ألمرأة المسلمه في المجتمع الإسلامي

[**بسم الله الرحمن الرحيم

ثوابت المرأة المسلمة

عبد العزيز كحيل

مهما تأثّرت المرأة المسلمة بدعوات التحرّر، ومهما أرادت الانعتاق من “التقاليد الاجتماعية” التي تثقل كاهلها فإنها ? ما دامت مسلمة - ملتزمة بأحكام شرعية ثابتة بالقرآن والسنّة والإجماع، هي عبارة عن ثوابت دينية لا تقبل اجتهاداً أيّاً كان مبناه ودوافعه فضلاً عن التجاوز تحت أيّ ذريعة مصلحية أو تجديدية أو غيرها لأنّ المساس بهذه الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة ليس سوى هدم لبناء الإسلام في مجال الأحوال الشخصية ولنسيجه الاجتماعي بأكمله، وتتمثّل هذه الثوابت في الآتي:

1.الميراث: نصيب المرأة من التركة هو نصف نصيب الرجل في حالتين أساسيّتين:

أولا: الأخت : " يوصيكم الله في أولدكم للذكر مثل حظ الأنثيين " ? سورة النساء11

ثانيا: زوجة المتوفى : " ولكم نصف ما ترك أزواجكم (…) ولهنّ الربع ممّا تركتم "- سورة النساء 12

وخلافاً لما يظنّ من ليس له علم بالقرآن فإنّ نصيب الأنثى لا يساوي شطر نصيب الذكر في جميع الأحوال، فقد يتساوى نصيبهما:

  •    "ولأبويه لكلّ واحد منهما السدس" ? سورة النساء 11
    
  •    "وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخٌ أو أختٌ فلكلّ واحد منهما السدس" ? سورة النساء 12
    

بل قد تأخذ المرأة أكثر من نصيب الرجل إن كان عمّاً مثلاً : " فإن كنّ نساء فوق اثنتين فلهنّ ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف " ? سورة النساء 11 ، فقد تأخذ المرأة نصف التركة ويتقاسم باقي الورثة - من غير الإخوة طبعاً - النصف الآخر ويكون نصيبها بالتالي أكبر .

ومهما يكن فإن المؤمنة ? كالمؤمن - لا تجادل في أوامر الله سواءً عرفت الحكمة منها أو لم تعرف: " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصِ الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً " ? سورة الأحزاب 36، فلا يجوز لمسلمة متعلّمة أو غير متعلّمة مهما كان اتجاهها الفكري أو السياسي أن تطالب بتعديل هذا الحكم الشرعي لأنّ في ذلك اتهاماً للوحي المنزّل بدعوى انحيازه للرجل، وهذا ما لا يجرأ عليه من آمن بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمّد - صلى الله عليه وسلم - نبيّاً ورسولاً.

  1. الشهادة: ماذا يضير المرأة المسلمة أن تعادل شهادتها نصف شهادة الرجل إذا كان الله تعالى قد شرع ذلك في آية محكمة من كتابه؟ وبعيداً عن التفاصيل التي ذكرها الفقهاء في شهادة المرأة ومجالاتها وشروطها فإنّ البصيرة لا تخطئ مواطن الحكمة الربانية التي أعطت للمرأة في هذه القضية ما لم تعطِ الرجل من حقّ مراجعة الغير والتأكّد والتوثيق: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممّن ترضون من الشهداء أن تضلّ إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى " ? سورة البقرة 282

    وسواء في الميراث أو الشهادة لا ينبغي للمسلمين أن يلقوا بالاً لدعاوي العلمانيين الذين يزعمون أنّ هذه الأحكام فيها انتقاص لكرامة المرأة وحقوقها وحكمٌ عليها بنقص الأهلية وتثبيتٌ لهيمنة الرجل، ولسنا بصدد درء هذه الشبهات وإنما غرضنا بيان التزام المسلمة بأحكام الشرع وهي مطمئنّة إلى حكمة الله وعدله، فهو ربّ الذكر والأنثى،وهو يعلم ،والبشر لا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء، وأين مزاعم العلمانيين من محكمات الشرع؟ : " قل أأنتم أعلم أم الله " ? سورة البقرة 140

  2. تعدّد الزوجات: هذا حكم ثابت بالقرآن الكريم ،ووقع عليه إجماع المسلمين وعملوا به منذ عصر الصحابة ولم تثر الشبهة حوله إلاّ بعد ضعف الأمّة الإسلامية واستقواء الغرب بالاستعمار والاستشراق ونشوء بطانة بين أظهرنا تتذرّع بتحرير المرأة وتهاجم الأحكام الشرعية… " وفيكم سمّاعون لهم " ? سورة التوبة 47، فأمّا المرأة المسلمة فلا يسعها إلاّ الامتثال لهذه الرخصة التي أعطاها الخالق عزّ وجلّ للرجل، وله في ذلك حكَم جليلة بسط العلماء القول فيها، وتحذَر المؤمنة التقية الانقياد وراء ذريعة “ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النّساء ولو حرصتم” ? سورة النساء 126، فهذا يخصّ الجانب العاطفي الذي لا يقع تحت طائلة الحساب والمؤاخذة، وقد عدّدت أجيال وأجيال وهذه الآية قائمة لم تمنعهم من ذلك لأنّهم فهموا معناها وكانوا يحرصون على العدل المادّي بين النّساء ،أي في النفقة والمعاشرة الزوجية .

    قد لا تقبل المرأة أن يتزوّج بَعلها عليها، هذا من حقّها ،لكنّ الذي لا يجوز بحال هو المطالبة بإلغاء التعدّد كما تفعل الحركات النسوية العلمانية لأنّ في ذلك اعتراضاً على حكم الله تعالى ومُكابرةً وقحة.

  3. الزواج بالكافر: مهما كان في دين المسلمة رقّة ،ومهما كان عندها تقصير في أداء الفرائض واجتناب المعاصي فإنّها لا تُقدم على الزواج بغير المسلم لأنّ هذا محرّم بنصّ القرآن ، بل لعلّه بلغ درجة المعلوم من الدين بالضرورة، يقول الله تعالى : “ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا” ? سورة البقرة 221، أي لا تزوّجوهم بناتكم إلاّ إذا دخلوا الإسلام، ويقول : “فإن علمتموهنّ مؤمنات فلا ترجعوهنّ إلى الكفّار، لا هنّ حلٌّ لهم ولا هم يحلّون لهنّ” ? سورة الممتحنة 10

وهذا نهي صريح لا مجال للتساهل فيه أو تعدّد الآراء والاجتهادات.

  1. الحجاب: فرض الله تعالى على المسلمة لباس الاحتشام صوناً لعرضها وحفظاً لكرامتها حتى لا تغدو فتنةً للناس ولا فريسةً لمن في قلوبهم مرض، فأوجب عليها ستر جسدها بلباس سابغ واسع فضفاض وتغطية شعرها ،وذلك في حضرة من ليسوا من محارمها، قال تعالى : " يا أيّها النبيّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً" ? سورة الأحزاب 59، وقال “وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ ولا يبدين زينتهنّ …” ? سورة النور 31

ولم يكن لباس المرأة مشكلةً منذ فرضه الله تعالى ولا دار حوله نقاش ولا تخلّت عنه المسلمات إلاّ بعد دخول الاستعمار البلادَ الإسلامية واستفحال التبعية للغرب واستهداف حملات التشويه لكلّ ما يلتزم به المسلمون ،خاصة ما تعلّق بالأخلاق والعفّة والتميّز الإيماني.

ويكذب من يزعم أن الحجاب يحبس المرأة في ظلمة الجهل ويقزّم شخصيّتها ويعطّلها عن العطاء العلمي والعملي، والواقع يرد هذه التّرّهات من أساسها.

هذه أهمّ ثوابت المرأة المسلمة، وهي الهدف الدائم المستمرّ للمؤامرات المتستّرة بتحرير المرأة وترقيتها، فعلى المسلمة الثبات على دينها والاستعانة بربّها وإحباط المخططات المعادية بمزيد من الالتزام والفهم الصّحيح.**

ألمرأة المسلمه في المجتمع الإسلامي

ويستطيعُ كُلُّ ذي لُبٍّ وبصيرة أن يدرك آثار الفشل الذي حاق بتجارِب المجتمع الأوروبي والأمريكي في هذه الناحية، مع أن هذه الآثار لم تبلغ بعدُ منتهى مَدَاها، ولا يزال سائر عقابيلها في الطريق؛ فهذا الجيل من التائهينَ والضائعينَ، المُحَطَّمي الأعصاب، والمُبَلْبَلِي الأفكار، والقَلِقِي النفوس، وهذه النسبة الآخذة في الارتفاع ? حَسَبَ إحصاء الغربيين أنفسِهم - للانحراف والشذوذ بكل ضروبه وألوانه، هذه الظواهر كلها هي من آثار التجرِبة التي خاضَها الغرب في المرأة؛ لأنَّ هؤلاء جميعًا هم أبناء العاملات والمُوظَّفات، الذين عانَوْا من إرهاق أُمَّهاتهم وهم في بطونِهنَّ، ثُمّ تعرضوا لإهمالِهِنَّ بعد أن وضعنهم، ثم لم يجدوا ما يردعهم عما تدعوهم إليه النفس من شَطَط، في ظل الأجواء التي تُقدِّس الحرية في كل صورها دون حدود، وقد كان هتلر على حقٍّ حين هداه تفكيره إلى حلِّ كثير من مشاكل مجتمَعِهِ الألماني عن طريق عودة المرأة إلى البيت.

والعجيب من أمر هذه القضيَّة المَوْهُومة أن المرأة لم تقم فيها بالخطوة الأولى، ولم تحمل أعباءها فيما تلا من خطوات، ولكن الرجال هم الذين قاموا بهذا العِبْء من بدئه حتى نهايته ولا يزالون؛ بل هم يُعارِضُون الآن أشدَّ المعارضة ما يُبْدِيهِ بعض العقلاء من الدعوة إلى مراجعة التجرِبة الفاشلة، وعودة المرأة لميدانها الأصيل وهو البيت، ويهاجمون الداعين إليه والداعيات أشدَّ المُهاجَمَة، ويطلقون على الدعوة - استخفافًَا بعقول الناس - (العودة إلى عصر الحريم):
والقائمون بذلك والمتحمِّسون له أحد شخصينِ:
مَفْتُون بحضارة الغرب، أعمتْهُ الفتنة عنِ اكتشاف عيوبِها، ثُمَّ لم يَعْصِمْه إيمانٌ يَشْرَحُ اللَّه معه صدره للإسلام وتشريعه.

وطالِبُ مُتْعة من غير وَجْهِهَا الحلال وطريقِها المشروع، لا يريد أن يَحْرِمَ نفسَهُ متعة الحديث والنظر، والأُنس والسمر، ولا أجاوز ذلك إلى ما وراءه.
والظلم في القضية كلها حائِقٌ بالمرأة، كانت رَيْحانَةً تُشَمُّ، فأصبحت مشكِلاً يتطلب الحلَّ، وكانت عِرْضًا يُصان، وأمانة تُحْفَظ، فأصبحت عِبْئًا يَضيق به الأبُ والأخُ، ويتحتَّم معه على المرأة أن تَعْمَلَ لِتَعِيش، وماتَتِ المُروءَةُ الَّتي كانت تدفع إلى القِيام بِحَقِّها، والغَيْرَةُ الَّتي كانتْ سَببًا في المُحَافَظة عليْها، وأصبح القانون يُلْزِمُها بالعمل في النظام الشيوعي، وأصبح الواقع يُلْزِمها به في النظام الليبرالي، وأصبحتِ التي لا تعمل لا تجد اللقمة ولا تجد الزوج، ولئِنْ كانتِ المرأةُ الَّتِي خاضَتْ مَعْرَكَةً ظَفِرَتْ فيها بحق العمل، فما أظن أن الوقت يطول قبل أن تخوض معركة أخرى أشقَّ وأصعَبَ للظفر بحق العودة للبيت.

وقد لا تكون هناك نصوص صريحة في القرآن أو السنة تَمْنَعُ المرأة من العمل في خارج البيت؛ لكَسْبِ عَيْشِها حين تدعو إلى ذلك ضرورة؛ ولكن من المؤكَّد أنَّ اتخاذ هذه القاعدةِ أصلاً من أصول التنظيم الاجتماعيِّ يُخَالِفُ رُوح الشريعة، ويُناقِض كثيرًا من نصوصها، ويتعارَض مع كثير من شرائعها وحدودها تعارُضًا صريحًا؛ فهو يدعو إلى إعادة النَّظَر في التشريعات الإسلامية الَّتي تتعلَّق بقِوَامَةِ الزوج وبالميراث وبالنفقة؛ لأنها جميعًا مَبْنِيَّة على أنَّ الرجل هو الذي يعمل، وهو المكلَّف بالإنفاق، ويجب أن يكون واضحًا أن قِوامة الرجل على المرأة لا تقتضي تفضيله عليها في الدين أو الدنيا؛ ولكن هذه القِوَامَة قاعدةٌ تنظيميةٌ تستلزمها هندسةُ المجتمَع واستقرارُ الأوضاع في الحياة الدنيا، ولا تَسْلَمُ الحياة في مجموعها إلا بالْتِزَامِها، فهي تُشبه قِوَامة الرؤساء وأُولِي الأمر، التي لا تستلزم أن يكون الرؤساء أفضلَ من كلِّ المحكومين؛ ولكنها مع ذلك ضرورة يَستلزمها المجتمع الإنسانيُّ، ويأثم المسلم بالخروج عليها، مهما يكن من فضله على وَلِيِّ الأمر في العلم، أو في الدين.
والسلام عليكم ورحمة الله.

منقول عن :

رابط الموضوع: www.alukah.net

المصدر: كتاب “أزمة العصر”

**خامسا: عمل المرأة

لقد جعل الشرع المرأة أُماً وربة بيت، فجاءها بأحكام تتعلق بالحمل، وأحكام تتعلق بالولادة، وأحكام تتعلق بالرضاع، وأحكام تتعلق بالحضانة، وأحكام تتعلق بالعدة. ولم يجعل للرجل شيئاً من ذلك، لأن هذه أحكام تتعلق بالأنثى بوصفها أُنثى، فألقى عليها مسؤولية الطفل من حمل، وولادة، وإرضاع، وحضانة. فكانت هذه المسؤولية أهم أعمالها وأعظم مسؤولياتها. ومن هنا يمكن أن يقال إن العمل الأصلي للمرأة هو أنها أُم وربة بيت، لأن في هذا العمل بقاءَ النوع الإنساني، ولأنها قد اختصت به دون الرجل. وعليه فإنه يجب أن يكون واضحاً أنه مهما أُسند للمرأة من أعمال، ومهما ألقي عليها من تكاليف، فيجب أن يظل عملها الأصلي هو الأمومة، وتربية الأولاد. ولذلك نجد الشرع قد سمح لها أن تفطر في رمضان وهي حامل أو مرضع، وأسقط عنها الصلاة وهي حائض أو نفساء، ومنع الرجل من أن يسافر بابنه من بلدها ما دامت تحضنه، كل ذلك من أجل إتمام عملها الأصلي، وهو كونها أماً وربةَ بيت.

إلا أنه ليس معنى كون عملها الأصلي أنها أم وربة بيت أنها محصورة في هذا العمل، ممنوعة من مزاولة غيره من الأعمال، بل معناه هو أن الله خلق المرأة ليسكن إليها الرجل، وليوجد منها النسل والذرية. kta.gif: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }

ولكنه خلقها في نفس الوقت لتعمل في الحياة العامة، كما تعمل في الحياة الخاصة. فأوجب عليها، حمل الدعوة ومحاسبة الحكام، وطلب العلم فيما يلزمها من أعمال حياتها. وأجاز لها البيع، والإجارة والوكالة. وحرم عليها الكذب والغدر، والخيانة. كما أوجب ذلك على الرجل وأجازه له، وحرمه عليه. وجعل لها أن تزاول الزراعة والصناعة كما تزاول التجارة، وأن تتولى العقود، وأن تملك كل أنواع الملك، وأن تنمي أموالها. وأن تباشر شؤونها في الحياة بنفسها، وأن تكون شريكة وأجيرة، وأن تستأجر الناس والعقارات والأشياء، وأن تقوم بسائر المعاملات. وذلك لعموم خطابات الشارع، وعدم تخصيص المرأة بالمنع.

إلا أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى الحكم، فلا تكون رئيس دولة، ولا معاوناً له، ولا والياً، ولا أي عمل يعتبر من الحكم، لما رُوي عن أبي بكرة قال: لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: «لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة» أخرجه البخاري. وهذا صريح في النهي عن تولي المرأة الحكم في ذم الذين يولون أمرهم للنساء. وولي الأمر، هو الحاكم.

فولاية الحكم لا تجوز للنساء، أما غير الحكم فيجوز أن تتولاه المرأة. وعلى ذلك يجوز للمرأة أن تعين في وظائف الدولة، لأنها ليست من الحكم، ويجوز لها أن تتولى القضاء لأن القاضي ليس حاكماً وإنما هو يفصل الخصومات بين الناس، فعن عمر بن الخطاب- rda.gif- ولى ( الشفاء )- وهي امرأة من قومه- السوق أي قاضي حسبة، أما بالنسبة لقاضي المظالم فإنه لا يجوز أن يكون امرأة، فلا يجوز أن تتولى المرأة قضاء المظالم، لأنه حكم. وواقعه واقع الحكم.

كما أجاز للمرأة أن تنتخب وتُنتخب لمجلس الأمة، وان تمارس كافة أعماله من الشورى والمحاسبة والقوامة على تطبيق الإسلام، kta.gif: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}

سادسا: نظرة الإسلام لما يجب أن تكون عليه الجماعة الإسلامية

إن الإسلام قد ضمن للمرأة حقوقها وحافظ على عفتها فالنظام الاجتماعي في الإسلام أحكام شرعية متعددة، آخذ بعضها برقاب بعض، ولا يعني طلب التقيد في حكم منها ترك التقيد في غيره، بل لا بد من تقيد المسلم والمسلمة بأحكام الشرع جميعها، حتى لا يحصل التناقض في الشخص الواحد، فيبدو التناقض في الأحكام.

فالإسلام لا يعني في إباحة الأعمال للمرأة أن تذهب إلى دائرة الدولة التي تعمل فيها موظفة ولو ممرضة في مستشفى، بعد أن تكون قد أخذت زينتها، وأعدَّت نفسها كأنها ستزَف وهي عروس، وتذهب تتبدَّى للرجال بهذه الزينة المغرية، تهتف بهم أن تهفو شهواتهم نحوها. ولا يعني أن تذهب إلى المتجر في مثل هذه الزينة، تباشر البيع في حال من التطرّي والإغراء، وبأسلوب من الحديث يغري المشتري أن يتمتع بمساقطتها الحديث أثناء هذه المساومة، في سبيل أن تغلي عليه ثمن السلعة، أو تغريَه بالشراء، ولا يعني الإسلام أن تشتغل كاتبة عند محام، أو سكرتيرة لصاحب أعمال، وتترك تختلي به كلما احتاج العمل إلى الخلوة، وتلبس له من الثياب ما يكشف شعرها وصدرها، وظهرها، وذراعيها، وساقيها، وتبدي له ما يشتهي من جسمها العاري.

كلا لا يعني الإسلام شيئاً من ذلك، ولا أمثاله مما يحصل في هذه الجماعة التي تعيش في مجتمع غير إسلامي، تسيطر عليه طريقة الغرب في الحياة الذي لا قيمة عنده إلا للمنفعة والربح المادي. وإنما يعني الإسلام أن يطبق المسلم أحكام الإسلام كلها على نفسه وتطبق الدولة الأنظمة كلها على المجتمع. فحين أباح الإسلام للمرأة أن تباشر البيع والشراء في السوق منعها من أن تخرج إليه متبرجة، ومنعها من أن تباشر أي عمل يُستغل فيه أنوثتها فعن رافع بن رفاعة قال: { نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الأمة إلا ما عملت بيديها , وقال هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل والنفش } رواه أحمد. فالاعتقاد بالإسلام يحتم على المسلم تطبيق جميع أحكامه على نفسه ويحتم على الدولة أن تطبق كل الأنظمة والمعالجات على المجتمع وهو ما يضمن حياة سليمة صحيحة، سالمة من كل شر.

لقد شرع الله لنا نظاما اجتماعيا فريدا من نوعه، لا إفراط فيه ولا تفريط، نظاما حافظ على الجماعة الإسلامية وراعى العفة والطهارة في المجتمع، لم يظلم فيه المرأة ولا الرجل، فلم يرهقِ المرأةَ ويحمِّلْها ما لا تحتمل، وأجاز لها أن تمارس حياتها الطبيعية في جو من التعاون والتضامن البعيد كل البعد عن أجواء الفجور وانعدام الحياء، وفي نفس الوقت حمل الرجل ما يجب عليه أن يحمله ولم يسمح له باستغلال المرأة وضعفها وحاجتها، حتى أصبحت المجتمعات الإسلامية من أرقى المجتمعات وأسعدها عندما طبق الإسلام كاملا في دولة الخلافة لمدة 14 قرنا مضت.

فإن كل من يعرف التاريخ بأبسط صورة ودون تمحل وتشويه يعرف أن المسلمين عندما كانوا يطبقون الإسلام كانوا سادة العالم ومنارة العلم أعزاء لا يحتل العدو أرضهم ولا يطمع فيهم طامع، بل كانوا مثلاً للدنيا يحتذى، وأنهم لم يهبطوا للدرك الأسفل ولم يذلوا ولم يتأخروا إلاّ بعد أن بدأ يضعف تطبيقهم للإسلام وبلغ أوجه بعد أن توقف تطبيق الإسلام بهدم دولة الخلافة

فبعد غياب دولة الإسلام عن الحياة وتطبيق الرأسمالية على المسلمين أصبحت الصورة الحقيقية لما أراده الإسلام للمجتمع غائبة عن الأذهان وغير متصورة، وللأسف الشديد فقد حرص الإعلام المأجور والأقلام المتأثرة بالغرب أن يربطوا بين تردي أوضاع المسلمين وانحطاطهم اقتصادياً وصناعياً بالإسلام وحاولوا بأساليب ملتوية مضللة أن يوهموا جماهير المسلمين بأن تقدمهم ورقيهم لن يحصل إلاّ إذا اعتنقوا أفكار الغرب الرأسمالية كالحريات والديمقراطية والعلمانية، وأن تأخرهم يرجع إلى الإسلام وأنه سبب التأخر والانحطاط.

ولذلك قام حزب التحرير بالعمل على إعادة ثقة الأمة بإسلامها فقام بإصدار الكتب والإصدارات في مختلف مناحي الحياة من حكم واقتصاد وتعليم وفقه وأصول وسياسة وكلها تري صلاحية الإسلام وتميزه عن غيره، ومن هذه الكتب كان كتاب النظام الاجتماعي في الإسلام الذي رسم فيه كل الخطوط العريضة للجماعة الإسلامية ودور المرأة وعلاقتها بالرجل عندما تقوم دولة الخلافة ويطبق فيها الإسلام قريبا إن شاء الله.

وإلى ذلك اليوم الذي بات قريبا بعون الله، فإنا ندعو المسلمين أن يطبقوا على أنفسهم ما استطاعوا من أحكام النظام الاجتماعي في الإسلام حتى يرضوا الله أولا ويخففوا عنهم شيئا من نار الرأسمالية المطبقة عليهم. وأن يعملوا لإقامة دولة الخلافة التي تنزل هذا النظام منزل التطبيق فتسعد به البشرية جمعاء، وما ذلك على الله بعزيز.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

منقول عن :شبكة الناقد الإعلامي**

www.naqed.info

**لذلك كان حَرِيّاً بالمضبوعين بالغرب وحضارته أن يعيدوا التفكير مليا في هذا الواقع الفاسد الذي أنتجته حضارة الغرب، والذي يحاول الغرب تصديره لنا من خلال الحكومات والمؤسسات والجمعيات والمفكرين موهما إياهم أن فساد المجتمعات عندنا هو بسبب الإسلام، رغم أن الكل يعلم أن الإسلام غائب عن التطبيق في بلاد المسلمين منذ هدم دولة الخلافة عام 1924م وأن الغرب لديه من المشكلات أضعاف أضعاف ما عندنا رغم عدم تطبيق شيء من أحكام الإسلام. فالمشكلة في الرأسمالية والديمقراطية ولا شك، فَلِمَ الافتراءُ على الإسلام؟!

أما الإسلام الذي غاب تطبيقه عن الحياة منذ ما يقارب المئة عام فقد بنى حياة اجتماعية راقية وأحسن تنظيم علاقة المرأة بالرجل، فكرم المرأة وأنزلها المنزلة التي تليق بها ووفر لها حياة كريمة تحسدها عليها نساء الدنيا كلها، حيث وصل إلى حد أن شبه الإسلام النساء بالقوارير وأمر بالرفق بهن.

ولإعطاء تصور حول الصورة التي رسمها الإسلام للمرأة نتناول المحاور التالية:

أولا: النظرة الإنسانية والعيش المشترك:

لقد خلق الله الإنسان امرأة أو رجلاً في فطرة معينة تمتاز عن الحيوان، فالمرأة إنسان، والرجل إنسان، ولا يختلف أحدهما عن الآخر في الإنسانية، ولا يمتاز أحدهما عن الآخر في شيء من هذه الإنسانية. وقد هيأهما لخوض معترك الحياة بوصف الإنسانية. وجعلهما يعيشان حتماً في مجتمع واحد. وجعل بقاء النوع متوقفاً على اجتماعهما، وعلى وجودهما في كل مجتمع. فلا يجوز أن ينظر لأحدهما إلا كما ينظر للآخر، بأنه إنسان يتمتع بجميع خصائص الإنسان ومقومات حياته، وقد خلق الله في كل منهما طاقة حيوية، هي نفس الطاقة الحيوية التي خلقها في الآخر وجعل في كل منهما قوة التفكير وهي نفس قوة التفكير الموجودة في الآخر. فالعقل الموجود عند الرجل هو نفس العقل الموجود عند المرأة إذ خلقه الله عقلاً للإنسان، وليس عقلاً للرجل أو للمرأة.

ثانيا: مسألة المساواة بين الرجل والمرأة

حين جاء الإسلام بالتكاليف الشرعية التي كلف بها المرأة والرجل، وحين بيّن الأحكام الشرعية التي تعالج أفعال كل منهما، لم ينظر إلى مسألة المساواة أو المفاضلة بينهما أية نظرة، ولم يراعها أية مراعاة. وإنما نظر إلى أن هناك مشكلة معينة تحتاج إلى علاج، فعالجها باعتبارها مشكلة معينة بغضّ النظر عن كونها مشكلة لامرأة أو مشكلة لرجل. فالعلاج هو لفعل الإنسان أي للمشكلة الحادثة، وليست المعالجة للرجل أو للمرأة، kta.gif: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}

ولهذا لم تكن مسألة المساواة أو عدم المساواة بين الرجل والمرأة موضع بحث. وليست هذه الكلمة موجودة في التشريع الإسلامي، بل الموجود هو حكم شرعي لحادثة وقعت من إنسان معين، سواء أكان رجلاً أم امرأة.

وعلى هذا ليست المساواة بين الرجل والمرأة قضيةً تبحث، ولا هي قضية ذات موضوع في النظام الاجتماعي، لأن كون المرأة تساوي الرجل، أو كون الرجل يساوي المرأة ليس بالأمر ذي البال الذي له تأثير في الحياة الاجتماعية، ولا هو مشكلة محتملة الوقوع في الحياة الإسلامية، وما هذه الجملة إلا من الجمل الموجودة في الغرب، ولا يقولها أحد من المسلمين سوى تقليدٍ للغرب، الذي كان يهضم المرأة حقوقها الطبيعية باعتبارها إنساناً فقد مضى على الغرب قرون طويلة وهو يعتبر المرأة شرا وأنها لا تنزل منزلة الإنسان، فطالبت بهذه الحقوق واتخذ هذا الطلب بحث المساواة طريقاً لنيل هذه الحقوق. وأما الإسلام فلا شأن له بهذه الاصطلاحات لأنه أقام نظامه الاجتماعي على أساس متين يضمن تماسك الجماعة والمجتمع ورقيهما وسعادتهما واستقرارهما واطمئنانهما، ويوفر للمرأة والرجل السعادة الحقيقية اللائقة بكرامة الإنسان الذي كرمه الله.

ثالثا: نظرة الإسلام لما يجب أن تكون عليه نظرة كل من الرجل والمرأة إلى الآخر.

لقد حرص الإسلام على تصحيح نظرة الرجل للمرأة والمرأة للرجل فجعل النظرة نظرة إلى التعاون والعيش المشترك وحال بين أن تتحول هذه النظرة إلى نظرة ذكورة وأنوثة إلا حين التفكير بالزواج.

وحرص الإسلام على الحيلولة دون وجود أجواء وعوامل إثارة النظرة الجنسية في المجتمع. وجعل التعاون بين الرجل والمرأة في شؤون الحياة وفي علاقات الناس بعضهم مع بعض أمراً ثابتاً في جميع المعاملات، فالكل عباد الله، الكل متضامن للخير ولتقوى الله وعبادته.

وشرع مجموعة أحكام لضمان بناء النظرة بناء سليماً على التعاون والعيش المشترك وليس على نظرة الذكورة والأنوثة والجنس، من مثل وجوب غض البصر على كل من المرأة والرجل حيث kta.gif: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } و {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}، وأوجب اللباس الكامل المحتشم للمرأة kta.gif {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ } ومنع الخلوة فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) وحرم التبرج وإبداء الزينة للرجال الأجانب، kta.gif: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} وقال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ…}إلى آخر الآية الكريمة

وحرص على أن تكون جماعة النساء منفصلة عن جماعة الرجال في الحياة الخاصة والحياة العامة ففصل بين المرأة والرجل حتى في الصلاة والخروج من المسجد، ولم يستثن من وجوب الانفصال في الحياة العامة والحياة الخاصة إلا ما جاء نص واستثناه.

فأجاز لها البيع والشراء والأخذ والعطاء وأوجب عليها الحج وأجاز لها حضور صلاة الجماعة وإن كانت هذه الأفعال تقتضي الاجتماع فيجوز لأجلها الاجتماع في حدود العمل وفي حدود أحكام الشرع.

رابعا: المرأة والرجل أمام التكاليف الشرعية

إن طبيعة نظرة الإسلام التشريعية تجعل الأعمال التي يقوم بها الإنسان بوصفه إنساناً مباحة لكل من الرجل والمرأة على السواء، دون تفريق بينهما، أو تنويع أحدهما عن الآخر. وتجعل هذه الأعمال واجبة أو محرمة أو مكروهة أو مندوبة دون أي تفريق أو تنويع. أما الأعمال التي يقوم بها الذكر بوصفه ذكراً مع وصف الإنسانية، وتقوم بها الأنثى بوصفها أُنثى مع وصف الإنسانية، فإن الشرع قد فرق بينهما فيها، ونوَّعها بالنسبة لكل منهما، سواء من حيث الوجوب أو الحرمة أو الكراهة أو الندب أو الإباحة.

ومن هنا نجد أن الحكم والسلطان قد جعله الشرع للرجال دون النساء، وأوجب النفقة والعمل على الرجل ولم يوجبه على المرأة kta.gif: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}وفي المقابل نجده قد جعل حضانة الأولاد أبناء كانوا أو بنات للنساء دون الرجال. ولذلك كان لا بد من أن توكل الأعمال التي تتعلق بالأنثى بوصفها أنثى للنساء، وأن توكل الأعمال التي تتعلق بالذكر بوصفه ذكراً للرجال.

ولما كان الله تعالى وهو الذي خلق الذكر والأنثى أعلم بما هو من شأن الرجل أو شأن المرأة، كان لا بد من الوقوف عند حد الأحكام التي شرعها دون مجاوزتها، سواء أكانت للرجال وحدهم، أم للنساء وحدهن، أم للإنسان بغض النظر عن كونه رجلاً أو امرأة، لأنه هو أعلم بما يصلح للإنسان. فمحاولة العقل حرمان المرأة من أعمال بحجة أنها ليست من شأنها، أو إعطائها أعمالاً خص بها الرجل باعتبار أن هذا الإعطاء إنصاف لها، وتحقيق للعدالة بينها وبين الرجل، كل ذلك تجاوز على الشرع، وخطأ محض، وسبب للفساد.

… وللبحث بقية**

دور المرأة في المجتمع الإسلامي

ألمهندس باهر صالح

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله وعلى أله وصحبه ومن سار على دربه بإحسان وإتقان إلى يوم الدين وبعد:

لقد دفعني إلى تناول هذا الموضوع أمورٌ كثيرة منها:

  • الضبابية والغموض اللذانِ أصابا النظام الاجتماعي في الإسلام عند المسلمين بسبب الأفكار المغرضة التي حرص الغرب على ترويجها من أجل النيل من الإسلام بإشاعة فكرة إخفاق الإسلام في معالجة القضايا الاجتماعية ومواكبة التقدم والتطور حتى كادت بعض الأذهان تظن أن النظام الاجتماعي في الإسلام محصور في الزواج والتعدد والطلاق والحجاب وفقط. - وتلك الأفكار التي روج لها الغرب من أن الإسلام قد عطل نصف المجتمع وأساء للمرأة وحرمها من الحياة العامة فرسم صورة سوداوية للنظام الإسلامي حتى وصل الأمر ببعض المسلمين أن تأثروا بتلك الدعاوى فخرجوا عن أحكام الإسلام بل وهاجموه مثلما فعل الترابي.

فكان لا بد لنا من إعطاء تصور عام حول النظام الاجتماعي في الإسلام وعلاقة الرجل بالمرأة في المجتمع ودور المرأة في الحياة الإسلامية حتى يدرك المسلمون أن الله قد شرع لهم أحسن الأحكام وأرقاها وأرحمها بالمرأة والرجل، وحتى يدرك المضبوعون بالغرب أن فساد الحياة الاجتماعية عندنا وعند الغرب وانحطاط العلاقات في المجتمع واضطرابها ما هو إلا بسبب النظام الرأسمالي المطبق في بلادنا منذ ما يقارب المئة عام.

فلقد أساء الغرب إلى الحياة الاجتماعية إساءة ما بعدها إساءة وامتهن المرأة وحط من مكانتها الشيء العظيم، فقد أفسد على الناس حياتهم وأورثهم الهلاك والضنك الشديد بعد أن حول المرأة إلى سلعة تُعرض في المنتديات والملاهي والمقاهي وحتى المحلات التجارية، فقد أصبحت المرأة عندهم تقيم بمقدار إرضائها للزبائن وقدرتها على إغرائهم حتى إنهم لم يعودوا يستحون من اشتراط حسن المظهر والجمال في أية وظيفة شاغرة للمرأة متجاهلين أن للمرأة قيمة إنسانية ووظيفية تماما كالرجل بغض النظر عن مظهرها، رغم أنهم يحاولون أن يبرروا شرطهم بأمور واهية ولكن الحقيقة أنهم امتهنوا المرأة وحطوا من قدرها.

واستغلوا المرأة في المجتمع حين نظروا إليها نظرة اقتصادية جشعة فوجدوا فيها حلا قليل التكلفة فرسخوا في ذهنها أنه يجب عليها أن تجاري الرجل في كل شيء فأرهقوها وحملوها ما لا تطيق، فلم تعد قادرة على التوفيق بين بيتها وعملها فلا بيتا أنصفت ولا عملا أتقنت.

فصار من جراء ذلك التفكك الأسري سمة من سمات المجتمعات الرأسمالية، حتى على مستوى الأسرة النواة. وانتشر الفحش والفجور وغابت العفة والطهارة عن المجتمع فأصبحت الإحصائيات تتحدث عن عشرات حالات الاغتصاب وآلاف حالات الزنا والخيانة الزوجية في الدقيقة الواحدة حتى صار أكثر أبناء المجتمعات الغربية أبناء بلا أباء، فغابت السعادة والطمأنينة من المجتمع حتى باتت أندر من الكبريت الأحمر يحاول الكل جاهدا أن يجد شيئا منها في نهاية الأسبوع أو الأعياد والحفلات وما هو بملاقيها.

فقد جاء في كتاب الإحصاء الوطني الصادر عن إدارة الاقتصاد والإحصاء في مصلحة التجارة الأمريكي:

أن في كل دقيقة في الولايات المتحدة الأمريكية، هنالك 1.3 حالة اغتصاب لنساء بالغات، وتغتصب 78 امرأة في كل ساعة في الولايات المتحدة الأمريكية أي ما يقارب 57000 امرأة شهرياً.. هذا وقد نتج عن الدراسة التي أجريت في إحدى الجامعات الأمريكية مؤخرا أن 25% من الإناث اللاتي أجريت عليهن الدراسة إما أنهن تعرضن للاغتصاب أو أنهن تعرضن إلى محاولة اغتصاب. وقد تبين أن نسبة التحرش الجنسي في الولايات المتحدة الأمريكية هي العليا بين الأمم المتقدمة صناعياً في العالم. وفي عام 1990 تعدى عدد حالات الاغتصاب في الولايات المتحدة الأمريكية 100000 حالة اغتصاب، وهي أعداد في تَنامٍ طبعا منذ ذلك الحين.

هذا وقد صدر عن معهد الدراسات الدولية حول المرأة، ومقره مدريد، التقرير السنوي المسمى بـ قاموس المرأة، وقد جاء فيه:

في عام 1980م: كان هناك (1.553000) حالة إجهاض، 30 % منها لدى نساء لم يتجاوزن العشرين عاماً من أعمارهن، وقالت الشرطة: إن الرقم الحقيقي ثلاثة أضعاف ذلك.

وفي عام 1982 م: 80% من المتزوجات منذ 15 عاماً أصبحن مطلقات.

وفي عام 1984م: 8 ملايين امرأة يعشن وحدهن مع أطفالهن ودون أية مساعدة خارجية.

وفي عام 1986م: 27% من المواطنين يعيشون على حساب النساء.

وفي عام 1997م: بحسب قول جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة اغتصبت امرأة في كل 3 ثوان في المجتمعات الرأسمالية الراقية على حد زعمهم، بينما ردت الجهات الرسمية بأن هذا الرقم مبالغ فيه في حين أن الرقم الحقيقي هو حالة اغتصاب كل 6 ثوان!

وفي عام 1997م: (6) ملايين امرأة عانين سوء المعاملة الجسدية والنفسية بسبب الرجال، 70% من الزوجات يعانين الضرب المبرح، و4 آلاف يقتلن كل عام ضرباً على أيدي أزواجهن أو من يعيشون معهن وذلك في غالبيته العظمى في المجتمعات الرأسمالية الديمقراطية.

وأن 74% من العجائز الفقراء هم من النساء، 85% من هؤلاء يعشن وحيدات دون أي معين أو مساعد.

ومن عام 1980 إلى عام 1990م: كان بالولايات المتحدة وحدها ما يقارب مليون امرأة يعملن في البغاء.

وفي عام 1995م: بلغ دخل مؤسسات الدعارة وأجهزتها الإعلامية 2500 مليون دولار.

وفي الولايات المتحدة فقط 1400 ملجأ للنساء المضروبات، أو الهاربات من أزواجهن، وهن اللاتي لا يجدن ملجأ عند أهل أو أقارب.

و هذا وغيره الكثير الذي نتج عن تطبيق المبدأ الرأسمالي والديمقراطي.

والحقيقة أن الحديث عن مظاهر فساد الحياة الاجتماعية في ظل النظام الرأسمالي يطول فقد أزكم فسادها الأنوف، واكتوى بناره أكثر المسلمين من جراء تطبيق أحكام النظام الرأسمالي في مجتمعاتنا، فاكتظت المحاكم بالشكاوى الزوجية والأسرية، وباتت معدلات الطلاق في ارتفاع مستمر، والعنف الأسري في ازدياد، ونسبة العوانس في نمو. ولا أظن أن أحدا من المسلمين إلا أصابه شر أو شرر من النظام الرأسمالي.

… وللبحث بقية

**المرأة والأعمال العامة

د. محمد محمد حسين

لحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعدُ..

زَعَمَ أعداءُ المرأة المُتظاهِرون بالدِّفاع عنها بعد أن أخرجوها من بيتها، الذي زعموه سجنًا وسمَّوْا ذلك تحريرًا، أن حريتها لا تكمُل إلا بمنحها حقَّ العمل مع الرجل سواءً بسواء، وتسَرَّبَتِ المرأة إلى ميادينَ محدودةٍ منَ العمل في مصر بعد الحرب العالمية الأولى، وكان الذي يَجْرِي في تركيا بعد الانقلاب الكمالي يُشجِّع على ذلك، ويُعِين عليه، باعتباره وجهًا من وجوه النهضة؛ كما يزعمون، ثُمَّ استفحل الأمر بعد الحرب العالمية الثانية فأُقْحِمَتِ المرأة على كُلِّ ميادين العمل بلا استثناء، وشاركَتْ في الحكم وفي التشريع إلى أعلى درجاتِهِما، بعد أن مُنحتْ حقَّ المشاركة في الانتخاب، وفي تمثيل الشعب في المجالس النيابية، وتولَّتِ الوزارات، ولم يلبث هذا التقليد أنِ انتشر في كثير من البلاد العربية، واتَّخذ شكل الطفرة المفاجِئة، والانقلاب الأهوج في بعضها، وراحتْ بَقِيَّة البِلادِ الَّتي لم تلحقها الموجة تُعانِي من صَدّ تيَّارها الطاغي في مواجهة الزَّاحِفين.

ويستطيع الدارس المتأمِّل أن يرى بوضوح في كل ما يجري أن المرأة لا تُوضَع حيث تدعو الحاجة - صحيحةً كانت أو مزعومةً - إلى أن توضع؛ ولكنها توضع لإثبات وجودها في كل مكان، ولإقحامِها على كل ما كان العقل والعُرْف يُنادِي بِعَدَمِ صلاحِيَتِها له؛ فليس المقصودُ بِتَوْظِيفِها سدَّ حاجة موجودة؛ ولكن المقصود هو مخالفة عُرْفٍ راسِخ، وتحطيمُ قاعدةٍ مُقَرَّرة، وإقامة عُرف جديد في الدين وفي الأخلاق وفي الذَّوق، وخَلْقُ المبررات والمقوِّمات التي تجعل انسلاخنا من إسلامنا وعُروبتنا أمرًا واقِعًا؛ كما تجعل دُخُولنا في دين الغرب ومذاهب الغرب وفسق الغرب، أمرًا واقعًا كذلك.

والحُجَّة الأولى عند أنصار هذه الدعوة: أن المرأة نصف المجتمع، وأننا حين نَحْرِمُها من العمل نُعطِّل نصف القُوَى العاملة.

والحُجَّة باطلةٌ من وجهين:

أحدهما: أنَّها قائمة على افتراض أنها لا عمل لها في البيت يَشغَل كلَّ وقتها، وهو غير صحيح.

وثانيهما: أنَّ حُجَّتهم لا تقوم إلا بعد أن نقضي على البِطالة في الرجال قَضاءً كاملاً، وإذا قُلْتُ: البطالة، فالمقصود بها البطالة في كل صورها الصريحة والمُقنَّعَة، والبطالة المُقَنَّعَة أكثر انتشارًا من البطالة الصريحة، وأبرزُ صُوَرِها زيادة العِمالة عن حاجة العمل الحقيقية، والاشْتِغال بالأعمال التافهة، واحتراف الحِرَف غير المفيدة؛ بل الضارَّة في كثير من الأحيان، والإهمال أو التراخي في القيام بواجبات الوظيفة، أو الانزواء وتَرْك العمل جُمْلَة؛ اعتمادًا على وجوه للرزق ضيقة أو واسِعة، تجئ بغير عمل من طريق الصَّدقات، أو الأُعْطِية، والإعانات.

ومنَ المُغالطات المشهورة التي ابتدعها قاسم أمين، وتابعه فيها كثير من الناس أنهم يقولون: إنَّ بين النساء نابِغاتٍ، وبينهن عانِسات، وبينهن مَنْ فَقَدَتِ الزَّوج والعائل، فلماذا لا يُشارك هؤلاء في الأعمال العامَّة في الحياة؟ والواقِعُ أنَّ الإسلام لم يُنْكِرْ على المرأة حقَّها في السَّعْي الشريف لِلرّزق إنْ دعتها إلى ذلك ضرورة، فالإسلام سَمْحٌ، وقد أباح للضرورة أشياءَ كثيرةً، حتى الميَتْة ولحم الخنزير وما أُهِلَّ به لغير الله، فرَفَع الإِثْم فيها عنِ المضطر في أكثر من موضع من القرآن الكريم: [البقرة: 173] ? [المائدة: 3] ? [الأنعام: 145] ? [النحل: 115]؛ بل رفع الإثْمَ عَمَّن أُكْرِه على الكُفْر، وقلبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان [النحل: 116]، واشتراك مَنِ اشترك من المُسلمات في الجهاد، مِمَّن يَتَصَيَّدُونَ أسماءَهُنَّ في كُتُب التاريخ، هو من باب الاستثناء الذي تدعو إليه الضرورة، وهو في كل الأحوال لا يتجَاوَز حدود الأعمال التي تُلائِمُ المرأة؛ كالتَّمريض؛ والخدمة خَلْفَ صفوف القتال، ومصدر الخطأ والخَلْط في ذلك كله ناشِئ عن وضع الاستثناء والشذوذ موضعَ القاعدة والأصلِ من ناحية، واتخاذ أعمال الأفراد حُجَّة على الشرع نفسه من ناحية أخرى.

ومن أكْبَر ما يَشْغَلُ المُتزعّمينَ لهذه القضيَّة الخاسرة -: أنَّهم يجعلون أكْبَر همِّهم مصروفًا إلى إثبات أنَّ المرأة تستطيع القيام بأعمال الرِّجال، وأنها إنسان مثله لا فرق بين عقلها وعقله، ويُجْهِدونَ أَنْفُسَهم في حصر الأمثلة التي تُؤَيِّد زعمهم مِمَّن نَبغ من النساء في مختلِف العصور, من المسلمات وغيرِ المسلمات، وهو من الشذوذ الذي يُراد وضعه موضع القاعدة؛ وليس هو في كل حال لُبَّ المشكِل وصميمَهُ، ولا هو بالمقياس الصحيح في تقدير الخطأ والصواب في هذا الأمر؛ ولكن لُبَّ المشكِل وصميمَهُ هو: هل يؤثر اشتغال المرأة بعمل الرجل على إتقانها لعملها النَّسَوِيِّ الأصيلِ؟

من الواضح أنَّ عمل الأنثى الأول الذي خُلقت له هو النَّسْل، وحفظ النوع؛ لأن تركيب الذُّكْران العُضْويَّ لا يسمح لهم بحمل الجنين ولا بإرضاعه، وليس عَبَثًا أن خَلَقَ الله الذكر والأنثى، ومن الثابت أن إرهاق المرأة بالعمل يترك أثرًا في مِزاجها وفي أعصابها، ومن الثابت أيضًا أن هذا الأثر ينتقل إلى جنينها في حالة الحمل؛ كما ينتقل إلى طفلها في حالة الإرضاع؛ بل إن بعض عُلماء الوراثة يتحدثون عن وراثة الصفات، والأعراض الطارئة والغريبة على الأب والأم كليهما من آثار المُخالطة في أثناء العُلوق والحمل.

ثُمّ إن المرأة مُحْتَاجَة بعد ذلك إلى أن تُوَفَّر لها الفرصةُ الكاملة؛ لمُلازَمَةِ طِفْلِها مُلازَمَةً تسمح بأن يُصْنَع على عينها جسمًا وعقلاً وخُلُقًا؛ لكي تَغرس فيه العادات الفاضلة، وتُجَنِّبَهُ ما قد يَعْرِضُ له أو يطرأ عليه من عادات قبيحة، ومثلُ هذا لا يَتَأَتَّى بالأمر أوِ النهي مرَّة أو مرَّات؛ ولكن لا بد فيه منَ المُراقبة الدائمة والإشراف القريب على تَكرار الفعل حتَّى يَرْسَخَ في نفسه، واليقظة على الزجر مرة بعد مرَّات عن بعض الأفعال الأخرى، حتَّى يُحالَ بَيْنَها وبَيْنَ الرُّسُوخ في نفسه، وذلك كله لا يُغْنِي فيه الخَدَم، ولا دُورُ الحضانة غَناءَ الأم؛ لأن الإخلاص فيه والحِرْصَ على ابتغاء الكمال مِنْ كل وجه لا يتوَافَر في أحدٍ توافُرَهُ في الأُمّ.

والقَوْل بأنَّ كُلَّ صلة الأم بولدها تَنْحَصِر في الحمل والوَضْع، هو نُزولٌ بِالإنسان إلى مَرْتَبَةِ الحيوان؛ فالإنسانُ يَمتازُ بِطُول حضانَتِه لأَولاده، وهي حضانة لا تنحصر في توفير الغذاء والحماية؛ كما هو في سائِرِ الحيوان؛ ولكنَّها حضانة خُلُقيَّة وعقليَّة أيْضًا في الإنسان، وذَلِكَ مِنْ أَهَمِّ الأسبابِ في تَقَدُّم البَشَرِيَّة؛ لأنه يُورِّثُ الجيل التاليَ تجارِبَ الأجيال السابقة, بِما يمكنه من مُتابعة الشَّوْطِ، وتوفير الوَقْتِ والجهْدِ الَّذِي يَضيع في تَكرار التجرِبة.

وَلَوْ شِئْنا لقُلْنَا - بعد ذلك كُلِّه لأَعْدَاءِ المَرْأَةِ وأَعْدَاء أنفُسِهم، مِمَّنْ جَرَى عُرْفُ الصُّحُفِ والكُتَّاب في هذه الأيَّام على تَسْمِيَتِهِم “أنصار المرأة” -: إن المرأة لا تصلح للكَدِّ وممارسة الأعمال العامَّة صلاحيةَ الرجل؛ لأنها بحُكْم تكوينها تَحيضُ أُسْبُوعًا في كُلِّ شهر، وهي حالة تَكاد تكونُ مَرَضًا عند بعض النساء، تُخْرِجها عن مألوف عاداتها، وهي بعد ذلك إن حملت ظلَّت تُعانِي في الشهور الأولى من حالة “الوَحَمِ”، وما يلازمه من أسقام، ثُمَّ إنها تعانِي في الشهور الأخيرة من ثِقَلِ الحَمْل، الَّذي يُقَيِّد حركاتِها حتى يكاد يَشُلُّها، فإذا لم تكنِ المرأة العاملة متزوِّجَةً كانت مشغولةً بالبحث عن الزوج، مُعرَّضَةً للزلل، والتفريط عند كل بارقة من الأمل في الظَّفَرِ به، وهي لا تعدِل عن ذلك، ولا تنصرف عنه، إلا لعلَّة قد تكون شرًّا من البحث عن الزوج وأخْطَر.

ثُمَّ إنَّ حياتَنا الحديثة تقوم في كل شؤونها، ومختلِف نواحيها على التخصُّص الدقيق الذي يُتِيحُ دِقَّة المَعْرِفة، وحِذْق المرانة لكل عاكف على فرع بعينه، والتربية الحديثة تُحاوِل أن تكتشف مواهِبَ الأطفال والصِّبْية؛ لتُوجِّه كلاًّ منهم فيما يُلائم استعداده وتكوينه، فلماذا نُطَبِّق هذين المبدأينِ - التخصُّص والعمل المناسب - في كل شيء، ونَأْبَى تطبيقَهُما في الرجل والمرأة!

يتبع ان شاء الله**