**مقابلة مع مجلة المصور عن المطبخ الفرعونى
1- لماذا فكرتي في البحث في الوصفات الفرعونية؟
- فى البدايه وبصفتى باحثة أثرية بدأت بالإهتمام بالمطبخ المصرى بشكل عام كنوع من المحافظة على تراث الأكل المصرى الذى بدأ فى الإندثار نتيجة للهجمات الشرسة لأنواع الطعام المختلفة الآتيه إلينا من جميع بلاد العالم ، بما فيها من أنواع عديده مما يسمى (فاست فود) مثل الهامبورجر والسوسيس والفرايز والمعجنات وما إلى ذلك من أنواع الطعام التى تحتوى على الكثير من الدهون والكوليسترول الضار والنشويات .هذاما دعانى فى البدايه إلى عمل كتاب تحت عنوان (مطبخ جدتى) يجمع معظم أكلاتنا المصرية التى إعتدنا على تناولها فى المنازل من قبل وذلك كبداية للقيام بالدعوة لإحياء مثل هذه الأصناف المفيدة والصحية والتى تعتمد على الخضروات والبقول واللحوم والطيور والأسماك.
ثم بدأت فى تتبع الأكلات التى تميز المطبخ المصرى فقط عن باقى مطابخ البحر المتوسط (مثل بلاد الشام و اليونان وتركيا وإيطاليا وفرنسا وأسبانيا وبلاد المغرب العربى وليبيا) والتى تشترك مع الأكل المصرى فى العديد من المواد الغذائية الموجودة فى وصفاتها من الخضروات مثل الباذنجان والبطاطس والسبانخ وما إلى ذلك، وأنواع البقول المختلفة مثل الفاصوليا واللوبيا والحمص بالإضافه إلى أنواع الأسماك المختلفة .
فكان لابد من الرجوع إلى المطبخ الفرعونى للبحث فى أنواع الطعام التى كانت توجد فى مصرالقديمة ، وذلك للتعرف على أنواع الطعام التى امتدت إلينا من العصر الفرعونى واستمرت حتى الآن والتى تميز المطبخ المصرى فقط عن باقى المطابخ التى تم ذكرها.
كان البحث فى هذا الموضوع الذى لم يتطرق له أحدا من قبل شيقا بحيث أنه استغرق حوالى سنتين من البحث و المجهود المشترك بينى وبين زميل دارس لعلم المصريات (عمرو حسين) لمتابعه أنواع الطعام التى عرفت على مر العصور القديمة بدأ من بداية عصر الأسرات وحتى العصر اليونانى و الرومانى مرورا بالأسرات الوسطى و الحديثة وذلك فقط للتعرف على المواد الغذائية التى تم ذكرها على جدران المعابد والتى تضمنتها الهبات التى كانت تقدم لها ، بالإضافة إلى ما كان يقدم فى الوجبات الجنائزية وولائم الدفن التى كانت تصاحب مراسم دفن المصرى القديم لموتاه.
2- كيف توصلتي إلى سر الوصفات الفرعونية خاصة وأن المصريون القدماء لم يتركوا وصفات؟
- عند بدايه البحث فى موضوع الطعام فى العصر الفرعونى كنت أعتقد أن مثل هذه الوصفات متاحه ويمكن الرجوع إليها ولكن ومع تقدم البحث أكتشفت صعوبه بل إستحاله العثور على وصفه كاملة بالمقادير وطريقة الصنع حيث لم يهتم المصرى القديم بتسجيل وصفات الطعام بالرغم من وجود العديد من النقوش والرسومات على المعابد والمقابر و التي تحتوى على الوصف التفصيلي للبيت المصري القديم والمطبخ كمكان لتحضير الطعام، بالإضافة إلى وجود العديد من النقوش التي توضح أنواع الطعام التي كانت تقدم في جميع المناسبات تقريبًا منذ عصر الأسرات وحتَّى القرن الأول الميلادي ، كل ذلك بالإضافه إلى رسومات توضح أنواع الأواني المستخدمة في الطهي، بل طرق طهي الطعام المختلفة.
ولقد كان من اللافت للنظر في بدء البحث عن الوصفات التي ترجع إلى العصر الفرعوني أن طريقة طهي الطعام في مصر العليا ( الصعيد و النوبة ) تتميز بالبساطة الشديدة في إعداد الأكلات و عدم خلط العديد من المواد الغذائية في طهي الطعام، بل و بساطه التوابل المستخدمة، كل ذلك بالإضافه إلى استخدام نفس المواد الغذائية من خضر و حبوب و توابل و أعشاب و التي توجد في المنطقة على امتداد العصور التاريخية المختلفة وحتى الآن ، بالإضافة إلى بُعد منطقة مصر العليا ( الصعيد و النوبة ) عن التأثيرات الخارجية التي قد تكون عاملا مؤثرا في تغيير العادات الغذائية على المدى الطويل كما حدث في مصر السفلى ( منطقة الدلتا ) مثلا،حيث نجد التأثير اليوناني ثم الروماني ثم الهجرات الأجنبية و الفتوحات الإسلامية ثم الاحتلال العثماني فيما بعد قد أثرت بشكل مباشر في تغيير العادات الغذائية و في طريقة طهي الطعام بل و في الإضافات العديدة على أنواع الطعام مما أدى إلى ظهور الشكل النهائي للأكل المصري المعروف حاليا في كل أقاليم مصر السفلى ( الدلتا )، في نفس الوقت الذي احتفظ فيه الأكل الصعيدي بنفس الطريقة المتوارثة منذ العصر الفرعوني في طريقة طهي الطعام و إعداد الخبز.
وعلى ذلك توصلت إلى أن وصفات الطعام فى مصر العليا (الصعيد) على امتداده وخاصه فى القرى البعيده عن العواصم وما يقدم فى النوبة يطابق ما كان يقدم فى مصر الفرعونية على مر العصور وأن طريقة التحضير والطهى هى نفس الطريقة التى كان أجدادنا الفراعنة يتبعونها فى طهى طعامهم.
3- تنوع كتابك “وصفات من المطبخ الفرعوني” بين توصيف للمنزل والمطبخ الفرعوني ووصفات الطعام في الحياة الدنيا والطعام في الحياة الأخرى كما سماها الفراعنة، فهل يمكن أن توضحي لنا السر في هذا التصنيف؟
- كان الإهتمام بتوصيف المنزل والمطبخ الفرعونى يهدف إلى ذكر وصفا للمنازل المختلفة والتى تنوعت بتنوع قاطنيها والذى كان يهدف فى المقام الأول إلى توضيح إهتمام المصرى القديم بوجود مكان بالمنزل يقوم فيه بتحضير وجباته الغذائية اليومية من خبز وشراب وأطعمة أخرى مطهية.
ويقدم لنا وصفا دقيقا لكل من المطبخ وأوانى الطهى التى إستخدمت بشكل يومى حيث كان المطبخ عادة هو أقصى الغرف حيث يقع في نهاية المنزل ، وكان في الغالب ما يسقف بالقش وأغصان الشجر لحجب ضوء الشمس و ذلك لطبيعة المناخ الحار لمصر ، ولكن في نفس الوقت يسمح بتصريف الدخان الناتج عن عملية الطهي ، و في أحيانٍ أخرى كان المطبخ يقع خارج غرف المنزل في الفناء الخارجي ويقع بجواره غرفة للخزين والتي كانت في بعض الأحوال تقع أعلى سطح المطبخ أو المنزل ولها درج يوصل لها .
كان المطبخ بسيط في تكوينه ، يوجد في أحد جوانبه فرن ذو درجات لوضع الآنية فوقه ، ويتكون سطحه الخارجي من طبقة طينية وكان بالمطبخ أيضا هاون حجري أو أكثر لجرش الحبوب أو حجرين فوق بعضهما البعض أعلاها مثقوب ، وهو ما يعرف باسم " الرحى " لطحن الحبوب وتحويلها إلى دقيق صالح لصناعة الخبز ، و في أحد الأركان كان يوضع حوض للعجين ذلك بخلاف ما كان يحتويه المطبخ من أواني للطهي وأواني أخرى لحفظ المياه ، وأحيانا كان المصري القديم يصنع كوة في أحد جدران المطبخ تضم تمثال لأحد الآلهة المنزلية الحافظة .
ومما لا شك فيه أن أدوات الطهي التي استخدمها المصري القديم كانت بدائية فعند عدم توافر الفرن ذي الدرجات كان يكتفي بفرن متنقل من الفخار ذي شكل إسطوانى له فتحة من أسفل لإيقاد النار ، وحتى ذلك الفرن عند عدم توافره كان يكتفي بوضع بضعة أحجار فوق الأرض يوقد النار في وسطهم، ويستخدمهم لوضع الإناء فوقهم ( الكانون ) أما من أجل إيقاد النار فقد استعمل المصري القديم خشب يعرف باسم خشب الشراقي، إلى جانب الخشب اللازم كوقود .
كان المطبخ يضم العديد من أواني الطهي ذات المقبضين والأطباق والطاسات والأباريق والزلع الفخارية والحجرية ، وكذلك السلال التي تستخدم لوضع المواد الغذائية بها و المناخل و الهاون ، وكذلك الموائد إلى جانب الأدوات المساعدة مثل الملاعق والسكاكين اللازمة لتقطيع اللحم وخطاطيف التعليق.
ومما لا شك فيه أن معلوماتنا عن طرق طهي الطعام في مصر القديمة منقوصة بعض الشيءِ ، ولكن من الممكن تكوين صورة عن طرق الطهي التي اتبعها المصري القديم ، وذلك من خلال الشواهد التاريخية الثابتة مثل النقوش والرسوم التي تركها لنا المصريون القدماء ، وكذلك الآثار المنقولة مثل الأدوات والأواني التي عثر عليها من خلال الحفائر الأثرية .
- اما بالنسبه للطعام في الحياة الدنيا
وهو ما يشير إلى الوجبات اليومية التى كان المصرى القديم يتناولها حيث كانت التربة الخصبة التي تميزت بها الأراضي المصرية عاملاً رئيسياً في مساعدة الإنسان المصري القديم لزراعة العديد من المحاصيل المتنوعة بجانب الاستقرار الذي صبغ حياته ، وعاونته على استئناس الحيوانات والطيور، بالإضافة إلى نهر النيل الذي شق الوادي من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال ، وأمد المصريين بأنواع عديدة من الأسماك والطيور البرية كل هذا ساعد على تنوع مصادر الطعام بالنسبة للمصري القديم الذي لم يبخل على نفسه في حال توافر الإمكانيات في إظهار مظاهر الترف في تناول الطعام ، فقد اعتمد المصري القديم البسيط في غذائهِ على الخبز والجعة بجانب ما يتوافر من المزروعات مثل البصل والثوم والعدس والكرات واللفت والفجل والخس والخيار .
اعتبارا من عصر ما قبل الأسرات و على امتداد العصور التاريخية كان الطعام الأساسي للمصري القديم غنيهم وفقيرهم يعتمد على الخبز المصنوع من الغلال والذي تنوعت أشكاله وطرق صناعته ، فقد كان الدقيق يخلط بالخميرة والملح والتوابل وأحيانا بالبيض والزبد ، وكان أحيانا ذا حواف توفر مساحة كافية لحشوه بالبقول أو الخضروات كما كان في بعض الأحيان يحلى بالعسل أو التمر كما عرف المصري القديم العديد من البقول مثل الفول والحمص والعدس وكذلك أنواع عدة من الخضروات مثل البازلاء والخس والثوم والبصل والكرات ، أما عن الفاكهة ، فقد كان التمر من أكثر الفواكه شعبية ، بالإضافة إلى أنواع أخرى مثل التين والعنب والرمان وأيضا البطيخ والبرقوق اللذان ظهرا في نقوش الدولة الحديثة .
كان المصري القديم يميل إلى تناول اللحوم التي تنوعت مصادرها مثل الطيور سواء البرية منها أو الداجنة ، وكذلك لحوم الأسماك ولحوم الحيوانات مثل لحوم حيوانات القنص أو لحوم الحيوانات المستأنسة .
ولقد أمدتنا النقوش التي تركها لنا المصري القديم مصوراً حياته اليومية بمناظر تصور عملية تصنيع منتجات الألبان من الحليب والجبن والزبد كما أنه عرف استخراج الزيوت من بذور النباتات مثل زيوت السمسم والخروع والفجل بالإضافة إلى أنه كان له السبق في استخدام الأعشاب والتوابل مثل الينسون والكمون والقرفة والشمر والحلبة والخردل والزعتر .
- أما بالنسبه للطعام في الحياة الأخرى
وهو مايعنى القرابين التى كانت تقدم للألهه فى المعابد أو توضع فى قبور الموتى ، هذا إلى جانب وليمة الدفن والوجبة الجنائزية التى كانت تقدم أثناء مراسم دفن الموتى .
كانت القرابين التي اعتاد تقديمها المصري القديم للآلهة في المعابد أو جنائزيًا للمتوفى أحد تراث ثقافته الحضارية ، وكان لها من الطقوس والشعائر ما ترسخ داخل وجدانه على مدار عقود طويلة ، وكانت تلك الطقوس تبدأ بالطهارة التي تفرض على كل كاهن أو شخص يقترب من الأشياء المقدسة وفي أحد القبور التي تعود إلى عصر الدولة القديمة كتب عليها عبارة " كل من يدخل هنا يجب أن يكون نقيًا ، وأن يتطهر كما يتطهر عند دخوله معبد الإله الكبير " وكانت شروط الطهارة عادة تتطلب الاغتسال ، وألا يأكل الشخص لحم الماشية أو السمك .
أما بالنسبة للتقديمات والقرابين فكانت عبادة منتظمة حيث هناك تقديمات يومية ولكن مما لا شك فيه كانت أقل من الكميات التي تقدم في الأعياد والمواسم ، ولكنها تحوي دائما الخبز واللحم والفواكه ، وكانت تلك القرابين التي توضع أمام تمثال الإله وفوق موائد القرابين ، هي الطعام الأساسي الذي يعتمد عليه الكهنة والعاملين بالمعابد , حيث تعددت وظائف العاملين بالمعابد ، فعلى سبيل المثال في “معبد أمون” حيث كان هناك مسئولو الأغذية مثل الكاهن المسئول عن كهنة نبيذ معبد أمون ، وصانع الجعة ، الخباز ، الحلواني ، حلواني أمون ، رئيس صانعي حلوى معبد أمون ، رئيس النحالين لأمون ، و رئيس مطبخ أمون.
أما بالنسبة لقرابين الآلهة فترجع أهمية ذكر أمثلة للقرابين المقدمة للآلهة في مصر القديمة إلى أنها تحتوى على العديد من المواد الغذائية التي كان المصري القديم يتناولها في طعامه اليومي و كذلك للتدليل على مدى وفرة تلك المواد ، و على سبيل المثال نقدم بعض الأمثلة من قائمة “بكل هبات الملك رمسيس الثالث إلى معابد الآلهة” و المأخوذة عن البردية المعروفة باسم بردية هاريس , حيث ضمت تلك القائمة العديد من المواد الغائية مثل :
- خبز ناعم - فطائر على هيئة البقر- جعة- فاكهة - شهد - بلح - خبز أبيض مستطيل الشكل - شحم أبيض - بلح مجفف زبيب- لبن - زيت - فول مقشر - زبده - ماعز- إوز ? عجول.
ولم يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للطقوس الجنائزية التي تقام للمتوفى في المقابر فالمصري القديم الذي اعتقد في وجود حياة أخرى بعد الموت ، واعتبر من أحد شروطها تحنيط جسد المتوفى للمحافظة عليه من الهلاك حتى يتسنى له الحياة في العالم الآخر ، وترك بجواره الأثاث والحلي والحبوب وغيرها ، كان يقيم للمتوفى الشعائر والطقوس الدينية ويقدم أمام قبره القرابين ومنذ وقت مبكر من التاريخ كان المصريون القدماء يتمنون
للمتوفى ألف رغيف وألف قدر من البيرة وألف إوزة وألف ثور وكذلك ألفا من كل شئ طيب وإن كانت هذه أماني أهل المتوفي لكن الواقع أنه كان من المعتاد أن يضع أهل المتوفي بضعة أرغفة من الخبز على مائدة القرابين ثم كانوا يرشونها ببعض قطرات الماء أما في الأعياد والمناسبات فكانوا يزيدون على ذلك بعض الفاكهة ، وربما أحيانا فخذ ثور .
4- يشتهر المصريون القدماء بولائم الأحتفالات المتنوعة فما هي أشهر تلك الأحتفالات وما هي أشهر أكلاتها؟
- كان المصري القديم يميل بطبعه إلى الطعام والشراب الجيد، وقد سمح له تعدد مصادر الطعام ووفرته في تنوع المأكولات التي تناولها خاصاً في المناسبات والأعياد أو عند إقامة الولائم ولقد أمدتنا الحضارة المصرية القديمة ببعض النقوش التي تمثل المآدب التي أقامها المصري القديم ، وكان تنوع الطعام فيها يعتمد على مكانة وثراء الشخص الداعي لتلك المأدبة ، فإذا كان الداعي من الأثرياء يأمر بذبح ثور سمين كما تعمر المائدة بالإوز المشوي والعديد من جرار الجعة والنبيذ الفاخر وسلال الفاكهة وأنواع الخبز والحلويات المختلفة ، أما العامة أو الطبقات الأقل في المجتمع المصري القديم ربما لم يكن في استطاعتها ذبح حيوان كبير مثل الثور إذا دعتهم الحاجة إلى إقامة وليمة ، فكان الاكتفاء ربما بشاة صغيرة أو إوزة ، و كذلك الاكتفاء بالجعة كمشروب لأن النبيذ لم يكن من المشروبات المتاحة للجميع بخلاف الجعة.
ومن أشهر هذه الولائم نجد على سبيل المثال وليمة الدفن والتى كانت تقام في وقت الدفن وأمام المقبرة حيث كانت تجلب الموائد الحافلة بالأطعمة وقدور الشراب والزهور والأغصان ، والشواهد التاريخية التي وصلتنا من عصر الدولة الحديثة أمدتنا بما يحدث في هذا اليوم ، وهو يشابه ما يحدث في الأعياد والمناسبات التي تقدم فيها القرابين أمام قبر المتوفي ، فكان أهل الميت يرتدون أحسن ثيابهم ويتحلون بالأزهار ، ويأتي في ركابهم الخدم يقدمون أوعية النبيذ بينما يتناول القوم الأطعمة الممتدة أمامهم ويناجي المغني الميت " احتفل باليوم السعيد تضمخ بالطيب وأدهن أنفك بفاخر الزيت ، وضع الأكاليل وأزهار اللوتس على جسد أختك الحبيبة التي تجلس إلى جانبك ، وأمر بأن يغني ويعزف أمامك وألق بكل محزن وراء ظهرك " ، وإن كانت الطبقة الغنية قد استطاعت أن تقوم بتلك الطقوس .
كذلك نجد الوجبة الجنائزية والتى كانت تمثل جزءا اساسيا في معتقدات المصري القديم ، فالميت يستعيد الحياة في قبره بعد وفاته و يزاول نشاطه بنفس الاحتياجات التي كانت تلزمه و هو في حياته الأولى من أدوات حياته اليومية و مما لا شك فيه أن الأطعمة و الأشربة جزءا هاما من المواد المقدمة للموتى و دونها لم يكن في وسعهم الحياة بعد الموت في الحياة الأخرى ، و كانت قطع اللحم البقرى من أحب أنواع القرابين إلى قلب المصري القديم فلقد عثر في المقبرة رقم 3111 في منطقة سقارة على مخزن كامل من قطع اللحم التي قطعت من الضلوع ووجد في مقابر أخرى على مخازن للغلال ذات بناء دائري به فتحة علوية للتخزين ، و فتحة سفلية لاستخراج الحبوب كذلك لم يحرم الموتى من الشراب فلقد زودت المقابر بجرار فخارية مملئة بالخمر .
ولقد عثر في احد المقابر في منطقة سقارة و التي تعود لعصر الأسرة الثانية على وجبة حقيقية و ضعت بعناية داخل المقبرة و كانت تتألف من:
رغيف عيش- عصيدة الشعير المطحون - سمكة مطهية- حساء حمام- سمان مطهى- كليتان مطهيتان- ضلوع و أرجل بقرية- فاكهة مسلوقة- نبق طازج- فطائر العسل- جبن- إناء من الخمر
5- لو تحدثنا عن شم النسيم لدى القدماء ما هي أشهر الاكلات في هذه المناسبة؟
كان الاحتفال بعيد ما يعرف الآن " بشم النسيم " له شهرة وخصوصية ، لتميزه بألوان عدة من الأطعمة ، وترجع أصل كلمة شم النسيم إلى الكلمة المصرية القديمة " شمو " التي تعني فصل الحصاد أو فصل الصيف وكان هذا العيد يرمز عند قدماء المصريين إلى بعث الحياة حيث كان اعتقادهم أن ذلك اليوم هو أول الزمان أو بدء الخلق .
وقد حدد المصري القديم ميعاد هذه المناسبة فلكيًا بأنه اليوم الذي يتساوى فيه الليل مع النهار وقت حلول الشمس في برج الحمل ، وكان هذا الاحتفال احتفالا شعبيًا يخرج فيه المصريون إلى المتنزهات والحدائق حاملين معهم البيض والسمك المملح والخس والبصل والحمص الأخضر ، حيث يرمز البيض إلى خلق الحياة ، والذي ورد ذكره في متون كتاب المتوفى ، ولذلك كان المصري القديم ينقش دعواته وأمنياته على البيض ويضعه في سلال من سعف النخيل ويعلقه في أغصان الأشجار أو جدران المنزل ليحظى ببركات نور الإله عند إشراقه في ذلك اليوم ، أما السمك المملح فقد ظهر ضمن مظاهر هذه المناسبة بدءًا من عصر الأسرة الخامسة مع بدءِ الاهتمام بتقديس نهر النيل ( الإله حعبى ) وقد برع المصري القديم في صناعة تجفيف وتمليح السمك ، كذلك كان البصل من بين الأطعمة التي حرص المصري القديم على تناولها في تلك المناسبة ، وقد ارتبط ظهور البصل في تلك المناسبة في وقت معاصر للأسرة السادسة المصرية القديمة ، وكان ارتباطه بأحد الأساطير القديمة و التي تحكى أن أميراً صغيرًا مرض بمرض غامض عجز الأطباء عن علاجه حتى استدعى الملك الكاهن الأكبر للإله آمون فنسب مرض الأمير الصغير إلى وجود أرواح شريرة تسيطر على جسده وتمنعه من الحركة ، و في سبيل شفائه أمر الكاهن بوضع ثمرة من البصل تحت رأس الأمير عند غروب الشمس بعد قراءة بعض التعاويذ السحرية عليها ، وعند شروق الشمس شقها ، ليستنشقها الأمير كما وضع حزم من أعواد البصل فوق سرير الأمير وعلى أبواب الغرفة والقصر لطرد الأرواح الشريرة ، وتمت المعجزة وشفي الأمير فأقام الملك الاحتفالات بمناسبة شفاء الأمير الصغير ، وبعد عدة أيام حلت مناسبة شم النسيم فقام عامة الشعب بتعليق حزم البصل على أبواب المنازل للتهنئة بشفاء الأمير ومنذ ذلك الوقت احتل البصل مكانته فوق موائد الاحتفال بتلك المناسبة .
وكان الخس من النباتات المفضلة في الاحتفال بهذه المناسبة لارتباطه بالإله ( مين ) إله الخصوبة والتناسل، أما الحمص الأخضر ( الملانة) الذي ارتبط أيضا بتلك المناسبة كأحد الأطعمة المفضل تناولها في ذلك اليوم فقد كان نضوج ثمرة الحمص وامتلائها إشارة إلى قدوم فصل الربيع .
يتبع**