستعين بأصابعه، فيقول: {أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى}{13}

وكان يضرب الأمثال، واستقصاء ما رواه من الأمثال يحتاج إلى رسالة ماجستير أو دكتوراه لكثرتها: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} العنكبوت43

ومن جملتها قوله صلى الله عليه وسلم: {مَثَلُ الْمُؤْمِن كالنِّحْلَةِ، إِنْ أَكَلَتْ أَكَلَتْ طَيِّبًا، وَإِنْ وَضَعَتْ وَضَعَتْ طَيِّبًا، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عُودٍ هشٍ لَمْ تَكْسِرْهُ}{14}

أين تقف النحلة؟ على الرياحين والزهور والورود والروائح الطيبة العطرة، وماذا يخرج منها؟ {شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ} النحل69

كذلك المؤمن لا يقف إلا على المجالس الطيبة، مجلس علم أو مجلس حكمة، أو مجلس قرآن، أو مجلس ذكر، أو مجلس صلح، ولا يخرج من فيه إلا ما يُرضي الناس وما يُرضي خالقه وباريه: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} الحج24

وكذلك المؤمن لو وقف على أي قضية لا يكسرها بل يجبرها ويجبر أهلها والقائمين بها والمتولين شئونها.

هذا كان هَدْى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بشريته الظاهرة التي ينبغي علينا أجمعين أن نحاول أن نتأسى بها على قدرنا حتى يفتح الله علينا بما فتح به على عباد الله الصالحين أجمعين.

{1} سنن الترمذي والصحيحين البخاري ومسلم {2} الصحيحين البخاري ومسلم {3} صحيح البخاري وسنن الترمذي {4} {كان يتبسم} أخبار أصبهان عن ابن مسعود، و{إذا تكلم} سنن الدارمي ومعجم الطبراني عن ابن عباس {5} معجم الطبراني والشمائل المحمدية للترمذي {6} صحيح البخاري وسنن الترمذي {7} الصحيحين البخاري ومسلم {8} الصحيحين البخاري ومسلم {9} معرفة السنن والآثار للبيهقي ومسند الشافعي {10} الصحيحين البخاري ومسلم {11} صحيح البخاري ومسند أحمد {12} الصحيحين البخاري ومسلم {13} صحيح البخاري وسنن الترمذي عن سهل الساعدي {14} شعب الإيمان للبيهقي عن عبد الله بن عمرو

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {الجمال المحمدى ظاهره وباطنه}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Algamal_Almohamady.pdf&id=578)

www.youtube.com

**كان صلى الله عليه وسلم يأكل ما وجد، وكان أكثر ما يوجد في بيته التمر والماء، فأحياناً يأكل التمر والماء وأحياناً يأكل خبزاً جافاً وأحياناً يأكل الخبز ومعه إدام - يعني غُموس - وأحياناً كان يُتحفه جيرانه من الأنصار ببعض اللبن، وأحياناً كان يتحفه غيرهم ببعض الطعام

بل إن رجلاً من الأنصار وحده وهو سيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه كان يرسل للنبي صلى الله عليه وسلم في كل يومٍ وعاءاً من طعام، وكان يحمل هذا الوعاء أربعة رجال فيه ثريد ولحم، وكان يرسله سعد بن معاذ لأضياف رسول الله صلى الله عليه وسلم، غير بقية الأنصار وغير من حوله من الجيران، وغير ما فتح الله عليه مما كان يأتيه من البلدان، لكنه صلى الله عليه وسلم علَّمهم أمراً يا ليتنا نقيم عليه الآن، يقول سيدنا أنس رضي الله عنه: {لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ غَدَاءٌ وَلا عَشَاءٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ إِلا عَلَى ضَفَفٍ} {1}

وضفف أي ضيفان

ومع الضيفان يُعطي نفسه حقها من اللحم، ويكرمها في وسط هؤلاء الضيفان، فإذا لم يكن ضيفان فالجهاد الذي به تتربَّى الأفراد حتى ينالوا الفتح من رب العباد، وجهاد النفس أوله الطعام والشراب: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ} الأعراف31

وهذا أول جهاد، وهذه تحتاج إلى جهاد ليس له نهاية، حتى تتحقق بالعمل بهذه الآية للمرء العناية من الله.

فكان صلى الله عليه وسلم يأكل طعاماً إذا وجد، فإن لم يجد طعاماً يقول: نويت الصيام، وأنتم تعلمون أن نية صيام النفل تصِّح في النهار، ولكن صيام رمضان لا بد من النية قبل آذان الفجر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ} {2}

أما صيام النوافل فيجوز في أى وقت من النهار أني أنوى الصيام، ويجوز لمن صام نافلة أيضاً أن يفطر في أى وقت من النهار، لقوله صلى الله عليه وسلم: {الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ} {3}

ولم يكن صلى الله عليه وسلم يُقيد نفسه بنوع واحد فقط من الطعام، كما لم يقيد نفسه كما قلنا قبل ذلك بنوع واحد من الثياب، يترك لنفسه السعة، أكل كل الأصناف التي تخطر على بالك وعلى غير بالك، ما دامت من حلال وأحلها الله في كتابه.

فكان صلى الله عليه وسلم يأكل ما حضر ولا يرد ما وجد، وكان صلى الله عليه وسلم لا يتورع عن مطعم حلال، إن وجد تمرا دون خبز أكله، وإن وجد لحماً مشويَّاً أكله، وإن وجد خبز برٍّ أكله، أو شعِير أكله، وإن وجد حلوى أو عسلاً أكله، وإن وجد لبناً دون خبز أكله واكتفى به، وإن وجد بطِّيخا أو رطباً أكله.

أكل صلى الله عليه وسلم كل أنواع اللحوم، فأكل لحم حِِمار الوحش، وأكل لحم الضأن، وأكل لحم الجمال سفراً وحضراً، وأكل لحم الأرنب، وأكل من دواب البحر، وأكل القديد {وهو اللحم الجاف} ، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكل اللحم لم يخفض رأسه إليه بل يرفعه إلى فيه ثم ينهشه انتهاشاً{4}

وأكل صلى الله عليه وسلم اللحم المشوى، وأكل اللحم المسلوق، وأكل اللحم المطبوخ، وكل هذه الأنواع وما استجد منها وما تطور منها، ليس فيه شيءٌ مادام اللحم من حلال، ومادامت هذه الطريقة التي يُصنَّع بها من حلال.

وكان يحب تطييب الطعام بما تيسر وسهل، وأن ذلك لا ينافي الزهد، ولذلك رجل من أصحاب رسول الله هو أبو موسى الأشعرى رضي الله عنه دعا جماعة على طعام: {فَقُدِّمَ طَعَامُهُ، وَقُدِّمَ فِي طَعَامِهِ لَحْمُ دَجَاجٍ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ كَأَنَّهُ مَوْلًى فَلَمْ يَدْنُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: ادْنُ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْكُلُ مِنْهُ} {5}

وبعض الشيعة في العراق لا يأكلون الأرانب، مع أنه ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل لحم الأرانب، وأكل الأغنام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل لحم الدجاج والطير الذي يصاد، وكان لا يشتريه ولا يصيده، ويحب أن يصاد له فيؤتى به فيأكله.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم أكل من الأصناف التي نراها حولنا وأحلها الشرع الشريف لنا، لأنه صلى الله عليه وسلم هو الشارع والمشرِّع لنا بهديه وحاله وفعاله لأمته صلوات ربي وتسليماته عليه.

وكان إذا عافَّ طعاماً يقول: أجدني أعافُّه، لا يحرمه ولكنه لا يجد قابلية لهذا الطعام، أحلَّ لنا الجراد وقال لنا: {أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، الْحُوتُ وَالْجَرَادُ} {6}

لكنه كان عندما يُقدَّم له الجراد يقول: {لا آكُلُهُ، وَلا أُحَرِّمُهُ} {7}

لكنه لا يتغير ولا يصدر منه كلمة نابية ولا كلمة هاذية، وكل ما يقوله: أجدني أعافه

وكان قومه يأكلون بعض الزواحف ومنها ما يُسمى بالضبِّ وكان يعيش في الجبال والصحراء كالسحالى، لكنه كان يقول: {لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ} {8}

وكان صلى الله عليه وسلم: {يَكْرَهُ مِنَ الشَّاةِ سَبْعًا: الدَّمَ، وَالْمَرَارَ، وَالذَّكَرَ، وَالأُنْثَيَيْنِ، وَالْحَيَا، وَالْغُدَّةَ، وَالْمَثَانَةَ} {9}

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل الجراد ولا الكليتين، وكان يعاف الضب والطحال ولا يحرمهما، وكان لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث من أجل أن الملائكة تأتيه وأنه يكلم جبريل، وما ذم صلى الله عليه وسلم طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه، قالت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها: {لَمْ يَمْتَلِىءْ جَوْفُ النَبِيِّ صلى الله عليه وسلم شِبَعاً قَطُّ} ، {وإنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه، فإن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل وما سقوه شرب} ، {وكان صلى الله عليه وسلم ربما قام فأخذ ما يأكل بنفسه أو يشرب} {10}

وعنها رضي الله عنها قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَجِيءُ وَيَقُولُ: {هَلْ عِنْدَكُمْ غَدَاءٌ؟ فَنَقُولُ: لا، فَيَقُولُ: إِنِّي صَائِمٌ، فَأَتَانَا يَوْمًا وَقَدْ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ - تمرمع سمن مع بقايا اللبن أو الدقيق فيدلك الجميع حتى يختلط - فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ فَأَكَلَ} {11}

وكان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إِذَا أُتِيَ بِالشَّيْءِ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ ؟ فَإِنْ قَالُوا: هَدِيَّةٌ مَدَّ يَدَهُ، وَإِنْ قَالُوا: صَدَقَةٌ، قَالَ لأَصْحَابِهِ: خُذُوا} {12}

وكان صلى الله عليه وسلم يحب الذراع {من اليد إلى المرفق} ، والسيدة عائشة رضي الله عنها عللت ذلك فقالت: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل اللحم كثيراً، وكان أول ما ينضج من اللحم الذراع.

وكان صلى الله عليه وسلم حذراً في كل أموره، فعندما أهدته اليهودية بشاة وكانت تعرف أنه يحبُّ الذراع، وقدمت اليهودية له الذراع مسمومة، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: {ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ، فَإِنَّ هَذِهِ الذِّرَاعَ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ} {13}

ولذا لم يأكل منها، والرواية التي تروي أنه أكل منها في صحتها أقوال للعلماء قالوا لأنها أخبرته أنها مسمومة فلم يأكل منها، وكان بعد ذلك صلوات ربي وتسليماته عليه أيضاً يعلمنا الحذر - عند مقتضاه - فإذا قدَّم له أحدٌ طعاماً هدية، فلا يأكل منه حتى يأكل منه أولاً صاحب الطعام: {خُذُواْ حِذْرَكُمْ} النساء71

أكل النبي صلى الله عليه وسلم خبز الشعِير: وأرجعنا العلم وأرجعتنا الأمراض إلى خبز الشعِير الذي كان عليه البشير النذير صلى الله عليه وسلم، فلم يأكل خبز بُرٍّ أو قمح إلا قليلاً، وإنما كان خبزه هو الشعيِر صلوات ربي وتسليماته عليه.

{1} مسند أحمد وصحيح ابن حبان {2} سنن الترمذي وأبي داود عن حفصة بنت عمر رضي الله عنها {3} مسند أحمد والحاكم في المستدرك عن أم هانيء رضي الله عنها {4} نهاية الأرب في فنون الأدب: طعام اليد الثريد، وطعام اليدين الشواء لأنه ينهش نهشاً.أهـ (أى يمسك باليدين ويقضم بالفم لأنهم كانوا ينضجون اللحم بالشواء شاة كاملة أو قطعا كبيرة، و المرق كذلك، فيمسكوا القطعة باليدين معا أو بواحدة أحيانا ثم يقضمون منه بأفواهم فهذا هو النهش، فقطع اللحم الصغيرة كانت عند (تقديد) تجفيف اللحم {5} سنن النسائي والدارمي عن عبد الله بن قيس {6} سنن ابن ماجة ومسند أحمد عن ابن عمرو {7} سنن أبي داود وابن ماجة عن سلمان {8} الصحيحين البخاري ومسلم عن خالد بن الوليد {9} سنن البيهقي ومصنف عبد الرزاق {10} طبقات الشافعية الكبرى ونور اليقين. وغيرها وهى جملة أحاديث واردة عن عائشة رضى الله عنهما {11} صحيح مسلم وسنن النسائي وابن ماجة {12} مسند أحمد والبيهقي عن معاوية القشيري {13} الطبقات الكبرى لابن سعد عن جابر**

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {الجمال المحمدى ظاهره وباطنه}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Algamal_Almohamady.pdf&id=578)

www.youtube.com

**كان صلى الله عليه وسلم له عطاس، وعند عطسه علَّمنا أن يُخفض صوته، وأن يجعل يده على فيه أو جزء من ثوبه، ولا بأس في هذا العصر أن تضع منديلاً إن كان ورقياً أو كان قماشاً، وكان يكره أن يسمع رجلاً في المسجد يرفع صوته بالعطاس، ويقول: {إِنَّ اللَّهَ عز وجل يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْعُطَاسِ وَالتَّثَاؤُبِ} {1}

فكان يكره الذي يعطس بصوت مرتفع، إن كان في المسجد أو غيره لأنه كان صلى الله عليه وسلم حريص على الأدب الجم الذي علَّمه له الله، والذي قال فيه له مولاه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم4

وكان صلى الله عليه وسلم إذا عطس حمد الله فيقال له: يرحمك الله فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم

أما التثاؤب فما كان يتثائب قط، وقد حفظه الله منه، وقد قال صلى الله عليه وسلك: {ما تثاءب النبي صلى الله عليه وسلم قط} {2}

وفى الأثر: {ما تثاءب نبي قط} ، وكان صلى الله عليه وسلم يكرهه من غيره، ويعلِّم أصحابه عند التثاؤب أن يضعوا يدهم مقلوبة أو شيئاً على أفواههم، ويأمرهم أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، ويقول: {التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ} {3}

ادفع هذا الأمر لأنه من الشيطان، وهذا كان أمره في التثاؤب لأمته

عندما نرى الأوصاف العظيمة التي سار عليها رسول الله، والعناية بجسده نجد أن الأمر الجامع التام العام العناية بأعضاء أعطاها لنا الله، العناية بالجسم كله، وأبرز ما فيها النظافة والهيئة الطيبة، فكان صلى الله عليه وسلم يأمر كل مسلم أن يغتسل كل سبعة أيام مرة ويقول صلى الله عليه وسلم: {حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ كُلَّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَهُ} {4}

وجعل الغسل يوم الجمعة سُنَّة لأن الإنسان سيقابل الجماهير الإسلامية، ولذا لا بد أن يكون نظيف، كان صلى الله عليه وسلم عَرَقه ? كما ذكرنا - أطيب من ريح المسك، ولا يمس أحداً بيده إلا ومكث ريح طيبة في يده ثلاثة أيام على الأقل، وإذا مشى في طريق عُرف أنه مشى في هذا الطريق من رائحته الطيبة التي فاحت في هذا الطريق.

ومع ذلك كله كان صلى الله عليه وسلم يعتني بالطيب غاية الاعتناء: فكان صلى الله عليه وسلم له وعاء يضع فيه كل أنواع الطيب العظيمة والفخمة، وكان ويضع من الطيب على رأسه، وعلى لحيته، وعلى جسده.

مرة يضع العود، ومرة يضع المسك، ومرة غيرهما من أنواع الطيب التي كان صلى الله عليه وسلم يحرص عليها دائماً، وكان يحرص على التطيب في كل الأحيان، وخاصة عند الذهاب إلى المسجد، وعند الجمعة، وعند الجماعات، وعند الدخول في المجتمعات، ولذا رُوي عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان لا يَرُدُّ الطيب، وسُئل في ذلك، فقال رضي الله عنه: {إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يَرُدُّ الطِّيبَ} {5}

فهذا الجسد النوراني الذي عرقه أطيب من طيب كل الوجود، ومع ذلك يستخدم الطيب ليُعلِّمنا أن نتطيب، وأن نحرص على الطيب، وأن نكون على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب والرائحة الحسنة ويستعملهما كثيراً ويحض عليهما ويقول: {إِنَّمَا حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ} {6}

أما الرواية التى تقول: “حبب إلي من دنياكم ثلاث” فلا أصل لها:

ففي المواهب قال شيخ الإسلام الحافظ بن حجر: إن لفظ ثلاث لم يقع في شيء من طرقه وزيادته تفسد المعنى، وكذلك قاله الوالي العراقي في أماليه وعبارته ليست هذه اللفظة وهي ثلاث في شيء من كتب الحديث وهي مفسدة للمعنى فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الطيب ويكره الرائحة الكريهة

وما دمنا سنتطيب فيجب أن نختار الطيب الذي ليس له مردود سلبي على أعضاء جسم الإنسان ونتبع الطرق العلمية التي هدانا إليها أطباء الأبدان، فالعطور تحتوي على كحول، وإذا وضعت مباشرة على أي جزء من الجسم فإنها تؤثر فيه وتجعل هناك حساسية في هذا الموضع، لكن يجب أن أضع أولاً العطر على اليد ثم أمسح به ما شئت من جسمي.

ولذلك دائماً أحذر الأحباب من وضع العطر أو رشه مثلاً مباشرة على الوجه لأن هذا قد يكون له تأثير سلبي على العين، ولكن يجب وضعه على اليد أولاً، فهذه هي الطريقة الصحيحة لاستخدام الطيب كما ينصح أهل العلم.

وألا يكون - كما يبيعه الباعة الجائلون على أبواب المساجد - زيتاً من نوع رديء {مجهول الهوية والمصدر عادة} ويضعون عليه قطرات عطر قليلة ويقولون أنه مسك، فالمسك أصلاً لا شأن له بالزيوت، لأنه من الغزال، أمَّا هذه الزيوت فلا يعرف أصلها وقد تكون ضارة بالإنسان، لا تشترِ ولا تضع على جسمك إلا ما تضمنه وتأمنه وترجو فائدته، هكذا دائما أحذر وأنبه

كان صلى الله عليه وسلم في هذه الهيئات الكريمة؛ الصورة الطيبة التي ينبغي علينا أن نتهذب بها، وأن نحتذي حذوها، وأن نتأسى بها في كل أحوالنا.

{1} عمل اليوم والليلة لابن السني عن عبد الله بن الزبير {2} الحديث أخرجه ابن أبي شيبة والبخاري في «التاريخ» من مرسل يزيد بن الأصم، والأثر: أخرجه الخطابي من طريق مسلمة بن عبدالملك بن مروان، فتح الباري شرح صحيح البخاري {3} الصحيحين البخاري ومسلم عن أبي هريرة {4} صحيح ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة {5} صحيح البخاري وسنن الترمذي {6} سنن النسائي ومسند أحمد عن أنس

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {الجمال المحمدى ظاهره وباطنه}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Algamal_Almohamady.pdf&id=578)

www.youtube.com

**سؤال: سيدنا يوسف أُعطي شطر الحسن ففتنت به النساء ، وسيدنا رسول الله أُعطي الجمال كله ، فلِمَ لم تُفتتن به النساء؟

كون سيدنا يوسف فُتنت به النساء فهذا أمر طبيعي ، لكن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فُتن به الرجال ، وهذا هو الأمر الأصعب ، فانظر إلى كمَّل الرجال من الأقطاب والصالحين وكيف فُتنوا به صلى الله عليه وسلم ، وظلوا طوال عمرهم كأنهم تائهين ، يرجون شمَّة أو لمَّة أو لمحة من هذا الجمال وهذا الكمال ، من كمال المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام

والدليل على ذلك ? حتى في عصره ? عندما انتقل صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وكان سيدنا عبد الله بن زيد رضي الله عنه الذي جاء بالآذان وحياً منامياً من عند الله ، وكان في بستان له يعمل فأتاه ابنه وقال: يا أبت لقد انتقل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى فقال: {اللَّهُمَّ اعْمِنِي حَتَّى لا أَرَى شَيْئًا بَعْدَهُ فَعَمِيَ مِنْ سَاعَتِهِ ? وفى رواية: إلى أنْ ألقاه ? وفى أخرى: حّتَّى لا أرَى شَيْئاً بَعْدَ حبيبى صلى الله عليه وسلم}{1}

وقيل أنه أيضاً دعا بذلك ثم هام على وجهه

وكثيرون آخرون منهم سيدنا ثوبان واستمع لراوى الحديث إذ يقول: {وسيدنا ثوبان رضي الله عنه وكان شديد الحب له ، وكان قليل الصبر عنه حتى تغيَّر لونه ونحل جسمه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ؟ فقال: ما بي من مرض ، ولكني إذا لم أرك استوحشت وحشة عظيمة حتى ألقاك ، وأذكر الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك}{2}

أى فهذا الذي أمرضني

وسيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يسكن في منطقة إسمها السنح من عوالي المدينة{3} وهى بعيدة عنها ، فكان عندما يترك رسول الله ويذهب إلى بيته يقول: {اشتقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم}

فكانت أحوالهم في هذا الباب لا تُعد ولا تُحد ، وسيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه قال في ذلك:

لما نظرت إلى أنواره سطعت وضعت من خيفتي كفي على بصـري

خوفاً على بصـري من حسن صورته فلست أنظره إلا على قدري

خاف على نفسه من نور رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن نوره كما قال الإمام البوصيري رضي الله عنه:

فإن فضل رسول الله ليس له حد فيُعرب عنه ناطقٌ بفم

هذا بالإضافة إلى أن: سيدنا يوسف كان ظاهره جمالاً حسياً صرفاً ، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان باطنه جمالاً صرفاً ، وظاهره جمالٌ مشوبٌ بجلال ، ولذلك قيل في وصفه: {مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ}{4}

{1} تحفة المحتاج في شرح المنهاج وفى تفسير المحرر الوجيز حكاه الطبرى عن ابن جبير وقتادة والسدي

{2} تفسير السمرقندي من رواية الكلبى

{3} مرقاة المفاتيح

{4} جامع الترمذي ومسند أحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه**

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {الجمال المحمدى ظاهره وباطنه}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Algamal_Almohamady.pdf&id=578)

www.youtube.com

**كان صلى الله عليه وسلم ريقه فيه شفاء من كل داء ، وفيه حدِّث ولا حرج ، فتارة يشفي به من العين ، ولذلك رُوي أنه صلى الله عليه وسلم بعد ولادته بأيام ولم يُتم أسبوعاً أصيب برمد في عينيه ، وكان أحبار اليهود عندما علموا بقرب ظهوره جاءوا إلى الجزيرة العربية يرجون رؤياه ، منهم من سكن بعرفات ومنهم من سكن بالمدينة ومنهم من سكن بخيبر وكلهم جاءوا بحسب ما وجهت لهم التوراة ليتحققوا من أوصاف رسول الله ويروا حضرته

فحمله جده عبد المطلب وذهب به إلى الراهب الذي كان في عرفات وكان يعالج من أمراض العيون فلما نظر إليه قال: هذا دواؤه معه ، خذ من ريقه وضع في عينيه يُشفى إن شاء الله ، فأخذ من ريقه ووضع في عينيه فشفاه الله

ولذا عندما أحاط النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وهمَّ بفتحها واستعصى الفتح على جيش المسلمين حتى غروب الشمس ، قال صلى الله عليه وسلم: {لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، فَتَطَاوَلْنَا لَهَا ، فَقَالَ: ادْعُوا لِي عَلِيًّا ، فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ}{1}

هذا الريق كان يُحول الماء الملح إلى ماء عذب وهذا حدث مراراً وتكراراً في مرات يعجز الحصر عن ذكرها ؛ ذكرتها كُتب السيرة الصحيحة المعتمدة ، فقد كان يأتيه العرب ومعهم أقداح ، ويقولون يا رسول الله: إن لنا بئراً مالحاً فادعوا الله أن يجعلها عذبة ، فيأمر صلى الله عليه وسلم بشيء من الماء في القدح ، ثم يشرب منه ويتمضمض ، ويُنزل الماء بعد المضمضة في القدح ، ويقول: خذه وضعه في البئر ، فيأخذون الماء ويضعونه في البئر فيتحول إلى ماء عذب بأمر الله

قال علاء الحضرمي رضي الله عنه: {أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ ، فَشَرِبَ مِنْهُ ثُمَّ مَجَّ فِي الدَّلْوِ ثُمَّ صَبَّ فِي الْبِئْرِ أَوْ شَرِبَ مِنَ الدَّلْوِ ، ثُمَّ مَجَّ فِي الْبِئْرِ ، فَفَاحَ مِنْهَا مِثْلُ رِيحِ الْمِسْكِ}{2}

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: {كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي الْبِئْرِ فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ ، ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا وَرَوَتْ أَوْ صَدَرَتْ رَكَائِبُنَا}{3}

وما أكثر الآبار التي تحولت في المدينة ومكة والجزيرة العربية كلها من ريقه الشريف صلوات ربي وتسليماته عليه ولعلنا نعجب جميعاً كيف تعيش دولة مثل الجزيرة العربية الآن وليس فيها أنهار ولا أمطار ولا يوجد فيها إلا مياه الآبار ، وماء الآبار قليل ومع ذلك يكفيهم ولا يهتمون ولا يبحثون عن شيء؟ لأن هذا ببركة النبي صلى الله عليه وسلم لماء هذه البلدان وإن كان صلى الله عليه وسلم بشَّرنا وإياهم ببشارة فقال صلى الله عليه وسلم: {لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا}{4}

سترجع أرض الحجاز خضراء وأنهار وحدائق جناء لأن الدورة المناخية قد اقترب تحقيقها بالنسبة لمصر والسعودية إن شاء الله رب العالمين

{جَاءَتْ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم امْرَأَةٌ بَذِيئَةُ اللِّسَانِ قَدْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهَا ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ قَدِيدٌ يَأْكُلُهُ ، فَأَخَذَ قَدِيدَةً فِيهَا عَصَبٌ ، فَأَلْقَاهَا إِلَى فِيهِ ، فَهُوَ يَلُوكُهَا مَرَّةً عَلَى جَانِبِهِ هَذَا ، وَمَرَّةً عَلَى جَانِبِهِ الآخَرِ ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَلا تُطْعِمُنِي؟ قَالَ: بَلَى ، فَنَاوَلَهَا مِمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَتْ: لا، إِلا الَّذِي فِي فِيكَ ، فَأَخْرَجَهُ فَأَعْطَاهَا ، فَأَخَذَتْهُ فَأَلْقَتْهُ إِلَى فَمِهَا ، فَلَمْ تَزَلْ تَلُوكُهُ حَتَّى ابْتَلَعَتْهُ ، فَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ بَعْدَ ذَلِكَ الأَمْرِ الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَذَاءِة وَالذِّرَابَةِ}{5}

وأخبر جعفر بن محمود أن جدته عميرة بنت مسعود حدثته: {أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي وأخواتها وهن خمسة فبايعنه ، فوجدنه وهو يأكل قديدا ، فمضغ لهن قديدة ، ثم ناولهن إياها فاقتسمنها ، فمضغت كل واحدة منهن قطعة ، قال: فلقين الله ما وجدن في أفواههن خلوقا ، ولا اشتكين من أفواههن شيئا}{6}

بدون معجون أسنان ولا أي معطرات ولا حتى سواك ولا أي شيء من هذا القبيل

بل الأعجب من هذا أن رجلاً كان يُسمَّى عُتبة بن فرقد رضي الله عنه، تزوج أربع نساء وكانت كل واحدة منهن تجتهد أن تشتري أفخر ما وسعها من العطر لتبدو أحسن عند زوجها ، وهو لا يضع عطراً ، وأخيراً اجتمعن وقلن له: يا عتبة نحن نشتري أفخر العطور ونضعها ولا نراك تضع عطراً ومع ذلك لا نصل إلى الرائحة الطيبة التي نشمها منك ، فمم ذاك؟

تحكي هذا الأمر إحدى زوجاته وهي أم عاصم فتقول: {كُنَّا عِنْدَ عُتْبَةَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ ، مَا مِنَّا امْرَأَةٌ إِلا وَهِيَ تَجْتَهِدُ فِي الطِّيبِ لِتَكُونَ أَطْيَبَ مِنْ صَاحِبَتِهَا ، وَمَا يَمَسُّ عُتْبَةُ الطِّيبَ إِلا يَمَسُّ دُهْنًا يَمْسَحُ بِهِ لِحْيَتِهِ ، وَهُوَ أَطْيَبُ رِيحًا مِنَّا ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى النَّاسِ ، قَالُوا: مَا شَمِمْنَا رِيحًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ عُتْبَةَ ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: إِنَّا لَنَجْتَهِدُ فِي الطِّيبِ ، وَلأَنْتَ أَطْيَبُ مِنَّا رِيحًا ، فَمِمَّ ذَاكَ؟ فَقَالَ: أَخَذَنِي الشَّرَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَيْتُهُ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَيْهِ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَتَجَرَّدَ ، فَتَجَرَّدْتُ وَقَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَلْقَيْتُ ثَوْبِي عَلَى فَرْجِي ، فَنَفَثَ فِي يَدِهِ عَلَى ظَهْرِي وَبَطْنِي ، فَعَقَبَ بِي هَذَا الطِّيبُ مِنْ يَوْمَئِذِ}{7}

بل إنه ريقه صلى الله عليه وسلم كان شفاء وغذاء ، فقد كان الحسن والحسين وهما صغار عندما تغيب أمهما في حاجة ويجوع أحدهما يضع النبي صلى الله عليه وسلم لسانه بين شفتيه فيبلع لسانه ? يرضع لسانه ? ويشبع بإذن الله ولا يحتاج إلى رضاع بعد ذلك واسمعموا :

{عن أبي جعفر، قال: بينما الحسن مع رسول اللـه صلى الله عليه وسلم اذ عطش فاشتد ظمأه فطلب لـه النبي صلى الله عليه وسلم ماءاً فلم يجد فأعطاءُ لسانه فمصّه حتى روي}{8}

ومرة أخرى الحسن والحسين معاً: فعن أبي هريرة قال: {أشهد لخرجنا مع رسول الله حتى إذا كُنا ببعضِ الطريق سمعَ رسولُ الله صوتَ الحَسَن والحُسَين وهما يبكيان وهما مع أمهما، فأسرعَ السَّيْرِ حتى أتاهما، فسمعته يقول: ما شأن ابنيَّ؟ فقالت: العَطَش، قال: فأخلف رسول الله يده إلى شَنَّةٍ يتوضأ بها فيها ماءٌ وكان الماء يومئذ إعذاراً والناس يريدون الماء، فنادى: هل أحد منكم معه ماء؟ فلم يبق إلا أحد أخلف يده إلى كَلالهِ يبتغي الماءَ في شنُّة، فلم يجد أحدٌ منهم قطرة، فقال رسول الله: ناوليني أحدهما فناولته إياه من تحت الحِذْر، فرأيتُ بـياض ذِراعيها حين ناولته فأخذَه، فضمَّهُ إلى صَدرِه وهو يضغو ما يَسْكت، فأدلع له لسانَه فجعلَ يمصُّه حتى هَدأ وسَكَنَ، فلم أسمع له بُكاءً، والآخر يبكي كما هو ما يسكت، فقال: ناوليني الآخر فناولته إياه، ففعل به كذلك، فسكتا، فما أسمعُ لهما صَوْتاً}{9}

ثم الحسن والحسن وأطفال رضع آخرين معهم ، فقد ورد أنه: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظِّمه {أى يوم عاشوراء} حتى إن كان ليدعو بصبيانه وصِبيان فاطمة المَراضع ذلك اليوم، فيتفلُ في أفواهِهم ويقول لأمهاتهم: لا تُرْضِعُوهُمْ إلى اللَّيْلِ ، وكان ريقه يُجْزِئهم}{10}

إذاً حتى أوصافه البشرية فيها إعجازات ربانية لا يستطيع أحد من البشر أن يصل إلى مداها أو يبلغ منتهاها لأن الله خلقه على أكمل الصور البشرية الإنسانية صلوات ربي وتسليماته عليه

{1} مسند أحمد والحاكم عن سعد بن أبي وقاص {2} مسند أحمد وسنن ابن ماجة {3} صحيح البخاري ومسند أحمد {4} مسند أحمد وصحيح ابن حبان عن أبي هريرة {5} معجم الطبراني عن أبي إمامة {6} أخرجه أبو نعيم وأبو موسى عن عميرة بنت مسعود، معرفة الصحابة {7} معجم الطبرني ودلائل النبوة للبيهقي {8} الحاكم فى المستدرك ، جامع المسانيد والمراسيل ، ترجمة الإمام الحسن بن علي من تاريخ مدينة دمشق ص104 رقم 175، ورواه المتقي في كنز العمال ج13 ص653 رقم 37656 طبع حلب وقد ورد ذلك كثيراً فى أحداث عديدة {9} تهذيب الكمال، والشريعة للآجرى عن أبى هريرة {10} مجمع الزوائد، رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط عن عليلة عن أمها

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {الجمال المحمدى ظاهره وباطنه}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Algamal_Almohamady.pdf&id=578)

www.youtube.com

**قال أنس بن مالك رضي الله عنه: {لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاحِشًا وَلا لَعَّانًا وَلا سَبَّاباً}{1}

وهذه صورتك وصورتي وينبغي أن تكون عليها صورة كل مسلم المعنوية ، وكما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها حينما سُئلت عن خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم: {لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا وَلا صَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ وَلا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ}{2}

كل مسلم ينبغي أن يكون على هذه الشاكلة لا يسب ولا يلعن ولا يخرج من فيه لفظة نابية ولا كلمة فاحشة ولا يخدش حياء أحد بقوله ولا يخدع الأنظار بفعله وإنما يكون المؤمن كما قال الله في شأنه وفينا جميعاً والسابقين والمعاصرين واللاحقين من أهل هذه الأمة: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} الحج24

لا يخرج من ألسنتهم إلا الكلم الطيب ، وهؤلاء دعا لهم حضرة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ: خَيْرًا فَغَنِمَ أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ}{3}

هم يمشون على هذا المنهاج قبل أن تخرج منه الكلمة يعرضها على القلب وعلى العقل فإذا وافقت العقل والشرع وفي ميزان حسناته أخرجها وشكر الله على توفيقه له في قولها ، وإذا كانت نابية أو جافية أو لاغية أو باغية حفظها ولم يتفوه بها خوفاً من عتاب الله ، لأن الله يقول لنا أجمعين: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق18

أي جزء من قول إن كان حرف أو كلمة ، ولا تعتقدوا كما يقول بعض العوام أن الرقيب ملك اليمين والعتيد ملك الشمال ، لو كان كذلك لقال {رقيب وعتيد} لكن الرقيب واحد وهو الله ، وهذا الرقيب عتيد أي شديد ؛ لأنه يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور ، وكل كلمة سيحاسب عليها ، والنية التي صاحبت النطق بهذه الكلمة

أخلاق النبي هي الخلاص لنا يا أمة النبي ، أخلاق النبي التي بشَّر بها حتى السابقون ، قيل لعبد الله بن عمرو بن العاص وكان على علم بما جاء في الكتب السماوية السابقة ؛ التوراة والإنجيل: ما صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل؟ فقال رضي الله عنه: {وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ ، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلا غَلِيظٍ، وَلا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ ، وَلا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَيَفْتَحُ بِه أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا}{4}

هذه أوصاف رسول الله في كتاب الله وفي الكتب السابقة وفي أحواله التي كان عليها ، وجعله الله نموذجاً لنا جماعة المؤمنين حتى نحتذي به في أخلاقنا ونقتدي به في سلوكياتنا ويكون كل واحد منا صورة مصغرة على قدره من أخلاق نبيه ، لا سيما وأن الأخلاق هي الباب الأعظم لإكرام الكريم الخلاق عز وجل ، ولأن يكون الإنسان من الصحب والرفاق الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة يوم الوفاق

سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما أثقل شيء يوضع في ميزاننا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: {مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ}{5}

وجاءه رجل وقال: {أَيُّ الإِيمَانِ أَفْضَلُ؟، قَالَ: الْخُلُقُ الْحَسَنُ ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ: الْخُلُقُ الْحَسَنُ ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ الثَّالِثَة َ، أَوِ الرَّابِعَة َ، فَإِمَّا أَقَامَهُ وَإِمَّا أَقْعَدَه ُ، قَالَ: أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَأَنْتَ طَلِيقٌ، قَالَ: ثُمَّ مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحَسِّنُ الْخُلُقَ الْحَسَنَ ، وَيَقُولُ: هُوَ مِنَ اللَّه ِ، وَيُقَبِّحُ الْخُلُقَ السُّوء َ، وَيَقُولُ: هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ}{6}

وقال في ذلك صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الْعَبْدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ " ، وَأَظُنُّه ُ، قَالَ: الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}{7}

لماذا؟ لأن هذه هي البضاعة التي جاء بها رسول الله لتُظهر جمال هذا الدين إلى خلق الله فيدخلوا في دين الله أفواجاً، ونادى النبي صلى الله عليه وسلم على من يُريد أن يكون معه في الجنة وأن يكون قريباً من حضرته يوم القيامة ، فقال صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا}{8}

أساء المسلمون إلى هذا النبي وإلى كتاب النبي وإلى دين النبي في هذا الزمان عندما رموا بالأخلاق الكريمة جانباً وأظهروا للعالم أجمع التشدد والتعنت والتزمت والبغض والكراهية والإرهاب وإمساك السلاح وترويع الآمنين ، هل هذا في دين الإسلام؟ كلا والله ، إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما تحدث عن هذا البلد الذي نحن فيه قال: {إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِصْرَ فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُنْدًا كَثِيفًا ، فَذَلِكَ الْجُنْدُ خَيْرُ أَجْنَادِ الأَرْضِ}{9}

لم يقل: فاتخذوا من مسلميها ، ولكن قال: {فاتخذوا فيها} ولم يكن فيها مسلمين في هذا الوقت ، وأنا أقول وأنا على يقين: لو أن أهل هذا البلد تخلقوا بأخلاق سيد الأولين والآخرين الحقَّة ما بقي في هذا البلد واحد إلا ودخل في دين الله

لكنهم يرون منا أخلاقاً وفعالاً تُناقض كلام الله وتناقض ما كان عليه حَبيب الله ومُصطفاه ، ينظرون إلى المسلمين يسارعون إلى المساجد لأداء الصلوات ويختلفون في الركوع والسجود والتطويل والقراءة وغيرها ، فإذا خرجوا من الصلاة فلا صدق في القول ولا وفاء بالعهد ولا مودة ولا تراحم ولا تعاطف ولا شفقة ، أين قيم الإسلام وهي السلاح الذي غزا قلوب الأنام؟ هذا هو الذي ينبغي علينا لهذه الأيام أن نقف عنده

وأنا لا أدعو إخواني إلى دعاء ودعوة غيرهم إلا بعد دعوة أنفسهم ، ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ، وليكن لك عند نفسك وقفة ، غُضَّ الطرف عن عثرات الآخرين وافتح العين على مثالبك ومعايبك التي تناقض وتخالف أخلاق سيد الأولين والآخرين واصلحها أولاً ، فإذا أصلحت نفسك فابدأ بمن حولك من أهلك ثم الأقرب فالأقرب ، فستجد لدعوتك حالاً ومقالاً ، وفى الحديث الشريف: {ابدأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ يَلِيكَ وفى رواية: بِمَنَ تَعُولُ}{10}

{1} صحيح البخاري ومسند أحمد {2} سنن الترمذي ومسند أحمد {3} الصمت لابن أبي الدنيا وشعب الإيمان للبيهقي {4} صحيح البخاري ومسند أحمد {5} سنن الترمذي وأبي داود عن أبي الدرداء {6} المطالب العالية لابن حجر، واتحاف الخيرة للبوصيري {7} المعجم الأوسط للطبراني عن أبي هريرة {8} سنن الترمذي عن جابر {9} تاريخ دمشق لابن عساكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه {10} النَّسائي من حديث جابر بن عبد الله، والرواية الثانية للبخارى وكثير غيره

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {الجمال المحمدى ظاهره وباطنه}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Algamal_Almohamady.pdf&id=578)

www.youtube.com

**في معمعة هذه الحياة التي نحن فيها الآن والتخبط الذي ساد هذا الزمان والتنكب عن القصد السوي والصراط المستقيم الذي حاد عنه كثير من أهل هذا العصر والزمان ، أصبحنا لا ملجأ لنا ولا منجأ لنا لنخرج من الذل والهوان إلا بالاقتداء والاهتداء والتخلق بأخلاق النبي العدنان صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} الأحزاب21

والله قد خصَّ النبي العدنان بمعجزة باقية على مدى الزمان وهي معجزة القرآن وأعطاه صلى الله عليه وسلم معجزة صالحة لأن يأخذ بها ويتشكل بها ويتخلق بها كل إنسان ، وهي التخلق بأخلاقه الكريمة فإذا كان القرآن معجزة الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ورد عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها عندما سُئلت عن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت للسائل: {كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ، أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، قَوْلَ اللَّهِ: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}}{1}

إذاً خُلُقُه معجزة ، وهذا ما أريد أن أقوله كما أن القرآن معجزة ، فخُلُقُه معجزة ، خُلُقه معجزة تُصلح جميع الأزمنة وجميع الأمكنة وجميع بني الإنسان أفراداً ومجتمعات، وهذا ما نحتاجه الآن ، احتفائنا برسول الله وسرورنا بميلاد سيدنا رسول الله أن نقبل على أنفسنا ونحاول أن نُصلح سبورة إنسانيتنا وننزع منها ونمسح منها الأخلاق التي لا تُناسب أخلاق حضرته ، ونُجملها بالأخلاق والكمالات التي كان عليها صلى الله عليه وسلم في كل زمان ومكان

ونحن نعلم جميعاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتورم منه الأقدام وكان يصوم صيام الوصال وكان لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين ، لا يقوم إلا على ذكر ولا يجلس إلا على ذكر ولا يدخل إلا على ذكر ولا يخرج إلا على ذكر لله ، حتى كانت تنام عيناه وقلبه لا ينام شُغلاً بذكر الله ، ومع ذلك عندما أثني عليه ومدحه الله لم يمدحه بجده واجتهاده في العبادات ، وإنما كما قال الله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم4

وكما قال ساداتنا الصالحون: فهو أعلى من الخُلُق العظيم، {لَعَلى} أعلى وأرقى وأسمى وأبهى من أي خُلُق عظيم لأي إنسان قويم من بدء البدء إلى نهاية النهايات ، وكما قيل في القراءة القرآنية الأخرى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقِ عَظِيمٍ} خلُق مضاف ، وعظيم مضاف إليه ، أى أنك على خلُق عظيم ، والعظيم هو الله ، أى أنك على خُلُق الله ، فهو صلى الله عليه وسلم كان على خُلُق مولاه ، ولذا ما حلَّت أخلاقه صلى الله عليه وسلم على أقوام إلا وذهبت عنهم الشحناء والبغضاء والخصام وصاروا إخوة متآلفين في مودة ورحمة ووئام على الدوام

فنحن نحتاج أولاً إلى التخلق بأخلاق رحمته ثم ننشر بعد ذلك فيمن حولنا أسرار أخلاقه ، وندعوهم إلى ذلك وخاصة أنه لا مخرج لنا من المضايق التي نحن فيه إلا بذلك ، وضرب الله لنا مثالاً في القرآن: كان النبي صلى الله عليه وسلم في ضيق مما أحاط به الكافرون دعوته ، ويريدون القضاء عليه وإنهاء دعوته وهو في مكة

فهيئ الله له مجتمع الأنصار فتخلص من المضائق ، وبدأت أشعة الدين تخترق قلوب الخلائق ، وبدأ الناس يميلون إلى فضل الله ويدخلون في دين الله أفواجاً ، ما السر؟ وضَّحه الله في أخلاق الأنصار ، بِمَ أثنى عليهم الله؟ وبِم مدحهم الله في كتاب الله؟ مدحهم الله بالنسبة لموقفهم من حَبيبه ومُصطفاه ومدحهم بالنسبة لأخلاقهم فيما بينهم ومدحهم الله في أخلاقهم مع إخوانهم المسلمين أجمعين ، بِم مدحهم؟ {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} الحشر9

مدحهم بالحب ، وهل هناك عمل يصلح للقبول عند الله إلا بالحب؟ الكل يعمل والكل يكد والكل يجتهد لكن بِم ينال المرء القبول؟ والمهم القبول وليس العمل ، ولذا قالوا: {العالم يهتم بالقبول ، والجاهل يهتم بالإقبال}

القبول يحتاج إلى الحب ، فأي عمل يقدمه الإنسان لله أو لخلق الله أو لنفسه أو لدنياه أو لآخرته أو لزوجه أو لوطنه لا بد أن يكون هذا العمل ناتجاً عن حب قلبي حتى ينال شرف القبول من الله وشرف القبول عند خلق الله: {إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبَّهُ ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ}{2}

لماذا؟ نتيجة الحب ، فالعمل لا يصلح إلا بالحب لله ولرسول الله ولجميع خلق الله ، أما بالنسبة لبعضهم فهذه الغاية التي نرجوا أن يحققها الله لنا وبنا الآن: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا} الحشر9

فكان أصحاب حضرة النبي صلى الله عليه وسلم مع بعضهم كما قال الله في شأنهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} الحجر47

لا يوجد في القلوب بغض ولا حقد ولا حسد ولا حرص ولا شح ولا أثرة ولا أنانية ولا رغبة في شر ولا شماتة في مؤمن ؛ لكن يوجد في القلوب المحبة والمودة والشفقة والعطف والحنان، وحب الخير لجميع الناس، والإيثار الذي مدح الله به الأنصار: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الحشر9

وهذا باب إصلاح المجتمعات

{1} مسند أحمد وسنن ابن ماجة.

{2} البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {الجمال المحمدى ظاهره وباطنه}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Algamal_Almohamady.pdf&id=578)

www.youtube.com

**كان الإمام الحسن والإمام الحسين ، لما كانا صغيرين فى السن عندما كان الحَبيب صلى الله عليه وسلم كائناً بينهم ، وأنتم تعلمون أنهما كانا يلعبان بين يديه بل يتخذونه أحياناً مركباً يركبانه ويعتليان ظهره عند السجود

رُوى أنه صلى الله عليه وسلم خرج في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو يحمل الحسن أو الحسين ، فتقدم النبيّ صلى الله عليه وسلم فوضعه ثم كبَّر للصلاة ، فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها ، فقال الراوى: إني رفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد ، فرجعت في سجودي

فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك هذه سجدة قد أطلتها فظننا أنه قد حدث أمر أو نزل الوحى ، قال: {فَكُلُّ ذٰلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرهْتُ أَنْ أُعَجّلَهُ حَتّى يَقْضِي حَاجَتَهُ}{1}

ودخل الحسن رضي الله عنه يوماً من باب مسجده الأنور ، وكان صلى الله عليه وسلم على المنبر يخطب فى جموع المسلمين ، فلما رآه الحسن قال: أبى أبى ومشى مسرعاً فتعثر فى ثوبه فوقع ، فما كان من الرحمة المهداة والنعمة المسداة إلا أن نزل من على منبره وأقام الحسن واحتضنه ورفعه وصعد به المنبر وأكمل خطابه للأُمه ، فصدق من وصفه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} الأنبياء107

هذه كانت أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت ابنة ابنته زينب تأتى إليه أحياناً فى الصلاة فيحملها واقفاً وراكعاً ويضعها بجواره عند السجود ، فإذا أراد القيام ثانية حملها عند نهوضه وهكذا يصلى وهو يحملها ، ياللرحمة

ومع ذلك فإن الحسن والحسين لما كبرا أرادا أن يتعرفا على صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم الظاهرية الحسية التى لم يتحققا بها لصغرهما فى حياة خير البرية صلى الله عليه وسلم ، فكانا يطوفا من وراء بعضهما على الوصَّافين الذين يستطيعون وصف رسول الله وياله من عمل شاق ربما تظنون غير ذلك ، ولكن الحقيقة أنه ما كان أحد من صحابته صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يصفه ، فأكابر الصحاب كانوا لا يستطيعون نعته

يقول عمرو بن العاص رضي الله عنه - وكان من أكابر العقلاء فى الصحابة ، بل من كبار الدهاة فى القادة ? عند وفاته لابنه عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما: {يابنى ، لما بايعت رسول الله كنت أشد الناس منه حياءاً ما ملأت عيني من رسول الله حياء منه}{2}

وإذا كان حسان بن ثابت رضي الله عنه - وقد عاش مائة وعشرين سنة ، ستون سنة قبل الإسلام وستون بعد الإسلام ? وكان حسان قد سمع وصْف النبى صلى الله عليه وسلم من اليهود مثل بقية الأنصار حيث عرفوا أن هناك نبى سيبعث فى مكة ويهاجر إلى المدينة، وأوصافه يعرفها اليهود لقول الله فيهم: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} البقرة146

لما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سمع حسان بن ثابت - ولم يكن قد أسلم بعد - اثنين من اليهود يتحدثان بعدما شاهدا النبى صلى الله عليه وسلم ولا يرون حساناً ، فقال أحدهما للآخر: أهو هو؟ قال: هو هو بنعته الذى ذكره لنا موسى فى التوراة ، قال: وماذا تفعل؟ قال: لن أؤمن به ما حييت ? فإنهم يعرفونه لكن الحسد يمنعهم من الإيمان به ? فأراد سيدنا حسان أن يتحقق ، فذهب إلى النبى صلى الله عليه وسلم وشاهد جمال محياه وقال فى ذلك:

لما نظرت إلى أنواره سطعت وضعت من خيفتى كفى على بصرى

خوفاً على بصرى من نور طلعته فلست أُبصره إلا على قدرى

لما رأيت رسول الله وضعت يدى على عينى خوفاً من ساطعة الأنوار أن تحرق عينى ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يراه أصحابه نوراً ، أما الكافرون والجاحدون فيكفى فيهم قول الله: {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} الأعراف198

لا يرون النور مثل إبليس عندما أُمر مع الملائكة بالسجود لآدم ، الملائكة رأت النور الموجود فى وجه آدم ? وهو نور رسول الله صلى الله عليه وسلم - وإبليس عمىَ فلم يرَ إلا جسم آدم وطينته فامتنع عن السجود ، ولذلك قال سيدى على وفا فى ذلك:

لو أبصر الشيطان طلعة نوره فى وجه آدم كان أول من سجد

أو رأى النمروز بعض جماله عبَدَ الجليل مع الخليل وما عند

لكن نور الله جلَّ فلا يُرى إلا بتخصيص من الله الصمد

فكان صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أى إنسان من صحبه أن ينعته لشدة نورانيته وشفافيته صلى الله عليه وسلم ، فمن الذى نعته ووصفه؟ لا يوجد إلا الإمام على بن أبى طالب رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه ، وأم معبد التى مرَّ النبى عليها فى الهجرة ووصفته لزوجها ، وهند بن أبى هالة وهو ابن السيدة خديجة ولكن من زوج آخر ، ولذلك هو خال سيدنا الحسن وسيدنا الحسين ، هؤلاء هم الثلاثة الذين استطاعوا أن يصفوا رسول الله ولم يستطع أحد من صحابته الذين يزيدون على المائة ألف وصفه

ويذكر التاريخ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصَّى أصحابه وقال فى جمع فيهم عُمر وعلىّ رضى الله عنهم أجمعين: {سيأتى من بعدى رجل من أهل اليمن يُدعى أويس القرنى آمن بى ولم يرنى ، منعه من المجئ إلى بره بأمه ، فإذا لقيتموه فأبلغوه منى السلام وسلوه أن يدعو الله لكم}{3}

وهذا هو السند الذى يعتمد عليه القوم فى الذهاب إلى الصالحين ، هل يحتاج سيدنا علىّ وسيدنا عمر فى الذهاب إلى الصالحين؟ إنه أمر من سيد الأولين والآخرين أن يبحثوا عنه ويذهبوا إليه ويسألوه أن يدعو الله لهم ، أمر

فكان سيدنا عمر رضي الله عنه يحج كل عام وينادى فى أهل اليمن: أفيكم أويس؟ يقولون: لا ، وفى مرة قالوا: ليس فينا إلا راعى غنم يسمى أويس ، قال: أين هو؟ قالوا: عند جِمالنا ، فتظاهر أنه لا يُبدى للأمر أى اهتمام وأشار إلى سيدنا علىّ أن يفعل كذلك ثم انسلا من القوم وذهبا إلى أويس وهو بمفرده

وقالا له: أأنت أويس؟ قال: نعم ، - وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد أعطاهم علامة له حيث قال لهم: أنه كان به برصٌ فشفى منه ولم يبق إلا موضع قدر الدرهم تحت إبطه ? فقال له عمر: اكشف ذراعك وأرنا إبطك ، فرأى ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحقَّقا أنه هو، ودار بينهما الحديث ، وسأل أويس: هل رأيتما رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالا: بلى ، فأخذ سيدنا علىّ يصفه بالصورة الحسية الظاهرية ، قال: إنكم لم ترونه على الحقيقة ، عجباً

فذهبا إلى السيدة عائشة وذكرا لها ذلك فقالت: لقد رأيته الرؤية الحقيقية مرَّة واحدة ، كنت أُخيط له ثوباً على مصباح فهبت الريح وأُطفئ المصباح ووقع منى المِخْيط فدخل علىَّ صلى الله عليه وسلم فرأيت نوراً من الأرض إلى السماء ، ورأيت على هذا النور المِخْيط وأدخلت فيه الخيط ، رأته مرة واحدة لأنه نور الله الذى ذكره الله: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} المائدة15

{1} مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن شداد عن أبيه {2} الزهد والرقائق لابن المبارك ، تاريخ دمشق وغيرها {3} الإصابة فى تمييز الصحابة وفى الكثير من كتب المصادر ومراجع الحديث والسنة ووردت بصور عدة

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {السراج المنير}

اضغط هنا لقراءة أو تحميل الكتاب مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Elseraj_Elmuneer.pdf&id=42)

www.youtube.com

**حفظ الله بذاته مقام حبيبه صلى الله عليه وسلم بعد أن نوَّه عنه فى محكم آياته عمَّا يتخيله المتأولون وينتحله الجاهلون من زيادة فى ذاته صلى الله عليه وسلم ، حتى قال البوصيرى رضي الله عنه:

دع ما ادعته النصارى فى نبيهم واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

فلا تقل إنه إلهٌ- حاشالله - ، ولكن قل عبد الله وأضف إليه ماشئت ، فمادمت وصفته بالعبودية لله فانسب إلى ذاته ما شئت من شرف وما شئت من كرم ، لأن كل ذلك من إكرام الله ومن تعطفات الله على عبده ، إذاً .. إذا كان الأمر كذلك لماذا يسوق البعض هذه الحجج؟

هؤلاء هدانا وهداهم! حالهم كحال إبليس ، عندما أمره الله أن يسجد لآدم رفض خوفاً أن يسجد لغير الله ، فخاف على الله ولم يسجد لآدم ، فى حين أن الذى يأمره بالسجود لآدم هو ربُّ العزة عز وجل ، فكلما مدَحَت للناس فى رسول الله أو وصفت رسول الله يدَّعون أنهم خائفين على الله

أعيرونى أفهامكم نحن نتكلم فى حضرة العبودية ، وحضرة العبودية قل ما شئت فيها ، ولا يوجد أحدٌ فى الأولين ولا الآخرين يستطيع أن يصل إلى وصف العبد بالوصف الذى وصفه الله به فى القرآن الكريم ، مهما تكلَّم المتكلمون جميعاً لن يستطيعوا أن يصفوه بما وصفه به القرآن فانظر إلى قول الله فى القرآن: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} النساء64

{إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} أين يذهبون؟ المفترض أن يذهبوا لله ، لكن الله قال:{ جَآؤُوكَ} لم يقل حتى اذهبوا للكعبة ، لأن المؤمن العادى أعظم عند الله من الكعبة ، فقد قال صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة: {مَا أَطْيَبَكِ وَمَا أَطْيَبَ رِيحَكِ ، مَا أَعْظَمَكِ وَمَا أَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ المُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَتِكِ: مَالِهِ ودَمِهِ}{1}

ولكن الله قال: {جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} لابد من استغفار الرسول ، ثم بعد ذلك:{لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} لوجدوا الله بمعانى التواب وبمعانى الرحيم فيك ، لأن معانى الأسماء والصفات تظهر أين ؟ تظهر فى “عبد” فالله جلَّ وتنزه فى ذاته ، لا يستطيع أحدٌ أن يطلع على ذرة من كمالاته إلا إذا ظهرت فى عبيد من عبيد ذاته ، فأسماء الله الحسنى تظهر فى العبد وهو نبينا وإمامنا وحبيبنا وشفيعنا صلى الله عليه وسلم

وخذوا الدليل من كتاب الله وهذه للتمثيل وليس للحصر ، نبدأ منها بقوله سبحانه فى المحكم المنزل فى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} الأنفال24

الله ينادى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} ، لبيك اللهم لبيك ، {اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ} ، الله والرسول ، يكونا اثنين {إِذَا دَعَاكُم} ، من الذى يدعو هنا؟ لم يقل الله (إذا دعاكما) بلفظ المثنى ، ولكن بلفظ المفرد ، من يريد الله ، الرسول ، إذاً الاستجابة لرسول الله هى الاستجابة لله ، هذه واحدة ، وخذوا مثالا آخر

{وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} التوبة62

وهنا أيضاَ {وَاللّهُ وَرَسُولُهُ} اثنان { أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} لم يقل الله (يرضوهما) ، ولكن قال { يُرْضُوهُ} والضمير يعود على أقرب مذكور وهو رسول الله ، إذاً الذى يُرضى رسول الله سوف يُرضى الله

وأيضاً : {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} النساء80

فطاعة رسول الله هى طاعة الله مباشرة بوضوح كامل

وأيضاً: الفتح10

{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا} لم يقل كأنما ولكن قال: {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} للتأكيد ، { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} فقد وضع الأنصار والمهاجرون أيديهم ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى فوق أيديهم ، ووضع يده اليسرى وقال: هذه عن عثمان ، لأنه كان غائباً فى مكة

وهنا نتسائل ، يد من التى كانت فوق أيديهم؟ يد رسول الله ، أليس كذلك؟ فلو قال الله (يد الله فوق أيديكم) لكانت هناك يد أخرى فوق أيدى الموجودين بما فيهم رسول الله ، لكنه قال: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} فاليد التى كانت فوق أيديهم يد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتى وصفها الله بأنها يد الله ، ونحن بذلك لا نُدخل الحبيب فى الألوهية ، ولكن نوضح أن الله أنابه صلى الله عليه وسلم مقام نفسه فى هذه الخصوصية ، فهى نيابة عن حضرة الله

وبعد هذه النماذج القرآنية نقول أن القاعدة الجامعة المانعة عندنا: {العبد عبدٌ وإن علا والربُّ ربٌ وإن تنزَّل} فلن نصف العبد بأنه أصبح رباً ، ولن نصف الربَّ عز وجل حاشاه أنه حلَّ فى عبد ، فلا يوجد أحدٌ فى الأمة سابقاً ولا لاحقاً وقع فى هذه الخطيئة

فنحن جميعاً كما علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول فى التشهد فى الصلاة: {وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله} كما سبق وألمحنا ، فسبحان من علَّمه فأحسن تعليمه وأدَّبه فأحسن تأديبه وربَّاه فأحسن تربيته

إذاً هذه قضية وقع فيها الشيطان عندما خاف بها على حضرة الله ، وامتنع عن السجود لآدم مع أن الذى أمره هو الله ، وكذلك وقع فيها الجاهلون فى زماننا والأزمان السابقة ، فخافوا على مقام الله ، مع أن الذى عظَّمه وكرَّمه هو الله ، والذى أمرنا بتعظيمه وتكريمه هو الله لا أحد سواه {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} الفتح9

تعزِّروه: أى تساعدوه وتعينوه على تبليغ دعوة الله ، وتوقِّروه: أى تبجِّلوه وتعظِّموه وترفعوا شأنه ومقامه كما وضعه الله ، فلن يستطيع أحدٌ منا أن يصل إلى أقل القليل مما ذكره القرآن فى شأن رفعة مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم

الإمام أبوالعزائم رضي الله عنه لما تكلم عن رسول الله وأفاض فى الكلام عنه قال فى النهاية: {وكلٌ يتكلم على قدره بما شرح الله صدره ، أما كمالات هذا الدُرى المنير الممنوحة من العلى الوهاب ففوق الإدراك والتصوير، وماذا نقول فيمن قال الله فيه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} الأنبياء107

وماذا نقول فيمن قال الله فيه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} سبأ28

ثم قال بعد ذلك:

على قدرى أصوغ لك المديحا ومدحك صاغه ربى صريحا

ومن أنا يا إمام الرسل حتى أوفِّى قدرك السامى شروحا

ولكنى أحبك ملء قلبى فأسعد بالوصال فتىً جريحا

وداوى بالوصال فتىً معنَّى يروم القرب منك ليستريحا

{1} اللفظ لابن ماجه، مصنف الصنعاني والترغيب والترهيب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وقال الألبانى في السلسلة الصحيحة رقم : 3420 {هذا وقد كنت ضعفت حديث ابن ماجه هذا في بعض تخريجاتي وتعليقاتي قبل أن يطبع “شعب الإيمان” فلما وقفت على إسناده فيه وتبينت حسنه بادرت إلى تخريجه هنا تبرئة للذمة ونصحاً للأمة داعياً: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وبناء عليه؛ ينقل الحديث من “ضعيف الجامع الصغير” و"ضعيف سنن ابن ماجه " إلى صحيحيهما}

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {السراج المنير}

اضغط هنا لقراءة أو تحميل الكتاب مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Elseraj_Elmuneer.pdf&id=42)

www.youtube.com

**كان العرب يأتون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن أمره وكيف صار رسولا من الله وهم يعلمون بفهمهم وفطرتهم أنه لابد له من تأهيل خاص يجعل بشريته قابلة لهذا الأمر العلى ، واسمعموا لحديث سيد بنى عامر وكبيرهم الذى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستوثق من أمره قبل أن يسلم ، فقال:

يا ابن عبد المطلب إني نبئت أنك تزعم أنك رسول اللـه إلى الناس أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ألا وإنك تفوَّهت بعظيم ، إنما كان الأنبياء والملوك في بيتين من بني إسرائيل ، بيت نبوة وبيت ملك ، ولا أنت من هؤلاء ولا من هؤلاء ، إنما أنت من العرب ممن يعبد الحجارة والأوثان ، فما لك والنبوة؟ ولكل أمر حقيقة فأنبئني بحقيقة قولك وبدء شأنك؟ فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم مسألته ، وقال:

{يا أخا بني عامر ، إن حقيقة قولي وبدء شأني دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى ، إني كنت بكرا لأمي وإنها حملتني كأثقل ما تحمل النساء وإن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور ، قالت: فجعلت أتبع بصري النور ، فجعل النور يسبق بصري حتى أضاء لي مشارق الأرض ومغاربها ، ثم إنها ولدتني ، فلما نشأت بغِّض إلي الأوثان والشعر ، فاسترضعت في بني بكر ، فبينما أنا ذات يوم في بطن واد مع أتراب لي ، إذا برهط ثلاث ، معهم طشت من ذهب ملآن نور وثلج فأخذوني من بين أصحابي ، فعمد إلى أحدهم فأضجعني إلى الأرض إضجاعا لطيفا ثم شق ما بين صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر ، فلم أجد لذلك شيئا ثم أخرج أحشاء بطني فغسلـه بالثلج ، فأنعم غسلـه ثم أعادها في مكانها ثم قام الثاني فأدخل يده في جوفي فأخرج قلبي ، وأنا أنظر فصدعه فأخرج منه مضغة سوداء رمى بها ، ثم إذا بخاتم في يده من نور: نور النبوة والحكمة يخطف أبصار الناظرين دونه ، فختم قلبي فامتلأ نورا وحكمة ثم أعاده مكانه ، فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهراً ، ثم أمرَّ الثالث يده بين ثديي وصدري ومنتهى عانتي فالتأم الشق بإذن اللـه ، ثم أنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا ، ثم قال الأول: زنوه بعشرة من أمته ، فوزنوني فرجحتهم ، فقال: زنوه بمائة من أمته ، فوزنوني فرجحتهم ، فقال: زنوه بألف من أمته ، فوزنوني فرجحتهم ، فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته جميعا لرجحهم ، قال:ثم أقبل الحي بحذافيرهم ، فجاءت ظئري حتى أكبت علي فضمتني إلى صدرها وإن يدي لفي يد بعضهم فظننت أن القوم يبصرونهم ، فإذا هم لا يبصرونهم ، فجاء بعض الحي ، فقال: هذا الغلام أصابه لمم أو طائف من الجن ، فانطلقوا به إلى الكاهن ينظر إليه ويداويه فقلت لـه: يا هذا ليس بي شيء مما تذكرون ، فذهبوا بى إلى الكاهن فقصصت عليه أمري فضمني إلى صدره ونادى بأعلى صوته: يا للعرب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه ، واللات والعزى لئن تركتموه ليبدلن دينكم وليسفهن أحلامكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثلـه ، فقالت ظئري: لأنت أعته منه وأجن ولو علمت أن هذا يكون من قولك ما أتيتك ، ثم ردوني إلى أهلى ، وأصبح أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه شراك ، فذاك حقيقة قولي وبدء شأني فقال العامري: أشهد أن لا إلـه إلا اللـه ، وأن أمرك حق}{1}

فللقصة دلائل كثيرة تدلُّ على أن الله جهَّز بشريته صلى الله عليه وسلم تجهيزا خاصاً لحمل الرسالة فصارت بشريَّةً نورانيَّةً ، ولذا لما سمع سيد بنى عامر القصة من النبى أدرك وفهم ووجد الإجابة عن تساؤله وأسلم فى الحال ، بل لما سمع الكاهن ذلك علم أنه النبى المنتظر الذى يعدُّ لحمل الرسالة فى المستقبل

وأنظروا إليه صلى الله عليه وسلم لما وزنوه بعد أن جهزوه وطبعوه بخاتم النور والحكمة ، ماذا كانت النتيجة؟ كان وهو فردٌ وحيدٌ يساوى الأمة كلها ببشريته التى أعدها الله بقدرته فجعلها نورانية فى صورة بشرية ، وإذا كان رجل من أُمته وهو الصديق رضي الله عنه يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم فى تفضيله: {لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَبـي بَكْرٍ بِإِيمَانِ النَّاسِ لَرَجَحَ إِيمَانُ أَبِـي بَكْر}{2}

فما بالكم بمن كان السبب فى إيمان الأمة جميعها وإيمان أبى بكر ، الرحمة المهداة والنعمة المسداة التى خلقها لنا الله

روى الإمام أبو المواهب الشاذلى رضي الله عنه أنه كان فى الأزهر الشريف يُدَرِّس ، وإذا برجل معاند جاء إلى مجلسه ، وأخذ الرجل يتحدث فى هذه القضية ويُصر على أن الحبيب صلى الله عليه وسلم بشرٌ كسائر البشر ، قال: فقمت من هذا المجلس مهموماً لأنى لم أدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ينبغى ، قال: فنمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام وقال لى: يا محمد هلا قلت له: “محمد بشر بين البشر كالياقوت وهو حجر بين سائر الحجر”

هل يساوى حجر الياقوت بقية الأحجار؟ هل يساوى حجر الذهب بقية الأحجار؟ والنبى صلى الله عليه وسلم يقول فى الخلق والناس أجمعين: {النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ}{3}

ولِمَ نذهب بعيداً وهذا الزجاج الذى نضعه فى نوافذنا ، ما أصله؟ أصله رملٌ ولكننا عالجناه حتى صار شفافاً يبين ما وراءه ، فما بالكم بحَبيب الله ومُصطفاه الذى شفَّ الله جسمه ونوَّر الله هيكله حتى صار ظاهره نور وباطنه نور وكله نور ، وقال الله فى شأنه: {نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ} النور35

ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى من الصلاة يلتفت إلى من خلفه ويقول لهم أنت فعلت كذا أو قلت كذا ، قال سيدنا ابو هريرة رضي الله عنه: {صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ الظُّهْرَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَى رَجُلاً كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ ، فَقَالَ: يَا فُلاَنُ ؛ أَلاَ تَتَّقِي اللَّهَ. أَلاَ تَنْظُرُ كَيْفَ تُصَلِّي؟ ، إنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لاَ أَرَاكُمْ ، إنِّي وَاللَّهِ لأَرَى مِنْ خَلْفِ ظَهْرِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ}{4}

ومَن الذى يرى من خلفه؟ إلا إذا كان جسمه شفافاً نورانياً ، لأنه ليس له عين فى مؤخرة رأسه ولكن له قلب مملوءٌ بالنور يقول فيه مولاه: {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} يوسف108

بهذه البصيرة النورانية كشف لنا كل ما حدث مع أنبياء الله ورسل الله مع أممهم السابقين ، وحدثنا عن كل شئ سيحدث لنا أو بيننا إلى يوم الدين ، فما من شئ يحدث فى الأكوان إلى الآن وبعد الآن إلا وأنبأ عنه النبى العدنان وحدَّث عنه بأبلغ بيان

بل إنه صلى الله عليه وسلم حدَّثنا عن القيامة كأنها رأى العين وحدَّثنا عما يدور فيها وكيف يكون حالنا بينها وكيف حال المؤمنين وكيف حال المنافقين وكيف حال الكافرين ، بل حدَّثنا عن الجنة ودرجاتها وقصورها وحورها وأنهارها وكل شئ فيها ، وكذا النار وكل مافيها من أهوال وأحوال ، ذلك لأن الله كشف له عن بصيرته فرأى ما لم نرَ ، قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً{26} إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} الجن

وقد ارتضى هذا الرسول وأعطاه مالم يعط الأولين والآخرين ، فيجب أن نعلم قدر نبينا عند ربه وعظمة نبينا بين أنبياء الله ورسله ونفرح بالنعمة الكبرى التى وهبها الله لنا وهو هذا النبى وهذا الرسول وهذا الحبيب الذى جعله الله نبينا وجعله شفيعنا وجعله إمامنا ، قال صلى الله عليه وسلم: {أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجاً إِذَا بُعِثُوا وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إذَا وَفَدُوا ، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إذَا أَيِسُوا ، لِوَاءُ الحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي ، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلاَ فَخْرَ}{5}

{1} عن شداد بن أوس، المطالب العالية (ابن حجر العسقلاني) مع اختصار الرواية ، وفى كنز العمال ودلائل النبوة وغيرها

{2} قال صاحب كشف الخفاء: رواه إسحاق بن راهويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن عمر من قوله، وأخرجه ابن عدي والديلمي كلاهما عن ابن عمر مرفوعا بلفظ “لو وضع إيمان أبي بكر على إيمان هذه الأمة لرجح بها”، وفي سنده عيسى بن عبد الله ضعيف لكن يقويه ما أخرجه ابن عدي أيضا من طريق أخرى بلفظ لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجحهم ، وله شاهد أيضا في السنن عن أبي بكرة مرفوعا أن رجلا قال يا رسول الله كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت ثم وزن أبو بكر بمن بقي فرجح -الحديث ، وقال ابن تيمية لما سأل عنه هذا جاء معناه في حديث معروف في السنن أن أبا بكر رضي الله عنه وزن هذه الأمة فرجح، مجموع فتاوى ابن تيمية

{3} صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وفى الحديث {خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا}

{4} الترغيب والترهيب، صحيح ابن خزيمة عن أبى هريرة

{5} سنن الترمذى عن أنس

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {السراج المنير}

اضغط هنا لقراءة أو تحميل الكتاب مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Elseraj_Elmuneer.pdf&id=42)

www.youtube.com

**موضوع مميز لك التحية

ونتشرف بخدمتكم فى المجالات الاتية تصميم المواقع

برمجة المواقع

التسويق الاكتروني

دمتم بود الرحمن

**قد يتصنع الإنسان الحلم لغاية في نفسه، فإذا لم ينل الغاية ظهر مكنون ما في نفسه، لكن النبى صلى الله عليه وسلم انظر إليه لتعلم قدر منح الله عليه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: {كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا؟ فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلا حَقٌّ}{1}

لكن من تصنَّع إذا غضب لا يستطيع أن يحافظ على هذا الخُلُق، ولذلك كانوا يقولون: (اغضب الرجل تعرفه) تعرف إن كان متصنع أم منحة، إذا غضب تعرف ما في مكنونه، فإذا كان المكنون والباطن ليس فيه إلا حضرة الرحمن، فيكون ظاهره كباطنه، وباطنه خير من ظاهره، وهذا ما كان عليه النبى صلى الله عليه وسلم، وما عليه أهل الخلة والمعية الذين دخلوا في زمرة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهذه منحة إلهية:

تخلق بأخلاق الإله وحافظن على منهج المختار في العُقد تُنسق

يكفي أن تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مدحه الله وأثنى عليه بهذا القول الكريم إلا بعد أن جمع له كل أخلاق النبيين والمرسلين السابقين وزاده عليهم:

فاق النبيين في خلق وفي خُلُق فلم يدانوه في علم ولا كرم

إذا رأيت في كتاب الله مدح أنبياء الله واصفياء الله ورسل الله تجد المدح كله في مدى تخلقهم بأخلاق الله، فمدح إبراهيم بقوله: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}النجم37 وإسماعيل بقوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً}مريم54 وداود بقوله: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ}ص17 ونوح بقوله: {إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً}الإسراء3

كل أنبياء الله منحهم الله صفة كريمة من أوصاف الله، وجمع كل هذه الأوصاف وزاد عليها لحَبيبه ومُصطفاه، فالأنبياء عظماء، وهم عظماء الأولياء، ولكل عظيم صفة أو أوصاف منحها الله له، وهو صلى الله عليه وسلم فوق كل هؤلاء العظماء: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}القلم4

أي أعلى من كل ذو خُلُق عظيم من الأنبياء والمرسلين السابقين لأن الله جمع له وزاده من عنده وقال له: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}النساء113

علمك ما لم تكن تعلم عن الأنبياء والمرسلين وعلومهم وأسرارهم وحقائقهم ومقاماتهم وقربهم من الله، ثم بعد ذلك كان فضل الله عليك عظيماً. إذاً الأخلاق المصطفوية منحة إلهية، والباب إليها صدق النية، وصفاء الطوية، والإخلاص في القصد في كل قول أو فعل أو حركة أو سكنة لرب البرية.

الطريق واضح، ليس بكثرة الأذكار، ولا بالقيام ولا القعود، لكن بالصفاء والنقاء والإخلاص لنور الله ووجه الله جل في علاه، قال صلى الله عليه وسلم: {طُوبَى لِلْمُخْلِصِينَ، أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الدُّجَى تَنجَلَّى عَنْهُمْ كُلُّ فِتْنَةٍ ظَلْمَاءَ}{2}

وفي رواية أخرى: {إِنَّ لِلَّهِ ضَنَائِنَ مِنْ خَلْقِهِ يُحْيِيهِمْ فِي عَافِيَةٍ، وَإِذَا تَوَفَّاهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ تَمُرُّ عَلَيْهِمُ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، وَهُمْ فِيهَا فِي عَافِيَةٍ}{3}

لأنهم أخلصوا القصد لله: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ{82} إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ{83} ص

هؤلاء في رعاية الله وعناية الله لأنهم أخلصوا القصد لله، والنية لوجه الله.

ما الذي يعين أيضاً على بلوغ المراد؟ {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}آل عمران159

{1} سنن أبي داود والدارمي

{2} شعب الإيمان للبيهقي وحلية الأولياء لأبي نعيم عن ثوبان

{3} معجم الطبراني عن عبد الله بن عمر

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {الجمال المحمدى ظاهره وباطنه}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Algamal_Almohamady.pdf&id=578)

www.youtube.com

**أراد الله إعزاز رسوله صلى الله عليه وسلم عند دخول المدينة المنورة فلم يجعله يدخل دخول الخائفين أو الفارين وإنما جعله يدخل دخول الفاتحين فانظر معى إلى عناية الله فى تجميل نبيه وصفيه ليدخل المدينة دخول الفاتحين

سمعت قبيلة اسمها أسلم عن الجائزة التى جهزها الكفار لمن يأتى بالنبى صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً ، فخرج رجل منهم يُسمى بُريدة الأسلمى ومعه سبعين رجلاً مدججين بالسلاح يبحثون عن النبى فى الطريق الذى سلكه ليظفروا بالجائزة

وبينما هم سائرون إذا بالنبى أمامهم ، فقال له صلى الله عليه وسلم: مَن الرجل؟ قال: بُريده ، فالتفت إلى أبى بكر وقال: بَرُد أمرك يا أبا بكر ، ثم قال للرجل: ممن الرجل؟ أى من أى قبيلة؟ قال: من أسلم ، فالتفت إلى أبى بكر وقال: سلمت يا أبا بكر، فقال الرجل: ومَن أنت؟ قال: أنا محمد رسول الله

لم يتنكر ولم يتخفى لأنه يعلم أن الله يؤيده ويعززه وينصره ? فشرح الله صدر الرجل للإسلام وشرح الله صدور من معه للإسلام فدخل السبعون فى الإسلام ، وقال الرجل: يا رسول الله أتدخل المدينة هكذا؟ لا والله لا يكون ، فخلع رباط عمامته ? الشال الذى يضعه على عمامته ? وركزه على رمحه على هيئة عَلَم

وصفَّ السبعين رجلاً وقسمهم إلى صفين ، صف عن اليمين وصف عن اليسار ، وقال: يا رسول الله أنا أتقدم أمامكم وأنت تمشى فى مؤخرة الصفين

ليدخل المدينة صلى الله عليه وسلم دخول الفاتحين ومعه كتيبة جهزها له رب العالمين ليكون بذلك إعزازاً لحضرته وتقويةً لإرادته وعبرة لنا أجمعين لنتقى الله ونعلم صدق قول رب العالمين: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً{2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} الطلاق

وسار النبى صلى الله عليه وسلم بهذه الكتيبة الإلهية ، هل يدخل المدينة بهذه الهيئة وثيابه كانت تغيرت من أثر السفر؟ قيَّد الله وهو العزيز أن يُعز نبيه ، فكان عبد الرحمن بن عوف فى تجارة فى بلاد الشام ووجد ثوباً لا يصلح إلا للملوك ، فقال فى نفسه: أشترى هذا الثوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم

وكان الزبير بن العوام أيضاً فى بلاد الشام ورأى ثوباً آخر يضاهى الأول من ثياب الملوك ، فقال: أشتريه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن هذا الثوب لا يليق أن يلبسه إلا حضرة النبى

وقبل مدخل يثرب بقليل إذا بعبد الرحمن بن عوف وإذا بالزبير بن العوام ومعهم الثياب المخصصة للملوك ، فجاء الإثنين معاً وقالا: يا رسول الله لا تدخل المدينة بهذه الهيئة ولكن البس هذه الثياب التى لا تليق إلا بالملوك لأن الله يُعزك دوماً وينصرك أبداً على الدوام ، فلبس النبى ثياب الملوك ومشى والجند عن يمينه وعن يساره داخلاً المدينة المنورة

فى بيت من ينزل حضرة النبى؟ من يحظى بهذا الشرف؟ كان الأنصار أجمعين حريصين على هذا الشرف الكبير ، فوقف كل رجل منهم أمام داره ينتظر موكب النبى ويَعزم عليه أن ينزل فى ضيافته ويقول: يا رسول الله انزل هاهنا ، هنا كرم الضيافة هنا العدد وهنا العدة هنا أهلك وذويك هنا ناصروك ، ولكن النبى يشير إلى الناقة ويقول: دعوها فإنها مأمورة

ومشت الناقة حتى أتت إلى مكان كانوا يضعون فيه البلح ليجف ويصير تمراً وبركت فى هذا الموضع وجاء الجميع يتسابق لأخذ عتاد رسول الله ليكون عندهم فسبقهم أبو أيوب الأنصارى وأخذ عتاد النبى عنده

وذهبوا للنبى فقال: الرجل ينزل حيث ينزل رحله ثم دخل عند أبى أيوب ، وقال: يا أبا أيوب أين كتاب تُبَّعْ؟ فقال: يا رسول الله والذى بعثك بالحق إننا دائماً وأبداً نزيد فيك يقيناً

ما قصة كتاب تُبَّع؟ تُبَّع رجل غزا المدينة قبل هجرة النبى بثلاثمائة عام وكان اليهود هاجروا إلى المدينة لعلمهم أنها موطن هجرة خاتم الأنبياء والمرسلين فلما أراد تُبع دخولها أرسلوا إليه وقالوا: إنك لن تستطيع دخولها لأنها موضع هجرة النبى الذى سيبعث فى آخر الزمان ، وذكروا له أوصافه التى قال الله عنها فى القرآن ومعرفتهم برسول الله: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} الأنعام20

وكان تُبع معه جمع من العلماء يسيرون معه فجمعهم فسألهم فصدَّقوا ما قال اليهود ، فبنى لكل رجل من هؤلاء العلماء بيتاً فى المدينة من طابق واحد وأعطاه زاداً ونفقة وزوَّجه بجارية وأمره أن يقيم إلى حين بعثة النبى فينصر النبى

وبنى لزعيم العلماء بيتاً من طابقين ، وقال له: هذا البيت أمانة عندك فإنى قد بنيته للنبى فهو ملك للنبى صلى الله عليه وسلم ، ولذلك ذكره صلى الله عليه وسلم: { أول من آمن بى تُبَّع } وترك رسالة وجعلها فى حُقٍ من زمرد عند هذا الرجل زعيم العلماء كتب فيها{1}:

شَهِدتُّ عَلَى أَحْمَدٍ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِي النَّسَمْ

فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إلَى عُمْرِهِ لَكُنْتُ وَزِيراً لَهُ وَابْن عَمّ

وجَالدتُ بالسْيفِ أعداءه وفَرجُتُ عن صَدْرهِ كل هم

فاطَّلع النبى على الرسالة وعلِم أنه نزل فى بيته الذى بناه المليك عز وجل له ولم ينزل فى بيت أحد غيره ، وكان هؤلاء العلماء هم الذين تناكح وتناسل منهم الأنصار الذين آوو النبى ونصروه فكان هذا إعجازالله للنبى

لنعلم علم اليقين أن كل من يمشى على منهج هذا النبى ويتقى الله ويصنع فى كل أحواله ما يحبه الله ويرضاه ، ويتأسى فى كل أحواله بحَبيب الله ومُصطفاه فإن عناية الله لا تتخلف عنه نَفَساً فى هذه الحياة

وكذا أُمة النبى لو صاروا أجمعين على نهج النبى وأقاموا شرع الله بينهم وجعلوا كتاب الله حَكَماً لهم فى كل أحوالهم فإن الله يدفع عنهم كل أعداءهم وينصرهم على كل من عاداهم ويجعل بلادهم مملوءة بالخيرات والمبرات: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} المجادلة21

{1}تفسير القرطبي وابن كثير (سورة الدخان)

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {ثانى اثنين}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Thani_ethnayen.pdf&id=77)

www.youtube.com

**نريد أن نتلمس عبرة وعظة لنا أجمعين من هجرة سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ، فإن الله كان قادراً على أن يأخذ حَبيبه ومُصطفاه فى طرفة عين أو أقل من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ، لا يمشى على أرض ولا يركب مركوباً من عالم الأرض ولا ينازعه ولا يعارضه بشر

كان قادراً على أن يتمم ذلك كله فى طرفة عين أو أقل ، فلِمَ جعله الله يروعه القوم وهو فى بيته؟ ثم يبحثون عنه بعد خروجه من بيته ويختبأ منهم فى الغار لمدة ثلاثة أيام ثم يمشى بعد ذلك فى طريق لا يسلكه سائر الأنام تعمية عليهم، ويدخل المدينة بعد سفر لمدة أسبوع لِمَ كان ذلك؟

لأن الله ضرب لنا المثل والأسوة والقدوة جميعاً بالحَبيب وقال لنا فى شأنه صلوات ربى وتسليماته عليه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} الأحزاب21

أراد أن نتأسى به فى حياتنا ونقتدى به صلى الله عليه وسلم فى كل أمورنا فلو أخذ الحَبيب كما قد ذكرنا فى طرفة عين أو أقل ونقله إلى حيث يريد لقلنا جميعاً هذه خصوصية لمقام النبوة ، أما نحن العبيد فشأننا التعب والمشقة والعناء ولكن الله ضرب لنا المثل بسيد الرسل والأنبياء صلى الله عليه وسلم

وكأن الله يقول لنا: كل من تمسك بدين الله وحرص على أن يعمل بشرع الله لابد أن تواجهه مشاق فى هذه الحياة ولابد أن تقابله مشكلات أو معضلات تريد أن تمنعه من العمل بشرع الله ومن تنفيذ ما يطلبه الله فى كتاب الله أو الحَبيب صلى الله عليه وسلم فى سنته الشارحة والموضحة لكتاب الله ، ماذا يصنع؟

يصنع كما صنع الحَبيب ويعلم علم اليقين أنه مادام يتمسك بشرع الله رغبة فى رضاه وطلباً للفضل من الله ومتابعة لحَبيب الله ومُصطفاه فليعلم علم اليقين أن الله لن يتخلى عنه أيضاً طرفة عين ولا أقل كما لم يتخلى عن حَبيبه ومُصطفاه صلوات ربى وتسليماته عليه

وحتى لا يظن الإنسان بنفسه ضعفاً إذا كان ليس له نسب كثير ولا معارف من الأكابر والعظماء - فالجميع يظن أن أمور الحياة تُيسر بالحسب أو النسب أو المعارف أو المال - فإن الله قال لنا فى شأن الحَبيب: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ} التوبة40

لم ينصره قومه ولم ينصره الذين حوله وإنما الذى نصره هو النصير الأعظم عز وجل وهو رب العزة سبحانه وتعالي ، ولم يقل الله فى الآية: (فقد ينصره الله) لأنه لو قال ذلك كان معنى ذلك أن النصر سيأتى سالفاً

لكن الله ذكر أن النصر معه من قبل القبل من قبل أن يخلق الله الخلق: {فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ} ونصره بالفعل الماضى قبل وجوده وقبل نشأته وقبل إيجاد هذه الحياة الدنيا التى نحيا فيها ونعيش على أرضها

فإن الله قد نصره وأيده بنصره لأن الله أيد بالنصر كل من قام بنبوته أو بتبليغ رسالته وكذلك كل من استجاب للمرسلين وتابع سيد الأولين والآخرين فإن الله ينصره ولكن يعلم علم اليقين قول رب العالمين: {وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّك وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ}{1}

فلا يتعجل ولا يستبطئ النصر لكن يعلم علم اليقين قول سيدنا رسول الله: {وَاعْلَـمْ أَنَّ النَّصَرَ مَعَ الصَّبْرِ}{2}

النصر يحتاج إلى الصبر الجميل وعدم الهلع أو الجزع أو الشك فى دين الله أو التشكك فى إنجاز مولاه بل يعلم علم اليقين أن الله سينصره فى الوقت الذى يعلم فيه أن هذا هو الوقت الصالح لنصره والصالح لتأييده لأن الله أعلم منا بمصالحنا أجمعين

{1} مسند الامام احمد وصحيح ابن حبان وسنن ابن ماجة وغيرهم عن أبى هريرة

{2} مسند الإمام أحمد والبيان والتعريف عن ابن عبـاس ، قال: كنت خـلف النبـي يوماً، فقال: «يا غُلامُ إنِّـي أُعَلِّـمُكَ كَلِـمَاتٍ ، احْفَظِ الله تَـجِدْهُ أَمَامَكَ ، تَعَرَّفْ إِلَـى الله فِـي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِـي الشِّدَّةِ وَاعْلَـمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَـمْ يَكُنْ لِـيُصِيبَكَ ، وَمَا أَصَابَكَ لَـمْ يَكُنْ لِـيُخْطِئَكَ ، وَاعْلَـمْ أَنَّ النَّصَرَ مَعَ الصَّبْرِ ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً»

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {ثانى اثنين}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Thani_ethnayen.pdf&id=77)

www.youtube.com

**{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} التوبة40

ما الجنود الذين أيَّد الله بهم حُبيبه ومُصطفاه؟

أيَّده الله بجنود فى الهجرة وقبل الهجرة وبعد الهجرة وفى كل وقت وحين ، وأبقى الله تأييدهم للعدول من أُمته والقائمين بنشر شريعته إلى يوم الدين ، جنود لا يستطيع أحد عدَّهم: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} المدثر31

والمباح لنا منهم والذى نستطيع أن نشير إليه: جنود كونية وجنود ملكوتية وجنود قلبية وجنود إلهية ذاتية

الجنود الكونية:

أما الجنود الكونية فقد جعل الله كل عوالم الأكوان عوناً ومدداً وجنداً وعتاداً وسلاحاً وقوة لسيد الأكوان صلى الله عليه وسلم ، وأصدر الله أمراً لهم فى صريح القرآن ولا يستطيعون جميعاً أن يتخلفوا عن طاعة الله طرفة عين ولا أقل ، فقال لهم: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ} النساء64

لابد أن تكون كل الأكوان طوع أمره ، الأرض طوع أمره والشمس طوع أمره والقمر طوع أمره والبحار طوع أمره وكل من عليها وما تحتها وما فوقها طوع أمره وكل الحيوانات طوع أمره وكل طيور الأرض طوع أمره وكل حشرات الأرض طوع أمره

وكل مخلوقات الأرض عدا الكافرين والمشركين والمُبعدين كانوا جميعاً طوع أمر سيد الأولين الآخرين صلى الله عليه وسلم لا يستطيعون أن يتخلفوا عن حضرته طرفة عين ، فقد أيَّده الله بالهواء وأيَّده الله بالضياء:

فالهواء أخذ صوته صلى الله عليه وسلم ولم يوصله إلى أسماع المحيطين ببيته عندما كانوا يتحدثون مع بعضهم ويقولون: إن محمداً يزعم أن من آمن به يكون له جنان كجنان العراق وبلاد الشام ، فخرج عليهم وقال لهم: نعم أنا أقول ذلك ولكن الهواء لم يُسمعهم هذا الصوت حتى لا يتبينوه ولا يعرفوه

والضياء أخفى صورة حضرته فلم يروه ولم يتبينوه مع أنه مرَّ عليهم أجمعين ووضع على رأس كل رجل منهم حفنة من التراب لكنهم لم يروه ولم يسمعوه لأن الله أيَّده بهذه الجنود الكونية التى فى عالم الأكوان

وأيَّده الله بذلك ليس حول بيته فقط ، فإن أهل مكة عندما جمعوا جموعهم ووضعوا خططهم ، حصروا الطرق التى توصل إلى مكة ويخرج الخارج منها فوجدوها اثنى عشر طريقاً فأوقفوا على كل طريق منها جماعة من الجند الأشداء ، أربعون حول المنزل ثم كتيبة على كل طريق من الطرق التى توصل إلى مكة لمن يريد أن يدخلها ويمشى فيها ومن يريد أن يخرج منها

ومرَّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يروه ولم يعرفوه ولم يسمعوه واخترق كل هذه الحواجز لأنه يمشى بالله ومن يمشى بالله فإن الله يجعله معززاً ومؤيداً فى كل خطواته بأمر مولاه جل فى علاه

وعند الجبل صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الجبل كما ذكرت إحدى الروايات فى الأثر وذهب لغار حراء فقال له: يا رسول الله لا أريد أن يصيبك مكروه على ظهرى فنزل وذهب إلى غار ثور، فسمع الجبل وهو يقول: إلىَّ يا رسول الله ، إلىَّ يا رسول الله ، دعاه الجبل إليه وتولى حمايته بأمر من يقول للشئ كن فيكون

وقيَّد الله له على ما تقول الروايات المذكورة فى السِيَّر جنداً من عالم الأرض ، حمامتين وعنكبوتاً ونباتاً أو كما يذكر بعض العارفين أن الذى تمثَّل فى ذلك كله كان الملائكة المقربون وقد تمثلوا بهذه الصور الظاهرة ليوهموا الكافرين ، ولم يوجد فى الحقيقة عند الغار نبات ولا عنكبوت ولا حمام ولا يمام وإنما هى ملائكة الله والملائكة أعطاها الله قوة التشكل ، فتشكلت على هذه الهيئات لتحمى وتُخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه الرواية فى السيرة الحلبية وغيرها لمن أراد المتابعة

وهيأ الله له الأرض وكانت طوع أمره فعندما أدركه سراقة ، يُصدر لها الأمر ويقول لها: خذيه ، فتنشق وتقبض على أقدام سراقة وأقدام فرسه، فيتضرع إلى حضرته ويستغيث به، فيُصدر الأمر للأرض ويقول لها: دعيه، فتُخلى عنه وتتركه ، وتكرر هذا الأمر ثلاث مرات لنعلم علم اليقين أن الأرض كانت مسيرة ومذللة بأمر سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {ثانى اثنين}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Thani_ethnayen.pdf&id=77)

www.youtube.com

**من المهاجر إلى يوم القيامة؟ الذى هجر المحرمات والذى هجر المعاصى والذى هجر الفواحش والذى هجر الإثم والذى هجر الوقوع فى الذنب والذى هجر الأفعال التى تُغضب الله كلها إن كان كبائر أو صغائر وهجر الأقوال التى تُغضب الخلق كلها إن كانت سباً أو شتماً أو لعناً أو غيبة أو نميمة أو قذف أو سحر أو ما شاكل ذلك

يسلم الناس منه جميعاً لأنه هجر كل ما يؤدى إلى غضب الله عليه أو كل ما يؤدى إلى إغضاب الخلق منه لشر فعله نحوهم أو سوء أصابهم به حتى ولو كان لا يدرى لأن المؤمن لا يفعل ولا يقول إلا ما يُرضى الله عنه ، فهذه هى الهجرة أن يهجر الإنسان كل ما نهى الله عنه

ولذلك يجب على كل واحد منا مع بداية العام الهجرى أن يراجع نفسه ماذا هجرت من المعاصى؟ وماذا تبقى لكى أهجره من المعاصى؟ وإذا أردت أن أكون أعلى فى المقام فيكون ماذا هجرت من الأخلاق القبيحة حتى أتجمل بالأخلاق الكريمة؟

هجرت سوء الظن مثلاً هجرت الكذب هجرت الأثرة والأنانية هجرت النظر إلى المسلمين بعين تتطلع إلى ما فى أيديهم وإلى ما عندهم من خيرات وتتمنى زوالها أو الحصول عليها ومنعها منهم فكل هذه الأشياء تحتاج إلى هجرة ، ولذلك قال العلماء العاملون رضي الله عنهم الهجرة فى هذا المقام لمن أراد أن يهاجر ثلاث هجرات: {هجرة بأمر الله وهجرة بفضل الله وهجرة بتوفيق الله}

أما الهجرة بأمر الله فهى أن يُنفذ كل ما أمره به مولاه ولكى يُنفذ ما أمره به مولاه لابد أن يهجر ما نهى عنه مولاه فلابد أن يهجر المعاصى حتى يفعل الطاعات ويهجر الحرام حتى يحصل على الحلال ويهجر الذنوب والآثام حتى يُطيع الملك العلام فهذه الهجرة بأمر الله أى فعل ما يأمره به مولاه بعد أن يترك ما نهى عنه الله وهذه الهجرة الآية الجامعة لها فى كتاب الله هى قول الله {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} الحشر7

والمصيبة التى وقع فيها كثير من المسلمين فى هذا الزمان أنهم جمعوا بين الإثنين فكثير منهم يظن أن المطلوب منه لإرضاء ربه القيام بالعبادات أما المعاملات فيمشى فيها على حسب هواه وإن كان يعلم علم اليقين أنه يخالف شرع الله

فمثلاً التاجر قد يذهب إلى الحج كل عام ويذهب إلى العمرة مرات فى العام لكن فى تجارته لا مانع عنده من أن يغش فى الكيل أو الوزن أو يغش فى الثمن أو يغش فى الصنف فيرى أنه ليس عليه شئ فى هذه الأشياء ، هذه الثنائية هل يوافق عليها الدين؟ لا، فالشرط الأول أن يهجر ما نهى عنه الله فقد نهى الله عن التطفيف فيجب ألا يُطفف فى كيل ولا ميزان لأن الله قال: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} المطففين1

نهى الله عن الغش على لسان حَبيبه ومُصطفاه: {مَنْ غَشَّنا فَلَيسَ مِنَّا}{1}

نهى عن أى غش إن كان فى الصنف أو السلعة أو غير ذلك فمشاكلنا فى مجتمعنا سببها التفريق بين المعاملات والعبادات مع أن الدين كله واحد ولابد للإنسان أن يأخذه بجملته فلا يجوز له أن يعمل بشئ ويترك أشياء ويظن أنه على صواب ، لأنه نَهْى عن كل ما نهى عنه الله ثم بعد ذلك قيام بكل ما أمر به الله

كثير من الناس يحرص على الفرائض ولبيان مدى حرصه على الفرائض فى وقت عمله يترك العمل قبل الظهر بوقت كبير ويذهب للمسجد ليستعد لصلاة الظهر ويظن أنه أدى العبادة كما ينبغى ، عبادتك فى عملك ومكتبك وإذا كان عملك يتعلق بخدمة الجماهير فتكون الصلاة بعد نهاية العمل إلا إذا وجدت فرصة وتعود سريعاً

وإذا كان العمل لا يتعلق بالجماهير فاذهب للصلاة أثناء إقامة الصلاة والذى يُصلى بهم يراعى ذلك فلا يطيل فى الصلاة لكن المتنطعين يظنون أنهم على صواب وبعضهم يقوم بعمل درس بعد صلاة الظهر، أين العمل؟ ويسولون ذلك على أنه من الدين

وهذه هى الطامة الكبرى التى أساءت إلى دين الإسلام فى نظر غير المسلمين لأنهم رأوا أن ما يصنعه المتنطعين ? لأن صوتهم عالى ? هو هذا الدين مع أنهم بعيدين عن نهج الدين بالكلية، الدين: {أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقَ حَقَّهُ}{2}

حق العمل لا أفرط فيه وحق الله محفوظ ، فنحن نحتاج فى هذه الأيام الكريمة أن نبين لأنفسنا ونمشى على هذا المنهاج وإن كان فى نظر كثير من المتنطعين شاذ لكن هذا هو المنهج الحق الذى ارتضاه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وهو أن نهجر المعاصى بالكلية ثم نبدأ العبادات لرب البرية

ولو أن الإنسان انتهى عن المعاصى ثم لم يقم إلا بالفرائض فقط أفلح كما قال صلى الله عليه وسلم ودخل الجنة لأنه ليس عليه شئ ، فالأساس أن يحفظ الإنسان نفسه من الذنوب والآثام ثم يطيع الملك الحق رغبة فى الهجرة إلى الطاعات والقربات المبثوثة فى كتاب الله والتى بينها بفعله وقوله وحاله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

يحتاج المسلمون جميعهم فى هذا الزمان إلى هذه الهجرة ، فمثلاً نجد الفلاح يذهب ليصلى الفجر فى وقته وعندما يؤذن الظهر يترك عمله ويسارع للصلاة ثم بعد ذلك يريد أن يكسب سريعاً فيضع فى زراعته الهرمونات والكيماويات والمبيدات المحظورات ليستعجل الأرزاق ويظن أن هذا شئ والعبادة شئ ، لابد من هجر هذا الغش أولاً ، ثم بعد ذلك لو لم تصلى إلا الفرائض فى وقتها سيكفيك هذا وقس على ذلك بقية الأمور

فتلك مصيبة حلت بمجتمعنا لأننا تأثرنا فيه بالمجتمعات الأجنبية وأخذنا نظرية المنفعة وإن كنا لا نشعر بها وجعلناها هى أساس حياتنا ، إذا كانت المنفعة فى ميزان المعاملات لا نوزنها بميزان الحلال والحرام ، قال صلى الله عليه وسلم: {لا تَكُونُوا إِمَّعةً تَقُولُونَ إِن أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وإِنْ أسَاءُوا فَلاَ تَظْلمُوا}{3}

{1} صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهم

{2} رواه ابن حبان والبيهقي عن أبي جحيفة عن أبيه

{3} سنن الترمذى عن حذيفة رضى الله عنهما

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {ثانى اثنين}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Thani_ethnayen.pdf&id=77)

www.youtube.com

**تحميل كتاب" ثانى اثنين"مع فاتحة كل عام هجرى جديد يستحضر المؤمن قول الحبيب صلى الله عليه وسلم الذى خصَّنا به وكل أمته إلى يوم الدين ، بعد أن أعلن انتهاء الهجرة الزمانية والمكانية من مكة ومن حولها إلى المدينة المنورة فقال صلى الله عليه وسلم لنا ولمن بعدنا وللمسلمين أجمعين: {لا هِجرةَ بعدَ الفتحِ، ولكنْ جِهادٌ ونيَّة}{1}

بعد فتح مكة وكان فى سنة ثمان من الهجرة النبوية لم يعد هناك هجرة مكانية ، وإنما أصبحت الهجرة كلها فى النيَّة ، فبيَّن النبى صلى الله عليه وسلم لأمته فضل النية ، وأنها روح كل الأعمال التى يتوجه بها المرء إلى رب البرية ، فالأعمال كالأجسام ، الجسم ظاهره الأعضاء وروحه التى تحركه وتسيره هى الروح التى نفخها فيه الحى القيوم عز وجل

كذلك أعمال العباد نحو رب العباد ظاهرها أوامر الشرع التى أمرنا بها الله وكلفنا بها فى كتابه ، أو على لسان حَبيبه ومُصطفاه ، وباطن الأعمال الذى لا حياة لها إلا به هو النية ، فالنية روح الأعمال ولذا قال الحبيب: {إنَّمَا الأعمَالُ بالنِّيَّات وَإِنَّمَا لكل امرىء ما نَوَى ، فَمنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ فَهَجْرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ}{2}

فالعمل بالظاهر امتثال لأمر الشارع الأعظم عز وجل ، واقتداء بالحَبيب صلى الله عليه وسلم ، لكن ثوابه وأجره وفتحه وقبوله كل ذلك يتوقف على نية العامل فيه إن كان يريد به رضاء الناس والسمعة والشهرة عند الخلق كان عمله رياءاً

فالرياء هو العمل من أجل الخلق ، أى لا يقصد به إلا الخلق ، لا نية فيه من قريب أو بعيد للحق ، كل همه وبغيته فيه العمل الخلق ، وفي مثله يقول صلى الله عليه وسلم: {مَنْ صَلَّى يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ ، ومَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ ، وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ،}{3}

والحديث بيان لقول الله جل فى علاه: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} وشرط قبوله: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} الكهف110

أى لا يجعل فى نيته عند توجهه للعمل أو قيامه به رغبة فى السمعة عند الخلق أو اكتساب المحمدة أو التفاخر أو التظاهر أو حتى الإعجاب بنفسه لأنه يعمل هذا العمل دون غيره ، لأن هذا فى نظر الله وفى كتابه شرك لا يُقبل العمل به ، وقد قال فيه صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى فى حديثه القدسى: {أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي ، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ}{4}

كل من عمل عملاً أشرك فيه مع الله فى الوجهة والقصد الخلق أو النفس أو السمعة أو حب الظهور فإنه بذلك حُرم القبول فى هذا العمل لأنه لم يأتى بالمواصفات الربانية التى اشترطها رب البرية لقبول الأعمال من حميع البرية وهى الإخلاص ، والإخلاص يعنى أن يطلب بالعمل وجه الله: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} غافر14

{1} صحيح البخارى عن ابن عباس وصحيح مسلم عن السيدة عائشة رضى الله عنهم

{2} صحيح البخارى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما

{3} مسند الإمام أحمد عن شداد بن أوس رضى الله عنهما

{4} صحيح مسلم عن أبي هريرة**

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {ثانى اثنين}

اضغط هنا لقراءة الكتاب أو تحميله مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_Thani_ethnayen.pdf&id=77)

www.youtube.com

**السُؤال :ما الأشياء التي يعرضها الُمريدُ على الشيخ ؟

الإجِابة :

الذي سيعرضه على الشيخ هي الأمور المهمة التي تحتاج إلى قرار وكذلك الأمور المهمة التي تعترضه في السير والسلوك مثل : ما الأوراد التي يعملها؟ وما هي الأعمال الصالحة التي يعملها؟ وما هو المنهج الذي سيسير عليه؟ هذا كله يلزم أن يأخذه من الشيخ

أما من ليس له منهج فاسمه محب وثلاثة أرباع المريدين محبُّون لأنهم لا يريدون منهجاً ولا يريدون أن يلتزموا بشيء ويظنون أنهم على خير لكن الذي يريد الرقي لا بد له منهج وكلما ارتقى يزداد المنهج مثل الروشتة ويجب أن يأخذ هذا المنهج من الشيخ

أما من لا يريد المنهج ، فكما تعلمون أن النفس تميل للراحة ولذا فإن صاحب هذه النفس يقول في نفسه لماذا : أذهب إلى الشيخ؟ وإذا حدث له أمر مهم يقولون له : لماذا لا تتصل بالشيخ وتستشيره؟ فيقول: لا أريد أن أشغل الشيخ

وذلك لأنه يريد أن يمشي على هواه فالنفس دائماً تسول للإنسان هذه الأفكار ومثل هذا لا تنفع له الترقيات ولكن هذه دورات للترقيات ، فالذي يريد أن يترقى لا بد له من منهج وكل واحد له منهج مختلف عن غيره ، فمثلاً : يوجد منهج عام الكل ماشي عليه مثل لا إله إلا الله والاستغفار والصلاة على حضرة النبي .

ولكن هناك مناهج خاصة للخواص يمشون عليها فمن ليس له منهج كيف يصل؟ والمنهج موجود في كتاب الله قال الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} المائدة48

هناك شريعة للكل وهناك منهاج للخواص وهناك مجموعة من الآداب التي استخرجها واستنبطها العلماء العاملون ، والصالحون من كتاب الله ، فهناك أدب للمريد مع نفسه : يعني هو في نفسه ، كيف يكون شكله؟ وكيف يكون حاله لكي ينضبط؟ وأدب المريد مع اخوانه ، وأدب المريد مع شيخه

وقد ذكرنا موجزاً لها في كتابنا “أبواب القرب” ، وكذلك هي موجودة في ثنايا كتب الصالحين ولكن بعض المحبين لا يقرأون ويقول أحدهم في نفسه - عن نفسه - أنه بخير ، يطمع أن يكون معنا هناك

لكن الأمر كما قال أبو العزائم رضي الله عنه وأرضاه : " من كان معنا فقه المعنى ومن كان منَّا نال المنى " ، فهناك من هو معنا وهناك من هو منَّا ومن كان منَّا يشاركنا في غنائمنا أما من كان معنا فهو محبٌّ سيكون معنا إن شاء الله رب العالمين

إذن يشاور الإنسان الشيخ في السير والسلوك إلى الله والمنهج الذي يسير عليه وكذلك يشاور الشيخ في الأمور المهمة التى تعترضه في حياته كمن يريد أن يسافر إلى الخارج فيلزم عليه أن يأخذ رأي الشيخ هل يسافر أم لا ؟

وكذا إذا كان سيتزوج يستطلع رأي الشيخ لكي يأخذ رأي البصيرة ويمشي عليه وقد قال العلماء : لا يتزوج ولا يطلق ولا يسافر إلا بعد أن يشاور الشيخ ، لكنه لا يشاور الشيخ مثلاً في الأكل والشراب ولكن في الأمور المهمة فقط أما ماذا يفطر وماذا يتعشى فقد قال الله تعالى في شأنها : {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ} الأعراف31

وقد قال صلى الله عليه وسلم : {نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع}

أحياناً يأتي بعض المريدين ويريد أن يحكي بعض ذكرياته كلها - منذ ولادته إلى وقتنا هذا - ماذا يفعل الشيخ بهذا الحديث؟ فليس لديه وقت لذلك ولكنك تختصر الموضوع وتركز على الأمور المهمة

أما إذا كان المريد يريد ترقية وأبطأ عليه الفتح يذهب إلى الشيخ ويقول : له لقد أبطأ عليَّ الفتح فماذا أفعل لكي يأتيني الفتح ؟ وذلك إذا كان يريد الفتح ، والفتح يعني يأتيه علم الإلهام إذا كان فتح علمي أو يأتيه نور في صدره إذا كان فتح نوراني أو يأتيه شيء من الكشف والشفافية إذا كان فتح كشفي أو يأتيه شيء من سماع الحقائق وهي تتكلم ، فتح سمعي أو يكون بصره نافذ في ملكوت السموات

فأنواع الفتح كثيرة وإذا كان يريد الفتح يسأل؟ إما إن كان لا يريد مثل هذا فهو يمشي على اليسير وكفى بشرط أن لا يجعل نفسه شيخاً فمثل هذا الإنسان ليس معه فتح ويريد من الناس أن يلتفوا حوله ويتمشيخ عليهم فما الذي معك؟ وقد قال الحكماء في ذلك :

إذا كان الغراب دليل قوم هوى بهم إلى وادي الخراب

إذا كان رجل أعمى فهل يستطيع أن يقود مبصرين؟ كلا ، فكذلك طريق الله لا بد أن يكون صاحبه على بصيرة ، وهذه هي الأمور التي يشاور الإنسان فيها الشيخ وهي الأمور المهمة لأننا تعاهدنا وأخذنا العهد على أن نعين بعضنا على الله ورسوله

لكن أمور الدنيا فالشيخ نفسه ليس لديه وقت ليرى أمور الدنيا الخاصة به فهل يراها لك أنت؟ فإذا كنت تريد أن تعرضها على أحد إخوانك ليس هناك مانع ولكن بشرط أن تكون على شرع الله وعلى سنة رسول الله

كمثال: يريد أن يعمل مشروعاً والأموال التي معه لا تكفي فيذهب إلى الشيخ ويعرض عليه الأمر فيوافق الشيخ ، فيقول : أريد من فلان كذا و فلان يدفع لي كذا وما شأن الشيخ بذلك؟ إنها أمور دنيوية بينك وبينهم فإذا اشتركتم فيها فعلى شرع الله وتأخذوا على بعضكم الشروط الواجبة لكي لا تضيع الحقوق لأن المعاملة هي التي تفسد العلاقة بين الناس

وكذلك من عنده محل تجارة ويريد للتجارة أن تنتشر فيريد أن يشتري الأحباب منه؟ ليس لي شأن بهذه المواضيع فنحن في التجارة التي لن تبور أما التجارة التي تبور فلا شأن لنا بها ، وطبعاً هذه الأشياء الدنيوية هي التي تشغل معظم المريدين

وكان الإمام أبو العزائم رضي الله عنه في يوم من الأيام كان كل من يأتيه من أجل مصلحة دنيوية أو مصلحة عاجلة أو زائلة وآخر النهار ضرب كفاً على كف وخاطب الحق وقال له: ماذا أفعل لم يسألني أحد عنك اليوم

وهذه هي المصيبة التي نعاني منها فوالله لو وجدت صادقاً في طلبه لله ، لحملت حذائه ولكني لا أجد فكل واحد يقدم المنفعة العاجلة أولاً ، مع أن المنفعة ستأتي إن آجلاً أو عاجلاً ومضمونة بشرط أن تمشي على الجادة

إذا كان الله عزَّ شأنه يرزقُ من غفلَ عنهُ وعصاه فهل يترك من يسلك طريقه ودعاه؟ كيف؟ وقد رأينا الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين لا يوجد منهم من قام بالتكليف إلا وتكفل الله به ، فسيدنا رسول الله فتح بيته وعمل ولائم فسخر الله له السيدة خديجة بتجارتها وأموالها حيث جعلتها للدعوة

وعندما ذهب إلى المدينة تكفَّل به الأنصار ولما كثرت الدعوة وجاء الناس من كل فج عميق فسخر الله له أغنى رجل في اليهود - وكان اسمه مخيرق - وقد جلس مع اليهود قبل غزوة بدر وقال لهم : ماذا تعرفون عن محمد؟ قالوا: صادق ، قال: إذن هيا لنحارب معه ، فقالوا : لا ، قال: سأخرج للحرب معه وأشهدكم أني لو مت فمالي كله لمحمد

ودخل المعركة واستشهد فورث الرسول ماله وجاءته به عناية الله ولم يحتج لأحد بعد ذلك ، وعندما وسعت الدعوة أكثر جاءه ميراث خيبر من الله: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الأنفال41

فأغناه الله ، وهكذا انظر لجميع الصالحين تجدهم على هذه الكيفية وسنأخذ شيخنا على سبيل المثال الإمام أبو العزائم رضي الله عنه ، وكان يدعو إلى الله ولما توسعت الدعوة تفرغ لله ولما كثر الأحباب ، أراد مكاناً للأحباب فجاء رجل من مصر _ وكان برتبة فريق في الجيش وكان من المحبين _ فتبرع بقصر ضخم في أحسن موقع في القاهرة _ في شارع مجلس الشعب _ وقال له : هذا للأحباب ، ومكان القصر الآن حوالي ستة عمارات

وكان الشيخ من عزَّته - عندما جاءه أغنى أغنياء الصعيد في زمانه - وكان اسمه محمد محمود سليمان وكتب له حجة وسجلها بمائة فدان ، وقال له : يا سيدي هذه من أجل الأحباب ، فقال له : يا بني هل أبلغوك أن أبو العزائم محتاج؟ انظر ، وأشار إلى خلفه ، فنظر الرجل فوجد خزانة أكبر من خزانة البنك المركزي مملوءة بالنقود لكي يعرفه الغنى فقد أغناهم الله بفضله عمن سواه

فهل يوجد من يعمل عند كريم ويهضمه حقه؟ فما بالكم إذا كان يعمل عند الكريم عز وجل ، ولكن كل الموضوع أنه ضعف في النفوس وعدم ثقة في المليك القدوس ، ولكن من هو مع الله فلا يحتاج إلا إلى الله جلَّ وعلا ، ويقوم الله بسياسة جميع أمره ولا يكله إلى غيره طرفة عين ولا أقل

فسيدي أبو الحسن الشاذلي لما كلفه الله بالرسالة قال : يا رب ماذا أفعل؟ أتكلني إلى خلقك هذا يطعمني وهذا لا يطعمني؟ قال : يا علي أنفق وأنا الملي إن شئت من الجيب وإن شئت من الغيب

وسيدنا موسى لما كلَّفه الله ، قال: يا رب سأذهب إلى بني إسرائيل هذا يطعمني يوماً وهذا يطعمني يوماً ، قال: يا موسى ألا ترضى أن ندخل كل يوم رجلاً الجنة من أجلك _ أي لأن من يطعمك اليوم ندخله الجنة ماذا تريد بعد ذلك؟ فإذن من يخلص مع الله يكفيه الله جميع شئونه

فإذا كان الشيخ نفسه لا يبحث عن الدنيا فهل نذهب نحن لنشغله بمشاكل الدنيا والدنيا للكل يقول الله فيها: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً{2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} الطلاق

فمن يتق الله حتى ولو كان أبسط رجل مؤمن في هذه الحياة فإن الله لا يكله إلى غيره طرفة عين ولا أقل ، كيف ذلك؟ المفروض أن الكيفية لا تكون موجودة مع المؤمنين فسيدنا إبراهيم وهو يحفر البيت وجد ثلاثة أحجار أول حجر منهم مكتوب عليه: "أنا الله رب البيت أرزق الضعيف من القوي حتى يتعجب القوي "

كأن يقول الواحد مثلاً : فلان هذا كيف يعيش؟ وكيف يكفي أهل بيته مع فقره؟ هل تنظر إلى قدرة الضعيف؟ أم إلى قدرة القوي؟ من ينظر إلى الضعيف ويقول كيف يعيش؟ فنظره قاصر أما من ينظر إلى الرزاق وهو متكفل بالأرزاق فسيرى آيات الله في خلق الله: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} الحشر2

فينظر بعين الإعتبار كيف يعيش هذا؟ وكيف يأكل هذا؟ وكيف يهنى هذا أو ذاك؟ لأن القائم بكل هذه الأمور هو الله فما دام الإنسان مع الله يتكفل به مولاه: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} الطلاق3

إذن باختصار فالأمور التي تعترضني في الطريق إذا كنت أريد الفتح أو إذا كنت أجاهد وتعترضني بعض المشاهد أو بعض الأمور التي تتلبس علىَّ أعرضها على شيخي لآخذ رأيه فيها ، سأسير وحدي ولا أستشير إذن لن أستنير وسأقع في شر مستطير ويتملكني الهوى وأدخل في قول أبي العزائم رضي الله عنه: "والجاهل من الأكوان مناه ، وهو يظن أنه يعبد الله "

وهذا ما يقع فيه كثير من الخلق حيث يعبد الله فعلاً ولكن توجد شعبة بداخله للخلق يريد أن يراه الناس أو يريد حب الظهور أو يريد الرياء أو يريد أن يحمدونه أو يريد السمعة كل هذه الأشياء لا بد أن تخرج من قلوب الصديقين لكي يفتح عليهم رب العالمين عز وجل

كيف تخرج هذه الأمراض؟ لا بد أن يتابع الطبيب الحالة وآخذ الروشتة وأنفذ ثم أعرض نفسي على الطبيب إلى أن أتأكد أني شفيت وما علامة الشفاء؟ أن يكون لي فتح في نفسي ، وفتح في قلبي وأن يجمع الله علىَّ بعض الأحباب الصادقين

ومع ذلك لا تغتر نفسي بهم ولا تؤخذ بهم وإنما يعينوني على تبليغ دعوة الله فإذا لم يجمع عليَّ أحد فأطور نفسي وأنظر فى حالي وأظل مع الله إلى أن يفتح عليَّ الله جلَّ في علاه

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {رسالة الصالحين}

اضغط هنا لقراءة أو تحميل الكتاب مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_resalat_elsaleheen.pdf&id=51)

www.youtube.com

**هذه الأمة أكرمها الله فجعلهم جميعاً أئمة ولا يوجد واحد من هذه الأمة قد خُلِقَ لنفسه أو لأهله المحيطين به في بيته فقط ، لكننا جميعاً من أول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر فرد من هذه الأمة ؛ خلقنا لتبليغ رسالة الله ، وهذا هو التكليف الذي كلَّفه لنا ربنا قبل القبل وأعطانا به وسام الخيرية: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} آل عمران110

لماذا اختارنا على سائر الأمم؟ وما السر في ذلك؟ {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ، لم يقل الله " ستكونوا " ولكن قال {كُنتُمْ } قبل القبل ، أي أن الله خلق فينا هذه الفطرة وأكد لنا هذه الحقيقة ، وأعلن جميع الأمم السابقة أن هذه الطريقة وهذه الهداية هي سبيلنا وهي منهجنا الذي ارتضاه لنا ربنا ؛ فجزم الله الأمر وقال كنتم من الأزل القديم {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}

لا يوجد فينا من خُلق لنفسه ولكن خلقنا للناس ندعوهم إلى الله ونقربهم إلى الله ونبين لهم طريق الله ونأخذهم إلى شرع الله ونعلمهم كتاب الله ونؤدبهم بآداب حبيب الله ومصطفاه وهذه رسالتنا في هذه الحياة ولخَّصها الله في كلمتين ، لماذا أخرجتنا للناس يا رب؟ {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} آل عمران110

تؤمرون كلكم فأنتم جميعاً مكلفون أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر والذي يقول “وأنا مالي” ، أو " ليس لي شأن ، فليست وظيفتي أو عملي " ؛ فهذا ليس له عذر يستطيع أن يعتذر به إلى الله ، لأن التكليف ممن يقول للشيء كن فيكون والتشريف والتعريف والإكرام يكون بسبب الصدق على هذا المنهج: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} الأحزاب23

صدقوا في هذا العهد ووفُّوا به ، فلا يجب أن يتنصل أي واحد فينا ويقول : أنا غير متحدث أو أنا غير متكلم لأن الدعوة إلى الله بالحال فوق الدعوة بالمقال ، وكل إنسان إذا أراد أن يدعوا إلى الله يمنحه الله الوسيلة التي يقرب بها الخلق إلى الله بشرط أن يصدق في طلبه تنفيذ مراد الله

لكننا مع الأسف نريد أن نهرب وإلى أين نهرب؟ ما ضمنه لنا الله ، فنحن مشغولون بالأرزاق التي تكفل بها وضمنها لنا الرزاق {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا} هود6

ليس على يدك أو مالك وليس على مهارتك وصنعتك ولكن على الله رزقها ، هذه الرسالة كلفنا بها الله عندما اختار الحَبيب ، وأنزل بها القرآن في زمانه وعصره وأوانه ولكنه عندما وجد أن الكل لن يقدر أن يقوم بهذه المهـمة ، دعا من يطلب المقامات العالية ومن يريد المنازل الراقية ، كأنه يقول: من يريد أن يكون مع الحبيب المصطفى؟ ومن يريد أن يكون من أهل الصفا والوفا؟ ومن يريد أن يكون في سجلات {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} الفتح29

من يريد أن يكون مع: {فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم} النساء69

من كان يريد أن يكون جليس رسول الله وفي جوار حَبيب الله ومُصطفاه؟ ويدخل في قول الحبيب الأعظم : “” أقربكم مني مجلساً يوم القيامة “” أي يكون فيمن حولي ، ماذا يفعل؟ تكون هذه مهمته ، ورسالته ولذلك ربنا بعد أن كلَّفنا كلنا قال في قرآنه: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} ، وهذه الجماعة ما الذي لها عندك يا رب؟ {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} آل عمران104

فهم الذين خصهم الله بالفلاح والنجاح من هذه الأمة

www.fawzyabuzeid.com

[منقول من كتاب {رسالة الصالحين}

اضغط هنا لقراءة أو تحميل الكتاب مجاناً](http://www.fawzyabuzeid.com/downbook.php?ft=pdf&fn=Book_resalat_elsaleheen.pdf&id=51)

www.youtube.com