ألْخِلافَة فَرْضُ ألْفُروض

?الخلافة التي نريد ? على منهاج النبوة?

كتبه :الأستاذ حسن حمدان (أبو البراء)

لقد من الله تعالى على البشرية بإرسال الأنبياء والرسل بين الحين والآخر لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الباطل إلى الحق، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، وكان آخرهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أرسله الله للناس كافة بشيرا ونذيرا، وأنزل عليه كتابا هو القرآن الكريم بيانا للناس، فيه معالجات لكل شأن من شؤون حياتهم كبيرها وصغيرها حيث قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾. ، نزلت هذه الآية في يوم عرفة، يوم الجمعة في حجة الوداع، فقد بين الله لنا في هذه الآية الكريمة أنه أكمل هذا الدين، فلا يحتاج إلى زيادة، فلم يترك شيئا يحتاج إليه الإنسان إلا وبينه ووضحه له حتى قيل لسلمان الفارسي رضي الله عنه: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ فقال سلمان: «أجل، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول» .

فهذا الإسلام العظيم لم يترك لنا شيئا حتى نكمله من عقولنا، أو من أديان وحضارات أخرى، بل أنزله كاملا شاملا لأمور الحياة كلها، فقد أتم الله النعمة، ورضي الإسلام لنا دينا!بل قال:﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

ومن تمام بيان الإسلام العظيم أنه مبدأ يحتاج إلى دولة تطبقه في داخل الدولة، وتحمله رسالة هداية ونور إلى العالم عن طريق الدعوة والجهاد، كما فعل رسولنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون من بعده، وليس معقولا يا أمة الإسلام أن يبين لنا إسلامنا العظيم كيف ندخل بيوت الخلاء، وكيف نصلي: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وكيف نحج «خذوا عني مناسككم»، وكيف نصوم، وكيف نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر?، ثم لا يبين لنا إسلامنا كيف نقيم الدولة، وكيف ننفذ أحكامه من خلال دولة الخلافة. فمن يقيم الحدود؟ ومن يقتص من القاتل؟ ومن لتارك الصلاة ومانع الزكاة؟ أليس معنى العبادة أن نعبد الله كما شرع؟ أليس العمل لإقامة دولة الخلافة مما شرعه ربنا عز وجل؟ بلى والله!

صحيح أن المسلم يقوم بما افترضه الله عليه، ويجتنب ما نهاه الله عنه بدافع تقوى الله أولاً. ولكن يا أمة خير الأنام محمد عليه الصلاة والسلام، من لم تدفعه تقواه للعمل بما فرض الله، ومن لم تمنعه تقواه عن ترك ما حرم الله، من له غير دولة الخلافة تلزمه بطاعة الله؟ أي بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، وإن لم يمتثل لذلك تطبق عليه الأحكام التي شرعها الله في حقه؟ وكما قيل: ?إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن?. وهذا أثر معروف وثابت عن الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه.

أيها المسلمون: منذ أن قضى الكافر المستعمر على دولتكم دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، والأمة تعيش في غربة عن أحكام دولة الخلافة، وماهيتها، وأجهزتها، وأحكام البيعة لخليفتها، والسلطان الذي جعله الإسلام لها، وأحكام دار الإسلام، وشروط الانعقاد للخليفة، وشروط المكان الذي تعقد فيه الخلافة.

ونتيجة لهذه الغربة عن أحكام دولة الإسلام استطاع الغرب أن يدخل إلى عقول المسلمين مفاهيم الكفر؛ لتكون بديلا عن مفاهيم الإسلام، فأدخل ما يسمى بالدولة المدنية العلمانية، والديمقراطية، والحريات العامة، والسيادة للأمة. وغيرها من المفاهيم التي لا تمت للإسلام بأدنى صلة.

لذا أخذنا على عاتقنا أن نقوم بحملة عنوانها: ?الخلافة التي نريد? على منهاج النبوة?. خاصة بعد أن أصبحت الخلافة مطلبا عاما عند أمة الإسلام تتلمس طريقها إلى العودة إلى ما كانت عليه من خلافة راشدة على منهاج النبوة، وبعد أن رأى الكافر المستعمر قوة الرأي العام لها، حيث حذر ساسة الغرب ومفكروه من عودة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وقد بين له مفكروه أن دولة الخلافة آن أوانها، وأن جيوش العالم أجمع لن تمنع فكرة آن أوانها! لذا شرع الغرب بمحاولات تشويهها فكرا، وممارسة، من خلال عرض نماذج ومسلسلات فيها تزوير للحقائق التاريخية. وقد جمع الغرب كامل عدته وكل قواه؛ للصد عن سبيل الله بالوقوف سدا منيعا أمام قيام دولة الخلافة، ذلك المشروع الحضاري العظيم الذي يهدد مصالحهم في بلاد المسلمين! ولكن أنى لهم ذلك وأمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها تعد أبناءها منذ عقود طويلة؛ ليكونوا لهم بالمرصاد؟ والله تعالى معهم وناصرهم، وقد بشرهم في محكم التنزيل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

ونحن بمشيئة الله في حملتنا هذه سوف نقوم ببيان معنى الخلافة، وماهيتها، وأدلتها، وأجهزتها، وأحكام البيعة، والسلطان، وأحكام دار الإسلام، وكيفية تطبيق الإسلام، وكيفية معاملة غير المسلمين، وكيف نحمله إلى الخارج، وسيكون بحثنا من خلال الأدلة الشرعية المعتبرة، من كتاب الله وسنة رسوله، وما أرشدا إليه، آملين منكم مشاركتنا والعمل معنا في هذه الحملة المباركة استجابة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

حسن حمدان (أبو البراء)


-المائدة: 3

-رواه الترمذي

-آل عمران: 85

-الأنفال: 36-37

-الأنفال: 24

**رسالة ودعوة إلى خير أمة:

الخلافة الراشدة الثانية قائمة قريباً بإذن الله تعالى**

أ.ناصر - غزة - البرج

إنه بعد تسعين عاماً من حكم الطواغيت لأمة الإسلام، نرى أن شرع الله معطل في جميع مناحي الحياة في المجتمع وفي السياسة والاقتصاد والتعليم وفي كل شيء، ويحكمنا من خلالها حكام رضوا الذلة والمهانة والتبعية لأميركا وبريطانيا… ونرى أن هذه الأمة أبت إلا أن تستفيق من غفوتها وبدأت تحاول التخلص من واقعها الأليم الذي تعيشه؛ لأن هذا الواقع مخالف لفطرتها كأمة عزيزة، ولأنها تأكدت أن حكامها باعوها إلى الغرب الكافر، فبدأت تثور على هذا الواقع وتطالب بإسقاط الأنظمة الحاكمة ومحاكمة رؤسائها، وقد تمكنت في بعض هذه الدول من إزالة الرئيس من منصبه.

بيد أننا نلاحظ أنه مع هذه الأحداث التي تلف بلاد المسلمين وتعصف بأنظمتهم، يتم الاقتراب أكثر فأكثر من قيام دولة الخلافة الإسلامية الثانية بإذن الله وبزوغ نور الإسلام من جديد في واقع حياة المسلمين، بل العالم أجمع. ومع وضوح التفاف المسلمين حول هذه الفكرة شيئاً فشيئاً، يحاول قلة قليلة من المضبوعين بالثقافة الغربية وبمساعدة الكفار المستعمرين وحكام العرب والمسلمين طمس هذه الفكرة وبيانها تارة بأنها خيال، وتارة أخرى بتخويف المسلمين من قيامها بأن الغرب الكافر سوف لا يسمح بوجود هذه الدولة، وأنه سوف يقضي عليها حين قيامها مباشرة، ومحاولته إشراك بعض (الحركات الإسلامية) في المعترك السياسي محاولة منه لصرف المسلمين عن المعنى الحقيقي للخلافة بإيهام الأمة أن الإسلام قد وجد وطبق بإيجاد أشخاص مسلمين أو حركات إسلامية في الحكم مثلما حصل في تركيا وغيرها من بلاد المسلمين.

إن القول بأن الغرب سوف لا يسمح بوجود هذه الدولة، وأنه سوف يقضي عليها حال قيامها، هذا التخويف يأتي من المثقفين بالثقافة الغربية (العلمانيين) ومن المتأثرين بالثقافة الغربية من الإسلاميين (المعتدلين). ولكن هذا الترويج لهذه الفكرة سوف يلقى طريقه إلى الفشل؛ إذ إن أساس حياة المسلمين يقوم على عقيدتهم وتقوم أهدافهم الكبرى في الحياة على الخطوط العريضة التي رسمها لهم الإيمان بالله والسير في هذه الحياة بحسبه لتحقيق الغاية الأسمى التي خلقوا لها؛ ألا وهي عبادة الله، وتعبيد الناس لله تعالى، ونشدان الجنة بطاعته وطلب رضوانه، واجتناب غضبه بالبعد عن معصيته… إن المسلمين بدؤوا اليوم يعون على دينهم ويعودون إلى الثقة بأحكامه، في الوقت الذي يبدو فيه الغرب فارغاً في عقيدته وفاشلاً في أحكامه. ولعل أبرز رد سيجد قبولاً لدى المسلمين ويعتبر مرتكزاً لسائر الردود يتمثل بـ:

1- وعد الله سبحانه وتعالى: إن الله عز وجل عندما أمر المسلمين بإقامة الخلافة ووعدهم بإعانتهم بالاستخلاف والتمكين فهذا يعني أن العمل لإقامتها حكم شرعي تكليفي ضمن الاستطاعة. ويعني أنها إذا قامت تكون قد قامت بعون الله للمسلمين على إقامتها، ويعني أنه سبحانه سيحميها جزاء قيامهم بهذا الفرض وتوفيرهم للشروط الشرعية المتعلقة بالإيمان والتقيد بالأحكام الشرعية المتعلقة بهم بالتغيير. وقيامهم بكل ذلك على أساس التوكل على الله وحده واستمداد العون منه وحده، يحقق فيهم وعد الله المتمثل بقوله تعالى: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) فلا مجال للقول مع هذه الآية إن الغرب الكافر لن يسمح بقيام الخلافة وإنه سيهدمها حين قيامها؛ وذلك لأن وعد الله سبحانه وتعالى هو أصدق من كل تهويشات الغرب وتهويلاته.

2- بشرى الرسول صلى الله عليه وسلم : فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما يبشر بخبر قطعي صادق؛ فلا بد أن يحدث بإذن الله تعالى. وبشرى الرسول صلى الله عليه وسلم بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في حديثه الذي رواه أحمد: "تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ " قد تحققت فيه مراحل عمر الدولة الإسلامية كلها مما جعل الحديث الظني بروايته يصبح قطعياً، وينتظر إقامة الخلافة الراشدة تحديداً بعد الحكم الجبري الذي يعيشه المسلمون اليوم. والذي يؤكد هذا الحديث من حيث الواقع أن الأمة بمجموعها تتطلع إلى عودة الإسلام وتتشوق إلى العيش في رحابه، وفيها من أبنائها من يدعو لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة وهم مهيئون أنفسهم لهذا الفرض على أفضل مستطاع إن شاء الله تعالى. والذي يؤكد ذلك أيضاً من حيث الواقع أن الغرب نفسه، الذي يحاول أن يزرع فكرة (الدولة المدنية) ويسوّق (للديمقراطية) قد حذر من إقامة دولة الخلافة التي سماها **(الخلافة الإسلامية)**وسماها **(الإمبراطورية الإسلامية)**في كثير من تصريحات المسؤولين السياسيين والمفكرين الباحثين فيه. وهذه الدولة ستكون في مراحل تاريخ الدولة الإسلامية هي الخلافة الراشدة الثانية، وستكون على غرار الخلافة الراشدة الأولى زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وستكون الدولة الأولى في العالم، وسيعم خير دعوتها العالم أجمع إن شاء الله تعالى … لذلك يمكن أن نقول بكل اطمئنان إن بشرى الرسول صلى الله عليه وسلم هي أصدق من كل تمويهات الغرب.

>>>>>>>>> 2

والإسلام لا يقرر العقوبات جزافاً وإنما يراعي الظروف والملابسات كلها التي آدت إلى الجريمة، وينظر إلى الجريمة في آن واحد بعين الفرد الذي ارتكبها(ظروفه الخاصة) ، وعين المجتمع الذي وقعت عليه ، ثم يقرر الجزاء الرباني العادل

يقرر الإسلام عقوبات رادعة قد تبدو قاسية فظة لمن يأخذها أخذاً سطحياً بلا تمعن ولا تفكير ، ولكنه لا يطبقها أبداً حتى يضمن أولاً أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مبرر ولا شبهة اضطرار .

فهو يقرر قطع يد السارق ، ولكنه لا يقطعها أبداً وهناك شبهة بأن السرقة نشأت من الجوع لان حفظ النفس مقدم على حفظ المال في الإسلام .

وهو يقرر رجم الزاني والزانية ، ولكنه لا يرجمهما إلا أن يكونا محصنين ، وإلا أن يشهد عليهما أربعة شهود بالرؤية القاطعة . أي حين يتبجحان بالفاحشة حتى ليراهما كل هؤلاء الشهود ، وهما متزوجان وهكذا وهكذا في جميع العقوبات التي قررها الإسلام .

ونحن نأخذ هذا من مبدأ صريح قرره عمر بن الخطاب ، وهو من أبرز الفقهاء في الإسلام ، وهو فوق ذلك رجل شديد الالتزام في تنفيذ الشريعة ، فلا يمكن اتهامه بالتهاون في التطبيق .

فهو لم ينفذ حد السرقة في عام الرمادة ، عام الجوع والقحط ، حيث كانت الشبهة قائمة في اضطرار الناس للسرقة بسبب الجوع .

فهنا مبدأ صريح لا يحتمل التأويل ، هو أن قيام ظروف تدفع إلى الجريمة يدرأ تطبيق الحدود ، عملاً بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : " ادرأوا الحدود بالشبهات " وما فعله عمر هو تطبيق للاسلام وليس تعطيل للحدود كما يفهم البعض .

ومن سبل الوقاية من الجريمة التي تقوم بها دولة الإسلام مثلاً العمل على توزيع الثروة توزيعاً عادلاً (كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم )ومحاربة الفقر ، وقد وصل العدل في التوزيع في عهد عمر بن عبد العزيز إلى إزالة الفقر من المجتمع . ويعتبر الدولة مسئولة عن كفالة كل فرد فيها(المطعم والمشرب والملبس والمسكن والتعليم والعلاج والأمن) بصرف النظر عن دينه وجنسه ولغته ولونه ومكانه في الحياة الاجتماعية . والدولة تكفل أفرادها بإيجاد العمل الكريم لهم . أو من بيت المال إذا لم يوجد عمل ، أو عجز عنه فرد من الأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة. وبذلك تمنع دولة الإسلام الدوافع المعقولة للسرقة . ومع ذلك يحقق في كل جريمة تقع ، ليتأكد قبل توقيع العقوبة أن مرتكبها لم يرتكبها بدافع الاضطرار .

والإسلام أيضا يعترف بقوة الدافع الجنسي وشدة إلحاحه على البشر . ولكنه يعمل على إشباع هذا الدافع بالطريق المشروع : طريق الزواج ، فيدعو إلى الزواج المبكر ويأمر بتخفيف المهور، ويعين على إتمامه من بيت المال إذا حالت الظروف الخاصة دون إتمامه ويبيح الزواج بأكثر من واحدة . ويحرص كذلك على تنظيف المجتمع من كل وسائل الإغراء التي تثير الشهوة ففي كتاب نظام العقوبات لحزب التحريرهناك عقوبة السجن ستة شهور على من روج أي مادة إباحية أو تاجر بها وتمنع الدولة كذلك التعري في الأماكن العامة للمحافظة على العفاف والفضيلة كما تحرص الدولة على وضع الأهداف العليا التي تستنفد الطاقة الحيوية الفائضة عند الشباب وتوجهها في سبيل خدمة الاسلام ، وعلى شغل أوقات الفراغ في التقرب إلى الله وفي استخدامهم لنشر دين الله في الأرض عن طريق الجهاد، وبذلك كله تمنع الدوافع التي تبرر الجريمة . ومع ذلك فهو لا يبادر بتوقيع العقوبة حتى يكون مرتكبها قد تبجح بها استهتاراً بحدود الله وإحكامه في المجتمع وإمعاناً في الهبوط الحيواني حتى ليراه أربعة شهود .

وذلك صحيح فلإسلام نظام كلي ومتكامل لا يعرف على حقيقته إلا بتطبيقه كلا متكاملا لا يتجزأ فهو ليس نظام عقوبات فحسب ولا يجوز تطبيق جزء من الإسلام وإهمال جزء آخر لان ذلك يوقع الظلم على الرعية ولا ريب

فلا يجوز مثلا إقامة الحدود على إفراد مجتمع لا يستظلون بنظام حكم إسلامي كامل يوفر لهم حياة إسلامية حقيقية ليس فيها مبررات الجريمة والانحراف فالإسلام يجب أن يطبق دفعة واحدة كلا كاملا لا يتجزأ وليس إقامة الحدود فقط وإلا فهو غير مسؤول عن انحرافات الأفراد التي كانت تعيش في ظل نظام غير إسلامي . أما حين يحكم الإسلام فلن تكون هذه المثيرات الجنونية التي تدفع الشباب دفعاً إلى الهبوط مسموحة. لن تكون السينما العارية والصحافة الخليعة والأغاني المبتذلة والفتنة الهائجة والتعري في الأماكن العامة . ولن يكون الفقر الذي يمنع الناس من الزواج ويدفعهم نحو الفاحشة. وعندئذ فقط يطالب الناس بالفضيلة والعفاف وهم قادرون عليها وتوقع عليهم العقوبة وهم غير معذورين بارتكابها.

وهكذا شان الإسلام في بقية العقوبات . يعمل على وقاية المجتمع أولاً من دوافع الجريمة ، ثم يدرأ الحدود بالشبهات زيادة في الاحتياط . فأي نظام في الدنيا كلها يبلغ هذه العدالة ؟وهذا هو المقصود لدى المطالبين والساعين لإقامة دولة الإسلام ولا يقصدون تطبيق الحدود جزافا بمجرد قيام دولة الإسلام

ولكن الواقع أن هذه العقوبات الرادعة لا تكاد تنفذ إلا نادرا وبعد شروط صعبة الاجتماع.

ويكفي أن نعلم أن حد السرقة لم ينفذ إلا عدة مرات في تاريخ دولة الإسلام لنعرف أنها عقوبات قصد بها التخويف الذي يمنع وقوع السرقة ابتداء . كما أن معرفتنا بطريقة الإسلام في وقاية المجتمع من أسباب الجريمة قبل توقيع العقوبة تجعلنا في اطمئنان تام إلى العدالة في الحالات النادرة التي توقع فيها هذه الحدود .

نسأل الله عز وجل أن يعجل لنا بالدولة التي تعمل إستئناف الحياة الإسلامية

والسلام عليكم

سامي ألأدهمي

وقال وهبي الزحيلي:“إنَّ وجوب إقامة الدولة الإسلامية هو حكم قطعي في الإسلام وعنصر جوهري في عقيد وعنق كل مسلم فعليه أن يبذل قصارى جهده وتقديم كافة تضحياته الفكرية والعلمية والمادية والمعنوية من أجل إيجاد هذه الدولة”.

وقال أبو حامد الغزالي:“الإسلام والسلطان أخوان توأمان لا يصلح أحدهما دون صاحبه فالإسلام أس والسلطان حارث, فما لا أس له ينهدم وما لا حارث له يضيع”.

وبذلك نستطيع أن نقرِّر أن أهم وأوجب فرض من الفروض الكفائِية هو العمل لإقامة الدولة الإسلامية والذي بقيامهِ يقام الإسلام ويطبق القرآن وتقام كل الفروض المتعلقة به كالأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر وإقامة الحدود وإحياء الجهاد بكل أحكامه والحكم بما أنزل الله وحمل الإسلام رسالة للعالم أجمع…

وهكذا نكون خير أمة أخرجت للناس وخير أمة بين الأمم وتكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولا يكون للكفار سبيلٌ علينا. وهذا العمل يقوم به قِسمٌ من المسلمين ولكن الكفاية غير حاصلة بهذا القِسم لأن الدولة غير قائِمة حتَّى الآن وبذلك يصبح هذا الفرض الكفائي شبيهاً بفرض العين كما تقدم آنفاً أي أنَّ كل مسلم الآن مطالباً أن يعمل قدرإستطاعته لإقامة الدولة الإسلامية…

**أختم بالقول:**أن الخلافة آتية وهذا وعدٌ ليس من بشر لكي يحتمل الصواب ويحتمل الخطأ ولكنّه وعدٌ من الذي لا يخلف الميعاد من بديع السماوات والأرض من رب العرش العظيم من رب العالمين الله سبحانه وتعالى {وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُواالصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِنَهُمُ الَّذِي ارْتَضىَ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ }.

ولكن وعد الله من ؟! هل وعد القاعدون عن العمل ..؟! كلا بل وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات .

فيا عباد الله …

إعملوا لكي يرى الله عملكم {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُوْلُهُ وَالمُؤْمِنُوْنَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وانصروا الله لكي ينصركم { وَلَيَنْصُرَنَّ الله مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيْزٌ } وكونوا كالذين أنفقوا قبل الفتح {لايَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أعظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ الله الحُسْنَى وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وكونوا كأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حينما بشرهم بفتح القسطنطينية " لتُفْتحُنَّ (القسطنطينية),فلنعم الأمير أميرُها,ولنعم الجيش ذلك الجيش" فأصبحوا يكرِّرون المحاولات لفتح هذه المدينة من أجل نيل هذا الشرف العظيم,شرف تحقيق نبوءة النبي صلىّ الله عليه وسلَّم,ولا

تكونوا كقوم موسى عليه السلام حينما وعدهم الله بأنهم داخلوا بيت المقدس وبشرهم بالنصرة وبأنهم غالبوا الجبارين الذين كانوا قد تملكوها{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّواعَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ,قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّفِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَأِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونْ,قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ لفَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ, قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} فنكلوا وتكاسلوا وقعدوا عن العمل وامتنعوا عن الجهاد فعاقبهم الله بالتيه أربعين سنة إلى أن ماتوا ونشأ أولادهم فقاتلوا الجبارين وغلبوهم واستحقوا الشرف العظيم شرف تحقيق وعد الله سبحانه وتعالى…

ونسأل الله أن يعجل للمسلمين نصره فتعود دولة الخلافة على منهاج النبوة

آمين,آمين,آمين


-المائدة 9

  • التوبه 105

  • المائدة 21 - 24

تحدي النظام العالمي
سيشهد 1400 عاماً من تاريخ الخلافة في غضون الفكر العلمي والعسكري والاقتصادي والسياسي على قيام انقلاب قريب في البنية الدولية التي تسيطر عليها كل من الولايات المتحدة وأوروبا. وتماماً كما تعود الحضارة الغربية دائماً إلى مصادر إلهامها الكلاسيكية القادمة من اليونان وروما، كذلك فإن الحركة الإسلامية قد قررت العودة من ماضيها إلى مستقبلها.
لقد شكل إنجاز الحركة الإسلامية بعث الحياة في مصادر الإسلام الكلاسيكية وتحويلها إلى نموذج حديث يتحدى الأيديولوجية الغربية، وقد شكل هذا نواة مقاومتها ضد الشيوعية بكونها نظاماً سياسياً. ويقاوم نفس هذا النموذج اليوم النظام الرأسمالي العلماني العالمي.
ومن أجل تطبيق هذا النموذج، قامت الحركة الإسلامية بتفصيل النماذج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية البديلة. وقد اشتقت القوانين الشاملة من القرآن والمصادر الكلاسيكية، وصولاً إلى المعاملات الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية وقانون العقوبات والتشريع والحكم والسياسة الخارجية، مما زاد من ثقة الجماهير الإسلامية على أن الإسلام والخلافة قادران على تقديم الحلول للمشاكل المعاصرة.
ومما يثبت أن قوى الغرب لن تواجه سوى مشاكل صغيرة مع البنية الاجتماعية ونظام الحكم في الخلافة هو سياستهم الخارجية التي يستخدمونها تجاه الأنظمة الديكتاتورية المتتالية في هذه الأيام. بل إن التحدي الحقيقي الذي سيواجه المصالح الغربية والرأسمالية العالمية يكمن في مبادئ وسياسات الاقتصاد والجيش والعلاقات الخارجية.
إن تعريف الحركة الإسلامية للمشكلة الأساسية التي تواجه الاقتصاد هي مشكلة في التوزيع وليست مشكلة في الإنتاج كما في الفكر الغربي. وكذلك في نظام الخلافة، سيصبح الفصل بين الدولة والملكية العامة والخاصة بديلاً لنظام الخصخصة في النموذج الاقتصادي. وفكرة رفض أن يكون السوق هو الموزع الوحيد للثروة والبضائع الأساسية سيشكل ضربةً قويةً في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وأميركا الوسطى والجنوبية، حيث لن يتمكن الاقتصاد الحر والرأسمالية الدولية في تلك المناطق من التغلب على الفقر بالرغم من الوعود بقيام العولمة والتجارة متعددة الأطراف.
وسيتم التعامل مع الثروة المعدنية، والتي تشمل النفط والغاز وفقاً لمبادئ الاقتصاد الإسلامي، حيث تعتبر هذه الثروة من حق كل مواطن، وتتولى الدولة مهمة حفظ حق التصرف بها. وإذاً فإن هذا القانون يتطلب إزالة مصالح النفط الغربية في العالم الإسلامي، علماً أن حصول الغرب الآن على هذه الثروات بثمن زهيد في العالم الإسلامي وبدعم من الحكومات المحلية يجعل من إعادة الخلافة أمراً ذا أهمية بالغة.
ستقوم الخلافة بدورها (كما فعلت في السابق)، مدعومةً بثروة النفط والثقة السياسية، بنشر التنظيم المالي والاستقرار في البيئة الاقتصادية المحلية والدولية. وربما يصبح سلاح النفط الأساس من أجل تحصيل الذهب الكافي لدعم النقد (المال). إن هذا الاستقرار المتوقع في الاقتصاد سيشكل عاملاً أساسياً من أجل إعادة سيطرة الذهب في السوق المالي والتخلي عن الدولار، وذلك بانهيار ثقة قوة سياسية كانت تعتبر العليا.
إن رفض الحركات الإسلامية لفكرة وجود قانون دولي على صرح عقائدي ومبني على فكر هوبس سيشكل تهديداً متزايداً لوجود الأمم المتحدة. فالخلافة ستقاوم فكرة وجود القانون الدولي والأمم المتحدة كمسيّرة لشؤون الغرب العلماني، على عكس الاتحاد السوفياتي، وهذا الرفض موجود منذ وقت طويل في العالم الإسلامي والنامي. وكبديل لهذا الأمر، ستلجأ الخلافة كما فعلت في السابق إلى تسيير العلاقات الدولية عن طريق الأبحاث والعادات وقوة الرأي العام الدولي.
من المتوقع أن تكون الهيمنة العسكرية للخلافة سريعة، كما أنها ستقوم بإزالة جميع القواعد العسكرية الغربية في العالم الإسلامي، وبالتالي لن يعود هنالك للغرب أي حق في استخدام الطرق المائية الاستراتيجية والفضاء الجوي والطرق البرية والتعبئة العسكرية، إضافةً إلى أن توفر الخيار النووي سيجعل هذا الأمر مستحيلاً.
لن تواجه الخلافة نقصاً في توفر العقول النابغة، وسيكون لها يد في السوق الدولي من العلماء المفتوح أيضاً لواشنطن وأوروبا. إضافةً إلى ذلك، سيتم بالتأكيد استغلال العقول المسلمة الذكية التي تعمل بشغف في أوروبا والاتحاد السوفياتي العسكري الصناعي السابق وذلك عن طريق ترحيلها من الغرب إلى بلدانها (الإسلامية).
وكما سبق في التاريخ، لابد أن يسيطر السعي للقيادة العسكرية؛ وذلك من أجل تعزيز مسيرة الخلافة تجاه القيادة الأيديولوجية العالمية. ولكن، إن القيادة العسكرية لم تمنع الفساد الأيديولوجي خلال فترة الخلافة العثمانية، حيث كان السبب سياسي تماماً كما حدث في انهيار الاتحاد السوفياتي. ويبدو أن الحركة الإسلامية قد تعلمت درساً من التاريخ، وذلك من خلال إبدائها مهارات سياسية حاذقة في قدرتها بالاحتفاظ بقوتها في العالم الإسلامي. ومن دون شك ستخدم هذه الحنكة السياسية كقوة رائعة تطبقها الخلافة خلال سعيها لإقامة ثورة في النظام العالمي.
>>>>>>>>>4

جذور إحياء الحركة الإسلامية

إن الفراغ الأيديولوجي الذي وجد بعد فشل التجربة الشيوعية في روسيا حوّل تركيز النقاش الدولي إلى الإسلام وما إذا كان بإمكانه أن يملأ هذا الفراغ ويصبح تحدياً أمام النظام العلماني الليبرالي العالمي المنتصر بقيادة الولايات المتحدة بأوروبا. وبعد الانهزام الأيديولوجي وغير المتوقع للشيوعية، اعتبر الأكاديميون الذين ترعرعوا في بيئة من التقاليد الغربية العلمانية الليبرالية أن إحياء الحركة الإسلامية هي عبارة عن رد فعل لسمو الأيديولوجية الغربية ولغز استراتيجي، ولكن ليس بمقدورها أن تقف كتحدٍّ أمام النظام الغربي العالمي. لقد سيطر هذا التفكير على الأدب الغربي وأدى إلى خطأ فادح في فهم وتفسير أساس إحياء الإسلام وتحديه للنظام العالمي.

لقد ارتكب الأكاديميون وصناع السياسة الغربيين خطأً كبيراً عندما حللوا مصدر إحياء الإسلام والظروف التي حفزته على أنه أمر واحد، فلم يتم فصل ينبوع الأفكار عن البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عززت نموها. أما بناء الحركة الإسلامية، التي تهدف إلى إعادة إحياء الإسلام بأكمله عن طريق قيام الخلافة، فتعود جذوره إلى مصدر إلهامه ألا وهو القرآن الكريم.

يعتبر القرآن في العالم الإسلامي المشروع المثالي للأفكار، ويعود الفضل له في وضع نهاية للتاريخ قبل 1200 عاماً قبل أن يضع فرانسس فوكوياما “العلامة القياسية” من خلال الثورة الفرنسية. إن الإيمان بكمال القرآن وبالتالي بقوانين الله النابعة منه يزرع جذور الغضب الإسلامي، ويجعل من قيام تضارب الحضارات بين الإسلام والليبرالية العلمانية أمراً لا مفر منه.

وفيما يتعلق بفشل الإسلام السياسي المذكور، فإن النقاش الأكاديمي الغربي يلحق العولمة الغربية لدرجة أنه يكوِّن فرضية عن الإسلام بصورته الخاصة المنتزعة من القرآن ومن إرث الفقه الإسلامي وكذلك قوة الحركة الإسلامية، إن الإيمان بأن القرآن عالمي، وأن هنالك توافق بين المادة والروح، يجعلان من عملية حرف الإسلام أمراً غير ممكن.

وهنالك نقاش حاد من قبل الحركة الإسلامية مبني على آيات القرآن، حول القاعدة التي يقوم عليها الغرب العلماني «أعط ما لله لله، وما لقيصر لقيصر»، وتضيف أنه لا يوجد مرادفات للمفاهيم الغربية التشريعية في الحوار الإسلامي الكلاسيكي أو المعاصر.

وفي الواقع، إن القول بأن الإسلام السياسي قد فشل لأنه لم يتمكن من التأقلم مع الحداثة الغربية ومع البنية السياسية الغربية، لا يعتبر محاكمةً لفشل الإسلام السياسي، بل إنه برهان آخر على أن الإسلام وهندسة السياسة الغربية لا يتلاءمان من الأصل. ومن ناحية أخرى فإن قيام الحركات الإسلامية بتقديم بنية الخلافة، كبديل سياسي ونظامي للأنموذج الغربي العلماني الحالي، يمثل نجاحاً للإسلام السياسي.

بلا شك إن الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في العالم الإسلامي قد دعم قضية الحركات الإسلامية. ولكن على عكس افتراضات الغرب، فإن الحل لا يكمن في الليبرالية العلمانية أو الرأسمالية بل في الإسلام. ولا بد من التوصل لمثل هذه النتيجة نظراً لما تحمله العالم الإسلامي خلال عقود من التدخل الغربي، سواء عن طريق الاستعمار، أم صراع القوى الكبرى، أم الصداقات القاسية مع الديكتاتوريات غير الإسلامية باسم الاستقرار ومصالح الأمن فيما يتعلق بالنفط. والاستعمار الغربي، والذل، والتدخل، يؤكد للجماهير الإسلامية أن الغرب هو سبب معاناتهم، وليس الإسلام؛ ولهذا فقد شرعت الجماهير الإسلامية بالبحث عن بديل في الإسلام على أمل أن يعيد لهم كرامتهم وقوتهم، ويوفر لهم الحماية والاستقرار من خلال نظام مكرس للفرد والدولة والمجتمع. وإذاً إنه لأمر طبيعي أن يربطوا آمالهم هذه بالقرآن والإرث الإسلامي وبالخلافة. وإن محاولات الغرب إبطال عملية الإحياء هذه وقيام الخلافة عن طريق التدخل العسكري والسياسي والثقافي والاقتصادي سيشعل نار المسلمين أكثر فأكثر.

البعث (الإحياء)

إن النداء إلى قيام الخلافة على يد الحركة الإسلامية يتجاوز الحدود الاستعمارية الزائفة التي رسمها الغرب بعد زوال الخلافة العثمانية. فاليوم يواجه كل نظام في العالم الإسلامي خطراً يهدد وجوده بسبب قيام الحركة الإسلامية التي تتعدى الوطنية. علماً بأن رفض الوطنية باعتبارها هدامة مفرقة، مدعوم بمراجع من القرآن والشريعة والتاريخ مما يعزز المطالبة بإلغاء الدول القائمة على الوطنية في العالم الإسلامي، وإقامة خلافة واحدة بدلاً منها. كما ونتج عن الانهيار السوفياتي توسع سريع للحركة حيث ملأت الفراغ في القوقاز وآسيا الوسطى مكملةً المساحة التي شملها الإحياء الإسلامي.

إن الإيمان بأن الإسلام هو مصدر شامل للتشريع موجه للفرد والدولة والمجتمع، إضافةً إلى الحركة العالمية في الهجرة والأفكار والمعلومات، قد مكن العالم الإسلامي من تخطي شعورهم بالانحطاط الفكري والتكنولوجي والسياسي أمام الحضارة الغربية. يتوفر في العالم الإسلامي ثروة معدنية واستراتيجية وفكرية ومصادر إنسانية مما يتضمن وجود ثقة فكرية حول القدرة على إقامة خلافة تتحدى وتتفوق على السمو الغربي العسكري والتكنولوجي. وبالتالي ليس من المفاجئ أن يعمل أعضاء في الحركة الإسلامية ذوو ثقافة وتعليم عالٍ من بوتقة الحضارة الغربية في واشنطن وباريس وروما على قيادة الترويج العالمي للخلافة بنجاح.

لقد أدت عدة عوامل، بدايةً بقيام إسرائيل وحتى غزو العراق، إلى تغيير جذري في الجو والبنية السياسية في العالم الإسلامي. إن البلوغ السياسي في العالم الإسلامي لم يعد عاجزاً كما كان في المرحلة الأخيرة من الخلافة العثمانية، وذلك بفضل تثقيف الحركة الإسلامية للجماهير الإسلامية وأيضاً بمساعدة السياسة الغربية، ومؤخراً تلاقي المشاريع التي طورتها القوى الغربية بمشاركة الأنظمة المحلية، لصرف نظر الشعوب عن الحركة الإسلامية وسحقها خلال الثمانين عاماً الأخيرة، تمثل تهديداً متزايداً نظراً لانتشار الوعي السياسي. وقد لاقت الحرب على الإرهاب وغزو العراق تحليلاً في العالم الإسلامي مفاده أن هذه حرب على الإسلام، وسياسة متبعة لإبطال قيام الخلافة. ومن هنا لم تعد الحركة الإسلامية تفرق بين السياسة الغربية والحكومات المحلية. ومع مزيد من التثقيف السياسي، فإن الاتجاه نحو تغيير النظام يصبح واقعياً أكثر بنظر الحركة الإسلامية عنه بنظر القوى الغربية.

>>>>>>>>>3

** الخـلافة: تحدي الإسلام للنظام العالمي**

بقلم : نعمان حنيف

نشر موقع الشاشة الإعلامية العالمية (Media monitors) في 31/1/2006 هذا المقال لمؤلفه نعمان حنيف. وفيه قراءة متأنية، ونظرة ثابتة، ورؤيا مستقبلية، لما سيؤول إليه الصراع بين الغرب والإسلام، والذي سيصل بنظره إلى نتيجة واحدة، وهو أنه «ليس لدى الغرب أي خيار سوى قبول حتمية الخلافة». وأحبت الوعي نشره على صفحاتها لما يحمل نشره من خير للأمة، ولجعلها تدرك إلى أي حال تبشر بالخير وصلت إليه.

يسود اعتقاد ديني لدى الحركة الإسلامية المتطرفة بمشروعية دولة الخلافة على أنها قلعة لاستعادة القوة الإسلامية، ووسيلة تتحدى بها تفرد الحضارة الغربية، وينذر بقدوم عاصفة في العالم الإسلامي وما وراءه، وقد تختلف الحركة الإسلامية بناءً على مصادرها من القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي حول منهجيتها لإحياء الخلافة بالعمل الجهادي أو الإصلاحي أو السياسي، إلا أنها تجمع بكل أطيافها على هدف إعادة الخلافة.

وكان رد الفعل الغربي على الحركة الإسلامية هو ربط الخلافة بالجهاد العالمي، وبتوسيع رقعة الحرب على الإرهاب، وأدى تطور لغة خطاب العواصم الغربية من “الإرهاب العام” إلى “الإرهاب الإسلامي” ومن ثم إلى “أيديولوجية الشر” وأخيراً ضد “الخلافة” إلى الإقرار بما كانت الحركة الإسلامية تتبناه منذ فترة طويلة بأن الحرب على الإرهاب هي بالأساس حرب على الإسلام.

وكدليل آخر، فقد أفادت الحركة الإسلامية باستدلالها على موقفها من سلسلة من التصريحات الاستثنائية حول الخلافة من قبل القادة السياسيين في واشنطن وأوروبا. ففي خطاب له في مؤسسة هيرتيج في 6/10/2005م قال وزير الداخلية البريطاني تشارلز كلارك: «… لايمكن أن تكون هناك مفاوضات حول إعادة دولة الخلافة، ولا مجال للنقاش حول تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية» أما الرئيس بوش فقد صرح في خطاب له للأمة في 8/10/2005م قائلاً: «يعتقد المقاومون المسلحون أنهم باستيلائهم على بلد واحد سيقودون الشعوب الإسلامية، ويمكنونهم من الإطاحة بكافة الحكومات المعتدلة في المنطقة، ومن ثم إقامة إمبراطورية إسلامية متطرفة تمتد من إسبانيا إلى إندونيسيا». وفي 5/12/2005م قال وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد في تعليق له حول مستقبل العراق في جامعة جون هوبكنـز: «ستكون العراق بمثابة القاعدة للخلافة الإسلامية الجديدة التي ستمتد لتشمل الشرق الأوسط وتهدد الحكومات الشرعية في أوروبا وأفريقيا وآسيا، وهذا هو مخططهم، لقد صرحوا (الحركة الإسلامية المتطرفة) بذلك، وسنقترف خطأً مروعاً إذا فشلنا في أن نستمع ونتعلم».

والخلافة حسب تعريف الحركة السنية الإسلامية هي رئاسة عامة لكل المسلمين تهدف إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وحمل الرسالة الإسلامية إلى كل العالم، وهي وريثة الخلافة الإسلامية التي امتدت في يوم من الأيام من إندونيسيا إلى إسبانيا ولمدة ألف وأربعمائة عام، وهي ليست بالملكية، ولا بالديمقراطية، ولا بالديكتاتورية، ولا بالحكومة الدينية (الكهنوتية)، بل هي عقد قيادة بين الخليفة المنتخب والأمة من أجل تطبيق الأحكام الإسلامية في السياسة الداخلية والخارجية.

إن الاختلاف بين الطائفة (المدرسة) السنية والشيعية هو أن طائفة السنة تقبل بإعادة الحكم الإسلامي على يد أي مسلم يتصف ببعض المواصفات المعينة، بينما الشيعة تشترط على أن يكون الشخص الذي لديه السلطة لتطبيق الحكم الإسلامي منحدراً من عائلة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). وبما أن سلالة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد توقفت بعد اختفاء أو اختباء الإمام الثاني عشر عام 941م، هذا يعني أنه من المستحيل الشروع من جديد بتطبيق الحكم الإسلامي إلا بظهور هذا الإمام من جديد. ولهذا السبب، إن الثورة الإيرانية لم تعلن أبداً أو لم تُقبل كخلافة من قبل أغلبية السنة والشيعة في العالم الإسلامي.

وفي هذا المقال، سأتطرق إلى موقف الغرب في تجنب خوض مواجهة مفتوحة مع الإسلام ومقاومتهم للحركة الشعبية المندفعة تجاه إحياء الخلافة، وسأبرهن كيف أصبح من الصعب عليهم أن يحتفظوا بمثل هذا الموقف. إن الحركة الإسلامية تنتصر في كل معركة تخوضها في حرب الأفكار بفضل سلاحها وهو القرآن. إلا أن مؤازرة الإسلام المعتدل كجزء من الليبرالية الغربية في العالم الإسلامي آخذ في الانهيار نظراً للسلطة العليا لعلامة الحركة الإسلامية.

لقد نجحت الحركة الإسلامية بتقديم نموذج أيديولوجي بديل لليبرالية العلمانية الغربية للجماهير المسلمة حيث يتفق هذا النموذج مع القرآن. ويشكل إحياء الخلافة ذروة هذا النموذج ووسيلة لتحدي البناء العالمي المسيطر عليه من قبل الغرب.

وفي النهاية، إذا قرر الغرب أن يتحدى هذا النموذج فسيضطر إلى شن المعركة ضد الإسلام والقرآن. ولا تعتبر هذه الحركة كتسريع مقصود لوقوع تصادم الحضارات، بل هي بمثابة إقرار واضح على عدم الانسجام (التوافق) بين الإسلام والليبرالية الغربية.

لا يجب أن نتوقع من الغرب أن يغير من سياسته تجاه العالم الإسلامي، فهذا تفكير سفيه، حيث إن الغرب سيستمر بسياسته المبنية على الصراع بين أمن الطاقة، وعولمة الرأسمالية، وترويج الديمقراطية العلمانية، وأقلمة الإسلام المعتدل. وبالتالي فإن أي محاولة من الغرب لفرض الديمقراطية بالقوة وعن طريق الاحتلال في العالم الإسلامي ستؤدي فقط إلى تقوية الحركة الإسلامية. كما أن الاستمرار في دعم الأنظمة الديكتاتورية والملكية التي تهدف إلى القضاء على الحركة الإسلامية وتعارض قيام الخلافة يؤكد للجماهير أن الغرب ينوي الاستمرار بشن حملته الصليبية عليهم. وقد وفرت هذه الظروف البيئة المناسبة لانهيار الأنظمة المحلية وقيام الخلافة، وبالتالي وقوع تغيير جذري في النظام العالمي.

>>>>>>>>>2

يكمل سبار شارحا كيف تتم ترقية رأس المال البشري:“في حين تقوم إسرائيل بامتحان كل الطلاب في الصف الثالث الابتدائي في إسرائيل لكي تكشف عن الطلاب الموهوبين الذين تبلغ نسبتهم 2.5% من مجموع الطلاب الممتحنين، ومن ثم تقوم بالاعتناء فقط ب 0.25% منهم حتى الصف التاسع فقط، في إيران يمتحن كل الطلاب في الصف الثامن، ويقومون باختيار ال 680 متفوقا ويخبرون أهاليهم أنه سيتم نقلهم للعاصمة طهران، هنالك يتعلمون في مدرسة خاصة بجانب جامعة مرموقة، وحتى إنهائهم للمرحلة الثانوية يحصلون على ثقافة واسعة في كل مجالات الحياة: العلوم، والفن، والديانات المختلفة الموجودة في العالم، والتفكير الإبداعي، وهكذا. وكي يمكن امتحان قدراتهم بحسب سلم دولي يتم تسفيرهم لمسابقات الشبيبة في أوروبا حيث يحرصون على قطف المراتب الأولى في علم الحاسوب، وعلم تصميم الإنسان الآلي، والرياضيات وما شابه ذلك. وعند عودتهم إلى بلدهم يوقعون على خدمة 9 سنوات في الجيش، وينزلون إلى سراديب الأبحاث والتطوير التابعة للجيش الإيراني”.

ويقول انه إذا كانت إسرائيل تعتمد في استمرار كينونتها على علاقتها بالعالم المسيحي فيجب عليها أن تأخذ بالحسبان أن المسيحية ستنحسر من العالم الغربي القديم - أوروبا الشرقية والغربية - والتي ستكون جزءا من الإمبراطورية الإسلامية وستتمركز في العالم الجديد ? أمريكا، وفي هذا الحال فان استمرار وجود دولة يهودية ذات حكم ذاتي مشكوك به في هذه الظروف الجديدة لان جزءا كبيرا من حلفائها لن يكونوا موجودين أصلا والقسم الأخر لن يجتهد لتامين وجود إسرائيل.

وكجزء من سياسة "لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنت تعلمون " وتأليبه للغرب يقول: “إن أسلمة المنطقة وسيطرة الإسلام يشكلان خطرا حقيقيا على الطائفة المسيحية بما يتعلق باستمرار وجود الأماكن المسيحية المقدسة، لأنه تحت سيطرة إسلامية على المنطقة لن يسمح للحجاج المسيحيين بالحج حتى انه من الممكن أن تدمر الأماكن المسيحية المقدسة”، انتهى قوله. وهذه الأقوال تعارض التاريخ وحقائقه بما يتعلق بتعامل المسلمين واحترامهم للطوائف الأخرى التي لا مجال لذكره هنا.

وتطرق الكاتب لكيفية سيطرة الإسلام على الحكم فقال:“للأسف فان المسار الديمقراطي الذي يحاول الأمريكان فرضه على المنطقة سيؤدي بالنهاية لحكم الإسلام في هذه الدول”، انتهى قوله. يكمل الكاتب بعد ذلك مشبها الإسلام بالنازية بطريقة غير مباشرة كجزء من المغالطات أو التحريض المقصود فيقول: “علينا أن نتذكر كيهود إسرائيليين أن هتلر وصل للحكم بمسار ديمقراطي، الأمر الذي أدى إلى خسارة 40 % من الشعب اليهودي بعد أن قتلتهم النازية. بالطبع فانه من المنظور بأننا موجودون على مشارف مرحلة جديدة في نوعية القيادات في الدول المجاورة لإسرائيل والدول الإسلامية الأخرى، بكلمات أخرى نحن نرى الآن آخر زمرة من القيادات العلمانية في الدول الإسلامية التي سيتم استبدال قيادات دينية مسلمة بها.” انتهى قوله

وينتقل بعد ذلك إلى نقد عملية السلام فيقول: “تحريك عملية السلام مع القيادات العلمانية الحالية يبدو كأنه “إدارة الحرب السابقة” ويجب أن تستبدل به غاية أخرى ألا وهي إيجاد “هدنة”، تسمح للقيادات الدينية التي ستأتي فيما بعد بالوفاء بها”.

ومن ثم يقوم بتوجيه نصيحة للأمريكان واليهود بما يتعلق بنوعية الخطاب الموجه للمسلمين فيقول:" يجب على الأمريكان واليهود أن يعملوا بحزم في مكافحة “الإرهاب” ولكن يجب يعبروا عن أنفسهم بطريقة تحفظ الاحترام المقبول للمسلمين."

في نهاية النشرة يتطرق الكاتب إلى كيفية استعداد الدولة العبرية للإمبراطورية الإسلامية فيقول: “وجود إمبراطورية إسلامية تحوي في داخلها إسرائيل يثير القلق ومن الممكن أن يهدد مستقبل دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي. لن يسمح الحكم الإسلامي بحكم ذاتي لليهود داخل حدوده، بل بنمط حياة يهودي تحت عدد من الشروط. إذا صممت دولة إسرائيل على حكم ذاتي فيجب علينا نباشر العمل من اجل ذلك من الآن، حتى لا ينتهي الأمر هذه المرة أيضا إلى طرد الشعب اليهودي من أرضه.”

يكمل الكاتب ويشرح خطته الخماسية من اجل أن يضمن بقاء الشعب اليهودي في ارض فلسطين فيقول:"يجب علينا أن نجري لقاءات مع 100 من أكثر القيادات الإسلامية “تطرفا” وهذا يتم من خلال خطة خماسية تمتد على 5 سنوات؛ في المرحلة الأولى يلتقي ممثلو كل الديانات ممثلين عن المسلمين. في المرحلة الثانية يقوم ممثلو السلطات المحلية بلقاء نظرائهم من المسلمين وأيضا بلقاء رجال الدين. في المرحلة الثالثة يقوم ممثلو المدارس، والتعليم ، ومراكز ومعاهد البحث والجامعات بلقاء نظرائهم من المسلمين وأيضا بلقاء رجال الدين، و في المرحلة الأخيرة يقوم السياسيون وممثلو الحكم بلقاء نظرائهم وبلقاء رجال الدين.

الكاتب يقول إن هنالك أربعة حواجز ستحول دون استعداد إسرائيل لقيام إمبراطورية إسلامية؛ أولا، المبنى التنظيمي المتصدع لدولة إسرائيل.. إن عدم الاستقرار في الحكومات المتعاقبة (في السنوات العشر الأخيرة لم تستطع أي حكومة أن تتم مدتها القانونية ألا وهي أربع سنوات) لا يسمح لها بمعالجة مشاكل في الأمد البعيد. ثانيا، الاعتماد والاتكال على قوة البطش حيث لا يسمح ذلك بمعالجة جوهر المشكلة ويؤدي بذلك إلى نتائج عكسية. ثالثا، دولة إسرائيل ليست بيت الشعب اليهودي، أسست إسرائيل منذ 58 عاما ولكن يوجد فيها فقط 38% من الشعب اليهودي (5.3 مليون يهودي في إسرائيل من 14 مليون يهودي في العالم). في هذا الوضع فان الدولة ليست هي الشعب وعلى ذلك فان عدم وجود إسرائيل ليس بالضرورة هو عدم وجود الشعب اليهودي. أخيرا، صعوبة إقناع الكثيرين في إسرائيل بان هنالك احتمالات جدية لنشوء إمبراطورية إسلامية.

وفي موقع الانترنيت التابع لسبار (www.newislamicempire.com) يظهر استطلاع للرأي يشير إلى أن 65% من متصفحي الموقع يعتقدون أنه ستنشأ إمبراطورية إسلامية حتى منتصف القرن. وفي المحادثة التي جرت بيننا في تل أبيب قلت لسبار، توصلت إلى ما توصلت إليه بالعقل والاستقراء وتوصلت أنا إلى ما توصلت إليه بالوحي والإيمان أولا، وبالمنطق البسيط ثانيا وأن الأحاديث النبوية الصحيحة تشير إلى أن الخلافة الإسلامية ستنزل في بيت المقدس، وان فترة حكم الملوك ولت وقاربت الانتهاء وان المرحلة القادمة ستكون خلافة راشدة بحسب منهج النبوة. وبما أن رائحة البارود والدم واللحم المشوي المفحم ما زالت تفوح من أنقاض غزة فقد كانت جملتي الأخيرة له: إن لم يرتدع قومك عن جرائمهم وفظائعهم فان اليوم الذي سينطق فيه الحجر والشجر ويقول يا مسلم ورائي يهودي تعال فاقتله ? كما جاء في الحديث ? لهو قريب جدا. فأجاب هل تعلم انه قبل الحرب العالمية الثانية خرج أناس مثلي يحذرون مما سيحدث لليهود في حال تمكن النازية من الحكم، ولكنهم لم يجدوا في حينه آذانا صاغية، وحدثت الكارثة، وأنا لا استبعد أن يحدث مثلما حدث حينه.

وأخيرا فان بروفسور “سبار” هو صهيوني من الطراز الأول ولكن ما يميزه هو الذكاء وبعد النظر وهدفه أن يحافظ على شعبه ولكنه للأسف لن يجد آذانا صاغية عند قومه الذين شربوا من كأس الغطرسة حتى الثمالة واستفحلت فيهم نشوة بعض الانتصارات الكاذبة حتى أصبحوا وهم “صم بكم عمي فهم لا يرجعون…”.

منقول :

www.alokab.com

www.paldf.net

الإمبراطورية الإسلامية النامية

محمود خطيب*

الإمبراطورية الإسلامية النامية هو عنوان نشرة صدرت في العام 2007 لشخص يهودي إسرائيلي يدعى بروفيسور “سبار” ، يرمي بها إلى لفت أنظار الساسة وأصحاب القرار في إسرائيل خاصة، وفي العالم الغربي عامة إلى انه حتى منتصف القرن الحادي والعشرين سوف تنشأ إمبراطورية إسلامية هي الكبرى من حيث المساحة في تاريخ البشرية، بحيث إن إسرائيل سوف تكون في وسطها.

ولذلك فإنه يسعى بوسائل شتى إلى إقناع أصحاب القرار في إسرائيل بوجوب استباق الأحداث والى أن يتواصلوا مع مائة من رجال الدين الأكثر نفوذا في العالم الإسلامي من أجل إقناعهم بإصدار فتوى من الآن تسمح في حال نشوء الإمبراطورية ببقاء اليهود في إسرائيل تحت حكم ذاتي وإذا لم يمكن ذلك فأن يكونوا أقلية ذات حقوق داخل الإمبراطورية الإسلامية.

بدأت الفكرة مع “سبار” منذ أن كان ضابطا في الجيش الإسرائيلي حيث قام بقراءة العديد من الكتب عن الإسلام، وبروفيسور “سبار” خبير كبير في عمليات الكوماندوز في الجيش الإسرائيلي وقضى سنين من عمره وهو يدرس الخطر الناجم من تمكين الإسلام في الحكم على دولة إسرائيل وهو محاضر مطلوب جدا. وفي العام 1995 قدم لرئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك شمعون بيرس مسودة قصيرة لا تتعدى صفحتين يدعى فيها انه توجد توجهات إسلامية في المنطقة ترمي إلى إنشاء إمبراطورية إسلامية وانه على دولة إسرائيل أن تستعد لهذا الحدث. وفي العام 2000 قام بتقديم وثيقة لرئيس مجلس الأمن القومي عوزي ديان تحت عنوان “الاستعداد للعيش بجانب مملكة إسلامية”. وفي العام 2003 قام بتقديم عرض لوزير الحرب الإسرائيلي شاؤول موفاز ، الذي كان رفيقا له في الجيش، يعرض عليه بها مساحة الإمبراطورية الإسلامية. في العام 2006 قام بإنشاء موقع على الانترنيت يهدف من خلاله صرف الرأي العام لأهمية الاستعداد لهذا الحدث ويعرض فيه أفكاره. وفي العام 2007 قام بنشر النشرة التي سيدور حولها حديثنا في هذا المقال ? “الإمبراطورية الإسلامية النامية” وفيها يلخص أفكاره ويقدم “سبار” حاليا محاضرات حول الموضوع في كثير من المنتديات.

في نهاية العام 2008 قبل حرب غزة بأسبوع ظهر “سبار” على شاشة القناة الأولى في التلفزيون الإسرائيلي في برنامج “من اليوم إلى الغد”، وكان موضوع المقابلة هو احتمالات نشوء إمبراطورية إسلامية، وكانت هذه هي المرة الأولى التي أراه واستمع إلى أفكاره، ولكني لم استمع إلى المقابلة كاملة، وقررت أن اجري اتصالا به من خلال البريد الالكتروني الذي حصلت عليه من موقعه.. وكان ذلك .. واتفقنا على أن نلتقي ولكن لم نحدد الزمان والمكان .. ولكن إسرائيل شنت حربا على غزة في تلك الفترة .. وتأجل اللقاء إلى ما بعد شهر من الحرب .. وتم ذلك في احد المقاهي في مدينة تل-أبيب حيث دار بيننا حديث ما يقارب ساعة ونصفا.

يعتقد “سبار” أنه حتى منتصف القرن الحالي سوف تنشأ الإمبراطورية الكبرى في تاريخ الإنسانية جمعاء، وهي الإمبراطورية الإسلامية التي ستقام على غالبية العالم القديم، وتنتشر من أوربا إلى شمال شرق منغوليا والى جنوب شرق حتى جنوب غرب أفريقيا والخريطة المرفقة تظهر حدود الإمبراطورية الإسلامية وتظهر إسرائيل في وسطها (أنظر الخريطة المرفقة). نسبة المسلمين في كل واحدة من الدول التي تقع ضمن الإمبراطورية تتعدى 10%، والمعدل السنوي لزيادة عدد المسلمين فيها أكبر من أتباع أي دين آخر.

ويقول “سبار” مقارنا بين الإمبراطورية البريطانية - التي كانت لا تغيب الشمس عنها ? والإمبراطورية الإسلامية النامية: " إن الإمبراطورية البريطانية جاءت لتتجاوب مع الرغبات الاقتصادية لحكام إنجلترا في حين أن الإمبراطورية الإسلامية من الفروض تحقق رغبات دينية لمن يعتلون رأس الهرم فيها، بكلمات أخرى توفير منطقة متجانسة كل سكانها يعيشون بحسب تقاليد الإسلام وقوانين الشريعة الإسلامية".

ويردف ويقول: " من الممكن أن نقول انه في النصف الثاني من القرن الماضي كان الدين “out” والمال “in” , وترجمت هذا الأمر القوتان اللتان حكمتا العالم: الولايات المتحدة أقامت مجتمعا رأسماليا المفضلون فيه هم أولئك الذين يحصلون على مال أكثر في نطاق ما يسمى “المنافسة الحرة”، والاتحاد السوفييتي أقام مجتمعا اشتراكيا قدس المشاركة في المقدرات ومنع المنافسة بين أفراده".

ويضيف قائلا: “انهارت الطريقة الاشتراكية من نفسها والطريقة الأمريكية (الرأسمالية) عادت على الكثيرين بالرخاء وعلى البعض بالغنى، لكن كما يبدو لم تقض حاجة أساسية للإنسان ? ألا وهي حاجة الإنسان في عالم قيمي داخلي عميق، حاجة يبدو أن الدين يفي بها ويسدها. بكلمات أخرى الإنسانية التي خاضت تجربة قضاء رغبات مختلفة، وجدت نفسها تعود إلى حاجة أولية ? الدين. لذلك فان الإنسان الغربي حاليا يقوم بالتخلي عن اله المال ويعود إلى الإله الحقيقي ? الإله الذي يوجد في القلب وفي السماء ? الله.. وهذه رجعة إلى الجذور.. إلى الإله الحقيقي للإنسان”. أما بالنسبة للمستقبل في الغرب فيقول: “وفي المستقبل القريب سوف نرى عودة إلى أحضان الدين، والمصطلح علماني سيصبح اقل انتشارا وكل إنسان سينسب نفسه دينيا”.

بعد ذلك ينتقل إلى الحديث عن إسرائيل فيقول: " دولة إسرائيل التي أقيمت كي تكون ملجأ للشعب اليهودي، تجد نفسها اليوم حافزا إلى إقامة الإمبراطورية الإسلامية.. وجود إسرائيل في قلب العالم العربي والإسلامي هو بمثابة حافز لإيقاظ المسلمين الخاملين وتحوليهم إلى نشطاء، وهذا هو احد الشروط المطلوبة لإنشاء الإمبراطورية الإسلامية.. ولا شك أيضا أن معاملة الغرب للمسلمين هو حافز إلى إيقاظ المسلمين الخاملين".

أما بالنسبة للعمليات “الإرهابية” على حد قوله فانه يقوم بتمثيل مراحل تطور الأمة بمراحل تطور الفرد ويدعى أن الأمة الإسلامية هي في طور مرحلة المراهقة، والعمليات “الإرهابية” هي جزء من هذه المرحلة، وفي المستقبل سوف ينتهي “الإرهاب” في مرحلة البلوغ، وانه يجب على الغرب أن يتأنى أكثر في كيفية معالجته لهذه القضية.

ولا شك في أن كون “سبار” إسرائيليا ويعالج قضايا في مجال التعليم لا يجد بدا من إجراء مقارنة بين جهاز التعليم في إسرائيل وإيران ليثبت من خلالها أن هنالك جهودا ملحوظة في العالم الإسلامي تمثل خطوات جدية في طريق إنشاء إمبراطورية إسلامية، ويقول: " يتخلى جهاز التعليم في دولة إسرائيل عن الطلاب الخريجين الموهوبين، ولا يتصرفون كذلك في إيران، فمنذ 10 سنوات بدأوا هنالك ببرنامج قومي لترقية وتطوير رأس المال البشري".


  • كاتب من فلسطين

>>>>>>>>>2

ومن هنا فإن الخلافة بحسب ما أوردناه من أدلة شرعية تعني: رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، وهي عينها الإمامة، فالإمامة والخلافة هنا بمعنىً واحد.

هذه باختصار هي المرجعية التشريعية لنظام الحكم الإسلامي والذي هو نظام الخلافة أو الإمامة، وواضح أن أدلتها تدل دون لبس على وجود هذا النظام، ووجوب الالتزام بها، ويحرم تركها. وأما أساليب التنصيب أو المبايعة فتترك للمسلمين ليختاروا منها ما يناسبهم بحيث يحقق الطريقة ولا يتعارض معها، فاختلاف الأساليب أمر جائز، وهو يدخل في الإدارة لا في الحكم.

خامساً: إن ما دار في السقيفة من اختلاف وتنازع بين الصحابة، لم يكن يتعلق بالخلافة بوصفها فكرة وطريقة، وإنما تعلق بشخص الخليفة من يكون، وهذا جائز، وهو أمر صحي، وهو جزء من عملية الشورى والتشاور في الإسلام، وهو يجسد التطبيق العملي لفهم الصحابة رضوان الله عليهم لنظام الحكم فهماً واقعياً، لذلك لا يقال “إن الظروف كانت استثنائية وإن تعيين أبي بكر كانت فلتة” بمعنى أنه كان صدفة، لا يقال ذلك لأن كلمة فلتة هنا ?إن صحَّت- فلا تعني الصدفة أو العشوائية، بل تعني اليسر، والتسهيل، والتوفيق، من الله العلي العظيم، أن حصل اختيار الخليفة الأول بمثل هذه السهولة، وهذا اليسر، وهذا التوفيق، من الله سبحانه وتعالى، خاصةً وأن الظروف كانت صعبةً جداً، بعد وفاة الرسول ، فتيسرت الأمور ببيعة أبي بكر الصديق t.

أما القول بأن “عمر قد تلافى تكرار هذه الفلتة بتعيينه للستة” فهذا قول منافٍ للصواب، ومجانب للحقيقة، لأن من تشاوروا في السقيفة لم يرتكبوا خطأً حتى يتلافاه عمر، ثم إن العبرة بإجماع الصحابة وليس بقول عمر، ولا بقول أي صحابي آخر.

سادساً: ذكرنا أن الخليفة هو الذي يقود المسلمين وينفذ الأحكام الشرعية عليهم بالداخل، ويحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم الخارجي عن طريق الجهاد، وبذلك فلا مجال للقول إن “وظيفة الخليفة الأساسية هي قيادتهم في الجهاد والحروب فقط”، وكذلك لا مجال للقول بأن “عدم تحديد مدة للأمير كانت بسبب عدم معرفة كم ستدوم الحروب”، لأن الخليفة في الإسلام يستمر بعمله إذا كان قادراً على القيام بأعباء الحكم حتى يموت، فلا يوجد أي دليل شرعي يدل على تحديد مدة ولايته، لا من الكتاب ولا من السنة، وبالتالي فالحكم الشرعي يعطي للخليفة ولاية غير محددة بزمن، طالما كان يملك المقدرة على الحكم.

فهذا هو الحكم الشرعي في هذه المسألة، فيحرم تحديد مدة لحكم الخليفة من ناحية شرعية، ولا يجوز للعقل بعد ذلك أن يتدخل ?محاكاةً لما عند الغرب- في هذه المسألة، ويقرر التحديد بخلاف ما قرره الشرع. علاوةً على أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على عدم إنهاء حكم عثمان t، بالرغم من وجود الفتنة، وإجماعهم هذا حكم شرعي. ومن التجني على سيدنا عثمان t القول “إن مدة ولايته طالت حتى ملَّه الناس”، فنحن لا يجوز أن ننزلق بمثل هذه الأقوال التي لا تستند إلى حجة شرعية، فضلاً عن أن قصة الفتنة اختلطت فيها الأمور، وكثرت فيها الأقاويل، والناس بشر يخطئون ويصيبون، وكل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون، فلا داعي للخوض في فتنة لم نشهدها، وعلينا أن نمسك لساننا عنها، ولا نسلط الضوء عليها فنعتبرها القاعدة مع أنها الاستثناء.

سابعاً: أما مسألة عدم تحديد اختصاصات للخليفة فليس سببه كما ادعيّت “النموذج الذي كان يهيمن على العقل السياسي العربي آنذاك، نموذج أمير الجيش…”، بل السبب هو ما أعطاه الشرع للخليفة من صلاحيات، فالمسالة ليست مسألة عقل عربي، بل المسألة مسالة حكم شرعي، فالرسول يقول: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته» (رواه البخاري ومسلم وغيرهما)، فجعل الرعاية محصورة بالخليفة، وهذا هو سبب عدم الحد من صلاحية الخليفة في رعاية الشئون، فالسبب شرعي، والمسالة شرعية، ولا دخل للعقل العربي، ولا لغير العقل العربي بذلك.

وبهذا الرد يمكن القول بأنه لا توجد أية ثغرات دستورية في نظام الخلافة، فهو نظام شرعي مستمد من أدلة شرعية، وهو نظام عملي، طبِّق في الماضي، ويمكن تطبيقه في الحاضر بكل يسر وسهولة، وسيطبق ?بإذنه تعالى- في المستقبل، والله سبحانه وتعالى وعدنا بذلك، ووعده حق، والرسول بشَّرنا بعودة نظام الخلافة لقوله: «… ثم تكون خلافة على منهاج النبوة».

وبعد، فلا يقال إن “الكُتاب والمؤلفين في الفكر الإسلامي المعاصر من معتدلين ومتشددين، يتجنبون الخوض في هذه القضايا، ويكتفون بطرح شعارات عامة كشعار الإسلام هو الحل”، لا يقال ذلك لأن هذه القضية قد أشبعت بحثاً، وتم الخوض في أدق تفاصيلها، من قبل الساعين لإعادة الخلافة الذين اعتبروا هذه القضية قضيتهم المصيرية، فإذا كنتَ لم تطّلع على آرائهم وأبحاثهم في هذه القضايا، فهذا ليس عذراً لباحث مثلك، ويسقط بذلك استدلالك، وتقام الحجة عليك.

وفي الختام آمل أن أكون قد وفقت في الرد على ملاحظاتك بالأسلوب الموضوعي المنهجي المدعَّم بالأدلة الصحيحة، وبكيفية الاستدلال السديدة، راجياً من الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد في القول والعمل.

واليك هذا الرابط ففي المقال تفصيل عن ادلة الخلافة:

www.aklaam.net

طالب عوض الله كتب:
**

21- “الخلافة” ثغرات دستورية …موروثة!

محمد عابد الجابري

www.aljabriabed.net

**

رد على مقال («الخلافة».. ثغرات دستورية … موروثة!)

كتبه : العبد الشاكر

هذا رد على مقال بعنوان («الخلافة».. ثغرات دستورية … موروثة!) للدكتور محمد عابد الجابري نشر في جريدة القدس في 24/3/2004م أُجمله من خلال النقاط التالية:

أولاً: بالنسبة للمرجعية فلا يوجد أي اعتبار في الإسلام لغير المرجعية التشريعية، أما المرجعية التاريخية، فلا قيمة لها في استنباط الأحكام الشرعية، وبالتالي فلا يُنظر إليها إلا من خلال زاوية الإحسان في التطبيق أو الإساءة في التطبيق، وهذه النظرة من خلال هذه الزاوية تفيد في تصور التطبيق الإسلامي للحكم تطبيقاً واقعياً، ولكنها لا تعتبر مرجعية شرعية بأي حال من الأحوال.

ثانياً: الاجتهاد في الإسلام هو استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية لمعالجة المسائل العملية. والأدلة التفصيلية هي النصوص الشرعية سواء أكانت آيات قرآنية، أو أحاديث نبوية، أو إجماع صحابة، أو قياس. أما العقل فليس دليلاً شرعياً، ويقتصر عمله على الاستنباط، وينحصر دوره في فهم المعاني المأخوذة من النصوص لاستنباط الأحكام منها لإنزالها على الواقع. ولا شك بأن هذا دور للعقل عظيم، وعمل له كبير، لا يقوم به إلا الفقهاء ممن لديهم ملكة الاجتهاد.

ثالثاً: لا يصح القول بأن «فراغاً دستورياً كبيراً في نظام الحكم الإسلامي وجد بعد وفاة النبي »؛ لأن هذا يعني إما أن الإسلام لا يوجد فيه نظام حكم، وإما أن نظام الحكم في الإسلام نظام ناقص، وكلا القولين خطير، وفيه إجحاف وتجنٍ على الدين، وهو قول المستشرقين الحاقدين، وليس قول أهل الإسلام، لذلك يجب الحرص على عدم الوقوع في مثل إلصاق هذه التهم جزافاً بالإسلام، لا سيما من أبناء المسلمين الذين يفترض فيهم أن يدفعوا عن الإسلام مثل هذه الشبهات بالبحث والدراسة والتنقيب، بدلاً من أن يرددوا أقوال المغرضين بدون تمحيص.

رابعاً: أما الأدلة الشرعية على الخلافة فكثيرة ومستفيضة، أُورد بعضاً منها لعدم الإطالة، وهي أدلة من الكتاب والسنة والإجماع:

1- أما أدلة الكتاب، فيقول سبحانه وتعالى مخاطباً الرسول : ﴿ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ ﴾ وخطاب الرسول خطاب لأمته ما لم يرد دليل يخصصه به، وهنا لم يرد دليل فيكون خطاب للمسلمين بإقامة الحكم، وهذا يعني قامة الخلافة. على أن الله تعالى فرض على المسلمين طاعة أولي الأمر، إي طاعة الحاكم الذي هو الخليفة، مما يدل على وجوب وجود ولي الأمر على المسلمين، أي وجوب إيجاد الخليفة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ ولا يأمر الله بطاعة من لا وجود له، فدلَّ على أن إيجاد ولي الأمر واجب يترتب على وجوده إقامة أحكام الدين، ويترتب على ترك وجوده ضياع أحكام الدين.

2- أما أدلة السنة، فقد روى مسلم عن طريق نافع قال: قال لي ابن عمر سمعت رسول الله يقول: «من خلع يداً من طاعة الله لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية» فالنبي فرض على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتةً جاهلية. والبيعة في هذا الحديث لا تكون إلا للإمام أو الخليفة ليس غير، وقد روى مسلم عن أبي سعيد الخُدري عن رسول الله أنه قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما»، وروى مسلم أيضاً عن عرفجة قال: سمعت رسول الله يقول: «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه»، وروى مسلم كذلك عن أبي هريرة عن النبي قال: «إنما الإمام جُنة يُقاتَل من ورائه ويُتَقى به»، وروى أيضاً عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم». فهذه الأحاديث، وغيرها كثير، فيها إخبار من الرسول بأنه سيلي المسلمين ولاة، أي حكام خلفاء، وفيها وصف للخليفة بأنه جُنَّة أي وقاية، وفيها وجوب طاعة هذا الخليفة، وقتال من ينازعه، وغير ذلك من معان، وفي ذلك كله دلالة واضحة على وحدة الخلافة، ووحدة الدولة، ووحدة المسلمين في دولة الخلافة.

3- وأما إجماع الصحابة، فإنهم رضوان الله عليهم أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله بعد موته، فكان أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين، وقد ظهر تأكيد هذا الإجماع على إقامة الخليفة من خلال تأخير دفن الرسول عقب وفاته، واشتغالهم بتنصيب خليفة للمسلمين، وفي هذا دليل صريح وقوي على وجوب نصب الخليفة.

>>>>>>>>>2

21- “الخلافة” ثغرات دستورية …موروثة!

محمد عابد الجابري

www.aljabriabed.net

ألشيخ عبد الحميد كشك:

أللهم ارحمه وتقبله في الصالحين

العالم الاسلامي .. سياسيا

ألمؤرخ محمود شاكر ابو فهر شيخ اللغويين :

يشكل المسلمون على اختلاف شعوبهم واجناسهم والوانهم ولغاتهم امة واحدة تنضوي ضمن دولة واحدة هي الخلافة, وتنقسم الخلافة الى ولايات على رأس كل منها وال يختاره الخليفة, وتشمل الولاية اقليما جغرافيا طبيعيا او بشريا او لغويا او حسبما تقتضيه مصلحة الدولة وربما تضم ولاية الى اخرى او يؤخذ قسم من ولاية ليضم الى ثانية حسبما يرى الخليفة .

ويختار الخليفة من اهل الحل والعقد في مختلف الامصار والشعوب وليس شرطا ان يكون من واحد منها بالذات , ولا يعفيه من منصبه سوى الكفر البواح او اختلال العقل او العجز وحين ذاك يتنازل عن مهمته. ولا يوجد في ديار المسلمين سوى خليفة واحد, فان ادعى آخروثار في وجه الاول يقتل الثائربعد ان يقف المسلمون في وجهه .

والمسلمون ديار الاسلام كلها مجال عملهم ومسرح نشاطهم يتنقلون فيها حيث شاءوا فلا حدود بين ولاياتها ولا جوازات سفر بين امصارها , والمسلم اينما ذهب جنسيته عقيدته …

فلما الغيت الخلافة, وانفرط عقد المسلمين , وتمكن المستعمرون

وبسطوا سيطرتهم كاملة ان لم يكن على الشعب كله فعلى افراد بيدهم الامر عندها تجزأت بشكل حقيقي وأصبحت دولا فيها صفات التجزئة كلها ولكن هذه التفرقة لم تصل الى اعماق الشعوب وانما بقيت سطحية او بالاحرى بين الذين بيدهم الامر ويتحكمون في رعاياهم , هذه الصورة ان لم تكن واضحة لدى المجتمعات الا انها معروفة تماما لدى الاعداء , لذا لم ترق لهم , وكان لا بد عندهم من تعميق الجرح , فأوكل دور من المهمةالى المسؤولين الذين كان عليهم ان يذلوا الشعب , وأن يسكتوه , و يفقروه , ويجوعوه كي يرضخ للامر ويخنع , ويستسلم للواقع ويخضع , …

اما المستعمرون فكان دورهم بث الافكار الغربية, ونشر الآراء المعادية للاسلام وقد بدأت بالدعوة الى الفساد والسفور والاختلاط والخمور والتشجيع على ذلك بتسخير وسائل الاعلام كلها … ثم دخلت الفكرة الوطنية , وتلتها القومية ,

ثم دخلت الى العالم الاسلامي فكرة الاشراكية … وجاءت تارة من الرأسمالية استغلالا وتفرقة …

ونتيجة هذا الضياع او هذا التيه طرحت آراء منها : اننا جربنا الرأسمالية فأصابنا الفقر …

وجربنا الاشتراكية فحل بنا الجوع والذل , واحل اصحابها دار البوار … واتفق الطرفان علينا في كل قضية وفلسطين وافغانستان وكشمير والفلبين كلها شواهد … فلنأخذ طريق الاسلام , ما داموا يتفقون علينا رغم عدائهم لاننا مسلمون…

وان المجتمع الاسلامي الذي لا يزال على صفائه وهو الكثرة الغالبة ليشكو مما هو فيه ويدعو الى الوحدة الاسلامية ويطالب بالغاء هذه الحدود والحواجز المصطنعة, ويتبرأ من اولئك الذين وضعوها والذين يؤكدون على وجودها لمصالحهم الخاصة او لمصالح الذين وضعوهم في مناصبهم ويؤيدونهم ويدعمونهم ويحمونهم , وفي اي مدة يتخلون فيها عنهم يزيلهم الشعب , وينتهي منهم , ولهذا فان مصالحهم مرتبطة بمصالح

اولئك .

معركة المصحف ? أين حكم الله؟
ألاستاذ حسن البنا :
{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً (105)} [سورة النساء 4/105]
{وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [سورة المائدة 5/49-51]
{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [سورة النــور 24/51]
الإسلام دين ودولة ما في ذلك شك. ومعنى هذا التعبير بالقول الواضح أن الإسلام شريعة ربانية جاءت بتعاليم إنسانية وأحكام اجتماعية، وكلت حمايتها ونشرها والإشراف على تنفيذها بين المؤمنين بها، وتبليغها للذين لم يؤمنوا بها إلى الدولة، أي إلى الحاكم الذي يرأس جماعة المسلمين ويحكم أمتهم. وإذا قصر الحاكم في حماية هذه الأحكام لم يعد حاكماً إسلامياً. وإذا أهملت الدولة هذه المهمة لم تعد دولة إسلامية. وإذا رضيت الجماعة أو الأمة الإسلامية بهذا الإهمال ووافقت عليه لم تعد هي الأخرى إسلامية?.، ومهما ادعت ذلك بلسانها. وإن من شرائط الحاكم المسلم أن يكون في نفسه متمسكاً بفرائض الإسلام بعيداً عن محارم الله غير مرتكب للكبائر. وهذا وحده لا يكفي في اعتباره حاكماً مسلماً حتى تكون شرائط دولته ملزمة إياه بحماية أحكام الإسلام بين المسلمين، وتحديد موقف الدولة منهم بناء على موقفهم هم من دعوة الإسلام.
هذا الكلام لا نقاش فيه ولا جدل، وهو ما تفرضه هذه الآيات المحكمة من كتاب الله. ولقد كانت آيات النور صريحة كل الصراحة، واضحة كل الوضوح في الرد على الذين يتهربون من الحكم بما أنزل الله، وإخراجهم من زمرة المؤمنين، فالله تبارك وتعالى يقول فيهم:
{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (51)} [سورة النــور 24/47-51]كما جاءت آيات المائدة تصف المهملين لأحكام الله بالكفر والظلم والفسق فتقول:
{لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44)} [سورة المائدة 5/44] {الظَّالِمُونَ (45)} [سورة المائدة 5/45] {الْفَاسِقُونَ (47)} [سورة المائدة 5/47] ثم تقول:
{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [سورة المائدة 5/50]
ولا يكفي في تحقيق الحكم بما أنزل الله أن تعلن الدولة في دستورها أنها دولة مسلمة، وأن دينها الرسمي الإسلام، أو أن تحكم بأحكام الله في الأحوال الشخصية وتحكم بما يصطدم بأحكام الله في الدماء والأموال والأعراض، أو يقول رجال الحكم فيها إنهم مسلمون سواء أكانت أعمالهم الشخصية توافق هذا القول أم تخالفه. لا يكفي هذا بحال. ولكن المقصود بحكم الله في الدولة أن تكون دولة دعوة، وأن يستغرق هذا الشعور الحاكمين مهما علت درجاتهم والمحكومين مهما تنوعت أعمالهم. وأن يكون هذا المظهر صبغة ثابتة للدولة توصف بها بين الناس، وتعرف بها في المجامع الدولية، وتصدر عنها في كل التصرفات، وترتبط بها في القول والعمل.
في العالم دولة اسمها الاتحاد السوفيتي، لها مبدأ معروف ولون معروف ومذهب معروف، نحن لا نأخذ به ولا ندعو إليه، ولكنا نقول إن هذه الدولة عرفت بلونها هذا بين الناس وفي المجامع الدولية، وهي ترتبط بمقتضياته في كل تصرفاتها وأقوالها وأعمالها. وقد أرادت إنجلترا وأمريكا تقليدها فادعتا أنهما تصطبغان بالدعوة إلى شئ اسمه الديمقراطية، وإن اختلف مدلوله بمختلف المصالح والمطامع والظروف والحوادث.
فلماذا لا تكون مصر ? وهي دولة مستقلة وذات سيادة ? معروفة في المجامع الدولية بتمسكها بهذه الصبغة الإسلامية وحرصها عليها ودعوتها إليها وارتباطها بها في كل قول أو عمل؟ ذلك هو أساس الحكم بما أنزل الله. ومتى وجد هذا المعنى، وارتبطت الدولة بهذا الاعتبار، واصطبغت بهذه الصبغة، فستكون النتيجة ولا شك تمسك الحاكمين بفرائض الإسلام واتصافهم بآدابه وكمالاته، فيتحقق حكم الله فردياً واجتماعياً ودولياً وهو المطلوب.
أين نحن من هذا كله؟
الحق أننا لسنا منه في شئ. وكل حظنا منه نص المادة 149 من الدستور، ثم ما بقى في نفوس هذا الشعب من مشاعر وعواطف وتقدير وأعمال وعبادات. أما الحكومة والدولة ففي واد آخر.
يا دولة رئيس الحكومة أنت المسئول بالأصالة. ويا معالي وزير العدل أنت المسئول بالاختصاص. ويا نواب الأمة وشيوخها أنتم المسئولون باسم أمانة العلم و التبليغ التي أخذ الله عليكم ميثاقها.
“ويا أيتها الأمة أنت المسئولة عن الرضا بهذا الخروج عن حكم الله، لأنك مصدر السلطات”.
“فناضلي حكامك وألزميهم النزول على حكم الله، وخوضي معهم معركة المصحف، ولك النصر بإذن الله”.
حسن البنا


قال الشيخ محمد قطب عن هذا المقال :" ولئن كان هذا لم يكن واضحاً تماماً في مبدأ الطريق، أو كان خافياً وراء الحماسة العاطفية للجماهير، فقد اتضح في حس الإمام الشهيد في أيامه الأخيرة على ضوء الخبرة الواقعية، كما يبدو ذلك واضحاً متبلوراً في هذا المقال الذي ننقله بنصه كاملاً من جريدة “الإخوان المسلمون” اليومية (العدد 627 السنة الثالثة بتاريخ الأحد 7 رجب 1367، 16 مايو سنة 1948)" 356ص.
و قال أيضا ص359:" نعم، لقد اتضح الأمر في حس الإمام الشهيد في أيامه الأخيرة، ولكنه لم يمهل حتى يرسخ هذا المعنى في قلوب أتباعه كما أشرنا من قبل، فظل هذا المعنى غير واضح في نفوسهم، ولا تبدو آثاره في تخطيهم وتحركهم وأفكارهم."

أللهم ارحمه وتقبله في الصالحين

سيد قطب يرحمه الله يقول :
أحْسَبُ ـ والله أعلم ـ أنه كان ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدل اليهود والصهيونيون والنصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام جهرة عن طريق الشيوعية أو عن طريق التبشير:؛ فعدلوا إلى طرائق أخبث وإلى حبائل أمكر.. لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع في المنطقة كلها تتزيَّن بزي الإسلام، وتتمسح في العقيدة، ولا تنكر الدين جملة.. ثم هي تحت هذا الستار الخادع، تنفذ جميع المشروعات التي أشارت بها مؤتمرات التبشير وبروتوكولات صهيون ثم عجزت عن تنفيذها كلها في المدى الطويل!
إن هذه الأنظمة والأوضاع ترفع راية الإسلام ـ أو على الأقل تعلن احترامها للدين ـ بينما هي تحكم بغير ما أنزل الله، وتقصي شريعة الله عن الحياة، وتحل ما حرم الله، وتنشر تصوراتٍ وقيماً مادية عن الحياة والأخلاق، تدمر التصورات والقيم الإسلامية، وتسلط جميع أجهزة التوجيه والإعلام لتدمير القيم الأخلاقية الإسلامية، وسحق التصورات، والاتجاهات الدينية؛ وتنفيذ ما نصت عليه مؤتمرات المبشرين وبروتوكولات الصهيونيين، من ضرورة إخراج المرأة المسلمة إلى الشارع. وجعلها فتنة للمجتمع، باسم التطور والتحضر ومصلحة العمل والإنتاج بينما ملايين الأيدي العاملة في هذه البلاد متعطلة لا تجد الكفاف! وتيسر وسائل الانحلال وتدفع الجنسين إليها دفعاً، بالعمل والتوجيه، كل ذلك وهي تزعم أنها مسلمة وأنها تحترم العقيدة!.
والناس يتوهمون أنهم يعيشون في مجتمع إسلامي أليس الطيبون منهم يصلون ويصومون؟ أما أن تكون الحاكمية لله وحده أو تكون للأرباب المتفرقة فهذا ما قد خدعتهم عنه الصليبية والصهيونية والتبشير والاستعمار والاستشراق وأجهزة الإعلام الموجهة
وإمعاناً في الخداع والتضليل، وإمعاناً من الصهيونية العالمية والصليبية العالمية في التخفي، فإنها تثير حروباً مصطنعة ـ باردة أو ساخنة ـ وعداوات مصطنعة في شتى الصور، بينها وبين هذه الأنظمة والأوضاع التي أقامتها والتي تكفلها بالمساعدات المادية والأدبية وتحرسها بالقوى الظاهرة والخفية، وتجعل أقلام مخابراتها في خدمتها وحراستها المباشرة! تثير هذه الحروب المصطنعة والعداوات المصطنعة، لتزيد من عمق الخدعة، ولتبعد الشبهة عن العملاء، الذين يقومون لها بما عجزت هي عن إتمامه في خلال ثلاثة قرون أو تزيد، من تدمير القيم الإسلامية، وسحق العقائد والتصورات، وتجريد المسلمين في هذه الرقعة العريضة من مصدر قوتهم الأول، وهو قيام حياتهم على أساس دينهم وشريعتهم فإذا بقيت بقيةٌ من هذه الرقعة لم تجز عليها الخدعة ولم تستسلم للتخدير باسم الدين المزيف، وباسم الأجهزة الدينية المسخرة لتحريف الكلم عن مواضعه إذا بقيت بقية كهذه سُلِّطت عليها الحرب الساحقة الماحقة، وصُبَّتْ عليها التهم الكاذبة الفاجرة وسُحقت سحقاً، بينما وكالات الأنباء العالمية وأجهزة الإعلام العالمية خرساء صماء عمياء!!!
ذلك بينما الطيبون السذج من المسلمين يحسبون أنها معركة شخصية أو طائفية، لا علاقة لها بالمعركة المشبوبة مع هذا الدين؛ ويروحون يشتغلون في سذاجة بلهاء ـ من تأخذه الحمية للدين منهم وللأخلاق ـ بالتنبيه إلى مخالفات صغيرة، وإلى منكرات صغيرة، ويحسبون أنهم أدوا واجبهم كاملاً بهذه الصيحات الخافتة? بينما الدين كله يسحق سحقاً ويدمر من أساسه، وبينما سلطان الله يغتصبه المغتصبون وبينما الطاغوت ـ الذي أمروا أن يكفروا به ـ هو الذي يحكم حياة الناس جملة وتفصيلاً! [المجلد الثاني: ص 1033 ـ 1034].

اللهم ارحمه وتقبله في الصالحين

تابع :ألشيخ عبد العزيز الرنتيسي رحمه الله
ما ذكرته غيض من فيض ، و وشل من بحر ، فمظاهر الاستخفاف بالأمة تحتاج إلى مجلدات لحصرها ، و لا أكون مبالغاً إن قلت إن بعض المتنفّذين في هذه الأمة قد أدمنوا على استمراء الاستخفاف بهم ، بل لا يتحرّج بعضهم أن يبادر متطوعاً لعرض نفسه على الغرب كي يُستخف به ، فها هي الحكومة الأردنية تبادر طواعية بتجميد التعاملات المالية لستة من قادة حماس و خمس جمعيات خيرية تقدّم الدعم للشعب الفلسطيني ، لا لشيء إلا لأن أمريكا الهالكة بإذن الله قرّرت تجميد أرصدة قادة حماس الستة الذين لا أرصدة لهم ، فإذا بالأردن و هي تعلم أنه لا أرقام حساب و لا أرصدة للقادة الستة في الأردن و لا في أيّ بلد آخر تقوم باقتفاء أثر أمريكا ، قد يقول البعض هذا تكتيك و أنا أقول هذه جريمة لا تغتفر لأن هذا الإجراء يحمل في طياته إدانة للمقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني ، و مباركة و تشجيعاً للموقف الأمريكي المعادي للشعب الفلسطيني و المقاومة الفلسطينية ، ألم يسَع الأردن أن تكون مثل غيرها من الدول التي تأبى أن يستخفّ بها ؟ ألا تدرك الأردن أن حركة المقاومة الإسلامية حماس تقف شوكة في حلق المشروع الصهيوني الرامي إلى تحويل الأردن إلى الدولة الفلسطينية التي يبشّر بها “بوش” ؟!! ..

و لا أريد أن أستفيض في الأمثلة فهي كثيرة جداً ، و هذا لا ينفي وجود قيادات في عالمنا الإسلامي تحدّت الاستخفاف بها و صمدت دفاعاً عن كرامتها و كرامة شعوبها ، و لكنها أمثلة قليلة .

و لكن هل هناك من سبيل للخروج من هذا الواقع الأليم ؟ نعم و يتمثّل في أن نعقد العزم على إقامة صرح خلافتنا الإسلامية من جديد ، فنلمّ الشعث الإسلامي في دولة واحدة ، و ما من شكّ أن ما أدعو إليه ليس أمراً سهلاً ، و لكنه ليس مستحيلاً ، و أنا أدرك أنه سيثير غضب الغرب الذي لن يقف مكتوف الأيدي أمام خطوة من هذا القبيل ، و لكنه لا يستطيع أن يمنع وحدتنا إن صدقت عزائمنا ، و ما علينا إلا أن نعقد العزم و نبدأ الخطوة الأولى ثم نتوكّل على الله ، فأيّ تأخير في البدء سيؤدّي إلى تأخير في الخروج من الأزمة .

و لكن الشعوب التي تملك وحدها مفاتيح التغيير لم تتلمّس بعد معالم الطريق الصحيح لإنقاذ الأمة مع أنها تعيش حالةً من الغليان ، خاصة أن الترقيع لم يعد يجدي نفعاً ، فقد اتسع الخرق على الراقع ، فهذه الحالة التي أصبحت مزمنة سببها تفرّق الأمة ، و تفرّق الأمة سببه عدم الأخذ بأسباب الوحدة و على رأسها الاعتصام بحبل الله (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (3) ، و حبل الله هو القرآن ، و سبب عدم الاعتصام بحبل الله هم أولياء الأمر
و لو أننا أجرينا استفتاءً على مستوى شعوبنا الإسلامية لوجدنا أن هناك إجماعاً على الرغبة في إقامة الوحدة الإسلامية في إطار الخلافة الإسلامية ، و سينحصر الرفض في فئة قليلة ، و لكن المشكلة حقيقةً تكمن في أن هذه الفئة القليلة هي التي بيدها مقاليد الأمور ، و هي المنتفعة من بقاء الحال على ما هو عليه .
و من هنا يأتي دور القوى الوطنية و الإسلامية ، و المثقّفون ، و الأدباء ، و النقابيون ، و البرلمانيون ليقولوا كلمتهم ، و ليتحمّلوا مسئولياتهم في استنهاض الأمة من جديد ، و توجيه الشعوب الوجهة الصحيحة لإقامة بناءٍإسلامي شاملٍ يضمّ جميع دولنا الإسلامية في كيانٍ واحد يضم الجميع ، لأنه لكي يكون لنا وجود .. علينا أن نقيم الولايات المتحدة الإسلامية .. أي نعيد “الخلافة الإسلامية”.


-آل عمران:103
*** المصدر: جريدة الشعب المصرية 26-09-2003**

أما الشيخ عبدالعزيز الرنتيسي رحمه الله فيقول:

مما لاشك فيه أن العامل الوحيد الذي يجعلنا اليوم خارج خارطة العالم الحر و المستقل هو تفكّكنا ، و أعني بالعالم الحر و المستقل العالم الذي لم تصادر قراره الوطني قوى خارجية ، و التدخل الأجنبي في صياغة قرارنا الوطني الذي ينبغي أن يكون مستقلاً يعتبر ثمرة طبيعية و نتيجة حتمية لحالة التفكك التي تعيشها أمتنا الإسلامية ، فأيّ من دولنا الإسلامية مهما بلغت من القوة لا تستطيع أن تقف وحيدة في وجه طغيان العمالقة المتوحشين ، بل و ستبدو هزيلة جداً إن هي فعلت ، و لكنها لن تفعل إيثاراً للسلامة ، و على النقيض من ذلك ستعمل جاهدة على استرضاء العمالقة المتوحّشين و مجاملتهم على حساب قيمها ، و مبادئها ، بل و عقيدتها ، و بالطبع على حساب قرارها الوطني الذي ينبغي أن يكون مستقلاً ، و إن الاستخفاف بنا كأمة بلغ اليوم ذروته ، و نحن الأمة التي قال الله فيها (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (1) ، و هذا الخطاب الإلهي ليس موجّهاً للأمة العربية ، و لا الفارسية ، و لا الكردية ، و لا الطورانية ، و لا غيرها من القوميات ، و لكنه موجّه إلى الأمة الإسلامية ، فنحن أمة واحدة يجمعنا دستور واحد هو كتاب الله عز و جل (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (2) .

و من مظاهر الاستخفاف بنا على سبيل المثال لا الحصر :

  • التدخل الخارجي خاصة الأمريكي في شؤوننا الداخلية كدولٍ إسلامية ، بل و التدخل الأمريكي السافر في صياغة قرارات مؤتمرات القمة العربية منها و الإسلامية .

  • ما يقوم به أعداء الأمة من استعداء بعضنا على بعضنا الآخر ، فهم يستعدون السلطة الفلسطينية على المقاومة الفلسطينية خاصة حركة المقاومة الإسلامية حماس ، و يستعدون السلطات القائمة في دولنا الإسلامية على الحركات الإسلامية في تلك الدول ، بل و على حركة حماس في فلسطين ، و يستعدون دولنا الإسلامية ضد بعض دولنا الإسلامية كما جرى في أفغانستان و العراق ? و الحبل على الجرار - كما يقولون .

  • فرض العقوبات على بعض دولنا الإسلامية ، و إعلان الحرب على دول إسلامية أخرى تقع وسط المحيط الإسلامي ، و تُكره دولنا الإسلامية على تنفيذ العقوبات ضد المسلمين ، و تُكره أيضاً على مساعدة الأعداء في عدوانهم على المسلمين ، و الأمثلة كثيرة على رأسها أفغانستان و العراق .

  • التهديد المستمر لسوريا و لبنان و السودان و أخيراً للسعودية و مصر .

  • تقديم الغرب كلّ أشكال الدعم و الإسناد بلا حدود لعدونا المركزي و هو الكيان الصهيوني ، و كان آخر أشكال الدعم الفيتو الأمريكي الأخير ، و كذلك التسعة مليارات دولار التي ستقدّمها أمريكا للكيان الصهيوني مكافأة له على ممارساته الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني ، و في نفس الوقت مطالبة الغرب لدولنا الإسلامية بالتعاون مع الكيان الصهيوني و التطبيع معه رغم ما يرتكبه من إرهاب و إفساد ضد الشعب الفلسطيني المسلم ، الذي هو جزء أصيل من نسيج الأمة الإسلامية ، و رغم ما يقوم به الصهاينة من تدنيس و تهويد لمدينة القدس و مسرى رسول الله صلى الله عليه و سلم .

  • المطالبة المستمرة لدولنا الإسلامية بتغيير مناهجها التربوية و التعليمية ، و توجيهها الإعلامي ، بل و تغيير معتقدات شعوبها الإسلامية لتصبح منسجمة مع مبادئ الغرب الهابطة التي لا تقيم وزناً للأخلاق و القيم ، و بهدف تدجين الشعوب حتى تتأقلم مع الهيمنة الغربية على مقدرات الأمة ، فهم يريدون إسلاماً بلا أسنان و لا شوكة ، حتى يتمكّنوا من بسط نفوذهم على أقطارنا الإسلامية إلى الأبد .


-آل عمران:110

-الأنبياء:92

وللحديث بقية …

اقوال العلماء في وجوب الخلافة

كتابة : ألعبد الشاكر

الخلافة تاخ الفروض اقامتها اول الواجبات

ولبيان وجوب الخلافة وأهميتها، أذكر هنا مجموعة من أقوال أهل العلم ليتدبر فيها الناس اليوم عسى أن يفتح الله من خلالها ما أغلق من قلوب، وأن ينير بها ما أظلم من عقول:

قال أبو المعالي الجويني (في غياث الأمم):“الإمامة: رياسة عامة، وزعامة تامة، تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات اولدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الجنف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين وإيفاؤها على المستحقين… فإذا تقرر وجوب نصب الإمام فالذي صار إليه جماهير الأئمة أن وجوب النصب مستفاد من الشرع المنقول…”.

· وقال ابن حزم (في الفصل في الملل والأهواء والنحل):“اتفق جميع أهل السنة وجميع الشيعة، وجميع الخوارج (ماعدا النجدات منهم) على وجوب الإمامة” .

·وقال الماوردي (في الأحكام السلطانية): “وعقدها لمن يقوم بها واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم”.

· وقال ابن حجر العسقلاني (في فتح الباري): “وقال النووي وغيره: أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره وعلى جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين عدد محصور أو غيره وأجمعوا على انه يجب نصب خليفة وعلى أن وجوبه بالشرع لا بالعقل”.

· وقال ابن حجر الهيثمي (في الصواعق المحرقة): “اعلم أيضا أن الصحابة رقضوان الله عليهم أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

· وقال ابن خلدون (في المقدمة):“إن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك ولم يترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعا دالا على وجوب نصب الإمام”.

· وقال النسفي (في العقائد): “والمسلمون لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم وسدّ ثغورهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم وقهر المتغلبة المتلصصة وقطاع الطريق وإقامة الجمع والأعياد وقبول الشهادات القائمة على الحقوق وتزويج الصغار والصغيرات الذين لا أولياء لهم وقسمة الغنائم”.

· وقال جمال الدين الغزنوي في (أصول الدين):“لا بد للمسلمين من إمام يقوم بمصالحهم من تنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم وصرفها إلى مستحقيهم لأنه لو لم يكن لهم إمام فإنه يؤدي إلى إظهار الفساد في الأرض”.

· وقال عضد الدين الإيجي (في المواقف): نصب الإمام عندنا واجب علينا سمعا… وأما وجوبه علينا سمعا فلوجهين: الأول إنه تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة النبي امتناع خلو الوقت عن إمام حتى قال أبو بكر رضي الله عنه في خطبته ألا إن محمدا قد مات ولا بد لهذا الدين ممن يقوم به فبادر الكل إلى قبوله وتركوا له أهم الأشياء وهو دفن رسول الله ولم يزل الناس على ذلك في كل عصر إلى زماننا هذا من نصب إمام متبع في كل عصر… الثاني إنه فيه دفع ضرر مظنون وإنه واجب إجماعا. بيانه إنا نعلم علما يقارب الضرورة أن مقصود الشارع فيما شرع من المعاملات والمناكحات والجهاد والحدود والمقاصات وإظهار شعار الشرع في الأعياد والجمعات إنما هو مصالح عائدة إلى الخلق معاشا ومعادا وذلك لا يتم إلا بإمام يكون من قبل الشارع يرجعون إليه فيما يعن لهم…".

· وقال القرطبيّ (في تفسيره): “هذه الآية أصلٌ في نصب إمامٍ وخليفةٍ يُسمعُ له ويطاعُ؛ لتجتمع به الكلمةُ؛ وتنفذ به أحكامُ الخليفة. ولا خلافَ في وجوب ذلك بين الأُمة ولا بين الأئمَّة إلا ما روي عن الأصَمِّ- أبو بكرٍ الأصم من كبارِ المعتزلة- حيث كان عن الشريعة أصمَّ؛ وكذلك كلُّ مَن قال بقولهِ واتبعه على رأيهِ ومذهبهِ، قال: إنَّها غيرُ واجبةٍ في الدِّين بل يسوَّغ ذلك، وأن الأمةَ متى أقاموا حَجَّهُم وجهادَهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحقَّ من أنفسهم، وقسَمُوا الغنائمَ والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدودَ على مَن وجبت عليه، أجزأَهم ذلك، ولا يجبُ عليهم أن ينصِّبوا إماماً يتولَّى ذلك. ودليلُنا قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيْفَةً) وقَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا دَاوودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الاَرْضِ) وقال: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأرض) أي يجعلُ منهم خلفاءَ، إلى غيرِ ذلك من الآيِ”.

· وقال ابن تيمية (في السياسة الشرعية): “يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم “إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم” رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة … ولأنّ الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتمّ ذلك إلا بقوة وإمارة..”.

· وقال الشوكاني (في السيل الجرار): فصل يجب على المسلمين نصب إمام: أقول قد أطال أهل العلم الكلام على هذه المسألة في الأصول والفروع واختلفوا في وجوب نصب الإمام هل هو قطعي أو ظني وهل هو شرعي فقط أو شرعي وعقلي وجاءوا بحجج ساقطة وأدلة خارجة عن محل النزاع والحاصل أنهم أطالوا في غير طائل ويغني عن هذا كله أن هذه الإمامة قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإرشاد إليها والإشارة إلى منصبها كما في قوله الأئمة من قريش وثبت كتابا وسنة الأمر بطاعة الأئمة ثم أرشد صلى الله عليه وسلم إلى الاستنان بسنة الخلفاء الراشدين فقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين وهو حديث صحيح وكذلك قوله الخلافة بعدي ثلاثون عاما ثم يكون ملكا عضوضا ووقعت منه الإشارة إلى من سيقوم بعده ثم إن الصحابة لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قدموا أمر الإمامة ومبايعة الإمام على كل شيء حتى إنهم اشتغلوا بذلك عن تجهيزه صلى الله عليه وسلم ثم لما مات أبو بكر عهد إلى عمر ثم عهد عمر إلى النفر المعروفين ثم لما قتل عثمان بايعوا عليا وبعده الحسن ثم استمر المسلمون على هذه الطريقة حيث كان السلطان واحدا وأمر الأمة مجتمعا ثم لما اتسعت أقطار الإسلام ووقع الاختلاف بين أهله واستولى على كل قطر من الأقطار سلطان اتفق أهله على أنه إذا مات بادروا بنصب من يقوم مقامه وهذا معلوم لا يخالف فيه أحد بل هو إجماع المسلمين أجمعين منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية فما هو مرتبط بالسلطان من مصالح الدين والدنيا ولو لم يكن منها إلا جمعهم على جهاد عدوهم وتأمين سبلهم وإنصاف مظلومهم من ظالمه وأمرهم بما أمرهم الله به ونهيهم عما نهاهم الله عنه ونشر السنن وإماتة البدع وإقامة حدود الله فمشروعية نصب السلطان هي من هذه الحيثية ودع عنك ما وقع في المسألة من الخبط والخلط والدعاوي الطويلة العريضة التي لا مستند لها إلا مجرد القيل والقال أو الإتكال على الخيال الذي هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. ثم من أعظم الأدلة على وجوب نصب الأئمة وبذل البيعة لهم ما أخرجه أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه من حديث الحارث الأشعري بلفظ من مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته موتة جاهلية ورواه الحاكم من حديث ابن عمر ومن حديث معاوية ورواه البزار من حديث ابن عباس".

· وقال شمس الدين الرملي (في غاية البيان): “يجب على الناس نصب إمام يقوم بمصالحهم، كتنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم وسد ثغورهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم أن دفعوها وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق وقطع المنازعات الواقعة بين الخصوم وقسمة الغنائم وغير ذلك، لإجماع الصحابة بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم على نصبه حتى جعلوه أهم الواجبات، وقدموه على دفنه صلى الله عليه وآله وسلم ولم تزل الناس في كل عصر على ذلك”.

· وقال الشيخ الطاهر بن عاشور (في أصول النظام الاجتماعي في الإسلام): “فإقامة حكومة عامة وخاصة للمسلمين أصل من أصول التشريع الإسلامي ثبت ذلك بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة بلغت مبلغ التواتر المعنوي. مما دعا الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسراع بالتجمع والتفاوض لإقامة خلف عن الرسول في رعاية الأمة الإسلامية، فأجمع المهاجرون والأنصار يوم السقيفة على إقامة أبي بكر الصديق خليفة عن رسول الله للمسلمين. ولم يختلف المسلمون بعد ذلك في وجوب إقامة خليفة إلا شذوذا لا يعبأ بهم من بعض الخوارج وبعض المعتزلة نقضوا الإجماع فلم تلتفت لهم الأبصار ولم تصغ لهم الأسماع. ولمكانة الخلافة في أصول الشريعة ألحقها علماء أصول الدين بمسائله، فكان من أبوابه الإمامة. قال إمام الحرمين [أبو المعالي الجويني] في الإرشاد: (الكلام في الإمامة ليس من أصول الاعتقاد، والخطر على من يزل فيه يربى على الخطر على من يجهل أصلا من أصول الدين)”.

· وقال الجزيري (في الفقه على المذاهب الأربعة): “اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على أن الإمامة فرض وأنه لا بد للمسلمين من إمام يقيم شعائر الدين وينصف المظلومين من الظالمين وعلى أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان لا متفقان ولا مفترقان…”.

هذا ما تيسر جمعه، والله نسأل أن يعجل بنصره للأمة الإسلامية فتعود دولة الخلافة على منهاج النبوة.

منقول :منتدى العقاب

اَلْخِلافَةُ فرضٌ وَتَعَبُّدٌ لِلَّهِ تَعَالَىْ****فَمَا بَالُنَا نَسْرِعُ لِلصَلاةِ وَالصَوْمِ وَالزَكَاةِ وَالْحَجِّ وَلا نَهتَمُّ بِهذا الفَرْضِ العظيم

الكاتب: أبو حذيفة

نعم إن الحكم بما أنْزل الله في كتابه هو فرضٌ على المسلمين لا خيار لهم فيه أمام الله، كما هو الحال بالنسبة للصلاة والزكاة والحج والجهاد؛ كلها فرائضُ فرضها الله علينا، وهي بالتالي واجبة الأداءِ إذا حان وقتها، فإذا قضى الله ورسوله أمرا فلا خيار لمؤمن في هذا الأمر إلا الاتباع، قال تعالى: ï´؟وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ غ? وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًاï´¾، هكذا فهم صحابةُ رسول الله هذا الأمر؛ فهموا أن الحكم لله، وفهموا أن نظام الحكم كما جاء به الله ورسوله هو نظام الخلافة، فكان أبو بكر أول رئيس للأمة بعد رسول الله ، وكانت صِفتُه السياسية بين أصحابه ولدى كل دول العالم آنذاك هي أنه خليفة المسلمين، وكذلك كان الفاروق ومن بعده ذو النورين وليس آخرهم أبو الحسن، بل إن كل من تَسَلَّم رئاسة المسلمين كانت صفته السياسية هي خليفة المسلمين حتى آخِر خلفاءِ الدولة العثمانية، بل إن صحابةَ رسول الله رضوان الله عليهم فهموا أكثر من ذلك في موضوع فرضية الحكم بما أنزل الله وضرورة توحيد الأمة تحت راية واحدة هي راية الحكم بما أنزل الله بمبايعة خليفة لهم، فهموا أنه إذا خلا هذا المنصب من شاغله، أي إذا مات رئيس المسلمين وهو النبي أو الخليفة من بعده فإن تنصيب خليفة للمسلمين هو الأمر الأهم من أي أمر آخر على الإطلاق. فها هم عندما فُجِعوا بوفاة حبيبنا ورسولنا الكريم سارعوا إلى سقيفة بني ساعدة ليتفقوا ويبايعوا واحدا منهم يخلف رسول الله وتسير الأمة من خلفه، يـأتمرون بأمره فيسمعوا ويطيعوا، وهكذا كان فقد جلسوا قرابة الثلاثة أيام وهم يتداولون ويبايعون خليفةَ رسول الله، ليقود الأمة بعد رسولنا الكريم. فقد توفي رسولنا الكريم يوم الاثنين لكنه لم يتم دفنه إلا صباح الأربعاء. كيف يحصل ذلك وقد علَّمنا رسولنا أن إكرامَ الميت دفنه؟! كيف لا نكرم من علمنا أصول الكرم والإكرام في حالة الوفاة؟! كيف ينسى أبو بكر صاحبَه ميتاً مسجا ببرده ويسارع إلى سقيفة بني ساعدة فينشغل عن واجب دفنه؟! كيف ينسى ذلك عمر الفاروق الذي لم يكن يقبل بفكرة موت النبي عليه السلام من شدة حبه له وهول الصدمة؟! لا بل كيف ينسى كل الصحابة هذا الأمر؟! هل هو سِباق على الزعامة والجاه والسلطان؟! ثم أين أبو الحسن صِهر الرسول زوج الزهراء فكيف يسكتُ على انشغال الصحابة عن دفن رسول الله وهو صوت الحق القوي الأبلج، عالم وفقيه لا يُشق له غبار في العلم والفقه والجرأة في الحق، فكيف يسكت وهو من لا يسكتُ إلا إذا كان الأمر يُرضي الله ورسولَه؟! ثم لماذا لم يقم هو بِدفن ابن عمه نبيَّ الله ورسولَه سيما وأنّه عرف بما يجري في سقيفة بني ساعدة؟! فلماذا لم يغضب على رفاقة من الصحابة، فيقوم هو وعائلته بدفن رسول الله منفردين؟! فلماذا انتظر أبو الحسن ما سينتهي إليه اجتماع الصحابة في السقيفة؟! الكل غائب عن هذه المهمة، وكأن هذا النبيّ لا أصحاب ولا أرحام له، أتركوك يا رسول الله ميتاً وذهبوا يتقاسمون التركة؟!، كيف يفعلون ذلك وهم صحابتك وأبناء مدرستك؟! كيف يفعلون ذلك؟ أليس في صدورهم قلوب وأفئدة تتجمع حولك فتبكيك؟! أي أمر جلل يأخذهم منك في لحظة فارقة كهذه؟!، مع أنهم كانوا يقفون أمام السيوف والرماح دونك، فما بالُهم ينقلب حالُهم؟! كيف يستقيم هذا الفهم؟! أهؤلاء هم البدريون الذين حدثتنا عنهم؟! أهؤلاء هم النجوم الذين نهتدي بهم إذا اقتدينا بهم؟! أهؤلاء هم الذين بايعوك تحت الشجرة فرضي الله عنهم ورضيت أنت عنهم؟! أهؤلاء هم أصحابك الذين فاخرت بهم الدنيا؟! أتكون خلافتك أهم عندهم من دفنك؟! ألم يكن بمقدورهم أن يؤخِّروا تداولهم حول من يكون خليفة المسليمن بعدك سويعاتٍ قليلةٍ فيواروا جثمانك الطاهر ثم يعودوا يتداولون أمر خلافتك؟!.

إذا كانوا هؤلاء هم صحابتك يا حبيبنا فإن وراءَ الأمرِ شيءٌ أَولى من الدفن، فهؤلاء زكَّاهم الله لنا لنَتَّبِعهم في فهمهم لنصوص آياته وسنَّتِك، فما كان لأبي بكر أن يقف لينعيك للأمة ثم يتركك ويذهب إلى السقيفةِ، إلا لأَمر قدَّرَهُ أنه أهم من الانشغال بدفنك. وما كان لعمر الذي لم يكن يريد أن يصدِّق نبأ وفاتك من شده حبه وتعلقه بك مهددا من يقول ذلك بضرب عنقه بالسيف، فما كان له حين صدَّق الأمر أن يتركك ويذهب إلى السقيفةِ إلا لأمر جلل قَدَّرَهُ أنه أهم من الانشغال في دفنك، وما كان لصِهْرك وابن عمك الذي رَبيّْتَه في بيتك وزوج حبيبتك فاطمة، وعلَّمته أصولَ كل حق ما كان له أن يسكت عن انشغال رفاقه وانتظارهم حتى يُتِمُّـوا عملية التداول على خلافتك إلا لأمر قَدَّرَهُ بأنه أهمُ من الانشغال في دفنك، لا سيما أنه كان بمقدوره دفنك لوحده مع أهل بيته.

رحماك ربي.. إنه لمشهد يتصرف فيه العباد كما لو كانوا ملائكةً على الأرض يفعلون ما يؤمرون، رحماك ربي كيف ألهمتهم وربطت على قلوبهم ليفقهوا أن وحدة أمر المسلمين وحسم أمر الولاية فيهم أهم من أي شيء، قدموه حتى على دفن حبيبهم؟! رحماك ربي كيف قرأوا الحدث ببصائرهم فتعطلت حواسهم واستسلمت للفهم العميق المستنير لا لمجرد الإحساس؟! رحماك ربي كيف استشرفت بصائرهم ما بعد اللحظة الفاجعة فربطوا جأشهم وتبادلوا أطراف الحديث فيما بينهم وهدفهم جميعا واحد؛ ألا وهو مستقبل الأمة ووحدتها، فهموا وفي لحظات أن من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، نعم هذا هو الفهم الصحيح في أعلى مراتبه، فهموا أن رسول الله قد مات، وأما رسالته فما وُلِدتْ لِتموت، نعم فهو حامل الرسالة ولكنه ليس الْمُرسِل، فالمُرسِل حي لا يموت، وأن حفظ الرسالة واستمراريتها فرض الفرائض كلِها يجب أن يُقدم على كل عملٍ، فكان في هذا الفهم الْمُلْهِم لنا، كان فيه عزاءٌ وأي عزاءٍ لنفوس صحابة رسول الله ورضاً وتسليم لإجماعهم على هذا الأمر، فلا يعرف أن أحداً اختلف على تأخير دفن رسولنا العظيم ، وما أن انعقدت البيعة لأبي بكر بخلافة رسول الله من أهل الرأي والمشورة حتى سارعوا إلى المسجد ليأخذوا البيعة له من عموم المسلمين، فانعقدت لأبي بكر بيعة الانعقاد والرضا، وتقدم صفوف المؤمنين ليزفُّوا نبيهم الأعظم بعد أن كانوا قد قاموا بما يرضيه، فلم يواروه الثرى إلا بعد أن كانت أمته بعده تقف جميعها خلف صاحبه الصديق صفاً واحداً كما يقف المصلون وراء إمامهم، فكانت إقامة الخلافة لأبي بكر فرضاً أداه المؤمنون على الوجه الذي يريد الله ورسوله رغم ظروفهم الحزينة، فلم تكن صراعاً بينهم على السلطة، بل كانت عبادةً يرجون فيها رضاء الله بتوحيد صف المسلمين، وهكذا تمت تأدية هذا الفرض العظيم، بأن وَكَّلت الأمة أبا بكر ببيعته خليفة لرسول الله، وصدق رسول الله حين قال «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».

وما أن استشعر الصديقُ رضوان الله عليه بقرب ساعة لقائه ربَه، حتى جمع أهل المشورة من الصحابة ممن ينعقد برأيهم رأي الناس، أو قل أهل الحل والعقد، وطلب منهم أن يرشحوا من بينهم من يرضون خليفة له قبل وفاته حرصاً منه على وحدة الأمة من بعده، وكأنه بهذا يهيئ المسلمين لاستمرارية هذا الفرض العظيم، تماما كما يتهيأون بالوضوء لأداء الصلاة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة هذا الطلب، وبدأوا يتشاورون حتى انتهى بهم الأمر إلى أخذ رأي أبي بكر نفسه يختار لهم حتى تم اختيار عمر فتهلَّلَت وجهوههم، مع أن عمر كان يتهرب من مجرد التشاور حول الأمر خوفا من أن تلبسه المسؤولية المخيفة.

ثم يحين وقتٌ ثالث لتأكيد هذا الفرض العظيم، وذلك بعد أن طُعِن الفاروقُ غدرا ورأى أنه مشرف على الموت، فطلب منه الصحابة أن يختار لهم وهم أهل الحل والعقد، وبعد إلحاح رشح لهم ستة يختارون واحداً منهم خليفة لهم، وأمهلهم ثلاثة أيام ليختاروا واحداً من بينهم، فإذا انقضت الأيام الثلاثة ولم يتفقوا على أحدهم، أمر بقتل المخالف منهم وَوَكَّل خمسين رجلاً لمهمة التنفيذ هذه. لاحظ هنا أن عمر أمر بقتل المخالف من الستة وهم من كبار الصحابة والمبشرين بالجنة إذا اختلفوا على أمر الخلافة، فكيف لعمر أن يحكم بقتل أحد المبشرين بالجنة إذا خالفهم الرأي؟! ألهذه الدرجة هي أهمية توحيد الأمة حول خليفة واحد؟! الجواب نعم. فكان أن قام الصحابة وخلال ثلاثة أيام باختيار عثمان بن عفان ليكون خليفة المسلمين بعد عمر رضي الله عنهم جميعا، وفوق ذلك فإن الفقهاء استنبطوا من إجماع الصحابة هذا قاعدة شرعية مفادها “أنه لا يجوز للمسلمين أن يبقوا بدون خليفة أكثر من ثلاثة أيام إلا أن يكونوا مشغولين بإقامتها”.

ثم يحين موعد آخر لتثبيت هذه الفريضة العظيمة، وفي ظروف مليئة بالفتن والأحداث وفي ظروف لم يكن هناك أحدٌ ينافس أبا الحسن على خلافة المسلمين فانعقدت له البيعة.

هكذا كان صحابةُ رسول الله وخلفاؤُه الراشدون يتعاملون مع موضوع الخلافة على أنه أمر يتقربون به إلى الله كفرض الصلاة، فصبغوا حياتهم الدنيا بصبغة روحانية حيث ربطوا أفعالهم ربطا محكما بصادق النية لفعلها إرضاءً لربهم على النهج الذي رسمه لهم رسول الله ، فالهدف الأول من الفعل هو إرضاءُ الله فإذا رضيَ الله فإنهم راضون بما يأتيهم به ويحققه لهم الله من ثمرات لهذا الفعل، وهكذا يصبح فِعلهم كلُه قربة إلى الله، صلاة كانت أم زكاة أم حجاً أم تطبيق شرع الله وتنصيب الخلفاء ومبايعتهم، حتى في بيعهم وشرائهم وسائر شؤون حياتهم.

فالحكم بما أنزل الله أيها السادة ليس إلا فرضاً علينا فرضه ربُنا الذي نحن عبيدٌ له، فأنا عبدٌ له سواءً كنتُ خليفةً أو أميراً أو أحدَ افراد الرعيّة، والله سيحاسب كلاًّ منا عما هو مسؤول عنه، «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعتيه، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته» فيا ويح من أصبح إماماً للمسلمين أو خليفةً لهم ولم يعطِ الخلافة حقها، أو رأى فيها زعامةً وسلطاناً وجاهاً له دون الناس، يا ويحه؛ ألم يعلم أن أول من يُظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله هو الإمام العادل؟!.

فاللهم اجمعنا على إمام يُحَكِّم فينا شرعك كما تجمعنا كل يوم خلف إمام المسجد فنكبر ونصلي، فيَسِّر اللهم أمرنا وهيئ لنا أمر رُشدٍ وائذن اللهم للخلافةِ الثانية على منهاج النبوة أن تقوم فينا وبنا إنك أنت وليُّنا وناصرنا يا رب البيت، اللهم آمين.