ألْحَنيفيَّةُ وَأَهْلُ ألْفتْرَةُ

**وقال “ثعلب”: الحنيفية الميل إلى الشيء - وليس هذا بشيء.

والحنيفية: ضرب من السيوف، منسوبة إلى أحنف لأنه أول من عملها، وهو من المعدول الذي على غير قياس. والحنفاء: فرس “حجر بن معاوية” وهو أيضاً فرس "حذيفة بن بدر(3) وقد عرفها الراغب الأصفهاني تعريفاً آخر حيث قال: (الحنف: هو ميل عن الضلال، إلى الإسلام، والحنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال، والحنف هو المائل إلى ذلك قال عز وجل }قانتاً لله حنيفاً{ وقال: }حنيفاً مسلماً{ وجمعه: حنفاء، قال عز وجل: }واجتنبوا قول الزور حنفاء لله{، وتحنف فلان أي تحرى طريق الاستقامة، وسمت العرب كل من حج أو اختتن حنيفاً تنبيهاً أنه على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم، والأحنف من في رجله ميل سمي بذلك التفاؤل وقيل بل استعير للميل المجرد(4) (وقد أورد علماء اللغة معنى كلمة حنيف، الحنيف: قال ابن قتيبة: المستقيم، وقيل للأعرج: حنيف نظراً له إلى السلامة. وقال مكي بن أبي طالب: هو الذي لا يرجع عن دينه، وقال أبو حيان في معنى حنفاء: على دين إبراهيم على نبينا وعليه السلام، ثم سمي به من يختتن ويحج البيت في الجاهلية ثم الإسلام. وأصل الحنف الميل(5)(وقال الجوهري في التاج (الحنف: الاعوجاج في الرجل وهو أن تقبل إحدى إبهامي رجليه على الأخرى والرجل أحنف، ومنه سمي الأحنف بن قيس، واسمه صخر.وقال ابن الأعرابي: هو الذي يمشي على ظهر قدمه من شقها الذي يلي خنصرها.يقال: ضربت فلاناً على رجله فحنفتها .والحنيف: المسلم، وقد سمي المستقيم بذلك كما سمي الغراب أعور. وتحنف الرجل، أي عَمِلَ عَمَلَ الحنيفية، ويقال اختتن، ويقال اعتزل الأصنام وتعبد. قال جران العود:

ولما رأين الصبح بادرن ضوءه = رسم قطا البطحاء أوهن أقطف

وأدركن اعجازاً من الليل بعدما =أقام الصلاة العابد المتحنٌّف

والحَنْفاء: اسم فرس حذيفة بن بدر الفزاري . والحنفاء: اسم ماء لبني معاوية ابن عامر بن ربيعة.حنيفة: حيّ من العرب، وهو حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل(6)وقال الضغاني في تكملته وتذييله لكتاب الصحاح: (حنف: وحسب حنيف أي حديث إسلامي لا قديم له.

قال ابن حبناء:

وماذا غير أنك ذو سبال = تمسحها وذو حسب حنيف

وقد سموا حنيفاً مصغراً، قال الضحاك والسدي في قوله تعالى: }حنفاء لله غير مشركين به{ قال: حجاجاً .وقال ابن الأعرابي: الحنفاء: شجرة. والحنفاء: الأمة المتلونة، تكسل مرة وتنشط أخرى.

ويقال: تحنف فلان إلى الشيء تحنفاً: إذا مال إليه . الحنيف القصير والحنيف: الحذاء

والحنفاء: القوس والموسى، والسلحفاة، والحرباء، والأطوم، وهي سمكة في البحر كالملكة.

وأما محمد بن الحنفية، فالحنفية أمه، وهي خولة بنت جعفر بن قيس، بن مسلمة، من بني حنيفة بن لجيم(7) (وقال مجدد مصطلحات الصحاح (الحنيف المسلم، وقد سمّي المستقيم بذلك، وتحنف الرجل أي عمل الحنيفية، ويقال اختتن ويقال اعتزل الأصنام وتعبد(8) (ولم يختلف الأزهري صاحب تهذيب اللغة في تعريف كلمة (حنيف) عمن سبقه، ولكن أورد تعريفاً آخر لا نجده في المعاجم التي استقرأناها وهي (من كان على دين إبراهيم فهو حنيف).قال:(وكان عبدة الأوثان في الجاهلية يقولون: نحن حنفاء على دين إبراهيم، فلما جاء الإسلام سموا المسلم حنيفاً(9) (ولنا مع العلامة ابن منظور وقفة في تعريفه لهذه الكلمة ولذلك المصطلح (حنيف) فقد عرفها هذا العلامة في معجمه الجامع (لسان العرب) فقال(الحنيف المائل من خير إلى شر أو من شر إلى خير قال ثعلب ومنه أخذ الحنف والله أعلم.

وحنف عن الشيء وتحنف: مال.والحنيف: المسلم الذي يتحنف عن الأديان أي يميل إلى الحق, وقيل هو الذي يستقبل قبلة البيت الحرام على ملة إبراهيم ,على نبينا وعليه الصلاة والسلام,وقيل :هو المخلص وقيل: هو من اسلم في أمر الله فلم يلتو في شيء فهو حنيف. ومعنى الحنيفية في الإسلام الميل إليه و الإقامة على عقد. والحنيف الصحيح الميل إلى الإسلام والثابت عليه. والحنيف في الجاهلية من كان يحج البيت ويغتسل من الجنابة ويختتن من جاء الإسلام كان الحنيف المسلم، وقيل له حنيف لعدوله عن الشرك، قال وانشد أبو عبيد في باب نعوت الليالي في شدة الظلمة في الجزء الثاني: فما شِبْه كعب غير أعْتم فاجر أبى، مُذْ دجا الإسلام، لا يتحنَّف(10) (وقال صاحب معجم (مجمع البحرين) :(حنف (ولكن حنيفاً):**

**الحنيفية ديانة إبراهيم (عليه السلام)

بحث وتحقيق =عبـد اللطيـف زكـي أبو هــاشم *

مقدمة

في هذا البحث المتواضع أردت أن أدرس تطور كلمة حنيف من حيث معناها اللغوي والاصطلاحي الذي ظل يطق عليها عدة قرون وما زال، ثم تتبعت تطور الكلمة في المعاجم اللغوية قديمها وحديثها، ودونت في نهاية الفصل النتائج التي خلصت إليها، وهذا كله ورد في الفصل الأول.

أما في الفصل الثاني فقد درست كلمة (الحنيف) في القرآن حيث وردت في اثنتي عشرة آية، فقمت بدراسة تفاسير هذه الآيات من الأقدم فالأحدث، مبتدئاً بالطبري ومنتهياً بتفسير المنار، وبعد ذلك دونت عدة ملاحظات قد خلصت إليها من خلال الدراسة .

الفصل الثالث: وهو عن الحنيفية في الحديث الشريف حيث قمت بدراسة الأحاديث التي وردت فيها كلمة (حنيف) (وحنفاء)واطلعت على شروح تلك الأحاديث ودونت ملاحظاتي في نهاية الفصل.

الفصل الرابع: وهو عن الأحناف قبل الإسلام حيث قمت بتتبع سير الأحناف الذين كانوا قبل الإسلام كزيد بن عمرو بن نفيل وغيره.

الفصل الخامس: وهو عن العلاقة بين الحنيفية والإسلام حيث قمت ببحث العلاقة ومدى التطور الذي حدث بين الحنيفية والإسلام من خلال ما ورد من الآيات والأحاديث، ومدى التوافق والانسجام بين الحنيفية والإسلام.

و بعد أرجو أن أكون قد أعطيت هذا الموضوع حقه لأنه موضوع جدير بالبحث والدراسة.

الفصل الأول:تعريف الحنيفية: لغة، واصطلاحاً

قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في العين: ( الحنف: ميل في صدر القدم ورجل أحنف، ورجل حنفاء ويقال: سميَّ الأحنف بن قيس به لحنف في رجله . وقالت حاضنة الأحنف: والله لولا حنف برجله ما كان في فتيانكم كمثله . والسيوف الحنفية تنسب إليه لأنه أول من عملها، أي: أمر باتخاذها وهو في القياس سيف حنفي. وبنو حنيفة هم من ربيعة. ويقال تحنف فلان إلى الشيء تحنفاً إذا مال إليه حسب حنيف أي: حديث إسلامي لا قديم له.

وقال ابن حبْناء التميمي:

وماذا غير أنك ذو سبال = تمسِّحُها وذو حَسَب حنيف

والحنيف في القول: (المسلم الذي يستقبل القبلة البيت الحرام على ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً.والقول الآخر: الحنيف كل من أسلم في أمر الله فلم يلتو في شيء منه(1)وعرفها أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا في معجمه فقال: (حنف) الحاء والنون والفاء أصل مستقيم وهو الميل، يقال للذي يمشي على ظهور قدميه أحنف. وقال -وأراه الأصح- أن الحنف اعوجاج في الرجل إلى داخل. ورجل أحنف أي مائل الرجلين- وذلك يكون بأن تتدانى صدور قدميه وتتباعد عقباه.والحنيف المائل إلى الدين المستقيم }ولكن حنيفاً مسلماً{ والأصل هذا، ثم يتسع في تفسيره فيقال الحنيف الناسك، ويقال المختون، ويقال يتحنف أي تحرى أقوم الطرق(2) وقال بن سيده الحنف في القدمين: إقبال كل واحدة منهما على الأخرى بإبهامها، وكذلك في الحافر في اليد والرجل . وقيل: هو ميل كل واحدة من الإبهامين على صاحبتها حتى يرى شخص اصلها خارجاً. وقيل: هو انقلاب القدم حتى يصير بطنها ظهرها .وقيل :ميل في صدر القدم .وقد حنف حنفاً. ورجل أحنف, وبه سمي (الأحنف) لحنف كان في رجله.‏ وحنف عن الشيء وتحنف، مال. والحنيف: المسلم الذي يستقبل قبلة البيت على ملة (إبراهيم) وقيل هو المخلص: وقيل هو من أسلم في أمر الله فلم يلتو في شيء. وقول أبي ذؤيب:

أقامت به كمقام الحنيف = شهري جمادى وشهري صفر.

إنما أراد أنها أقامت بهذا المتربع إقامة المتحنف على هيكله سروراً بعمله وتدينه لما يرجوه على ذلك من الثواب. وجمعه حنفاء وقد حنف وتحنف. والدين الحنيف: الإسلام . والحنيفية، ملة الإسلام . وفي الحديث: أحب الأديان إلى الله الحنيفية السَّمْحة . ويوصف به فيقال: ملة حنيفية .


*مدير دائرة التوثيق والمخطوطات والمكتبات في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.

.**

**أهل الفترة في سؤال وجواب

أهل الفترة:هم الذين لم تبلغهم دعوة الرسل ولم يأتهم كتاب

ميثال ذلك من مات في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام .

وحكمهم:

في حديث الأسود بن سريع رضي الله عنه

قَالَ الإمام أحمد رحمه الله حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا وَرَجُلٌ أَحْمَقُ وَرَجُلٌ هَرَمٌ وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا". ونحوه عن أبي هريرة رضي الله عنه

قال الإمام الشنقيطي رحمه الله في “أضواء البيان”: وأما من لم تبلغه دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فله حكم أهل الفترة الذين لم يأتهم رسول، والله تعالى أعلم.

أهل الفترة

السؤال الثاني من الفتوى رقم ( 16426 )

س 2 : هل صحيح أن أهل الفترة ناجون ، وأن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم كانوا من أهل الفترة ، وأنهم ناجون من عذاب النار ، وأنهم في الجنة ؟ وإن كان غير صحيح ، فما هو الرد ؟ وما حكم الدين في هذا الكلام ؟ أفتونا مأجورين .

ج 2 : أهل الفترة فيهم خلاف بين العلماء ، والأرجح في شأنهم أنهم يمتحنون يوم القيامة ، فمن أجاب لما طلب منه نجا ، ومن أبى هلك ، كما صح بذلك حديث الأسود بن سريع التميمي السعدي وغيره . وأما أبوا الرسول صلى الله عليه وسلم فليسا من أهل الفترة ؛ لأن العرب كانوا على ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، خصوصا في أرض الحجاز ، وإنما دخل عليهم الشرك أخيرا في عهد عمرو بن لحي الخزاعي ، ولكن عندهم بقايا من دين إبراهيم ، مثل الحج وغيره ، فليسوا أهل فترة ، لأن أهل الفترة عبارة عن قوم لم تبلغهم دعوة أحد من الرسل ، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل سأله عن أبيه : « إن أبي وأباك في النار » رواه مسلم في (صحيحه) . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه استأذن ربه أن يزور قبر أمه فأذن له ، واستأذن أن يستغفر لها فلم يؤذن له ، وقد قال الله عز وجل : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } وهذه الآية نزلت في أبي طالب وأمثاله ممن مات على الشرك بعد الدعوة .

وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

منقول عن : شبكة العلوم السلفية

**

من هم أهل الفترة؟
السؤال:
من هم أهل الفترة؟ وهل هم من كانوا بين النبي إسماعيل ورسولنا الكريم؟ ولماذا نحن الأمة الوحيدة التي لم تر نبيها في الدنيا كسائر الأمم؟ وما المقصود بقوله: على فترة من الرسل؟ ولماذ يرجو الرسول صلى الله عليه وسلم أن تكون الوسيلة له؟ وهل هناك غير الرسول صلى الله عليه وسلم ومن يقرأ القرآن بالليل ويتعوج فمه كالحمار كان الشيطان يمنعه ثلت الليل؟؟؟؟.
الإجابــة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
إن المقصود بأهل الفترة: هم كل من لم يبعث إليهم رسول، والأصل في ذكر الفترة ما جاء في قوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {المائدة:19}.
والمراد بها المدة التي بين عيسى ـ عليه السلام ـ ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يكن بينهما نبي، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنا أولى الناس بابن مريم، الأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبينه نبي.
قال البغوي: على فترة من الرسل ـ أي انقطاع من الرسل، واختلفوا في مدة الفترة بين عيسى ـ عليه السلام ـ ومحمد صلى الله عليه وسلم، قال أبو عثمان النهدي: ستمائة سنة، وقال قتادة: خمسمائة وستون سنة، وقال معمر والكلبي، خمسمائة وأربعون سنة، وسميت فترة لأن الرسل كانت تترى بعد موسى ـ عليه السلام ـ من غير انقطاع إلى زمن عيسى عليه السلام، ولم يكن بعد عيسى عليه السلام سوى رسولنا صلى الله عليه وسلم. اهـ.
وأقرب الأقوال في مدة الفترة ما في صحيح البخاري عن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: فترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ست مائة سنة.
ويطلق بعض العلماء اسم أهل الفترة على كل من لم تبلغه الدعوة، أو بلغته على حال لا تقوم عليه الحجة بها كالمجنون ونحوه. والراجح في أهل الفترة ومن في حكمهم ممن لم تبلغه الدعوة أنهم يمتحنون يوم القيامة،
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة. أخرجه مسلم.
فقد تكلم العلماء في وجه رجائه صلى الله عليه وسلم أن يكون هو صاحب الوسيلة وعدم جزمه بذلك، قال المناوي: ذكره على منهج الترجي تأدبًا وتشريعًا. اهـ.
وفي عون المعبود: قاله تواضعا، لأنه إذا كان أفضل الأنام فلمن يكون ذلك المقام غير ذلك الهمام عليه السلام، قاله ابن الملك. اهـ.
وقال القرطبي: قال هذا ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن يُبان قوله له بأنه صاحبها، إذ قد أخبر أنه يقوم مقامًا لا يقومه أحد غيره، ويحمد الله بمحامد لم يُلْهمها أحد غيره، ولكن مع ذلك فلا بد من الدعاء فيها، فإن الله يزيده بكثرة دعاء أمته رفعة كما زاده بصلاتهم، ثم إنه يرجع ذلك عليهم بنيل الأجور، ووجوب شفاعته صلى الله عليه وسلم. اهـ.
وما جاء في قول السائل: ولماذا نحن الأمة الوحيدة التي لم تر نبيها في الدنيا كسائر الأمم ـ فليس بصحيح على إطلاقه، فمن هذه الأمة من رأى النبي صلى الله عليه وسلم كالصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وهم أفضل الأمة وخيرها، ومن هذه الأمة من أتي بعد النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به ولم يره، و له فضله من حيث أنه آمن به دون رؤيته، جاء في مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن آمن بي ورآني مرة، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرار. وصححه الألباني.
وفي بلوغ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لمن لم يره من أمته زيادة ابتلاء وامتحان، هل يؤمن بالرسالة، أم يكذب بعدم رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الشق الأخير من السؤال فلم يتضح المراد به.
والله أعلم.
منقول عن موقع " إسلام ويب - مركز ألفتوى " :

**وجاء الباب الثاني من هذا الكتاب للحديث عن المقصود بأهل الفترة، وحكم مطالبتهم بأحكام الأنبياء السابقين، ثم ختم المؤلف حديثه في هذا الباب- والذي جاء في ثلاثة فصول- بتفصيل القول في الملحقين بأهل الفترة.

أشار المؤلف إلى أن المراد بالفترة: هي ما بين كل نبيين، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره تعريف الفترة فقال: هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وذكر السبكي في تعريف الفترة: هي ما كانت بين رسولين لم يُرسل إليه الأول ولم يُدرِك الثاني.

ثم فصل المؤلف القول في أقسام أهل الفترة فبين أنهم قسمان: قسم بلغته الدعوة، وقسم آخر لم تبلغه الدعوة، فأما من بلغته الدعوة فآمن بها فهو مؤمن، وأما من بدلها وأعرض عنها فحاله حال الكافر. وبين المؤلف أن هذا القسم لا خلاف عليه بين العلماء.

أما ما وقع فيه الخلاف فهو القسم الثاني، وهو: من لم تبلغه الدعوة، فللعلماء في عاقبة هؤلاء ومصيرهم أقوال ثلاثة هي:

1 - من مات ولم تبلغه الدعوة مات ناجيًا.

2 - من مات ولم تبلغه الدعوة فهو في النار.

3 - من مات ولم تبلغه الدعوة فإنه يمتحن بنار في عرصات يوم القيامة.

فبعد عرض الأقوال الثلاثة وأدلتها، رأى الكاتب أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو القول الثالث، وهو أن أهل الفترة يُمتحنون، ولا ينافيه ما استدل به أهل الفريقين الأول والثاني.

أما ما استدل به الفريق الأول بما يفيد نفي العذاب عن أهل الفترة، فهذه الأدلة لا تدل على أنهم ناجون وأنهم في الجنة. وأما أهل الفترة فلا تشملهم هذه النصوص لأن هناك نصوص أخرى دلت على أنهم يُمتحنون في عرصات القيامة، وهي النصوص التي استدل بها أهل الفريق الثالث. والله أعلم.

وأما ما استدل به الفريق الثاني من نصوص تفيد أنهم في النار فيُجاب عنها بأن هذه النصوص عامة ولم تخصص، وأما أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة فقد وردت فيهم نصوص تخصهم فيخرجون من هذا العموم.

وفي حديثه عن الملحقين بأهل الفترة- وهم أطفال المشركين والمجانين وذوو العاهات- بين المؤلف ? بعد عرضة الأقوال العلماء في ذلك- أنهم في الجنة، وهو القول الراجح من تلك الأقوال، ولا ينافيه ما ورد من أن المولود يمتحن مع صاحب الفترة والمجنون والشيخ الهرم، كما سبق في أدلة القائلين بالامتحان لأنها عامة مجملة، خصصتها وبينتها النصوص التي دلت على أنهم في الجنة، كما سبق في أدلتهم.

وفي مسألة المجانين وذوي العاهات بين الكاتب أن للعلماء في المسألة قولين، أحدهما يشير إلى أنهم سيختبرون في الآخرة، والآخر يقول بأنهم تبع لآبائهم، وقد رجح الكاتب أدلة الفريق الأول،مشيراً إلى أن أدلة الفريق الأول أكثر وضوحًا من أدلة الفريق الثاني، وذلك لأن النصوص التي استدلوا بها صريحة واضحة على أنهم يمتحنون. وقد ذكر ابن حجر رحمه الله في الفتح: “أنه قد صحت مسألة امتحان المجنون وصاحب الفترة”.

وفي بابه الأخير تناول الكاتب بالحديث حكم من لم تبلغهم الدعوة المحمدية، وعرض هذا الباب في ثلاثة فصول أشار في الأول منها إلى وجود أقوام لم تبلغهم الدعوة المحمدية، وعن حكمهم في الإسلام بين أنهم يلحقون بأهل الفترة بالحكم وهو الامتحان في عرصات القيامة لاشتراكهم معهم في عدم وصول الدعوة إليهم. قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإِسراء: 15].

وبين المؤلف أن مسؤولية عدم تبليغ الدعوة للأقوام الذين لم تبلغهم للآن في شتى بقاع المعمورة تقع على كل مسلم، فإن هناك أقوامًا يعيشون في ظلمات الجهل والكفر والتيه والضلال، والمسلمون مسؤولون كلهم سواء حاكمًا أو محكومًا، ومن واجب الحاكم المسلم أن يوجه دعاته إلى هؤلاء الناس المتعطشين إلى عقيدة سليمة تقبلها الفطرة بكل رحابة صدر.

ثم ختم الكاتب ببيان الطرق المؤدية لإيصال الدعوة المحمدية (دعوة التوحيد) إلى كافة البشر في الأرض، مشيرا إلى دور الإعلام في الدعوة إلى الله تعالى، من خلال وسائله المكتوبة والمسموعة والمرئية.

وختاما نسأل الله أن يجزي الكاتب خيراً على ما قام به من جهد بحثي لتحري الراجح في مسائل الكتاب، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

منقول عن " ألمكتبة ألوقفية "**

**كتاب أهل الفترة ومن في حكمهم

المؤلف: موفق أحمد شكري

الناشر: مؤسسة علوم القرآن- عجمان، دار ابن كثير، دمشق ? بيروت

الطبعة: الأولى، 1409هـ - 1988م

عدد الصفحات: 159

ـــــــــ

الكتاب الذي بين أيدينا (أهل الفترة ومن في حكمهم) بحث نال به مؤلفه درجة الماجستير في جامعة الإِمام محمَّد بن سعود الإِسلامية في الرياض بإشراف د. عبد العزيز الراجحي.

وأهمية هذا الكتاب في أنه يلبي حاجة ماسّة في الفقه الإِسلامي المعاصر، وفي المكتبة الإِسلامية، فالمسلمون اليوم- وبعد أن زالت الفوارق بين الأمم والشعوب بفضل وسائل الإِعلام والتطور في مجال النقل والمواصلات- يواجهون بمشكلات مختلفة يحتاجون لرأي الإِسلام فيها ووضوح الرؤية في شأنها، ومن هذه المشكلات مشكلة الذين لم تصلهم الدعوة؛ ما مصيرهم؟ وما حكمهم؟.

وقد أشار المؤلف إلى الأسباب التي دعته للكتابة في هذا الموضوع، فذكر جدة الكتابة فيه، حيث لم يفرد الموضوع ببحث مستقل أو كتاب يتناوله بالتفصيل، إضافة إلى اختلاف آراء الفقهاء في مصير من لم تصلهم الدعوة، ثم أهمية الأحكام المترتبة على من لم تبلغهم الدعوة.

وأهمية هذا الموضوع أنّ أناسًا كثيرين في إفريقيا وآسيا والدول الأوروبية لم تصلهم دعوة الإِسلام، وكثير من المسلمين الذين أسلموا في أمريكا يتحدثون عن سماعهم بالإِسلام مصادفة أو في فترة متأخرة، وذلك لأسباب كثيرة.

وقد قسم المؤلف بحثه إلى مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة.

تحدث المؤلف في مقدمة كتابه عن أسباب اختيار هذا الموضوع، ثم عرض بشكل سريع لخطة بحثه، وقد سبق هذه المقدمة مقدمتان لكل من د. عباس محجوب، والشيخ محمد عبد الله الخطيب، عرضا فيهما لأهمية الموضوع مع موجز لما صنعه المؤلف في بحثه.

وفي الباب الأول (مسؤولية الإنسان متعلقة بإرسال الرسل) تحدث الكاتب في ثلاث قضايا، أما القضية الأولى فهي (حاجة البشرية لإرسال الرسل والغاية من إرسالهم)، وفيها بين أن إرسال الرسل نعمة من الله تعالى إلى البشرية التي هي في أمسِّ الحاجة إلى هداية الله حتىِ تعرف الطريق السوي وتعرف شرع الله.

فالرسالة أمر لازم للبشرية جمعاء وحاجة ملحّة لها، كي تخرجها من هذا الضياع الذي دمّرها وقضى عليها، والفوضى التي عاشتها، وهي لا تعرف كيف تشق طريقها في هذا التيه فجاءت الرسالة هاديةً مرشدةً للحيارى والتائهين، معلنة لهم انقشاع هذا الضلال والظلام وإخراج الناس من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد.

وفي القضية الثانية بين المؤلف أن الرسالات التي سبقت رسالة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم كانت رسالاتٍ خاصةً بأقوامٍ معينين وبزمان معين، وكان كل رسول يدعو قومه إلى توحيد الله عزّ وجل وعدم الإشراك به، ونبذ عبادة الأصنام، ويرغبهم بمغفرة الله عَزَّ وَجلَّ وبثوابه إن هم أطاعوه واتبعوا دعوته وساروا على منهاج الله المستقيم، وينذرهم ويخوِّفهم من عذاب الله وعقابه إذا هم ظلّوا على ما هم عليه من الكفر والتكذيب بدعوة الله عَزَّ وَجَلَّ.

وكان آخر القضايا في هذا الباب حديث المؤلف عن عموم رسالة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم، فبين أن الله أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم هاديًا ومبشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فجعل رسالته عامة إلى الجن والإنس، وباقية إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها.

فجاءت رسالته- صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، فنسخت جميع الشرائع التي سبقتها وبها اختتمت؛ فلا رسالة بعد رسالته صلى الله عليه وسلم فلا يهودية ولا نصرانية إنما هو الإِسلام قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19].**

** الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام هي الإسلام**

**السؤال

دين إبراهيم عليه السلام هو الحنيفية.. ماذا تعني الحنيفية ؟ وهل يوجد أحد على دين إبراهيم إلى الآن ؟**

**الجواب

الحمد لله

الحنيفية مذكورة في آيات عديدة في القرآن الكريم ، يصف الله سبحانه وتعالى بها نبيه إبراهيم عليه السلام ، ومن يقرآ الآيات يستطيع أن يعرف معنى الحنيفية الواردة فيها ، ونحن نسوقها في جوابنا هنا كي نشحذ ذهن القارئ لفهمها من سياقها :

يقول الله تعالى :

( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) البقرة/135.

وقال سبحانه :

( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) آل عمران/65-68.

وقال عز وجل :

( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) آل عمران/95.

وقال تعالى :

( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) النساء/125.

ويقول جل شأنه :

( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الأنعام/78-79.

ومنها أيضا قوله تعالى :

( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام/161-163.

وقوله تعالى :

( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) النحل/121-123.

فمن تأمل في الآيات السابقات يدرك أن الحنيفية التي كان عليها سيدنا إبراهيم عليه السلام هي دين التوحيد والاستسلام لله عز وجل ، ونبذ الشرك والكفر وكل ما يعبد من دون الله ، وهذا هو دين الأنبياء جميعهم ، واعتقاد الرسل كلهم ، لم يختلفوا فيما بينهم إلا في الشرائع والأحكام ، أما الاعتقاد والإيمان بالله ، فقد كانوا كلهم على التوحيد .

يقول القرطبي رحمه الله :

" ( حَنِيفاً ) مائلاً عن الأديان المكروهة إلى الحق دين إبراهيم ؛ وهو في موضع نصب على الحال ؛ قاله الزجاج .

أي : بل نتبع ملّة إبراهيم في هذه الحالة .

وسُمِّيَ إبراهيم حنيفاً لأنه حَنِف إلى دين الله ، وهو الإسلام .

والحَنَف : المَيْل ؛ ومنه رِجْلٌ حَنْفاء ، ورَجُل أَحنف ، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها . قالت أمّ الأَحْنَف :

واللَّهِ لولا حَنَفٌ بِرجْلِه … ما كان في فِتيانكم مِن مِثلِه

وقال الشاعر :

إذا حوّل الظّل العشيّ رأيتَه … حَنِيفاً وفي قَرْن الضحى يَتنصّرُ

أي : الحِرْباء تستقبل القِبْلة بالعشيّ ، والمَشْرِقَ بالغداة ، وهو قِبلة النصارى .

وقال قوم : الحَنَف : الاستقامة ؛ فسُمّيَ دين إبراهيم حنيفاً لاستقامته " انتهى.

" الجامع لأحكام القرآن " (1/358).

ويقول العلامة السعدي رحمه الله :

" أي : مقبلا على الله ، معرضا عما سواه ، قائما بالتوحيد ، تاركا للشرك والتنديد ، فهذا الذي في اتباعه الهداية ، وفي الإعراض عن ملته الكفر والغواية " انتهى.

" تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " (ص/67)

ويقول العلامة ابن عاشور رحمه الله :

" المراد الميل في المذهب ، أن الذي به حنف يميل في مشيه عن الطريق المعتاد ، وإنما كان هذا مدحا للملة لأن الناس يوم ظهور ملة إبراهيم كانوا في ضلالة عمياء ، فجاء دين إبراهيم مائلا عنهم ، فلقب بالحنيف ، ثم صار الحنيف لقب مدح بالغلبة . وقد دلت هذه الآية على أن الدين الإسلامي من إسلام إبراهيم " انتهى.

" التحرير والتنوير " (1/717)

ويقول أيضا رحمه الله :

" قوله : ( وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) أفاد الاستدراك بعد نفي الضد حصرا لحال إبراهيم فيما يوافق أصول الإسلام ، ولذلك بيَّنَ ( حنيفا ) بقوله : ( مسلما ) لأنهم يعرفون معنى الحنيفية ، ولا يؤمنون بالإسلام ، فأعلمهم أن الإسلام هو الحنيفية ، وقال : (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) فنفي عن إبراهيم موافقة اليهودية ، وموافقة النصرانية ، وموافقة المشركين ، وإنه كان مسلما ، فثبتت موافقة الإسلام ، وقد تقدم في سورة البقرة في مواضع أن إبراهيم سأل أن يكون مسلما ، وأن الله أمره أن يكون مسلما ، وأنه كان حنيفا ، وأن الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي جاء به إبراهيم ، ( وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )، وكل ذلك لا يُبقِي شكا في أن الإسلام هو إسلام إبراهيم .**

** ألْحَنيفيَّة

الحنيفية بحسب الإسلام هو الاعتقاد عملا وقولا والإيمان بأن الله هو الخالق وهو واحد ليس له شريك وأن جميع العبادات تصرف له من صلاة وزكاة ونحوهما، وأن الرسل الذين جاءوا بالدعوة لله هم عباد لله ورسل منه يدعون لعبادته، ومن أشهر حنفاء العرب قبل الإسلام عبد المطلب بن هاشم وآبائه، أمية بن أبي الصلت، زيد بن عمرو بن نفيل، قس بن ساعدة، أبو طالب بن عبد المطلب، عبد الله بن عبد المطلب ومحمد بن عبد الله. وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل اوّل الحنفاء وسيد الحنفيين ورأس الحنيفية. وكان على الحنيفية جميع الأنبياء من ذريته وأتباعهم، حتى زمن عيسى بن مريم و هما من الحنيفية، فمن كف من اتباع موسى عن الإيمان بعيسى وسم باليهودية، ولما جاء محمد بالقرآن، فمن كف من اتباع عيسى عن الإيمان بالإسلام وسم بالمسيحية.

في المعتقدات الأخرى

تعني الحنيفية “الميل” في اللغة، واصطلاحاً المَيلُ عن الحق بالعبرية والآرامية أو المَيلُ إلى الحق بالعربية. ورد ذكر الجذر الثلاثي (ح-ن-ف) في القرآن في اثني عشرة آية، نلاحظ أن في معظمهم يكون هنالك ربط مع النبي إبراهيم الذي وصفه القرآن ب الحنيف.

في اللغة العبرية والسريانية تعني نجساً أو مرتداً وُصِم بها العرب الذين هجروا عبادة الأصنام وارتدوا عن دين من كان حولهم. وفي المسيحية واليهودية هم الذين لم يدخلوا بهاتين الديانتين من الفرس والإغريق والعرب.

ذكر الحنيفية في القران:

(حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴿31﴾ سورة الحج)

(وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴿5﴾ سورة البينة)

(وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿135﴾ سورة البقرة)

(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿67﴾ سورة آل عمران)

(قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿95﴾ سورة آل عمران)

(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴿125﴾ سورة النساء)

(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَأوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿79﴾ سورة الأنعام)

(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿161﴾ سورة الأنعام)

(وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿105﴾ سورة الأنعام)

(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿120﴾ سورة النحل)

(ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿123﴾ سورة النحل)

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿30﴾ سورة الروم)

المراجع:

Van Bladel, Kevin Thomas (2009). The Arabic Hermes: From Pagan Sage to Prophet of Science. Oxford University Pres. صفحات 190?191. ISBN 9780195376135.

منقول عن : ويكيبيديا ألموسوعة الحُرّة.**

**ورواه البيقهي رحمه الله في (الدلائل) من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال:" ومن بني أسد بن خزيمة: عبيد الله بن جحش، مات بأرض الحبشة نصرانيا ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكحه إياها عثمان بن عفان بأرض الحبشة .. (13) " والخبر فيه علتان، الإرسال، وضعف ابن لهيعة. والمتن هنا فيه غرابة، قال ابن كثير رحمه الله: " وأما قول عروة أن عثمان زوجها منه فغريب، لأن عثمان كان قد رجع إلى مكة قبل ذلك ثم هاجر إلى المدينة وصحبته زوجته رقية (14) ".

وعبيد الله بن جحش لم يترجم له ابن عبد البر في (الاستيعاب) ولا ابن الأثير في (أسد الغابة) ولا ابن حجر في (الإصابة). وفي ترجمة أخيه عبد الله رحمه الله في (الإصابة) لم يذكر ابن حجر شيئا، وأما ابن عبد البر فقد قال في (الاستيعاب) في ترجمة عبد الله " .. وكان هو وأخوه أبو أحمد عبد بن جحش من المهاجرين الأوليين ممن هاجر الهجرتين، وأخوهما عبيد الله بن جحش تنصر بأرض الحبشة، مات بها نصرانيا وبانت منه امرأته أم حبيبة .. (15) ". وكذا ذكر ابن الأثير في ترجمة عبد الله.

وفي ترجمة أم حبيبة رضي الله عنها في (الإصابة): قال ابن حجر: " لما تنصر زوجها عبيد الله، وارتد عن الإسلام، فارقها، فأخرج ابن سعد من طريق إسماعيل بن عمرو بن سعيد الأموي قال .. (16) " وذكر القصة التي أوردها ابن سعد عن الواقدي، وسبقت.

وفي ترجمتها في (التهذيب) لم يذكر الحافظ تنصر عبيد الله بل قال: " هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش هناك، ومات فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي هناك، سنة ست، وقيل سنة سبع (17) " وقال الذهبي رحمه الله في (السير) في ترجمة أم حبيبة رضي الله عنها (ابن سعد أخبرنا الواقدي: أخبرنا وذكر رؤياها رضي الله عنها وردة زوجها، ثم قال (الذهبي): " وهي منكرة (18) " ولم يبين رحمه الله وجه النكارة.

ومما يرجح أن خبر ردته غير صحيح أن الروايات الصحيحة في نكاحه صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة رضي الله عنها لم تذكر شيئا من ذلك، فقد روى الإمام أحمد بسند صحيح من طريق الزهري عن عروة عن أم حبيبة رضي الله عنها " أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش وكان أتى النجاشي فمات، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة وإنها بأرض الحبشة، زوجها إياها النجاشي، وأمهرها آلاف (19) "ورواه أيضا أبو داود (20)، والنسائي (21).

مما سبق يتبين - والله أعلم - أن قصة ردة عبيد الله بن جحش لم تثبت، لعدة أدلة منها:

  1. أنها لم ترو بسند صحيح متصل، فالموصول من طريق الواقدي، والمرسل جاء عن عروة بن الزبير، ولا يمكن أن نحتج بالمرسل (عند من يرى الاحتجاج به) في مسألة كهذه، فيها الحكم على أحد السابقين الأولين بالردة.

  2. أن الروايات الصحيحة في زواجه صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة لم تذكر ردة زوجها السابق كما في الرواية السابقة عند أحمد وأبي داود والنسائي.

  3. أنه يبعد أن يرتد أحد السابقين الأولين للإسلام عن دينه، وهو ممن هاجر فرارا بدينه مع زوجه إلى أرض بعيدة غريبة. خاصة أن عبيد الله بن جحش ممن هجر ما عليه قريش من عبادة الأصنام، والتماسه مع ورقة، وغيره الحنيفية - كما في رواية ابن إسحاق (بدون سند) الواردة أول هذا البحث - وفي رواية ابن سعد (عن الواقدي) أنه كان قد دان بالنصرانية قبل الإسلام، ومعلوم أن البشارة ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت معروفة عند أهل الكتاب من يهود ونصارى، فكيف يتصور من رجل يترقب الدين الجديد أن يعتنقه ثم يرتد لدين منسوخ؟ كما أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة كان في سنة ست، وقيل سبع، وردة عبيد الله المزعومة قبل ذلك بفترة وهي مرحلة كان الإسلام قد علا فيها وظهر حتى خارج الجزيرة العربية، بل أصبح هناك من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، كحال المنافقين

  4. في حوار هرقل مع أبي سفيان - وكان إذ ذاك مشركا - أن سأله ضمن سؤالاته: " هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فأجاب أبو سفيان: " لا " ولو كان عبيد الله قد تنصر لوجدها أبو سفيان فرصة للنيل من النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته. كما فعل لما سئل " فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذا الكلمة (22) " ولا يمكن القول بأن أبا سفيان لم يعلم بردة عبيد الله - لو صحت ردته - لأنه والد زوجه أم حبيبة.

وبعد: فالمسألة متعلقة بأحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ومن السابقين الأولين، والأصل بقاء ما كان عل ما كان، فإن صح السند بخبر ردته فلا كلام، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، أما والسند لم يثبت فإن نصوص الشريعة حافلة بالذب عن عرض المسلم، فكيف إذا كان هذا المسلم صحابيا بل ومن السابقين؟.

تتمة:وقد أخرج ابن حبان في صحيحه (23)، قال: حدثنا سعيد بن كثير بن عفير قال حدثينا الليث عن ابن مسافر عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: " ثم هاجر عبيد الله بن جحش بأم حبيبة بنت أبي سفيان وهي امرأته إلى أرض الحبشة، فلما قدم الحبشة مرض، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوج رسول الله أم حبيبة، وبعث معها النجاشي شرحبيل بن حسنة ".

والله تعالى أعلم

انظر : كتاب “ماشاع ولم يثبت في السيرة النبوية” (ص:38) .**

**(10) عثمان بن الحويرث

هو : عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي.

ذكر ورقة بن نوفل وصحبه فيهم " عثمان بن الحويرث "

قال ابن إسحاق : واجتمعت قريش يوما في عيد لهم عند صنم من أصنامهم ، كانوا يعظمونه وينحرون له ، ويعكفون عنده ، ويديرون به ، وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة يوما ، فخلص منهم أربعة نفر نجيا ، ثم قال بعضهم لبعض : تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض ؛ قالوا : أجل . وهم : ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ؛ [ ص: 223 ] وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة ، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب ، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن قرط بن رياح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ؛ فقال بعضهم لبعض : تعلموا والله ما قومكم على شيء لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم ما حجر نطيف به ، لا يسمع ولا يبصر ، ولا يضر ولا ينفع ، يا قوم التمسوا لأنفسكم ( دينا ) ، فإنكم والله ما أنتم على شيء . فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية ، دين إبراهيم .

[ ما وصل إليه ورقة وابن جحش ]

فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية ، واتبع الكتب من أهلها ، حتى علم علما من أهل الكتاب . وأما عبيد الله بن جحش ، فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم ، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة ؛ فلما قدمها تنصر ، وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانيا .

منقول عن المكتبة الإسلامية **

(9)عمير بْن جندب الجُهني .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّد بْن عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدَّلُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ الْبَرْذَعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زِيَادَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : انْتَهَيْنَا إِلَى أَفْنِيَةِ جُهَيْنَةَ ، فَإِذَا شَيْخٌ جَالِسٌ فِي بَعْضِ أَفْنِيَتِهِمْ ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَحَدَّثَنِي ، قَالَ : إِنَّ رَجُلا مِنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ اشْتَكَى فَغُمِّيَ عَلَيْهِ ، فَجِئْنَاهُ وَظَنَنْا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ وَأَمَرْنَا بِحُفْرَتِهِ أَنْ تُحْفَرَ ، بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذَا جَلَسَ فَقَالَ : إِنِّي أُتِيتُ حِينَ رَأَيْتُمُونِي أُغْمِيَ عَلَيَّ ، فَقِيلَ لِي : أُمُّكَ هُبَلُ ، أَلا تَرَى حُفْرَتَكَ تُنْتَثَلُ ، وَقَدْ كَادَتْ أُمُّكَ تَثْكَلُ ، أَرَأَيْتَ إِنْ حَوَّلْنَاهَا عَنْكَ بِمُحَوِّلٍ وَقَذَفْنَا فِيهَا الْقُصَلَ ، الَّذِي مَشَى فَاحْزَأَلَ ، أَتَشْكُرُ لِرَبِّكَ وَتُصَلِّ ، وَتَدَعُ سَبِيلَ مَنْ أَشْرَكَ وَأَضَلَّ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ فَانْطَلَقْتُ ، فَانْظُرُوا مَا فَعَلَ الْقُصَلُ ، قَالُوا : مُوَافِقًا ، فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ ، فَدُفِنَ فِي الْحُفْرَةِ ، وَعَاشَ الرَّجُلُ حَتَّى أَدْرَكَ الإِسْلَامَ . قَالَ الشَّيْخ الحافظ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : هَذَا الرجل الَّذِي أخبر أنه قيل له هَذَا الكلام اسمه : عمير بْن جندب الجُهني .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرببْنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيد بْن مُسْلِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ ، وَأَبِي ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ ، قَالُوا : كَانَ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ ، يُقَالُ لَهُ : عُمَيْرُ بْنُ جُنْدُبٍ ، مَاتَ فِيمَا يُرْوَى قُبَيْلَ الإِسْلَامِ ، جَهَّزُوهُ بِجِهَازِهِ ، وَاشْتَرُوا لَهُ كَفَنَهُ وَحَنُوطَهُ ، وَحَفَرُوا لَهُ قَبْرِهِ وَبَيْنَمَا يَنْبِشُونَ لَهُ لِيَدْفِنُوهُ ، إِذْ كُشِفَ الْقِنَاعُ عَنْ رَأْسِهِ ، قَالَ : أَيْنَ الْقُصَلُ ؟ وَالْقُصَلُ أَحَدُ بَنِي عَمِّهِ ، قَالُوا : سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَرَّ آنِفًا ، فَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ ؟ فَقَالَ : لا تَبْكِ لِهُبَلَ . أَلا تَرَى إِلَى حُفْرَةِ الْقُصَلِ ، مَلأْنَاهَا مِنَ الْجَنْدَلِ ، الَّذِي مَشَى فَاخْتَزَلَ ، وَظَنَّ أَنْ لَنْ نَفْعَلَ ، أَتَعْبُدُ رَبَّكَ وَتُصَلِّ ، وَتَتْرَكُ سَبِيلَ مَنْ أَشْرَكَ وَأَضَلَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : فَأَفَاقَ ، وَنَكَحَ النِّسَاءَ ، وولد له الأولاد ، ولبث القصل ثلاثا من دهره ثم مات ودفن في قبر عمير بن جندب .

وجاء في المسوعة الشاملة:
وكل بناء عال مرتفع1. والحزورة الرابية الصغيرة والتل الصغير2. ويظهر إنه كان بنى صرحه فوق تل في محل منفرد، ليختلي هناك على طريقة الرهبان والنساك.
وكان ما عرفه أهل الأخبار عن “عمير بن جندب” الجهني، إنه كان من جهينة، وإنه كان موحدا لم يشرك بربه أحدا، وإنه مات قبيل الإسلام3.
وكان عامر بن الظرب العدواني من الحكماء، نسبت إليه أقوال في الحكم والدين. منها “إني ما رأيت شيئًا خلق نفسه، ولا رأيت موضوعا إلا مصنوعا، ولا جائيا إلا ذاهبا، ولو كان يميت الناس الداء، لأحياهم الدواء”. ثم قال: "إني أرى أمورا شتى وحتى. قيل له: وما حتى؟ قال: حتى يرجع الميت حيا، ويعود اللاشيء شيئًا، ولذلك خلقت السماوات والأرض، فتولوا عنه ذاهبين"4.
وقد نسبوا إليه جملة أحكام، منها حكمه في “الخنثى”، وقد ذكروا أن حكمه هذا قد أقره الإسلام. وقالوا إن العرب كانت إذا أشكل عليها أمر في قضاء، أو حارت في أمر معضل ترى وجوب الحكم فيه برأي صائب وعقل وتدبير، ذهبت إليه، فإذا حكم كان حكمه الحكم الفصل، فلا راد له5.
ونسبت إلى كل من عبد الطانجة بن ثعلب بن وبرة بن قضاعة وعلاف بن شهاب التميمي أبيات، فيها إقرار بوجود إله واحد خالق لهذا الكون، وبوجود الحساب والثواب والعقاب6.
وأما “المتلمس بن أمية” الكناني، فذكروا إنه كان قد اتخذ من فناء الكعبة موضعا يخطب فيه، ويعظ قومه عظات دينية، فكان في جملة ما قاله لهم:
ـــــــ
1 تاج العروس “2/ 178 وما بعدها”، “صرح”.
2 تاج العروس “3/ 138”، “حرز”.
3 بلوغ الأرب “2/ 261 وما بعدها”.
4 المحبر “135، 181، 236،236، 239” بلوغ الأرب “2/ 275 وما بععدها"ز
5 الروض الأنف “1/ 86”، ابن هشام “1/ 134”، “محمد محيي الدين عبد الحميد” المعمرون “44 وما بعدها”، عيون الأخبار “1/ 266” البيان والتبيين “1/ 264، 365، 401”، “2/ 72، 199”، ط3/ 38، 39، 299، 369”.
6 الأغاني “3/ 113”، “طبعة بيروت” مروج “2/ 60”.
وذكره السيد محمود شكري الألوسي البغدادي في الجزء الثاني من كتابه " بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب “قائلاً: " كان هذا الرجل ممن يوحدالله تعالى في الزمن الجاهليولا يُشرك بربه أحداً، وله قصة عجيبة ذكرها صاحب القاموس…” وذكر قصة " الْقُصَلُ " التي مرّ ذكرها في البداية.

(6) عبيد الله بن جحش
عبيد الله بن جحش بن رئاب الأسدي وهو أخو عبد الله بن جحش وقد كان زوجا لأم المؤمنين أم حبيبة ولها منه ابنتها حبيبة. مات بالحبشة وقيل انه ارتد عن الإسلام وتنصر والصحيح انه لم يرتد، ويدل على ذلك ان أبا سفيان لما زار هرقل في السنة السادسة للهجرة - اي بعد وفاة عبيد الله بن جحش بعدة سنوات - سأله هرقل عدة اسئلة عن الرسول ومنها “هل يرتد عن دينه أحد سخطاً منه” فكانت اجابة أبو سفيان وكان حينها لم يسلم “لا لم يرتد عن دينه أحد سخطاً منه”، ولو كان عبيد الله بن جحش قد ارتد لاستغل أبو سفيان هذه الفرصة وقال نعم خاصة انه زوج ابنته. وللحقيقة أن الروايات قد أختلفت فهذا يأيد وذاك ينفي، واورد هنا بعض الروايات وقد جاءت في موقع " ألألوكة " لا أنفي ولا أءكدوالله أعلم.
عبيد الله بن جحش هل تنصر ؟ !!.
" اشتهر في كتب السيرة أن عبيد الله بن جحش قد تنصر في أرض الحبشة، وكان قد هاجر إليها مع زوجة أم حبيبة رضي الله عنها فهل ثبتت ردته بسند صحيح؟

قال ابن إسحاق رحمه الله في ذكر بعض من اعتزل عبادة قريش للأصنام وهم ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، فقال بعضهم لبعض: " تعلمون والله ما قومكم على شئ، لقد أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به، لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع؟ التمسوا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شئ، فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين إبراهيم، فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية … وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة، ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان مسلمة فلما قدمها تنصر، وفارق الإسلام، حتى هلك هناك نصرانيا ".

ثم قال ابن إسحاق: " فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: كان عبيد الله بن جحش - حين تنصر - يمر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم هنالك من أرض الحبشة، فيقول: فقحنا وصأصأتم، أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد … (1) ".
وشيخ ابن إسحاق هنا محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام وهو ثقة، مات سنة بضع عشرة ومائة، من الطبقة السادسة، وهي طبقة لم يثبت لأحد منها لقاء أحد من الصحابة، فالخبر مرسل. ثم ذكره - ابن إسحاق - في قدوم جفعر بن أبي طالب من الحبشة فقال: "حدثني محمد بن جفعر بن الزبير عن عروة قال: " خرج عبيد الله بن جحش مع المسلمين مسلما، فلما قدم أرض الحبشة تنصر، قال: فكان إذا مر بالمسلمين (2) " وذكر نحو ما سبق. وهذا سند صحيح لكنه مرسل. وهو أصح ما ورد في تنصر ابن جحش.
وذكره أيضا في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة رضي الله عنها فقال: " ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زينب، أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قبله عند عبد الله [عبيد الله] بن جحش … فمات عنها بأرض الحبشة، وقد تنصر بعد إسلامه … (3) ". والخبر هنا بدون إسناد.

وروى القصة ابن سعد في (الطبقات) فقال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا عبد الله بن عمرو بن زهير عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهه، ففزعت، فقلت: تغيرت والله حاله، فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر دينا خيرا من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها، وأكب على الخمر حتى مات (4) " …
ورواه أيضا في ذكر عدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال عند ذكر أم حبيبة رضي الله عنها " وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عبيد الله بن جحش، وكان قد أسلم وهاجر إلى الحبشة .. ثم ارتد، وتنصر، فمات هناك على النصرانية (5) ".
وشيخ ابن سعد في الخبرين هو الواقدي،، وهو متروك على سعة علمه.
ورواه الحاكم في (المستدرك) عن الزهري مرسلا وفيه: " .. ثم افتتن وتنصر فمات وهو نصراني، وأثبت الله الإسلام لأم حبيبة .. وأبت ان تتنصر (6) .. "

ورواه موصولا من طريق الواقدي، وفيه رؤيا أم حبيبة (7)، كرواية ابن سعد " ومراسيل الزهري ضعيفة (8) " قال الأمام الذهبي رحمه الله: " قال يحي بن سعيد القطان: مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ، وكل ما قدر أن يسمى سمى، وإنما يترك ما لا يحب أن يسميه. قلت (الذهبي): مراسيل الزهري كالمعضل، لأنه يكون قد سقط منه إثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه ولما عجز عن وصله … ومن عد مرسل الزهري كمرسل سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير ونحوهما، فإنه لم يدر ما يقول، نعم كمرسل قتادة ونحوه (9) ".
وروى الخبر الطبري رحمه الله في تاريخه، في: " ذكر الخبر عن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم " عن هشام بن محمد مرسلا وفيه عند ذكر أم حبيبة: " فتنصر زوجها، وحاولها أن تتابعه فأبت، وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية (10) ". والخبر فضلا عن إرساله، فإنه عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي وهو رافضي متروك. قال الإمام أحمد رحمه الله: " إنما كان صاحب سمر ونسب، ما ظننت أن أحدا يحدث عنه (11) " ونقله ابن الأثير في تاريخه (12) عن ابن الكلبي أيضا.

**(5)أمية بن أبي الصلت الثقفي
أمية بن أبي الصلت الثقفي، ويقال له " أبو الحكم "، شاعر جاهلي ومن رؤساء ثقيف، اشتُهر بالحنيفية والتوحيد وكان من الدعاة إلى نبذ الأصنام وتوحيد الإله. كما أنه أحد شعراء ثقيف وشرفائها كما كان أبوه من قبله أحد زعماء ثقيف بالطائف.
هو أمية بن أبي الصلت عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف بن عقدة بن عزة بن عوف بن ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن أبو عثمان. يُعتبر من فحولة شعراء ثقيف والعرب في العصر الجاهلي، ولد في الطائف، وأمه من قريش، وهي رُفيّة بنت عبدشمس بن عبدمناف، كان من النساك العرب الذين نبذوا عبادة الأوثان.
نشأ بالطائف وكان مُحباً للسفر والترحال، فاتصل بالفُرس في اليمن وسمع منهم قصصهم وأخبارهم، ورحل إلى الشام في رحلات تجارية وقصد الكهان والقسيسين والأحبار وسمع وعظهم وأحاديثهم، وكان كثير الاطلاع على كتب الأديان والكتب القديمة فاطلع على التوراة والانجيل كما أنه كان كثير الاختلاف والتردد على الكنائس ورجال الدين، وكان مُهتماً بيوم البعث والحساب والجنة والنار فكان يكثر من ذكرها بأشعاره وأسجاعه، وكان أحد رؤوس الحنفاء في الجزيرة العربية المُنادين بتوحيد الخالق ونبذ الأوثان وما دون الله. والحنيفية قبل الإسلام كانت مدرسة ناشئة تجديدية تأثرت باليهودية والنصرانية وأدركت الوضع السيء لحال العرب الديني الجاهلي، فالتجأت إلى التوحيد والأمر بالارتقاء العقلي والأخلاقي والثقافة والتعلم، غير أن الأحناف لم تكن لهم عقيدة معينة فكانوا يختلفون باآراءهم ويجتعون على التوحيد ورقي التفكير، وأمية بن أبي الصلت يُعد أشهر هؤلاء الأحناف مع قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث، وغيرهم.
عاصر أمية بن أبي الصلت ظهور نبي الإسلام محمد، وقد جاءت الأخبار أنه التقاه وتحاور معه وسمع منه القرآن لكنه أبى أن يسلم، وفي المصادر الإسلامية أن أمية بن أبي الصلت منعه من الإسلام الحقد. وروى الحافظ ابن عساكر عن الزهري أنه قال: قال أمية بن أبي الصلت: ألا رسول لنا منا يخبرنا… ما بعد غايتنا من رأس مجراني قال: ثم خرج أمية بن أبي الصلت إلى البحرين، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام أمية بالبحرين ثماني سنين، ثم قدم الطائف فقال لهم: ما يقول محمد بن عبد الله؟ قالوا: يزعم أنه نبي هو الذي كنت تتمنى. قال: فخرج حتى قدم عليه مكة فلقيه فقال: يا ابن عبد المطلب ما هذا الذي تقول؟ قال: أقول إني رسول الله، وأن لا إله إلا هو. قال: إني أريد أن أكلمك فعدني غدا. قال: فموعدك غدا. قال: فتحب أن آتيك وحدي أو في جماعة من أصحابي، وتأتيني وحدك أو في جماعة من أصحابك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ذلك شئت. قال: فإني آتيك في جماعة، فأت في جماعة. قال: فلما كان الغد غدا أمية في جماعة من قريش، قال: وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم معه نفر من أصحابه حتى جلسوا في ظل الكعبة.
قال: فبدأ أمية فخطب، ثم سجع، ثم أنشد الشعر، حتى إذا فرغ الشعر قال: أجبني يا ابن عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بسم الله الرحمن الرحيم { يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ } ». حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه قال: فتبعته قريش يقولون: ما تقول يا أمية؟ قال: أشهد أنه على الحق. فقالوا: هل تتبعه؟ قال: حتى أنظر في أمره. قال: ثم خرج أمية إلى الشام، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلما قتل أهل بدر، قدم أمية من الشام حتى نزل بدرا، ثم ترحل يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائل: يا أبا الصلت ما تريد؟ قال: أريد محمدا. قال: وما تصنع؟ قال: أؤمن به، وألقي إليه مقاليد هذا الأمر. قال: أتدري من في القليب؟ قال: لا. قال: فيه عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وهما ابنا خالك - وأمه ربيعة بنت عبد شمس - قال: فجدع أذني ناقته، وقطع ذنبها، ثم وقف على القليب يقول: ما ذا ببدر فالعقنقل * من مرازبة جحاجح القصيدة إلى آخرها، كما سيأتي ذكرها بتمامها في قصة بدر إن شاء الله. ثم رجع إلى مكة والطائف وترك الإسلام. ثم ذكر قصة الطيرين، وقصة وفاته، كما تقدم، وأنشد شعره عند الوفاة: كل عيش وإن تطاول دهرا * صائر مرة إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي * في قلال الجبال أرعى الوعولا فاجعل الموت نصب عينيك واحذر * غولة الدهر إن للدهر غولا نائلا ظفرها القساور والصد * عان والطفل في المناور الشكيلا وبغاث النياف واليعفر النافر * والعوهج البرام الضئيلا . وقد تكلم الخطابي وغيره على غريب هذه الأحاديث.
توفي بالسنة الخامسة من الهجرة 626 م, ويروى أنه لما أتاه مرض الموت قال: " قد دنا أجلي، وهذه المرضة مني، وأنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد ". فأغمي عليه وأفاق وأخذ يقول : لبيك لبيكا…هأنذا لديكا لا مال يفديني… ولا عشيرة تنجيني


البداية والنهاية/الجزء الثاني/أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي
التاريخ الإسلامي الوجيز - د. محمد طقوش - دار النفائس الطبعة الخامسة 2011 - ص25,26.
أمية بن أبي الصلت
ابن كثير - أمية
النبأ**

**وقد ذكرنا له في باب اسمه أبياتًا حسنة من شعره في مدة مقام النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم بمكّة ونزوله المدينة.)) الاستيعاب في معرفة الأصحاب. ((وقع في معجم ابْنِ الأعْرَابِيِّ من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى: أحيلت الصلاةُ ثلاثة أحوال… الحديث بطوله. وفيه: فجاء رجل يقال له صِرْمَة إلى النبي صَلَّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، رأيت رجلًا ينزل من السماء عليه ثوبان أخضران على حريم حائط، فأذَّن مَثْنَى مثنى، ثم قعد ثم قام فأقام. قلت: وهو غلط نشأ عن سقط؛ وذلك أن القصة عند عَبْد بن حُميد في تفسير قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِِ} [البقرة: 187]؛ فذكر الحديث بطوله. وصِرْمة إنما جرى له ما تقدم في الذي قبله [[يعني صِرْمَة بن أنس]] أنه نام قبل أن يفطر، والذي جاء فذكر الرؤيا في الأذان، وهو عبد الله بن زيد؛ فسقط من السياق من ذكر صِرمة إلى ذكر عبد الله بن زيد على الصواب عند أبي داود والنسائي وغيرهما.)) ((ذكره ابْنُ شَاهِين وَابن قانع في “الصَّحابة”، وأخرج من طريق هُشَيم بن حصين، عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، أنَّ رجلًا من الأنصار يقال له صِرْمة بن مالك، وكان شيخًا كبيرًا، فجاء أهله عشاء وهو صائم، وكانوا إذا نام أحدهم قبل أن يُفطر لم يأكل إلى مثلها، والمرأة إذا نامَتْ لم يكن لزوجها أَن يأتيها حتى مثلها، فلما جاء صِرْمة إلى أهله دعا بعشائه فقالوا: أمهل حتى نجعل لك سخنًا تفطر عليه، فوضع الشَّيخُ رأسه فنام فجاؤوا بطعامه، فقال: قد كنْتُ نمت، فلم يطعم، فبات ليلته يتقلق بطنًا لظهر، فلما أصبح أتى النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزلت هذه الآية: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّن لَكُم…} [البقرة 187]، فرخص لهم أن يأكلوا اللّيل كله مِنْ أوله إلى آخره، ثم ذكر قصّةَ عمر في نزول قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَة الصِّيَامِ الرّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187].(*) وهذا مرسل. صحيح الإسناد. كذلك أخرجه عبد بن حُميد في التفسير عن عمرو بن عوف، عن هشيم؛ وأخرجه الطّبَرَانِيُّ من حديث عبد الله بن إدريس كذلك، وأخرجه ابن شاهين أيضًا من طريق المَسْعُودِيّ عن عَمْرو بن مرة، عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جَبل، قال: أحلّ صيام ثلاثة أحوال، فذكر الحديث، وفيه: وكانوا إذا صاموا فناموا قبل أن يفطروا لم يحل لهم الطَّعام ولا النّكاح، فجاء صِرْمة وقد عمل يومَه في حائطه، وقد أعيا فضرب برأسه فنام قبل أن يُفطر، فاستيقظ فلم يأكل ولم يشرب واستيقظ وهو ضعيف. وأخرجه أَبُو دَاوُدَ في “السُّنَن” من هذا الوجه ولم يتصل سنَدُه، فإن عبد الرَّحمن لم يسمع من معاذ. ويقال: إن القصَّةَ وقعت لصِرْمة بن أنس المبدأ بذكره؛ أخرجه ذلك هشام بن عمار في فوائده، عن يحيى بن حمزة، عن إسحاق بن أبي فرْوَة، عن الزّهري، عن القاسم بن محمد، قال: كان بَدْء الصوم أن يصومَ من عشاء إلى عشاء، فإذا نام لم يصل أهله ولم يأكل ولم يشرب، فأمسى صِرْمة بن أنس صائمًا، فنام قبل أن يفطر… الحديث. وإسحاق متروك. وأخرج الطَّبَرِيُّ من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبّان ـــ أن صِرْمة بن أنس أَتى أهلَه وهو صائمٌ، وهو شيخٌ كَبِيرٌ… فذكر نحو القصَّة. وأخرج الطَّبَرِيُّ من طريق السُّدّي في قوله تعالى: {كُتِب عَليْكُم الصَّيَامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة 183]؛ قال: كُتِب صيامُ رمضان على النّصارى وألاّ يأكلوا ولا يَشْرَبُوا، ولا يأتوا النّساء بعد النّوم في رمضان، فلم يَزَلْ المسلمون يصنعون ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار يقال له أبو قيس بن صِرْمة… فذكر القصَّة نحوه. ووقع في صحيح البُخَارِيِّ أنّ الذي وقع له ذلك قيس بن صِرْمة، أخرجه من طريق البَرَاء بن عازب كما سأذكره في ترجمته في حرف القاف. ووقع عند أَبِي دَاوُد من هذا الوجه صرمة بن قيس. وفي رواية النّسائي أبو قيس بن عمرو، فإنْ حمل في هذا الاختلاف على تعدد أسماء مَنْ وقع له ذلك، وإلا فيمكن الجَمْعُ بردّ جميع الرّوايات إلى واحد؛ فإنه قيل فيه: صرمة بن قيس، وصرمة بن مالك، وصرمة ابن أنس. وقيل فيه: قيس بن صرمة، وأبو قيس بن صِرْمة، وأبو قيس بن عمرو؛ فيمكن أن يقالَ: إن كان اسمه صِرْمة بن قيس؛ فمن قال فيه قيس بن صِرْمة قَلبه، وإنما اسمه صرمة وكنيته أبو قيس أو العكس، وأما أبوه فاسْمُه قيس أو صِرْمه على ما تقرر من القلب؛ وكنيته أبو أنس. ومَنْ قال فيه أنس حذف أداة الكُنْية، ومن قال فيه ابن مالك نسبه إلى جدّ له. والعلمُ عند الله تعالى.)) ((وقال المَرْزَبَانِيُّ: عاش أبو قَيْس عشرين ومائة سنة. قال ابْنُ إِسْحَاقَ: وهو الذي نزلت فيه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة 187]. ووصل ذلك أبو العبَّاس السَّراج من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزّبير، عن عبد الرّحمن بن عُوَيم بن ساعِدة. قلت: واسم الذي نزل فيه اختلف فيه اختلافًا كثيرًا كما سأبينه في الذي بعده[[يعني: صِرْمَة بن مالك الأنصاري]]. وقال المَرْزَبَانِيُّ: أبو قيس صِرْمة بن أبي أنس بن قيس بن مالك عاش نحوًا من عشرين ومائة سنة، وأدرك الإسلام فأسلم وهو شيخ كبير، وهو القائل:

بَدَا لِيَ أَنِّي عِشْتُ تِسْعِينَ حِجَّةً =وَعَشْرًا وَلِي مَا بَعْدَهَا وَثَمَانِيـا

فَلَمْ أَلفْهَا لَمَّا مَضَتْ وَعَدَدْتــُهـــــا =يُحَسِّنُهَا فِي الدَّهْرِ إِلاَّ لَيَالِيــــــا

)) الإصابة في تمييز الصحابة.

منقول عن موسوعة الصحابة**

(4)صرمة بن أبي أنس الأنصاري
((صِرْمَة بن أَبي أَنَس بن مَالِك بن عَدِىّ: بن عامر بن غَنْم بن عَديّ بن النجار، الأَنصاري الخزرجي النجاري، هكذا نسبه أَبو عمر. وقال أَبو نعيم: أَفرده بعض المتأَخرين، يعني ابن منده، عن المتقدم [[يعني صرْمَة بن أَنَسٍ]]، قال: وعندي هو المتقدم، ومثله قال ابن منده. وأَخرج ابن مَنْدَه وأَبو نعيم في هذه الترجمة ما أَخبرنا به أَبو جَعْفر بن السَّمِين بإِسناده إِلى يونس بن بكير، عن ابن إِسحاق، قال: قال صِرْمة بن أَبي أَنس حين قدم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم المدينـة، وأَمِنَ بها هو وأَصحابه:

ثَوَى فِي قُرَيشٍ بِضْعَ عَشْرَة حـجَّـةً يُـذَكِّــرُ لَــوْ يَـلْـقَـى صَـدِيـقًــا مُـوَاتِـيَـــا

وَيَعْرِضُ فِي أهْـلِ المـَوَاسِمِ نَفْـسَــــهُ فَـلَـمْ يَـلْـقَ مَـنْ يُـؤْمِـنْ وَلَـمْ يَــرَ دَاعِيَــا

فَـلَـمَّـا أَتَـانَـا وَاطْـمَـأَنَّـتْ بِـــهِ النَّـوى وَأَصْـبَـحَ مَـسْـرُورًا بِـطَيْبَــةَ رَاضِيَـا

وَأَصْبَحَ لاَ يَخْـشَى عَـدَاوَةَ وَاحِــدٍ قَرِيبًا وَلاَ يَخْشَى مْنَ النَّـاسِ بـَاغِيَـا

بَـذَلـْنـَا لَـهُ الأَمْـوَالَ مِـنْ جِـلِّ مَـالِـنَـــا وَأَنْـفُـسَـنَـا عِـنْدَ الـوَغَـى وَالتَّآسِــيَـا

أَقُـولُ إِذَا صَـلَّـيْـتُ فِي كُلِّ بِيـعَــــةٍ: حَـنَـانَـيْـكَ لاَ تُـظْـهِـرْ عَلَيَّ الأَعَـادِيَـا

وهى أَطول من هذا. قال ابن إِسحاق: وصِرْمة هو الذي نزل فيه، وفيما ذكرنا من أَمره: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} الآية كلها. وأَما أَبو عمر فلم يذكر الأَول، وإِنما ذكر صرمة بن أَبي أَنس وَاسم أَبي أَنس: قيس بن صِرْمة بن مالك بن عدي بن عامر بن غَنْم بن عَدِيّ بن النجار الأَنصاري، يكنى أَبا قيس؛ فأَتى بما أَزال اللبس بأَن سمى أَبا أَنس قيسًا، لئلا يُظَّن أَنهما اثنان، قال: وقال بعضهم: صرمة بن مالك، فنسبه إِلى جده، وهو الذي نزل فيه وفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إِلى قوله: {مِنَ الْفَجْرِ}. قال أَبو عمر وكان صرمة رجلًا قد تَرَهَّب في الجاهلية، ولبس المُسوح، وفارق الأَوثان، واغتسل من الجَنَابَة، واجتنب الحُيَّض من النساءَ، وهَمّ بالنصرانية، ثم أَمسك عنها، ودخل بيتًا له، فاتخذه مسجدًا، لا تدخل عليه فيه طامث ولا جُنُب، وقال: أَعبد رَبَّ إِبراهيم صَلَّى الله عليه وسلم، فلم يزل كذلك حتى قدم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم المدينة، فأَسلم وحسن إِسلامه، وهو شيخ كبير. وذكر له أَشعارًا ترد في كُنْيَتِه، وكان ابن عباس يختلف إِليه، يأْخذ عنه الشعر، وأَما ابن الكلبي فَسَمَّاه صرمة بن أَبي أَنس، ونسبه مثل أَبي عمر.)) أسد الغابة. ((ضَمْرة: بن أنس الأنصاريّ. استدركه ابن الأثير على مَنْ تقدّمه، وهو خطأ نشأ عن تصحيف؛ فإنه ساق عن جزء بن أبي ثابتٍ بإسناده عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: كان المسلمون إذا صلّوا العشاء الآخرة حرم عليهم الطّعامُ والشّراب والنّساء؛ وإن ضمرة بن أنس الأنصاري غلبته عَيْنُه فنام… الحديث: في نزول قوله تعالى: {وَكلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُم…} [البقرة: 187] الآية. هكذا قال. والصّواب صِرْمة بن أنس، وقد مضى القول فيه في القسم الأوّل، وبيان الاختلاف فيه، وبالله التوفيق.)) الإصابة في تمييز الصحابة. ((صِرْمَة بن أَنَس، وقيل: ابن قيس، الأَنصاري الأَوْسي الخَطْمي)) ((أنَسْ بن صِرْمة قال ابن منده في ترجمته صرمة بن أنس: وقيل: أنس بن صرمة بن أنس)) أسد الغابة. ((قيل: بل اسم أبي قيس صرْمَة بن أبي أنس بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عديّ بن النّجار هذا قول ابن إسحاق. وقال قتادة‏: أبو قيس مالك بن صفرة. والصّحيح ما تقدّم من قول ابن إسحاق.)) الاستيعاب في معرفة الأصحاب. ((صِرْمَةَ بن أَبي أَنس بن مالك بن عَدِيّ بن عامر بن غَنْم بن النجار. هذا قول ابن إِسحاق. وقال قتادة، أَبو قيس بن مالك بن صفرة، وقيل: مالك بن الحارث. وقول ابن إِسحاق أَصح)) أسد الغابة.
((غلبت عليه كنيتُه)) الاستيعاب في معرفة الأصحاب.
((كان أبو أنس شاعرًا))
((ولدَ صِرْمةُ بن أبي أنس: قيسًا، وأمُّه أمُّ قيس بنت مالك بن صرمة بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عديّ بن النجار.))
((شَهِدَ صِرْمَةُ أُحُدًا.)) الطبقات الكبير.
((كان قوَّالًا بالحق، معظّمًا لله في الجاهلية، ثم حسن إسلامه، وكان يقول في الجاهلية أَشعارًا حسانًا يعظّّم الله تعالى فيها.

**وقال محمد بن سعد عن الواقدي: حدثني زكريا بن يحيى السعدي عن أبيه قال: مات زيد بن عمرو بن نفيل بمكة، ودفن بأصل حراء. وقد تقدم أنه مات بأرض البلقاء من الشام لما عدا عليه قوم من بني لخم، فقتلوه بمكان يقال له ميفعة، والله أعلم.

وقال الباغندي عن أبي سعيد الأشج، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله : « دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين ». وهذا إسناد جيد، وليس هو في شيء من الكتب.

ومن شعر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله، ما قدمناه في بدء الخلق من تلك القصيدة:

إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا * وقولا رضيا لا يني الدهر باقيا

إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه * إله ولا رب يكون مدانيا

وقد قيل: إنها لأمية بن أبي الصلت، والله أعلم.

ومن شعره في التوحيد ما حكاه محمد بن إسحاق، والزبير بن بكار وغيرهما:

وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا

دحاها فلما استوت شدها * سواء وأرسى عليها الجبالا

وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا

إذا هي سيقت إلى بلدة * أطاعت فصبت عليها سجالا

وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الريح تصرف حالا فحالا

وقال محمد بن إسحاق: حدثني هشام بن عروة قال: روى أبي أن زيد بن عمرو قال:

أرب واحد أم ألف رب * أدين إذا تقسمت الأمور

عزلت اللات والعزى جميعا * كذلك يفعل الجلد الصبور

فلا العزى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمي بني عمرو أزور

ولا غنما أدين وكان ربا * لنا في الدهر إذ حلمي يسير

عجبت وفي الليالي معجبات * وفي الأيام يعرفها البصير

بأن الله قد أفنى رجالا * كثيرا كان شأنهم الفجور

وأبقى آخرين ببر قوم * فيربل منهم الطفل الصغير

وبينا المرء يعثر ثاب يوما * كما يتروح الغصن النضير

ولكن أعبد الرحمن ربي * ليغفر ذنبي الرب الغفور

فتقوى الله ربكم احفظوها * متى ما تحفظوها لا تبوروا

ترى الأبرار دارهم جنان * وللكفار حامية سعير

وخزي في الحياة وإن يموتوا * يلاقوا ما تضيق به الصدور

هذا تمام ما ذكره محمد بن إسحاق من هذه القصيدة.

وقد رواه أبو القاسم البغوي عن مصعب بن عبد الله، عن الضحاك بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: قال هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال زيد بن عمرو بن نفيل:

عزلت الجن والجنان عني * كذلك يفعل الجلد الصبور

فلا العزى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمي بني طسم أدير

ولا غنما أدين وكان ربا * لنا في الدهر إذ حلمي صغير

أربا واحدا أم ألف رب * أدين إذا تقسمت الأمور

ألم تعلم بأن الله أفنى * رجالا كان شأنهم الفجور

وأبقى آخرين ببر قوم * فيربو منهم الطفل الصغير

وبينا المرء يعثر ثاب يوما * كما يتروح الغصن النضير

قالت: فقال ورقة بن نوفل:

رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا

لدينك ربا ليس ربا كمثله * وتركك جنان الجبال كما هيا

أقول إذا أهبطت أرضا مخوفة * حنانيك لا تظهر علي الأعاديا

حنانيك أن الجن كانت رجاءهم * وأنت إلهي ربنا ورجائيا

لتدركن المرء رحمة ربه * وإن كان تحت الأرض سبعين واديا

أدين لرب يستجيب ولا أرى * أدين لمن لا يسمع الدهر واعيا

أقول إذا صليت في كل بيعة * تباركت قد أكثرت باسمك داعيا


  • < البداية والنهاية‏ | الجزء الثاني

منقول عن " ويكي مصدر":

.**

**وقال الواقدي: حدثني علي بن عيسى الحكمي، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب، ولا أراني أدركه، وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك.

قلت: هلم! قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها، ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب، فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه، فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكان من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبق نبي غيره.

قال عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرت رسول الله قول زيد بن عمرو، وأقرائه منه السلام، فرد عليه السلام وترحم عليه، وقال: « قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا ».

وقال البخاري في صحيحه ذكر زيد بن عمرو بن نفيل: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، حدثني سالم عن عبد الله بن عمر أن النبي لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، قبل أن ينزل على النبي الوحي، فقدمت إلى النبي سفرة فأبى أن يأكل منها.

ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه، وأن زيد بن عمرو يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماء وأنبت لها من الأرض، ثم يذبحونها على غير اسم الله إنكارا لذلك وإعظاما له.

قال موسى بن عقبة: وحدثني سالم بن عبد الله ولا أعلمه إلا يحدث به، عن ابن عمر أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني. فقال: إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله.

قال زيد: وما أفر إلا من غضب الله تعالى، ولا أحمل من غضب الله شيئا ولا أستطيعه، فهل تدلني على غيره؟

قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا. قال زيد: وما الحنيف؟

قال: دين إبراهيم عليه السلام، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله.

فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله. فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من على غيره. قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم.

قال: وقال الليث كتب إلى هشام بن عروة عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري.

وكان يحيي الموؤدة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها أنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها. انتهى ما ذكره البخاري.

وهذا الحديث الأخير قد أسنده الحافظ ابن عساكر من طريق أبي بكر بن أبي داود، عن عيسى بن حماد، عن الليث، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء فذكر نحوه.

وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء قالت: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش إياكم والزنا، فإنه يورث الفقر.

وقد ساق ابن عساكر هاهنا أحاديث غريبة جدا، وفي بعضها نكارة شديدة.

ثم أورد من طرق متعددة عن رسول الله أنه قال: « يبعث يوم القيامة أمة واحدة ».

فمن ذلك ما رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: سُئل رسول الله عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية، ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم، ويسجد.

فقال رسول الله : « يحشر ذاك أمة وحده، بيني وبين عيسى بن مريم ». إسناده جيد حسن.

وقال الواقدي: حدثني موسى بن شيبة، عن خارجة بن عبد الله بن كعب بن مالك قال: سمعت سعيد بن المسيب يذكر زيد بن عمرو بن نفيل فقال: توفي وقريش تبني الكعبة، قبل أن ينزل الوحي على رسول الله بخمس سنين.

ولقد نزل به وإنه ليقول: أنا على دين إبراهيم، فأسلم ابنه سعيد بن زيد واتبع رسول الله ، وأتى عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد رسول الله ، فسألاه عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال: « غفر الله له ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم ».

قال: فكان المسلمون بعد ذلك اليوم لا يذكره ذاكر منهم إلا ترحم عليه واستغفر له. ثم يقول سعيد بن المسيب رحمه الله وغفر له**

**وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: حدثنا أحمد بن طارق الوابشي، ثنا عمرو بن عطية، عن أبيه، عن ابن عمر، عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يتأله في الجاهلية، فانطلق حتى أتى رجلا من اليهود فقال له: أحب أن تدخلني معك في دينك.

فقال له اليهودي: لا أدخلك في ديني حتى تبوء بنصيبك من غضب الله.

فقال: من غضب الله أفر.

فانطلق حتى أتى نصرانيا فقال له: أحب أن تدخلني معك في دينك.

فقال: لست أدخلك في ديني حتى تبوء بنصيبك من الضلالة.

فقال: من الضلالة أفر.

قال له النصراني: فإني أدلك على دين إن تبعته اهتديت.

قال: أي دين.

قال: دين إبراهيم.

قال: فقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم، عليه أحيى وعليه أموت.

قال: فذكر شأنه للنبي فقال: هو أمة وحده يوم القيامة.

وقد روى موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر نحو هذا.

وقال محمد بن سعد، حدثنا علي بن محمد بن عبد الله بن سيف القرشي، عن إسماعيل، عن مجالد، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال:

قال زيد بن عمرو بن نفيل شاممت اليهودية والنصرانية فكرهتهما، فكنت بالشام وما والاها، حتى أتيت راهبا في صومعة فذكرت له اغترابي عن قومي، وكراهتي عبادة الأوثان، واليهودية والنصرانية، فقال له: أراك تريد دين إبراهيم يا أخا أهل مكة، إنك لتطلب دينا ما يوجد اليوم أحد يدين به، وهو دين أبيك إبراهيم، كان حنيفا لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، كان يصلي ويسجد إلى هذا البيت الذي ببلادك، فالحق ببلدك فإن الله يبعث من قومك في بلدك من يأتي بدين إبراهيم الحنيفية، وهو أكرم الخلق على الله.

وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني بعض آل زيد بن عمرو بن نفيل: إن زيدا كان إذا دخل الكعبة قال: لبيك حقا حقا تعبدا ورقا، عذت بما عاذ به إبراهيم وهو قائم إذ قال: إلهي أنفي لك عان راغم، مهما تجشمني فإني جاشم، البر أبغي لا أنحال، ليس مهجر كمن قال.

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، عن أبيه، عن جده: أن زيد بن عمرو، وورقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل فقال لزيد بن عمرو: من أين أقبلت يا صاحب البعير؟ فقال: من بنية إبراهيم. فقال: وما تلتمس؟ قال: ألتمس الدين.

قال: ارجع، فإنه يوشك أن يظهر في أرضك.

قال: فأما ورقة فتنصر، وأما أنا فعزمت على النصرانية فلم يوافقني، فرجع وهو يقول:

لبيك حقا حقا * تعبدا ورقا

البر أبغي لا أنحال * فهل مهجر كمن قال

آمنت بما آمن به إبراهيم وهو يقول: أنفي لك عان راغم، مهما تجشمني فإني جاشم، ثم يخر فيسجد.

قال: وجاء ابنه يعني سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنه فقال: يا رسول الله إن أبي كما رأيت وكما بلغك فاستغفر له.

قال: نعم، فإنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة.

قال: وأتى زيد بن عمرو بن زيد على رسول الله ومعه زيد بن حارثة، وهما يأكلان من سفرة لهما، فدعواه لطعامهما فقال زيد بن عمرو: يا ابن أخي أنا لا آكل مما ذبح على النصب.

وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمرو، حدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة، عن ابن أبي مليكة، عن حجر بن أبي أهاب قال: رأيت زيد بن عمرو وأنا عند صنم بوانة، بعد ما رجع من الشام، وهو يراقب الشمس، فإذا زالت استقبل الكعبة فصلى ركعة سجدتين.

ثم يقول: هذه قبلة إبراهيم وإسماعيل، لا أعبد حجرا، ولا أصلي له، ولا آكل ما ذبح له، ولا أستقسم الأزلام، وإنما أصلي لهذا البيت حتى أموت، وكان يحج فيقف بعرفة، وكان يلبي فيقول: لبيك لا شريك لك ولا ند لك. ثم يدفع من عرفة ماشيا وهو يقول: لبيك متعبدا مرقوقا**

**(3)زيد بن عمرو بن نفيل *
هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي رضي الله عنه، وكان الخطاب والد عمر بن الخطاب عمه، وأخاه لأمه، وذلك لأن عمرو بن نفيل كان قد خلف على امرأة أبيه بعد أبيه، وكان لها من نفيل أخوه الخطاب. قاله الزبير بن بكار، ومحمد بن إسحاق.وكان زيد بن عمرو قد ترك عبادة الأوثان وفارق دينهم، وكان لا يأكل إلا ما ذبح على اسم الله وحده.
قال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والذي نفس زيد بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلم، ثم يسجد على راحلته.
وكذا رواه أبو أسامة، عن هشام به. وزاد: وكان يصلي إلى الكعبة، ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم، وكان يحيي الموؤدة، ويقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، ادفعها إلي أكفلها، فإذا ترعرعت فإن شئت فخذها وإن شئت فادفعها. أخرجه النسائي من طريق أبي أسامة.
وعلقه البخاري فقال: وقال الليث: كتب إلى هشام بن عروة، عن أبيه به.
وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، وقد كان نفر من قريش زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وعبد الله بن جحش بن رياب بن يعمر بن صبرة بن برة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسعد بن أسد بن خزيمة، وأمه أميمة بنت عبد المطلب وأخته زينب بنت جحش التي تزوجها رسول الله بعد مولاه زيد بن حارثة، كما سيأتي بيانه.
حضروا قريشا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض وقالوا: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقال قائلهم: تعلمن والله ما قومكم على شيء، لقد أخطؤا دين إبراهيم وخالفوه، ما وثن يعبد؟ لا يضر ولا ينفع، فابتغوا لأنفسكم، فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل كتاب من اليهود والنصارى، والملل كلها، الحنيفية دين إبراهيم.
فأما ورقة بن نوفل فتنصر واستحكم في النصرانية، وابتغى الكتب من أهلها، حتى علم علما كثيرا من أهل الكتاب، ولم يكن فيهم أعدل أمرا، وأعدل ثباتا من زيد بن عمرو بن نفيل، اعتزل الأوثان، وفارق الأديان، من اليهود والنصارى والملل كلها، إلا دين الحنيفية دين إبراهيم، يوحد الله ويخلع من دونه، ولا يأكل ذبائح قومه، فإذا هم بالفراق لما هم فيه قال: وكان الخطاب قد آذاه أذى كثيرا حتى خرج منه إلى أعلى مكة، ووكل به الخطاب شبابا من قريش، وسفهاء من سفهائهم.
فقال: لا تتركوه يدخل، فكان لا يدخلها إلا سرا منهم، فإذا علموا به أخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم، أو يتابعه أحد إلى ما هو عليه.
وقال موسى بن عقبة: سمعت من أرضى يحدث عن زيد بن عمرو بن نفيل: كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء ماء، وأنبت لها من الأرض، لم تذبحوها على غير اسم الله؟ إنكارا لذلك وإعظاما له.
وقال يونس، عن ابن إسحاق: وقد كان زيد بن عمرو بن نفيل قد عزم على الخروج من مكة، فضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم، وكانت امرأته صفية بنت الحضرمي كلما أبصرته قد نهض للخروج وأراده، آدنت الخطاب بن نفيل، فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب الأول دين إبراهيم، ويسأل عنه، ولم يزل في ذلك فيما يزعمون، حتى أتى الموصل والجزيرة كلها.
ثم أقبل حتى أتى الشام، فجال فيها حتى أتى راهبا ببيعة من أرض البلقاء، كان ينتهي إليه علم النصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم، فقال له الراهب: إنك لتسأل عن دين ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، لقد درس من علمه وذهب من كان يعرفه، ولكنه قد أظل خروج نبي وهذا زمانه.
وقد كان شام اليهودية والنصرانية، فلم يرض شيئا منها، فخرج سريعا حين قال له الراهب ما قال يريد مكة، حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه.
فقال ورقة يرثيه:
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه * ولو كان تحت الأرض ستينا واديا


  • < البداية والنهاية‏ | الجزء الثاني**

**(2)ورقة بن نوفل
ورقة بن نوفل شخصية تاريخية، ورد ذكره في أكثر من مؤلف سواء عند مؤرخين مسلمين ومسيحيين. أتفق معظمها أنه كان يقرأ الإنجيل. كان حنيفا موحدا في عصر الجاهلية. وتقول روايات أنه كان نصرانيا. بعد نزول الوحي على محمد بن عبد الله استدعي ورقة بن نوفل لبيت خديجة، فأقر له بالنبوة، ثم لم ينشب ورقة أن توفي قبل أن يظهر دين الإسلام.
هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى بن قصي، والده هو أخو والد خديجة بنت خويلد، زوجة النبي محمد.يقول ابنُ مَنِّ الله في حديقة البلاغة في رده على ابن غرسية: ? وكانت فيهم (أى العرب) الملّة الحنيفية الإسلامية، والشريعة الإبراهيمية، ومن أهلها كان قس بن ساعدة الإيادى، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو من بنى عدى ? (نوادر المخطوطات 1/ 327).
ومما يدل على اعتناق ورقة للتوحيد قوله لبعض أصحابه الذين رفضوا عبادة الأصنام: ? تعلمون، والله ما قومكم على دين، ولقد أخطأوا الحجة، وتركوا دين إبراهيم ما حجر تطيفون به؟ لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضرُّ، يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين ? (البداية والنهاية 2/ 341 وسيرة ابن هشام 1/ 242 والمنمق 175-176) ومن هذا النص يتضح لنا أن ورقة كان على دين إبراهيم، ويدعو أصحابه أن يُثنوا أقوامهم عن عبادة الأصنام.
عُرف عن ورقة وبعض أصحابه أنهم يبحثون عن الحق دائماً، ويشغلهم التفكر في أمور الدين، لذا فقد خرج ورقة ذات يوم هو وزيد بن عمرو بن نفيل، ليسألا عن الدين، ورد في مسند الطياليسي: «خرج ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، فقال لزيد بن عمرو بن نفيل: من أين أقبلت يا صاحب البعير؟
قال من بيت إبراهيم.
قال : وما تلتمس ؟
قال : ألتمس الدين.
قال : ارجع ؛ فإنه يوشك أن يظهر الذي تطلب في أرضك»
عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال ورقة بن نوفل لمحمد: «أبشر ثم أبشر، ثم أبشر، فإنى أشهد أنك الرسول الذي بشر به عيسى برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد، فأنا أشهد أنك أنت أحمد، وأنا أشهد أنك محمد، وأنا أشهد أنك رسول الله، وليوشك أن تؤمر بالقتال وأنا حى لأقاتلن معك». فمات ورقة. فقال نبي الإسلام: «رأيت القس في الجنة عليه ثياب خضر»..
وورد عن الرسول محمد أنه لما سُئل عن ورقة قال: «أبصرته في بطنان الجنة عليه سندس». وقال السهيلى في الروض الأنف : ?ورقة قد ثبت إيمانه بمحمد?، ويقول ابن القيم الجوزية في زاد المعاد: ?واسلم القس ورقة بن نوفل، وتمنى أن يكون جذعاً إذ يخرج رسول الإسلام قومه" وفي جامع الترمذي أن رسول الإسلام رآه في هيئة حسنة. وفى حديث آخر أنه رآه في ثياب بيض".
كما أنّ فإن ورقة بن نوفل هو أحد الأربعة الذين اجتمعوا في يوم احتفال قريش بصنم من أصنامهم وتحدثوا فيما بينهم، واجتمعت كلمتهم على أن قريشاً انحرفت عن دين إبراهيم عليه السلام، وأنه لا معنى لعبادة الأصنام، وانطلقوا يبحثون عن دين إبراهيم الصحيح.
وهؤلاء هم: ورقه بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل.
فأما ورقة فهو قد تنصر وقرأ ما وجد من كتب الأقدمين فاستقر على النصرانية وكان من علمائها.
وأما عثمان بن الحويرث فتنصر وذهب إلى قيصر فأقام عنده حتى هلك.
وأما زيد بن نفيل فكان بمكة متمسكاً بما يظن أنه دين إبراهيم الصحيح حتى توفي.
وأما عبيد الله بن جحش فأدرك الإسلام وأسلم وهاجر إلى الحبشة بزوجته -أم المؤمنين فيما بعد- رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها، فارتد هناك وتنصر إلى أن هلك.
وبعدما أكرم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة كان ورقة شيخاً كبيراً قد عمي -كما قال الذهبي - فذهبت إليه خديجة فأخبرته بما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء، وكيف جاءه جبريل عليه السلام كما أخبرها الرسول صلى الله عليه وسلم.
فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده إن كنت أصدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي لموسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت… فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطوف بالبيت فلقيه ورقة فقال: يا ابن أخي: أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ورقة: والذي نفس ورقة بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي كان يأتي لموسى ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه ولتقانلنه، ولئن أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً يعلمه، ثم دنا من رسول الله صلى الله فقبل رأسه.. ثم لم ينشب ورقة أن توفي قبل أن يظهر الإسلام.
وروى الترمذي عن عائشة قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ورقة فقالت له خديجة: إنه كان صدقك، وإنه مات قبل أن تظهر، فقال: رأيته في المنام وعليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لرأيت عليه ثياباً غير ذلك.
وعن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت لورقة جنة أو جنتين.
وعلى هذا فيكون ورقة رضي الله عنه هو أول من صدق بعد خديجة رضي الله عنها.
وتجد هذه المعلومات وغيرها أكثر تفصيلاً في كتب السيرة والسنة والتفسير ..وخاصة السيرة لابن هشام وسير أعلام النبلاء للذهبي والبداية والنهاية لابن كثير وذلك عند كلامهم على مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبداية نزول الوحي.
والله أعلم.


(1)يقول ابنُ مَنِّ الله في حديقة البلاغة في رده على ابن غرسية : ? وكانت فيهم (أي العرب) الملّة الحنيفية الإسلامية، والشريعة الإبراهيمية، ومن أهلها كان قس بن ساعدة الإيادى، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو من بنى عدى ? (نوادر المخطوطات 1/ 327).
(2)مما يدل على اعتناق ورقة للتوحيد قوله لبعض أصحابه الذين رفضوا عبادة الأصنام : تعلمون، والله ماقومكم على دين، ولقد أخطأوا الحجة، وتركوا دين إبراهيم ما حجر تطيفون به ؟ لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينفع، ولا يضرُّ، يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين ? (البداية والنهاية 2/ 341 وسيرة ابن هشام 1/ 242 والمنمق 175-176)
(3)روى البخارى في صحيحه بخصوص ورقة بن نوفل : ? كان امرأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانى، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمى ? (صحيح البخارى : 1/3)
(4)أخرجه البخارى في كتاب الأنبياء بلفظ : ? وكان رجلاً تنصر يقرأ الإنجيل بالعربية ? (صحيح البخارى 4/ 184)
(5)قال ابن اسحاق في السيرة : فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية، واتبع الكتب من أهلها، حتى علم علما من أهل الكتاب ? (سيرة ابن هشام 1 / 243).
(6)في تاريخ الطبرى : ?.. وكان ورقة قد تنصر، وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والإنجيل ? (تاريخ الطبرى 2/ 302).
(7) مسند الطياليسي 32
(8) مصنف ابن أبى شيبة 14 / 293 ? سيرة ابن اسحاق 113 ? دلائل النبوة للبيهقى 2/ 158 البداية والنهاية 3/ 9-10 ? نسب الأشراف 106
(9) مسند أبي يعلي 2/ 299 تحقيق وتعليق إرشاد الحق الثرى
(10) الروض الأنف 1/173
(11)زاد المعاد 3/21