ألمختار من أدبيات ألشيخ جواد عبد المحسن الهشلمون

بسم الله الرحمن الرحيم

الاقتصاد السياسي والسياسة الاقتصادية

لم يكن نشوء المبدأ الرأسمالي نشوءا مفاجأ بين عشية وضحاها, بل جاء نتيجة إفرازات عديدة أدت بمجملها إلى تبلور عقيدة هذا المبدأ قبل أن يتبلور نظامه…ويمكن لنا أن نوجز هذه الإفرازات مثل ظهور النظريات الفلسفية وحركة الإصلاح الديني ودعاوى الإلحاد وسيطرة الكنيسة والإقطاعيين والظلم على العامة,

وحتى تتضح الصورة…فلقد كانت المؤسسة الكنيسة من الناحية المالية أهم مؤسسة في البلاد ,فهي تملك مثلا ما بين 55 ? 60% من الأرض وأملاكا أخرى تقدر قيمتها في مجموعها بمبلغ يتفاوت بين ( بليوني جنيه وأربعة بلايين جنيه استرليني ذهبي ) سنة 1789م يضاف إلى هذا المبلغ دخله السنوي المقدر ب( 120 ) مليون جنيه و ( 129 ) مليون جنيه عشور تجبى من غلات الأرض … ومع كل ما هو موجود تحت يد الاكليروس والرهبان إلا أن كثراً منهم هجر الرهبنة … ويصف آرثر ينج الوضع فيقول ( إن الحقول مسرح للإدارة المهلهلة… كما إن البيوت شاهد على الفقر المدقع … ومع كل هذا فان هذه البلاد كلها قابلة جداً للتحسن لو عرفوا ما ينبغي ان يصنعوه بها ).

وترافق مع هذا وذاك ظهور الاكتشافات العلمية واكتشاف العالم الجديد والحاجة إلى الأيدي العاملة مما حدا بهم إلى الذهاب إلي شرق إفريقيا وسرقة الناس والاتجار بالرق ففي عام واحد سنه 1788 شحن تجار الرقيق الفرنسيون أكثر من ( 29) إلفا إلى هاييتي فأصبح (30) ألفا من البيض يستخدمون (480) إلفا من السود .

وقد أدى هذا الأمر إلى نشوء ما يسمى بالطبقة البرجوازية وهم طبقة التجار و رجال الأعمال و الصناعيين الذين طالبوا الدول برفع القيود عن العلاقات التجارية و تحت ضغطهم تنازلت الحكومات ولبت كثيرا من مطالبهم مما حسن حركة التجارة ، فمثلا بلغ حجم التبادل التجاري بين فرنسا وبريطانيا في عام 1788م بليون فرنك وكان النهم يزداد يوما بعد يوم صرحت غرفة تجارية تصريحا يعبر عن هذا النهم حين قالت(إن فرنسا تحتاج إلى مستعمراتها لصيانة اقتصادها) ولقد احتاجت المشاريع الصناعية والاستعمارية إلى رأس المال, وولدت سلالة من المصرفيين وعرضت شركات المحاصة السندات وطرحت الحكومة السندات وأسهم القروض وتطورت المضاربة في بيع وشراء السندات المالية …حتى شارك أعضاء الوزارات في المضاربة…فأصبحوا خاضعين لضغط المصرفيين ونفوذهم … وكانت كل حرب تزيد من اعتماد الدولة عليهم … مما أدى إلى إخضاع القرار السياسي لمصلحة رجال الأعمال أو إلى آلهة المال كما يسمونهم …وليس هذا الأمر في أوروبا وحسب بل في الدولة الناشئة حديثا في أمريكا .

لقد أدى هذا التطور في النظام الرأسمالي بعد استقرار عقيدة فصل الدين عن الحياة وتحجيم الكنيسة وعدم تدخلها في القرار السياسي ( الحرب و السلم ) إلى وجود الحاجة للاستعمار لأنه من وجهة نظرهم ? حاجة اقتصادية ? بعد أن كان في أصله حاجة مبدئية أو مصلحة يمليها المبدأ ويصف هذا الأمر ( روبرت كوبر) مستشار توني بلير في السياحة الخارجية فيقول ( الحاجة إلى الاستعمار اليوم ماسة كما كانت في القرن التاسع عشر لحمل مبادئ النظام والحرية والعدالة التي تعتنقها مجتمعات ما بعد الحادثة) .

ولقد نشئ ما يسمى بالمثالية الولسونية ? نسبة إلى(رودو ويلسون الرئيس للولايات المتحدة 27 من سنة 1856 ? 1924 ) , ووجهة نظره هي تفويض نخبة من الوجهاء والأعيان من ذوي المثل العليا سلطة حفظ الاستقرار ووضع الجمهور في مكانه الصحيح… وهذا الانتداب في رؤية السلطة إنهم لفيف من الناس ممن يعون دور الحكومة وهو (حماية الأقلية الثرية من الأغلبية) وهذه المثالية كما يقول ( نعوم تشومسكي ) يمكن تلخيصها بأنه يجب على أمريكا أن تؤدي دورها التاريخي بصفتها الطليعة ، وأن تغير النظام العالمي ومن خلال هذا الإدراك أن تديم هيمنتها عملا بحتمية التفوق العسكري وأن تجعل العالم قاب قوسين أو أدنى من الدمار حتى يمكن لك أن تستثمر هذا الأمر لمصالحك من دون مجازفة وشطب المشاركة السياسية للأكثرية العددية في الداخل من خلال التضخيم الإعلامي للحدث لإسكات المعارضين بتصوير الأمر بأنه تهديد مباشر للأمن في أمريكا وواجب على أمريكا حماية أمنها بالحروب الإستباقية وصناعة الرأي العام إعلاميا , كما حصل مع العراق و الكنغو وكوبا وفي أمريكا الجنوبية بتدبير الانقلابات وفي ملخصه أن العلاقات الخارجية لا تبنى على أساس المصالح المشتركة بين الدول وإنما على أساس إدارة صراعات ويصف هذا الأمر جورج شولتز وزير خارجية رغين 1986م بقوله ( أن التفاوض تعبير ملطف للاستسلام .. إذا لم يسقط ظل القوة على طول طاولة المفاوضات ) ولقد سقط ظل هذه القوة وتمثل بمشروع مارشال لإعمار أوروبا و وصفت(مجلة ترست ويك) تصف مشروع مارشال ( بأنها التعبير الاقتصادي للإطار السياسي الذي أرساه صناع السياسة في حقبة ما بعد الحرب ). بعد انتهاء الحرب وتمثله بقانون ( الإعارة والتأجير) قبل الحرب وابتزاز بريطانيا الحرب اقتصاديا , وبل ويصف أحد خبرائهم السياسة بأنها ظل المشاريع والأعمال الضخمة على المجتمع وهو التسامح مع التغلغل الاقتصادي الأمريكي في أي بلد وعدم التسامح مع أي منافسة ويستشهد بقول( ثوسيديس ) وهو قائد يوناني 460 ? 403 ق.م بقوله ( للأمم الكبيرة أن تفعل ما تشاء وللأمم الصغيرة أن تقبل ما يتوجب عليها فعله ) مثل الاتفاقية الأمنية العراقية أخيرا.

وليس هذا فقط بل كما أن العلاقات الخارجية تخضع لإرادة آلهة المال ومصالحهم فكذالك الأمر الأمر بالنسبة للعلاقات الداخلية حين قال الرئيس الأمريكي ( مديسون ) ( حراسة المصالح العامة من أذى الديمقراطية ) فكانت سياسة التصنت وتقييد الحريات وحماية الاحتكارات وغض الطرف عن إنشاء البنوك الاستثمارية التي لا تخضع للرقابة الحكومية وهذا ما شاهدناه ورأيناه من مسلسل الانهيارات المتلاحقة وحمى الإفلاس الجماعي ، وهذا ما أدى إلى أن نسمع أصواتا تنادي بضرورة التغيير واستبدال هذا النظام الاقتصادي بغيره من النظم لأنه ثبت فشله ولا مجال لإصلاحه و هذا ليس عندهم فحسب بل إنه قد تعداهم حتى وصلنا نحن المسلمين لأننا نحكم بالنظام الاقتصادي الرأسمالي عمليا وفي جميع نواحي حياتنا الاقتصادية .

وأما السياسة الاقتصادية عندنا كأمة عريقة في الفكر المستنير فإن التأصيل في الفهم بناءا على قاعدة فكرية واحدة لم تتغير منذ أن نزلت آية ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) وإن ما حصل اختلاف في فهم النصوص وهذا الاختلاف في الفهم لا يعني الاختلاف على القاعدة مطلقا وهذا ما تبناه الحزب حين بين أن الأمة يمكنها أن تعيد بناء ثروتها المادية ما دامت محتفظة بثروتها الفكرية وأن النهضة الفكرية هي النهضة التي تتعلق بها كل نهضة يمكن أن توصف بأنها نهضة ومثال ذلك أن التتار قد اجتاحوا بغداد سنة 656هـ ولكن الأمة سرعان ما استعادت زمام المبادرة وانتصرت في عين جالوت سنة 658هـ لأنها لم تفقد ثروتها الفكرية ولا بوصلتها .

يتبع

حُسْنُ الخاتِمَةُ
إن اللحظات الاخيرة من حياة الآدمي لحري ّان يتدبرها العبد والمسلم خصوصا,وهو في نشاطه وصحته وما سوف يؤول اليه امره,فدائرة حياته الطويلة قد اقترب آخرها لتكتمل دائرته وتنتهي حياته,ويخرج من عالم ليدخل عالم ومن دنيا الى اخرى,فقبل مولده كان في عالم وكذلك بعد موته, فينقلب بعدها العبد إلى الشقاوة أو السعادة فالعاقل الذي يتفكر فيما هو مقبل عليه حتما ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا) رواه البخاري ومسلم. أي العبرة بما يختم به عمل العبد، وما منا من أحد إلا ويخاف أن يكون ممن يختم له بسوء الخاتمة والعياذ بالله, ومن حسن الخاتمة ما وقع لزرارة بن أوفى رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فإنه لما سمع قول الله تعالى (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) المدثر8 ، سقط وهو في الصلاة ومات فهذا من خشيته لربه .
ان الله عز وجل قد هيأ لمن شاء من عباده من الاعمال في الدنيا ما يرفع بها درجاتهم في الآخرة,فان اصابتهم ضّراء صبروا وان اصابتهم سرّاء شكروا فعاشوا الحياة متنقلين بين الصبر والشكر فكانوا ممن قال الله فيهم(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر10، فنصيب الانسان في الدنيا عمره وهو اغلى ما يملك فان احسن استغلاله للآخرة نفعه وربحت تجارته, وان اساء استغلاله وافناه في المعاصي والذنوب ندم ساعة لا ينفع الندم,وقد حذرنا ربنا من ذلك فقال(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) 102آل عمران ، فالامر بالتقوى والعبادة مستمر حتى الممات لتحصل الخاتمة الحسنة ,فلا ندري متى يأتي الاجل.
ان كثيرا من جهلة المسلمين اعتمدوا على سعة رحمة الله عز وجل فاسترسلوا في المعاصي وشعارهم(ليوم الله يفرجها الله)وكأنهم ما تنبهوا او تغافلوا عن قوله تعالى(نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) الحجر50، وقال معروف الكرخي رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق,وقالوا:من قضى بقطع عضو منك في الدنيا بسبب سرقة دراهم معدودة فلا تأمن ان تكون عقوبته في الآخرة على نحو ذلك. وقال الحسن البصري :المؤمن يجمع إحساناً وخوفاً والمنافق يجمع تقصيرًا وأمناً.
ان للموت سكرات يلاقيها كل إنسان حين الاحتضار ، كما قال تعالى: ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) ق19، وسكرات الموت هي كرباته وغمراته ، قال الراغب في مفرداته : " السكر حالة تعرض بين المرء وعقله ، وأكثر ما تستعمل في الشراب المسكر ، ويطلق في الغضب والعشق والألم والنعاس والغشي الناشيء عن الألم وهو المراد هنا "وقد عانى الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه السكرات ، ففي مرض موته صلوات الله وسلامه عليه كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء ، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ، ويقول " لا إله إلا الله ، إن للموت سكرات "رواه البخاري, وهذا ما حصل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكيف بالظالم والكافر والعياذ بالله,فالكافر والفاجر يعانيان من الموت أكثر مما يعاني منه المؤمن ، فقد سقنا طرفاً من حديث البراء بن عازب وفيه : " أن روح الفاجر والكافر تفرق في جسده عندما يقول له ملك الموت أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب ، وأنه ينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول ، فتقطع معها العروق والعصب " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ .
ووصف لنا القرآن الكريم الشدة التي يعاني منها الكفرة وما يلاقونه حين احتضارهم وحين تتفرق الجموع عنهم وحين لا ينفعهم جاه ولا منصب ولا مال في قوله تعالى ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) الأنعام 93 .
بكى سفيان الثوري ليلة، فقيل له أبكاؤك هذا على الذنوب…؟؟ فأخذ تبنة من الأرض وقال الذنوب أهون من هذه، إنما أبكي خوف سوء الخاتمة، لأنه الأمر الذي يبكي عليه، ويصرف الاهتمام إليه؛ ولذلك قيل: لا تكف دمعك حتى ترى في المعاد ربعك, ولا تكحل عينك بنوم، حتى ترى حالك بعد اليوم.
وهذه تذكرة لي ولإخواني بخطر الخواتيم، حتى يستحضر العبد هذه اللحظات الحاسمة التي يختم بها للعبد في الدنيا، ويترتب عليها مصيره في الآخرة .
1ـ خطر الخواتيم: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ نَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَجُلٍ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنْهُمْ فَقَالَ: [مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا] فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَقَالَ بِذُبَابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا] رواه البخاري ومسلم .
قوله: [ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا]؛ أي لا تصلح الأعمال الصالحة، حتى يختم للعبد بعمل صالح، فيدخل جنة الله, فالخوف من سوء الخاتمة هو الذي طيَّشَ قلوب الصديقين، وحير أفئدتهم في كل حين، ليس لهم في الدنيا راحة:
أَرْوحُ بِشَجْوٍ ثُمَّ أَغْدُو بِمِثْلِهِ = وَتَحْسَبُ أَنِّي فيِ الثِّيَابِ صَحِيحُ
فكم سمعنا عمن آمن، ثم كفر، وكم رأينا من استقام، ثم انحرف؛ لذلك كان كثيرًا ما يردد عليه الصلاة والسلام من دعائه: [يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ]رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد.
ولقد ارتد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بعض من آمن، فخرجوا من النور إلى الظلمات؛ منهم عبيد الله بن جحش، ودخل في النصرانية، وارتد بعد وفاته عليه الصلاة والسلام خلقٌ ونسأل الله الثبات على الحق .
قال ابن الجوزي: “من أظرف الأشياء إفاقة المحتضر عند موته، فإنه ينتبه إنتباهًا لا يوصف، ويقلق قلقًا لا يُحَدُّ، ويتلهف على زمانه الماضي. ويود لو ترك حتى يتدارك ما فاته، ويصدق في توبته على مقدار يقينه بالموت، ويكاد يقتل نفسه قبل موتها بالأسف”. فالعاقل من مثّل تلك الساعة وهو صحيح، وعمل بمقتضى ذلك فإن من استذكر تلك الساعة يكف نفسه عن الهوى ويلتزم الحق.
والعيش نوم والمنية يقظة = والمرء بينهما خيال ساري
فمن من كانت تلك الساعة نصب عينيه، كان كالأسير لها يستذكرها قبل فعله,وذكر رجلاً رجلا بين يدي معروف بغيبة، فجعل معروف يقول له: اذكر القطن إذا وضعوه على عينيك.
2ـ خوف السلف رضي الله عنهم من سوء الخاتمة
ان العبد قبل أن تخرج روحه، يبشر بالنعيم، أو العذاب، فمن بشر بالنعيم، أحب لقاء الله، واشتاق إليه، فأحب الله لقاءه، ومن بشر بالعذاب، كره لقاء الله وأشفق منه، فكره الله لقاءه، ومن هنا كان خوف السلف؛ لأنهم ينتظرون في هذه اللحظات إحدى البشارتين:فقد بكى أبو هريرة عند موته،وقال والله ما أبكى حزنًا على الدنيا، ولا جزعًا من فراقكم، ولكن أنتظر إحدى البشريين من ربي، بجنة أم بنار, وعن إسماعيل بن عبيد الله أن أبا مسلم قال: جئت أبا الدرداء، وهو يجود بنفسه، فقال: ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا، ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا، ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه، ثم قبض.
ولما احتضر أبو بكر بن حبيب، وكان يدرس، ويعظ، وكان نعم المؤدب، قال له أصحابه لما احتضر أوصنا، فقال: أوصيكم بثلاث: بتقوى الله ـ عز وجل ـ ومراقبته في الخلوة، واحذروا مصرعي هذا، فقد عشت إحدى وستين سنة، وما كأني رأيت الدنيا، ثم قال لبعض إخوانه انظر هل ترى جبيني يعرق؟ فقال: نعم،فقال: الحمد لله هذه علامة المؤمن- يريد بذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ] رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد ثم بسط يده عند الموت، وقال:
هَا قدْ مَدَدْتُ يَدِي إلَيْكَ فَرُدَّهَا = بِالْفَضْلِ لا بِشَمَاتةٍ الأَعْدَاءِ
وقال الشعبي: لما طعن عمر، جاء ابن عباس فقال: يا أمير المؤمنين،أسلمت حين كفر الناس،وجاهدت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين خذله الناس، وقتلت شهيدًا، ولم يختلف عليك اثنان، وتوفى رسول الله، صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، فقال له: أعد مقالتك، فأعاد عليه، فقال: المغرور من غررتموه، والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس، أو غربت، لافتديت به من هول المطلع.
ولما حضرت محمد بن سيرين الوفاة، بكى فقيل له: ما يبكيك، فقال: أبكي لتفريطي في الأيام الخالية، وقلة عملي للجنة العالية، وما ينجيني من النار الحامية.
ولما حضرت الفضيل بن عياض الوفاة، غُشِيَ عليه، ثم أفاق، وقال: يا بُعْدَ سفري، وقلة زادي.
ولما حضرت الوفاة عامر بن عبد قيس بكى، قيل له: ما يبكيك، قال أبكي لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27)}سورة المائدة.
يتبع

وخلاصة التفريق بين سياق الآيتين أن آية سورة الحديد تتحدث عن المؤمنين المسابقين المتسابقين، بينما تتحدث آية سورة آل عمران عن المتقين المسارعين المتسارعين، ومعلوم أن الصنفين ليسا على درجة واحدة، فالمتقون أعلى درجة من المؤمنين، لأنهم جمعوا بين الإيمان والتقوى.

ولنحاول فهم الفروق بين الآيتين ، مستصحبين موضوع كلٍّ منهما، واختصاصهما بالحديث عن صنف خاصٍّ من المسلمين.

  1. حذف القرآن حرف العطف من آية سورة الحديد لأنه جعلها نتيجة للآية التي قبلها، حيث أمر فيها المؤمنين بالعلم بسرعة زوال الدنيا، وعدم قيمتها بالنسبة للآخرة، فبعد أن قال: {اعلموا} في الآية السابقة ذكر في هذه الآية ما يجب أن يترتب على العلم، وهو المسابقة، فقال: {سابقوا إلى مغفرة..}.

بينما ذكر حرف العطف في آية آل عمران: {وسارعوا}، لأن الكلام في الآيات عن مجموعة من الأوامر، التي ينتج عنها مجموعة من الأفعال، وهذه الأوامر والأفعال معطوف بعضها على بعض بواو العطف: { وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)آل عمران. فذكر حرف العطف .

  1. الفرق بين المسابقة والمسارعة:

أمر في آية سورة الحديد بالمسابقة، وأمر في آية سورة آل عمران بالمسارعة، وقد يظن بعض قصيري النظر بأن الأمرين بمعنى واحد، وهذا مردود لأنه لا ترادف في القرآن. فالآيتين تتحدثان عن السباق إلى الجنة، لكن كل آية تتحدث عن مرحلة من مراحل السباق, فأي سباق مهما كان نوعه ومسافته لا بد له من مرحلتين الأولى مرحلة السباق والانطلاق، والثانية مرحلة الإسراع في السباق. وأوضح ما يكون هذا في سباق الجري، فعندما يبدأ الشوط الأول يتسابقون وبعد فترة يسارعون في السباق, فيبدأ السباق إلى الجنة في آية سورة الحديد حيث ينطلق المسابقون وفي منتصف الطريق تبدأ المرحلة الثانية، وهي المسارعة في السباق، بأن يضاعف المسابقون سرعتهم، ويتحولون من مجرد مسابقة إلى المسارعة في المسابقة ولا ننسى أن بعض المسابقين قد يسقط في الطريق، ويخرج من السباق، ولا يصل إلى مرحلة المسارعة إلا أصحاب الطاقات والهمم والسرعات والعزائم.

وعلى ضوء هذا البيان ندعو إلى ملاحظة الفاعلين للفعلين في {سابقوا} و{سارعوا} فالفاعلان المأموران مختلفان فواو الجماعة في فعل {سابقوا} تعود على المؤمنين المسابقين، بينما واو الجماعة في فعل {سارعوا} تعود على المتقين المسارعين في السباق ومعلوم أن بعض المؤمنين قد لا يتمكن من إكمال السباق، فلا يصل إلى مرحلة المسارعة وأما المتقون فإن زاد التقوى عندهم يعينهم على إكمال أشواط المسارعة.

  1. ذكر الكاف وحذفها:ان الجنة التي يتسابق إليها المؤمنون: {عرضها كعرض السماء والأرض} ولذلك أدخل حرف الكاف على العرض. أما الجنة الثانية التي يسارع إليها المتقون فإن عرضها: {السماوات والأرض} بدون حرف الكاف.

وحكمة إدخال الكاف على آية المسابقة في الحديد أن الجنة التي يتسابقون إليها أعرض، وحكمة حذف الكاف من آية آل عمران أن الجنة التي فيها أقل عرضاً. والجنة الأولى أعرض لأن عدد المسابقين إليها أكثر، فهم مؤمنون بالمفهوم العام، أما الجنة الثانية في آل عمران فإنها أقل عرضاً من جنة سورة الحديد، لأنها للمتقين المسارعين إليها، ومعلوم أن المتقين أقل عدداً من المؤمنين، ولذلك كانت الطريق التي يتسابقون فيها أقل عرضاً من طريق الأولين، وكانت الجنة التي يتسابقون إليها أقل عرضاً كذلك، ولذلك ذكرت الكاف في الآية الأولى دون الثانية.

  1. الفرق بين (السماء) و(السماوات)ان الجنة التي يسابق إليها المؤمنون في آية الحديد {عرضها كعرض السماء والأرض}، فذكرت (السماء) بلفظ المفرد. و(السماء) هنا اسم جنس، ينطبق على المفرد والجمع، وحكمة التعبير بالمفرد هنا أن هذه الجنة أعرض لأنها المتسابقين إليها أكثر، وهم المؤمنون.

أما آية آل عمران فقد اختارت الجمع: (السماوات)، فقالت: {وجنة عرضها السماوات والأرض} والتعبير بالجمع في مقابل اسم الجنس يدل على أن العدد أقل، وذلك لأن عدد المسارعين إلى الجنة التي عرضها السماوات أقل من عدد المسابقين إلى الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض، لأنهم متقون في مقابل المؤمنين، والمتقون أقل عدداً من المؤمنين.

ان (السماء) اسم جنس، وهو أعم من الجمع (السماوات) والسماء أعرض من السماوات لأن مساحة اسم الجنس أوسع من مساحة الجمع، فالسماوات أقل عرضاً من السماء ويشير إلى هذا قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات} البقرة: 29. ونلاحظ كيف جعلت الآية المفرد (السماء) أصلاً انبثق منه الجمع (السماوات)، لنعرف أن المفرد أعم وأكثر وأوسع من الجمع.فمثلا تقول: عندي أرض كبيرة وعندما تقسمها تقول عندي عدة أراضٍ. فالأراضي أقل من الأرض بهذا الاعتبار.

  1. المؤمنون المسابقون أكثر من المتقين المسارعين فذكرت آية الحديد أن الجنة{أعدت للذين آمنوا بالله ورسله}. وذكرت آية آل عمران أن الجنة {أعدت للمتقين}.

  2. التشجيع والترغيب في الحديد:عقبت آية الحديد على سباق المؤمنين إلى الجنة العريضة بأن هذا فضل من الله، فقالت: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم}، فالمسابقون فيها هم مؤمنون آمنوا بالله ورسله، وسباقهم ما زال في بداياته، وهم بحاجة إلى مزيد من الترغيب والحث والتشجيع، حتى يستمروا في السباق، ويزيدوا من سرعتهم فيه، ولم تذكر آية آل عمران هذا التعقيب، لأن المسارعين فيها إلى الجنة هم المتقون، وهم ليسوا بحاجة إلى تشجيع وتحميس وحث، لأنهم ارتقوا إلى درجة أعلى، استشرفوا فيها الجنة التي يسارعون إليها، فغذُّوا السير إليها، وضاعفوا سرعتهم نحوها.

  3. دعوة للاتصاف بصفات المتقين:ان السياق في آية آل عمران حديث عن أهم صفات المتقين المسارعين إلى الجنة الخاصة، فذكر أنهم ينفقون في سبيل الله في السراء والضراء، ويكظمون الغيظ، ويعفون عن الناس، ويحسنون في الصلة بالله، ويسارعون إلى التوبة والاستغفار? وذكر هذه الصفات للإشارة إلى أنهم نجحوا في التربية، وترقُّوا في التزكية، وفازوا في المسارعة إلى الجنة، ودخلوها برحمة الله فكان حالهم {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} آل عمران: 136.وهذا الثناء عليهم دعوة للمؤمنين المتقين إلى الاقتداء بهم، في الاتصاف بتلك الصفات، وفي الفوز بالجنات,فآية سورة الحديد أعم وأشمل، ولذلك اختارت ألفاظاً تدل على ذلك العموم، أما آية سورة آل عمران فإنها أخص، ولذلك اختارت ألفاظاً تدل على ذلك الخصوص والله اعلى واعلم.(*).


(*)-من مقال د. صلاح عبد الفتاح الخالدي بتصرف

جواد عبد المحسن

حديث رمضان-13 / 2015

المسابقة والمسارعة في القرآن

 آيتان في القرآن الكريم، تدعوان المؤمنين إلى المسابقة إلى المغفرة والجنة، والمسارعة إليهما، و موضوع الآيتين واحد إلا أن بينهما اختلافاً مقصوداً في الصياغة، وفروقاً في جملهما وكلماتهما. فهما من باب (المتشابه اللفظي) في القرآن، وهذا المتشابه اللفظي من صور أساليب البيان الرائعة في القرآن، ومن مظاهر الإعجاز البياني فيه.

ولننظر في الآيتين نظرات بيانية تحليلية، ولنحاول الوقوف على الفروق المقصودة بينهما، ولنحاول فهم الاختلاف للخروج بدلالات ونتائج، تزيدنا التزاماً وتطبيقاً،

قال الله عز وجل في سورة الحديد: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، أعدت للذين آمنوا بالله ورسله، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم} الحديد21.وقال الله عز وجل في سورة آل عمران: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين . الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} آل عمران 133-134.

ففي آية سورة الحديد أمر الله المؤمنين أن (يسابقوا) إلى مغفرة الله وجنته،وأخبرهم أن عرض الجنة التي يسابقون إليها كعرض السماء والأرض، وأن الله أعد تلك الجنة العريضة للمؤمنين بالله ورسوله، وذكر أن هذا كله فضل من الله، يتفضَّل به على من يشاء من عباده المؤمنين، وفضل الله عظيم، يمنُّ به على من يراه أهلاً له.

وفي آية سورة آل عمران: أمر الله المؤمنين أن (يسارعوا) إلى مغفرة الله وجنته، وأخبرهم أن عرض الجنة التي يسارعون إليها هو السماوات والأرض، وأنه أعد هذه الجنة لعباده المتقين، وذكر بعض صفات المتقين الفائزين، فهم الذين ينفقون في السراء والضراء، وهم الذين يكظمون الغيظ، وهم الذين يعفون عن الناس، وهم أحباب الله، أحبهم الله لأنهم محسنون، والله يحب المحسنين، وهم الذين يسارعون إلى التوبة والاستغفار إذا أذنبوا?

ان هناك فروق بين الآيتين مع أن موضوع الآيتين واحد إلا أنه يمكن تسجيل الفروق التالية بينهما:

1.لم تُذكر الواو في مطلع آية سورة الحديد: {سابقوا إلى مغفرة?}، بينما ذكرت الواو في مطلع سورة آل عمران: {وسارعوا إلى مغفرة?}.

2.أمر الله في الآية الأولى بالمسابقة: {سابقوا} بينما أمر في الآية الثانية بالمسارعة: {وسارعوا} فما الفرق بين المسابقة والمسارعة؟! وما الفرق بين الثلاثي والرباعي في الأمرين: ?سابقوا وسبقوا? و: ?سارعوا وسرعوا?

3.أخبرت الآية الأولى أن عرض الجنة كعرض السماء والأرض، فأدخلت الكاف على ?عرض?، حيث قالت: {عرضها كعرض السماء والأرض}، بينما أسقطت الآية الثانية الكاف، وقالت: {عرضها السماوات والأرض?}.

4.عبرت الآية الأولى عن السماء بلفظ المفرد، فقالت: {كعرض السماء والأرض}، بينما عبرت الآية الثانية بلفظ الجمع: (السماوات). فقالت: {عرضها السماوات والأرض}. فأيهما أعرض؟! وما حكمة العدول عن المفرد إلى الجمع؟!

5.ذكرت الآية الأولى أن الله أعد الجنة للذين آمنوا بالله ورسله، فقالت: {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله}. بينما ذكرت الآية الثانية أن الجنة أعدت للمتقين: {أعدت للمتقين}. فهل المؤمنون المذكورون في الأولى هم المتقون المذكورون في الثانية؟! وإذا كانوا غيرهم فما الفرق بين الفريقين؟!

6.عقبت الآية الأولى على نعيم الجنة بأنه فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، فقالت {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم} بينما لم تذكر الآية الثانية هذا التعقيب فما حكمة ذكر هذا التعقيب في الآية الأولى وسكوت الآية الثانية عنه.

7.لم تتحدث سورة الحديد بعد الآية الأولى عن صفات أصحاب الجنة وإنما انتقلت إلى موضوع آخر، فقالت في الآية التي بعدها: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير}الحديد22. بينما عرضت سورة آل عمران أهم صفات المتقين، فقالت: { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) }آل عمران.

ان سياق آية سورة الحديد في المقارنة بين الدنيا والآخرة وزوال الدنيا وبقاء الآخرة ونعيم الدنيا في مقابل نعيم الآخرة، ومن ثم دعوة المؤمنين إلى عدم الاكتفاء أو الانشغال بنعيم الدنيا، وترك نعيم الآخرة، ولذلك تدعوهم إلى المسابقة في نعيم الآخرة، والحصول على الخلود في الجنة. ولذلك قال الله في الآية التي قبلها: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته، ثم يهيج فتراه مصفرّاً ثم يكون حطاماً، وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}الحديد:20 ولذلك كان موضوع آية سورة الحديد دعوة المؤمنين إلى المسابقة إلى الجنة التي هي كعرض السماء والأرض، وترغيبهم في هذا السباق، بتقرير أن الفوز فيه فضل من الله يؤتيه من يشاء. والمؤمن لا يفضِّل عليه متاع الدنيا القصير سريع الزوال.

أما سياق آية سورة آل عمران فهو ليس عن المؤمنين بالله ورسله، المسابقين إلى المغفرة والجنة، وإنما هو في الحديث عن (المتقين)، الذين اتصفوا بصفات خاصة، والتزموا التزاماً خاصّاً، وأطاعوا طاعة خاصة، وسابقوا سباقاً خاصّاً، ثم سارعوا مسارعة خاصّة، وبذلك أفلحوا فلاحاً خاصّاً.. إن سياق آية سورة آل عمران يتحدث عن المتقين وليس مجرد المؤمنين، الذين تركوا الحرام، واتقوا الله، واتقوا النار، وأطاعوا الله ورسوله، وأفلحوا وفازوا ونالوا رحمة الله، وسارعوا السير إلى جنته، فدخلوا بفوزهم وفلاحهم، ورحمة الله بهم. وندعو إلى قراءة الآيات السابقة على آية سورة آل عمران بتدبر وإمعان. قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)آل عمران.

يتبع

عبر محمد بن القاسم نهر (مهران) مما يلى بلاد الملك (راسل) ملك (قصة) من الهند على جسر عقده, و (داهر) مستخف به لاهٍ عنه, ولقيه محمد والمسلمون وهو على فيل وحوله الفيلة فاشتد القتال بشكل لم يسمع بمثله وترجّل (داهر) وقاتل حتى قتل عند المساء, فانهزم أصحابه وقتلهم المسلمون كيف شاءوا فقال قاتل داهر وهو القاسم بن ثعلبة بن عبد الله الطائي رضي الله عنه, فتوح البلدان ص 426

         الخيل تشهد يوم داهر والقنا     =    ومحمد بن القاسم بن محمد

         أني فرجت الجمع غيرُ مَعرد     =    حتى علوت عظيمهم بمهند

         فتركته تحت العجاج مجندلا     =     متعفر الخدين غير موسّد

ثم عبر نهر (بَياس) رافد نهر السند إلى مدينة (المُلْتان) أعظم مدن السند الأعلى وأقوى حصونه، فامتنعت عليه شهوراً وقاتله أهلها، فانهزموا فحصرهم، فأتاه رجل مستأمن دلّه على مدخل الماء الذي يشرب منه السكان، فقطعه عليهم، فنزلوا على حكمه، فقتل محمد المقاتلة وسبى الذرية وسبى سدنة (البد) وهم ستة آلاف، وأصاب مالاً كثيراً جمعه في بيت طوله عشرة أذرع وعرضه ثمانية أذرع, وعظمت فتوح محمد،فراجع الحجّاج حساب نفقاته على هذه الحملة، فكانت ستين ألف ألف درهم فقال: شفينا غيضنا، وأدركنا ثأرنا، وازددنا ستين ألف ألف درهم ورأس داهر. لقد أنجز محمد هذا الفتح كله في المدة بين سنة تسع وثمانين الهجرية وأربع وتسعين الهحرية.

بينما محمد بن القاسم يدبر أمر السند وينظم أحواله بعد الفتح ويستعد لفتح إمارة قنوج وهي أعظم الإمارات في شمال الهند توفي الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة 96هـ وتولى أخوه سليمان 96- 99 هـ الذي بدأ يغير ولاة الحجّاج، فعين على العراق رجلاً من ألد أعداء الحجّاج، وهو صالح بن عبد الرحمن، الذي كان الحجّاج قد قتل أخاً له اسمه آدم بن عبد الرحمن كان يرى رأي الخوارج، فقرر صالح بن عبد الرحمن أن ينتقم من أقرب الناس إلى الحجّاج، وهو محمد بن القاسم فعزله عن السند وولى رجلاً من صناعه وهو يزيد بن أبي كبشة، وأمره بالقبض على محمد، فقبض عليه وأرسله إليه، فحبسه في واسط في رجال من آل أبي عقيل، وقد ادعت ابنة ملك السند الذي قتله ابن القاسم أنه راودها عن نفسها أو نالها قسراً، ولذا فقد سجن في واسط وعذب، ثم تضاربت الروايات بشأنه فقيل إنه مات تحت العذاب، وقيل إنه أطلق سراحه ثم قتل، وقيل بل قتل بدسائس من أتباع داهر فأتهم به الخليفة، ثم اعترفت ابنة داهر فيما بعد بانها كانت كاذبة في إدعائها، وهكذا انتهت حياة هذا البطل وهذا الفاتح الكبير هذه النهاية الأليمة، وحرمة الأمة الإسلامية من هذه العبقرية الشابة، فإن محمداً حقق هذه الأمجاد وهو في مقتبل العمر حتى قال فيه الشاعر:

      إن الشجاعة والسماحة والندى     =    لمحمد بن القاسم بن محمد

      قاد الجيوش لسبع عشرة حجة     =    يا قرب ذلك سؤدداً من مولد

  إن العين لتدمع دمعات حزينة حين تُفاجأ بنهاية محمد بن القاسم الثقفي الأليمة، فلو كان البطل الشهيد قد لاقى مصيره في معترك السيوف، لكان مصرعه مدعاة ارتياح لمن يقدرون البطولة، ولكنه يذهب ضحية للحقد، فتختلق الأكاذيب ضده لتلطخ بسوادها المنكر صحيفة بيضاء ساطعة بنور الفضيلة والكرامة والإباء، ويمضي الشهيد إلى ربه صابرًا محتسبًا، فلم يكن للبطل محمد بن يوسف الثقفي من ذنب لدى الخليفة سليمان بن عبد الملك إلا أنه ابن عم غريمه الحجاج بن يوسف الثقفي، فانتقم الخليفة سليمان من الحجاج الذي عزله من قبلُ عن الخلافة في شخص محمد بن القاسم.

 مات محمد بن القاسم الثقفي ولم يبلغ الرابعة والعشرين من عمره بعد أن فتح الفتوح وقاد الجيوش وضم الباكستان العظيمة إلى رقعة الإسلام، فاستضاء بجهاده وبمن جاء بعده مئات الملايين من المسلمين.

 ان آثاره الخالدة وأعماله المجيدة باقية بقاء الدهر، ولم يختره الله إلى جواره إلا بعد أن أبقى اسمه على كلِّ لسان وفي كل قلب، رمزاً للجهاد الصادق والتضحية الفذّة والصبر الجميل. أما الذين عذبوه فقد ماتوا وهم أحياء ولانزال حتى اليوم نذكر محمد بن القاسم بالفخر والاعتزاز، ونذكر الذين عذّبوه بالخزي والاشمئزاز، رحم الله محمد القاسم الشاب المظلوم، الأمير العادل الإداري الحازم، لقد بكاه أهل السند من المسلمين، لأنه كان يساويهم بنفسه ولا يتميز عليهم بشيء، ويعدل بالرعية ولأنه نشر الإسلام في ربوعهم فأرسل دعاته شرقاً وغرباً يجوبون البلاد التي فتحها وكان أكثر من هداهم الله إلى الإسلام من أهل السند على يديه، فمنذ الخطوات الأولى للفتح بدأت شخصيات كبيرة تعتنق الإسلام, ووجه الدعوة إلى الأمراء والحكام والوزراء والأعيان وعامة الشعب للدخول في الإسلام، فاستجاب له كثيرون وبصفة خاصة من البوذيين، وقد كان لسلوك المسلمين وقائدهم الشاب، واهتمامه بإقامة المساجد وأداء شعائر الإسلام، أثر كبير في جذب الأهلين إلى الإسلام، فلم يكن محمد القاسم يدخل مدينة إلا ويبني فيها مسجداً، فقد بنى مساجد في الديبل والرور والبيرون والملتان وغيرها من المدن السندية، فرحمة الله على هذا الفاتح الكبير.

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 / 2015

فهي رحمة الله بالقوم ، وهي حجته كذلك عليهم ، كي لا يعتذروا بأنهم أخذوا على غرة ، وأنهم لم ينذروا قبل أخذهم بالعذاب وما هم فيه من جاهلية وشرك ومعصية يستوجب العذاب فأراد الله أن يقطع حجتهم ، وأن يعذر إليهم ، وأن يقفهم أمام نفسهم مجردين من كل عائق يعوقهم عن الإيمان (وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) القصص 47.كذلك كانوا سيقولون لو لم يأتهم رسول . ولو لم يكن مع هذا الرسول من الآيات ما يلزم الحجة ولكنهم حين جاءهم الرسول ومعه الحق الذي لا مرية فيه لم يتبعوه { فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ }القصص 48 وهكذا لم يذعنوا للحق ، واستمسكوا بالتعلات الباطلة{ قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى }القصص48 إما من الخوارق المادية ، وإما من الألواح التي نزلت عليه جملة ، وفيها التوراة كاملة ولكنهم لم يكونوا صادقين في حجتهم ، ولا مخلصين في اعتراضهم : { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ }القصص48 ولقد كان في الجزيرة يهود ، وكان معهم التوراة ، فلم يؤمن لهم العرب ، ولم يصدقوا بما بين أيديهم من التوراة ولقد علموا أن صفة محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبة في التوراة واستفتوا بعض أهل الكتاب فيما جاءهم به فأفتوهم بما يفيد أنه الحق وأنه مطابق لما بين أيديهم من الكتاب؛ فلم يذعنوا لهذا كله وادعوا أن التوراة سحر وأن القرآن سحر ، وأنهما من أجل هذا يتطابقان ، ويصدق أحدهما الآخر { قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ }القصص 48 .

فهو المراء إذن واللجاجة ، لا طلب الحق ولا نقصان البراهين ، ولا ضعف الدليل ومع هذا فهو يسير معهم خطوة أخرى في الإفحام والإحراج . يقول لهم : إن لم يكن يعجبكم القرآن ، ولم تكن تعجبكم التوراة؛ فإن كان عندكم من كتب الله ما هو أهدى من التوراة والقرآن فأتوا به أتبعه { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }القصص49 وهذه نهاية الإنصاف ، وغاية المطاولة بالحجة ، فمن لم يجنح إلى الحق بعد هذا فهو ذو الهوى المكابر الذي لا يستند إلى دليل { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }القصص50 .

{ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ }القصص50 وهكذا جزما وقطعا كلمة من الله لا راد لها ولا معقب عليها فإن الذين لا يستجيبون لهذا الدين مغرضون غير معذورين . متجنون لا حجة لهم ولا معذرة ، متبعون للهوى معرضون عن الحق الواضح {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ }القصص50 وهم في هذا ظالمون { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }القصص50 .

إن هذا النص ليقطع الطريق على المعتذرين بأنهم لم يفهموا عن هذا القرآن ، ولم يحيطوا علماً بهذا الدين . فما هو إلا أن يصل إليهم ، ويعرض عليهم ، حتى تقوم الحجة ، وينقطع الجدل ، وتسقط المعذرة . فهو بذاته واضح واضح ، لا يحيد عنه إلا ذو هوى يتبع هواه ، ولا يكذب به إلا متجن يظلم نفسه ، ويظلم الحق البين ولا يستحق هدى الله . { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }القصص50 ولقد انقطع عذرهم بوصول الحق إليهم وعرضه عليهم فلم يعد لهم من حجة ولا دليل { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }القصص51 وحين تنتهي هذه الجولة فيتبين منها التواؤهم ومراؤهم ، يأخذ معهم في جولة أخرى تعرض عليهم صورة من استقامة الطبع وخلوص النية . تتجلى هذه الصورة في فريق من الذين أوتوا الكتاب من قبلهم وطريقة استقبالهم للقرآن المصدق لما بين أيديهم { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ }القصص 55.

إن الحق في هذا القرآن لبين وإن حجة هذا الدين لواضحة  فما يتخلف عنه أحد يعلمه إلا أن يكون الهوى هو الذي يصده وإنهما لطريقان لا ثالث لهما : إما إخلاص للحق وخلوص من الهوى ، وعندئذ لا بد من الإيمان والتسليم ,وإما مماراة في الحق واتباع للهوى فهو التكذيب والشقاق ,ولا حجة من غموض في العقيدة أو ضعف في الحجة  أو نقص في الدليل  كما يدعي أصحاب الهوى المغرضون .

 واخيرا في هذه الليلة المباركة ليلة الاحد الموافق8\12\2013وانا احاول ان اختم هذا الموضوع كتب على التلفزيون الخبر العاجل ونصه(مجلس الشورى:الدعوة السلفية تقرر التصويت ب(نعم)على الدستور المصري الجديد)فلم استطع الا ان اقول صدق الله العظيم ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الأنعام، 153,وقد علق شريف زايد رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر فقال:

   أن يتم وضع دستور للبلاد من لجنة أكبرهم فيها معاقرٌ للخمر، وأصغرهم مشهورٌ باسم "بانجو"، وأوسطهم مخرجٌ لأفلام ساقطة، يدعمه ممثل يطالب بأن يُكتب في الدستور أن هضبة الهرم مصرية لأن حضرته يسكن هناك، وآخر يطالب بأن لا يقال في الدستور أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام لأنه خريج الأزهر ويعرف أن الدولة عبارة عن "مبانٍ وطرق"، ثم يطبل ويزمر لهذا الدستور المتهرئ مَنْ هم على شاكلة هؤلاء من العلمانيين وسدنة الانقلاب، فهذا كله أمر منطقي متوقع، مقبول مبرر من منظور هؤلاء، ولكن أن ينضم لجوقة المهللين هذه حزب النور السلفي، الذي سيعمل على حشد أبناء الدعوة السلفية للتصويت بنعم، فهذا هو غير المقبول وغير المبرر.

ورغم أن هذا الدستور المعدَّل لا يختلف عن سابقه الذي عُدِّل في كونه دستور كفر يؤسس لنظام كفر يخالف نظام الحكم في الإسلام - فهو كسابقه يجعل السيادة في الدولة للشعب، يحلل ويحرم ويحسن ويقبح كيفما يشاء، وينزع هذا الحق من الشارع الحكيم سبحانه وتعالى، وهو كسابقه ينطبق عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عدي بن حاتم الطائي حيث قال: “أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من فضة، فقال: «يا عدي اطرح عنك هذا الوثن» وسمعته يقرأ في سورة براءة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه»” إلا أن المواد التي كان يفتخر بها حزب النور في دستور 2012 والتي أسماها “مواد الهوية” قد تم حذفها، بل إن مندوب الكنيسة شكر المفتي على تنازله عن تقييد المساواة بين الرجل والمرأة بأحكام الشريعة، وما زال هؤلاء يتحدثون عن “إنجازاتهم العظيمة”

لا نظن أن حزب النور قد حسم موقفه هذا انطلاقا من القاعدة الشرعية “الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي”، حتى نناقشه في حكم الإسلام أنه لا يجوز الاستفتاء على الدستور ابتداء! فالدستور هو الأحكام العامة التي تبين شكل الدولة وأعمال كل سلطة فيها، والنظام الأساس الذي يُسَيِّر أعمال الناس كلها في جميع المجالات، من اقتصادية واجتماعية وسياسية وغيرها، وهذه كلها قوانين، أي أحكام تحدد أفعال الإنسان، وهذه يجب أخذها من النصوص الشرعية باستنباط صحيح حسب قوة الدليل، وليس حسب أغلبية آراء الناس، فلا يجوز التصويت على أحكام الشرع ابتداءً! قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب، 36]، فيأثم من يدعو إلى التصويت ويأثم من يذهب ليصوت.

لقد غرق كثير من المسلمين ¬- وللأسف - حتى قمة رأسهم في اللعبة الديمقراطية القذرة، يمارسونها بانتهازية تتضاءل أمامها انتهازية أعتى العلمانيين المكيافيليين، وهي خادعتهم؛ تحقق منهم ما تريد ثم ترمي بهم على قارعة الطريق كما فعلت مع (إخوانهم) الذين كانوا في الحكم، فاعتبروا يا أولي الأبصار.

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 / 2015

**سؤاله وجوابهم

(عنزة ولو طارت)**

  أخرج البخاري من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك قال (بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ دخل رجلٌ على جمل ثم أناخه في المسجد ثم عقله ثم قال أيكم محمد والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم فقلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ فقال له ابن عبد المطلب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم قد أجبتك فقال الرجل إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك فقال سل ما بدا لك فقال أسألك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم قال اللهم نعم قال أنشدك بالله آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة قال اللهم نعم قال أنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة قال اللهم نعم قال أنشدك بالله آلله آمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم نعم فقال الرجل آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا همام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر).

هذه هي الفطرة بابسط صورها تبرز عبر الكلمات الرقيقة الانيقة والعبارات التي تعبر عن صدق قائلها وحاجته المركوزة في نفسه لعبادة الله الخالق ,ولا يلاحظ أي تلوث لفطرته,فالإنسان بفطرته منذ ولادته يتجه إلى التوحيد الخالص وإلى عبادة الله تعالى وحده , عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، كَمَا تُنَاتَجُ الإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ ، هَلْ تُحِسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَرَأَيْتَ الَّذِي يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) أخرجه مالك ((الموطأ)) و((أحمد) و((مسلم)) و عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم(كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ ، فَإِذَا أَعْرَبَ عَنْهُ لِسَانُهُ ، إِمَّا شَاكِرًا ، وَإِمَّا كَفُورًا) أخرجه أحمد, وصدق الله العظيم(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (30) سورة الروم .

 اما اصحاب الاهواء ومن تلوثت فطرتهم واتبعوا اهواءهم فانهم جحدوا الحق مع يقينهم بصدق الرسول(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)الانعام,فكانت هذه الصور القرآنية موضحة لحال هؤلاء الجاحدين{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}87الزخرف، فلما صح إقرارهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: {فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}الزخرف87 .ومنها قوله تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}القصص61 فلما صح اعترافهم وبخهم منكراً عليهم شركهم بقوله{فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} القصص61.ومنها قوله تعالى {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الاٌّرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}العنكبوت63، فلما صح إقرارهم وبخهم منكراً عليهم شِركهم بقوله: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}العنكبوت63 ومنها قوله تعالى{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}25لقمان، فلما صح اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} 25لقمان ولئن سألت -أيها الرسول- هؤلاء المشركين بالله: مَن خلق السموات والأرض ليقولُنَّ الله فإذا قالوا ذلك فقل لهم الحمد لله الذي أظهر الاستدلال عليكم من أنفسكم.

 ومنها قوله تعالى {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} النمل60،59، ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم البتة غيره هو أن القادر على خلق السَّموات والأرض وما ذكر معها، خير من جماد لا يقدر على شيء. فلما تعين اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله. {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}60النمل. ثم قال تعالى: {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً}النمل61، ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره كما قبله فلما تعين اعترافهم وبخهم منكراً عليهم بقوله: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لايَعْلَمُونَ}النمل61 ، ثم قال جلَّ وعلا: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خلَفَاءَ الْأَرْضَ }62النمل، ولا شك أن الجواب كما قبله فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكراً عليهم بقوله {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}62النمل، ثم قال تعالى: {أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًى بَينَ يَدَى رَحْمَتِهِ}63النمل، ولا شك أن الجواب كما قبله فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكراً عليهم بقوله: {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}النمل63، ثم قال جلَّ وعلا: {أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ والاٌّرْضِ}27النمل، ولا شك أن الجواب كما قبله فلما تعين الاعتراف وبخهم منكراً عليهم بقوله {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}النمل62.

(فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) هود,واما الأيات التي سبقتها فقوله تعالى(فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)هود, يقول السيد قطب عليه رحمة الله"فتوحيد الدينونة لله وحده هو مفرق الطريق بين الفوضى والنظام في عالم العقيدة؛ وبين تحرير البشرية من عقال الوهم والخرافة والسلطان الزائف ، أو استعبادها للأرباب المتفرقة ونزواتهم ، وللوسطاء عند الله من خلقه وللملوك والرؤساء والحكام الذين يغتصبون أخص خصائص الألوهية وهي الربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية فيعبّدون الناس لربوبيتهم الزائفة المغتصبة .

وما من نظام اجتماعي او سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي أو دولي ، يمكن أن يقوم على أسس واضحة فاصلة ثابتة ، لا تخضع للهوى والتأويلات المغرضة ، إلا حين تستقر عقيدة التوحيد هكذا بسيطة دقيقة .

وما يمكن أن يتحرر البشر من الذل والخوف والقلق؛ ويستمتعوا بالكرامة الحقيقية التي أكرمهم بها الله ، إلا حين يتفرد الله سبحانه بالربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية ، ويتجرد منها العبيد في كل صورة من الصور وما كان الخلاف على مدار التاريخ بين الجاهلية والإسلام؛ ولا كانت المعركة بين الحق والطاغوت ، على ألوهية الله سبحانه للكون؛ وتصريف أموره في عالم الأسباب والنواميس الكونية : إنما كان الخلاف وكانت المعركة على من يكون هو رب الناس ، الذي يحكمهم بشرعه ، ويصرفهم بأمره ، ويدينهم بطاعته؟

لقد كان الطواغيت المجرمون في الأرض يغتصبون هذا الحق ويزاولونه في حياة الناس ، ويذلونهم بهذا الإغتصاب لسلطان الله ، ويجعلونهم عبيداً لهم من دون الله  وكانت الرسالات والرسل والدعوات الإسلامية تجاهد دائماً لانتزاع هذا السلطان المغتصب من أيدي الطواغيت ورده إلى صاحبه الشرعي . . الله سبحانه.

وكي لا يقوم كل يوم طاغوت مفتر يقول للناس قولاً ، ويشرع للناس شرعاً ، ثم يزعم أنه شرع الله وأمره, بينما هو يفتريه من عند نفسه,وفي كل جاهلية كان يقوم من يشرع الشرائع ، ومن يقرر القيم والتقاليد والعادات . . ثم يقول : هذا من عند الله,وما يحسم هذه الفوضى وهذا الإحتيال على الناس باسم الله ، إلا أن يكون هناك مصدر واحد. ويعقب على هذا التقرير الذي لا مفر من الإقرار به بسؤال لا يحتمل إلا جواباً واحداً عند غير المكابرين المتعنتين { فهل أنتم مسلمون}هود 14 بعد هذا التحدي والعجز ودلالته التي لا سبيل إلى مواجهتها بغير التسليم ولكنهم ظلوا بعدها يكابرون.

لقد كان الحق واضحاً ولكنهم كانوا يخافون على ما يتمتعون به في هذه الحياة الدنيا من منافع وسلطان ، وتعبيد للناس كي لا يستجيبوا لداعي الحرية والكرامة والعدل والعزة . . داعي لا إله إلا الله . . لهذا يعقب السياق بما يناسب حالهم ويصور لهم عاقبة أمرهم فيقول : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}هود16 .

(فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)القصص,واما ما سبقها من آيات تدل على التواء الجواب مكابرة واستعلاءا قوله تعالى(وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49)القصص. أن قص عليه تلك الأنباء الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم فيما يدعوهم إليه لينذر هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبله, فقد كانت الرسالات في بني إسرائيل من حولهم ، ولم يرسل إليهم رسول منذ أمد طويل { لعلهم يتذكرون } . .

يتبع

وجعلنا من الماء كل شىءحي افلا يؤمنون

( وجعلنا من الماء كل شىءحي افلا يؤمنون) الانبياء 30

  لقد كان العرب في الصحراء المقفرة المجدبة يعتمدون في حلهم وترحالهم على وجود الماء وعدمه,فانه بالنسبة لهم عصب الحياة,ولما جاءهم الهدى من ربهم وآمنوا ادركوا هذا الخطاب من الله ادراكا حسيا لانه لامس عناءهم في طلبه وتعلق حياتهم به فانه مادة حياتهم وقد خاطبهم الله فقال (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63) العنكبوت ، إنهم مقرّون بان الله هو الخالق ، وهو الرازق ، وهو مدبّر الكون ، لكنهم انحرفوا وعبدوا غيره ولذلك يتعجب من أقوالهم ويقول :

{ قُلِ الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ }قل يا محمد ، الحمدُ لله على اعترافهم بالحق ، ولكن اكثرهم لا يَستعملون عقولهم ، ولا يفهمون ما يقعون فيه من تناقض .

يقول الدكتور محمد راتب النابلسي( من منا يصدق، أنني وقفت عند رقمٍ أذهلني، أنه في كل ثانيةٍ حصراً، في كل ثانيةٍ تمضي، يهطل من السماء إلى الأرض على مستوى الكرة الأرضية، ستة عشر مليون طن من الماء, قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ سورة الذاريات الآية: 22 من أجل قوام الحياة، ولكن هذا السقوط يتبدَّى فيه اسم اللطيف، فلو أن هذا الماء هوى على الأرض، بشكلٍ متصل مجمَّع لأتلف كلَّ شيء، ولحطَّم كل شيء، ولأنهى الحياة، ولكنه ينزل على شكل قطراتٍ صغيرةٍ فيها لطفٌ، وفيها رحمةٌ، وفيها حكمة) .

 (وجعلنا ) إن تعدت لواحد كانت بمعنى  وخلقنا من الماء, فكل حيوان مادته النطفة قاله قطرب وجماعة, أو لما كان قوامه الماء المشروب وكان محتاجا إليه لا يصبر عنه جعل مخلوقا منه قاله الكلبي وغيره ، وتكون الحياة على هذا حقيقة ويكون كل شيء عاما مخصوصا إذ خرج منه الملائكة والجن فليسوا مخلوقين من نطفة ولا محتاجين للماء, ذكر ابن كثير ما نصه‏: وقوله‏(‏ وجعلنا من الماء كل شيء حي‏) الانبياء 30‏ أي أصل كل الأحياء‏,‏ عن أبي هريرة قال‏,‏ قلت‏:‏ يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني‏,‏ فأنبئني عن كل شيء‏,‏ قال‏:‏كل شيء خلق من ماء قال‏,‏ قلت أنبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة؟ قال‏:‏ أفش السلام‏,‏ وأطعم الطعام‏,‏ وصل الأرحام‏,‏ وقم بالليل والناس نيام‏,‏ ثم ادخل الجنة بسلام‏(‏ مسند أحمد بن حنبل‏).‏ وقال قتادة : أي خلقنا كل نام من الماء فيدخل فيه النبات والمعدن ، وتكون الحياة فيهما مجازا أو عبر بالحياة عن القدر المشترك بينهما وبين الحيوان وهو النمو ويكون أيضا على هذا عاما مخصوصا ، وإن تعدت ( جعلنا ) لاثنين فالمعنى صيرنا ( كل شيء حي  بسبب من الماء لا بد له منه . (أفلا يؤمنون)  استفهام إنكار وفيه معنى التعجب من ضعف عقولهم ، والمعنى أفلا يتدبرون هذه الأدلة ويعملوا بمقتضاها ويتركوا طريقة الشرك.

    والتفكر في معنى كلمة (وجعلنا)فيه من المعاني ما يفهم, حيث أن الجعل يعني الصيرورة أي التحول من شكل لآخر، فمثلا تقول بأني جعلت الماء ثلجا وهذا يعني بأن شكل الماء تحول من الحالة السائلة إلى الصلبة او صيرته بخارا, و لكنه لا يزال ماء, فإذا جعل كل شيء حي من الماء يعني بأن الله خلق كل خلقه من الماء أي أن كل شيء خلقه الله يجب أن يكون له ذات تصميم الماء و خصائصه و أن كل شيء نراه هو ماء بهيئات مختلفة أي عندما تنظر إلى إنسان فهو ماء بهيئة إنسان و عندما تنظر إلى الشجر فهو ماء بهيئة شجر و هذا ينطبق على كل شيء في خلق المولى عز و جل.

ولقد ورد ذكر فعل جعل في القرآن في مواضع عديدة(46) وكل اشتقاق لهذا الفعل اتى بمعنى يفيد الصيرورة او الخلق: اجْعَل اجْعَلُوا اجْعَلْنِي أَتَجْعَلُ أَجَعَلَ أَجَعَلْتُمْ أَجَعَلْنَا أَفَنَجْعَلُ تَجْعَلَ تَجْعَلُواتَجْعَلُونَهُ تَجْعَلْنَا تَجْعَلْنِي جَاعِلٌ جَاعِلُكَ جَعَلَ جَعَلَا جَعَلَتْهُ جَعَلَكُم جَعَلَهَا جَعَلَهُ جَعَلُوا جَعَلْتُمُ جَعَلْنَاكَ جَعَلْنَاكُمْ جَعَلْنَاهَا جَعَلْنَاهُ جَعَلْنَاهُمْ جَعَلْنَا سَيَجْعَلُ فَاجْعَل فَجَعَلَ فَجَعَلَهُ فَجَعَلَهُمْ فَجَعَلْتُم فَجَعَلْنَاهَا فَجَعَلْنَاهُ فَجَعَلْنَاهُمُ فَجَعَلْنَاهُنَّ فَجَعَلْنَا فَنَجْعَل فَيَجْعَلَهُ لَأَجْعَلَنَّكَ لَجَاعِلُونَ لَجَعَلَ لَجَعَلَكُمْ.

يقول الشعراوي: { وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ }الأنبياء30 يعني كل شيء فيه حياة فهو من الماء ، لا أن الماء داخل في كل شيء ، فالمعنى{كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}الأنبياء 30 أي كل شيء موصوف بأنه حي ، فالماء إذن دليل الحياة؛ لذلك إذا أراد العلماء أن يقضوا على الميكروبات أو الفيروسات جعلوا لها دواءً يفصل عنها المائيةَ فتموت .

والإنسان الذي كرَّمه الله تعالى وجعله أعلى الأجناس ، خلقه الله من الماء ، { وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ المآء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً }الفرقان 54,فالخلق هو الايجاد من عدم والجعل هو التصيير, وفي موضع آخر قال سبحانه : { فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب } الطارق 57 وهو ماء له خصوصية ، وهو المنيُّ الذي قال الله فيه{ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى} القيامة37و38.

  ويقول: والبشر أي الإنس { فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً }الفرقان54  فمن الماء خلق الله البشر ، وهم قسمان : ذكور وإناث ، فكلمة ( نَسَباً ) تعني : الذكورة ( وَصِهْراً ) تعني : الأنوثة؛ لأن النسب يعني انتقال الأدنى من الأعلى بذكورة ، فيظل الإنسان فلان بن فلان بن فلان ,فالنسب يأتي من ناحية الذكورة ، أما الأنوثة فلا تأتي بنسب  إنما مصاهرة  حينما يتزوج رجل ابنتي أو أتزوج ابنته  يُسمُّونه صِهْرا في قول الشاعر:

        وَإنَّما أُمَّهَاتُ القَوْمِ أَوْعِية            مُسْتحدثَات ولِلأَحْسَابِ آبَاءُ

فمن عظمة الخالق عز وجل أن خلق من الماء هذيْن الشيئين ، كما قال في موضع آخر { فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى } [ القيامة : 39 ].

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 / 2015

وذكر المروذي في كتاب الورع، قال: قلت لأبي عبد الله ?يعني أحمد بن حنبل-: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟، قال: ما أرى.

وقال ابن رجب وهو يعدد أسباب قسوة القلب: ومنها كثرة الأكل، ولا سيما إن كان من الشبهات والحرام.

ثانياً: كثرة الضحك: فان كثرة الضحك من أسباب قسوة القلب كذلك، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “… ولا تكثر الضحك، فإنَّ كثرة الضحك تميت القلب”[ صحيح سنن الترمذي للألباني]، ولهذا لم يضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه إلاَّ في مرات محدودة، وكان غالب ضحكه تبسماً.

ثالثاً: كثرة الذنوب: قال تعالى: “كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ”[ المطففين: 14] هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب، قال مجاهد: هو الرجل بذنب الذنب فيحيط الذنب بقلبه، ثم يذنب الذنب فيحيط الذنب بقلبه حتى تُغَشِّي الذنوب قلبه, لله در ابن المبارك القائل:

رأيت الذنوب تميت القلوب ويورث الـذلَ ادمانُها

وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها

قال بعض السلف: البدن إذا عرى رقَّ، وكذلك القلب إذا قلت خطاياه أسرعت دموعه, قال تعالى: “فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً”[ المائدة: 13]. فنقض العهود والمواثيق من علامات النفاق، كما صح بذلك الخبر: “وإذا عاهد غدر”، [متفق عليه].

قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (قال ابن عقيل يوماً في وعظه: يا من يجد في قلبه قسوة، احذر أن تكون نقضت عهداً فإنَّ الله يقول (“فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ”) , قال القرطبي في تفسير قوله تعالى “وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً”: (أي صلبة لا تعي خيراً ولا تفعله، والقاسية والعاتية بمعنى واحد).

أسباب زوال قسوة القلب، والتخلص منها

أسباب زوال القسوة والتخلص منها كثيرة ويسيرة لمن يسرها الله له، وسنشير إلى طرف منها:

أولاً: السبب الأساس والعامل الرئيس لزوال قسوة القلب سؤال الله عزو جل، والتضرع إليه أن يثبت قلبك على الإيمان، وأن يصرفه إلى طاعة الله ورسوله، سيما أنْ تلهج بالآتي:

"اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي لطاعتك وطاعة رسولك",    وكذلك الإكثار من الدعاء القرآني: "رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ"[ آل عمران: 8

ثانياً: الإكثار من ذكر الله عزو جل

فهو العلاج النافع والبلسم الشافي من القسوة، ولهذا قال تعالى: “الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ”[ الرعد: 28]، وقال: “اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ”[ الزمر: 23].

والذكر الذي يزيل القسوة المراد به تلاوة القرآن بتدبر، وتفكر، وتمعن،.

ثالثاً: الاكثار من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات وميتم البنين والبنات، ومأيم الأزواج والزوجات -الموت-، فكفى بالموت واعظاً، فقد صح عنه أنه قال: “اكثروا من ذكر هادم اللذات، الموت”[ أحمد والترمذي].

رابعاً: الاكثار من زيارة القبور حَدَّثَنَا أَبُو مُنَيْنٍ : يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : زَارَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ ، ثُمَّ قَالَ :« اسْتَأْذَنْتُ رَبِّى أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِى ، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَؤْذَنْ لِى فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ ونصه من السنن الكبرى للبيهقي, وقال: “كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الآخرة”.

خامساً: الاحسان لليتامى والأرامل والمساكين فعن أبي هريرة رضي الله عنه: “أنَّ رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال: إنْ احببت أن يلين قلبك فامسح رأس اليتيم واطعم المساكين”[ مسلم].

سادساً: أكل الحلال الطيب فإنه سبب رئيس لاصلاح القلوب والأبدان ولإجابة الدعاء, عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا أيها الناس إن الله عز و جل طيب لا يقبل إلا طيبا و إن الله عز و جل أمر المؤمنين بما به المرسلين فقال { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات }المؤمنون 51, و قال {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم }البقرة 57, ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب ! يا رب ! و مطعمه حرام و مشربه حرام و ملبسه حرام و غذي بالحرام فأنى يستجاب له) أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن فضيل بن مرزوق.واستعنت بما كتبه الأمين الحاج محمد والله اعلم.

جواد عبد المحسن

ألمصدر : حديث رمضان - 13 لعام 2015

أحوال القلب

القلوب بيد الله عزو جل يقلبها كيف يشاء، فعن النواس بن سمعان رضي الله عنه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من قلب إلاَّ وهو معلق بين اصبعين من أصابع الرحمن: إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه، والميزان بيد الرحمن يرفع أقواماً ويضع آخرين إلى يوم القيامة” قال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي، كذلك فقد خرجه النسائي في الكبرى عن عائشة. وقد كان صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم عن الزيغ والزلل يكثر أن يقول: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك"رواه مسلم .

وما سمي القلب بذلك إلاَّ لتقلبه كما قيل:

  ما سمي القلب إلاَّ من تقلبه   =   فاحذر على القلب من قَلْب وتحويل

والقلب هو ملك الجوارح وسيدها، وبصلاحه تصلح الجوارح وبفساده تفسد: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"سنن البيهقي. ومع ذلك قد يتأثر القلب ببعض ما تقترفه جارحة من الجوارح، فقد خرج الترمذي في سننه وصححه عن أبي هريرة يرفعه: “أن الرجل ليصيب الذنب فيسوّد قلبه، فإن هو تاب صقل قلبه”, فالقلوب متفاوتة أشد التفاوت، ومتباينة تبايناً كبيراً، فشتان ما بين قلب المؤمن الصادق والمؤمن المخلط، دعك من قلب المنافق والكافر التي طبع عليها.

عن أبي البختري عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (القلوب أربعة قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر وقلب أغلف مربوط على غلافه وقلب منكوس وقلب مصفح فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره وأما القلب الأغلف فقلب الكافر وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم انكر وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه)مسند احمد.

فإنَّ القلب القاسي، أبعد القلوب عن الله عز وجل، فما المراد بالقسوة، وما أسباب قسوة القلب وصلابته، وما هي الأسباب المعينة على التخلص من قسوة القلب..؟

                                القلب القاسي

هو الذي نزعت منه الرحمة، وقابلية الهداية للذكرى والمواعظ، فهو الذي لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، فهو أشد صلابة وقسوة من الحجارة الصماء، قال تعالى في ذم بني إسرائيل: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ"البقرة: 72.

قال القرطبي رحمه الله في تأويلها: (القسوة: الصلابة والشدة واليبس، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والاذعان لآيات الله تعالى. قال أبو العالية وقتادة وغيرهما: المراد: قلوب جميع بني إسرائيل. وقال ابن عباس: المراد قلوب ورثة القتيل، لأنهم حين حيي وأخبر بقاتله وعاد إلى موته انكروا قتله، وقالوا: كذب) [الجامع لأحكام القرآن جـ1/462-463].

لقد ذم الله ورسوله والمؤمنون القلب القاسي، وحذروا من قساوة القلب من ذلك بجانب آيات البقرة السابقة: قوله تعالى: “فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ”[ الزمر: 22]. وقوله تعالى: “فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً”[المائدة: 13] وقوله تعالى: “أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ”[ الحديد: 16].

قال ابن مسعود رضي الله عنه: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ ....."،(الحديد16) إلاَّ أربع سنين، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض، ويقول: ما أحدثنا؟. [صحيح مسلم]. قال الحسن: استبطأهم وهم أحب خلقه إليه)[الجامع لاحكام القرآن].

وعن ابن عمر يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنَّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن ابعد الناس عن الله، القلب القاسي"[ الترمذي].

وقال مالك بن دينار: (ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب).

أسباب قسوة القلب

لاشك أن أسباب قسوة القلب كثيرة، ولكن سنشير إلى أخطرها للحذر منها:

أولاً: الاكثار من الفضوليات: فضول الأكل، والشرب، والكلام بغير ذكر الله، والنظر، والسمع، والنوم، والمخالطة، والاهتمام بما لا يعني المرء… إلخ، من الأسباب الرئيسة لقساوة القلب، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”[ الترمذي].

وقال كذلك حاثاً على البذل والعطاء خاصة عند الحاجة: “من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له”, فالانغماس في هذه الفضوليات، والسعي الحثيث في تحقيقها يورد الإنسان موارد الهلاك، ويؤدي إلى فساد القلب وقسوته.

ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله قاعدة نافعة: (فيما يعتصم به العبد من الشيطان، ويستدفع به شره ويحترز به منه)، عشرة أسباب[بدائع الفوائد له جـ2/171] آخرها الإمساك عن الفضوليات، فقال: ([الحرز العاشر]: إمساك فضول النظر، والكلام، والطعام، ومخالطة الناس فإن الشيطان إنما يتسلط على بني آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب الأربعة)، ثم شرع في تفصيل ذلك فليرجع إليه من شاء.

وقال بشر بن الحارث: خصلتان تقسيان القلب؛ كثرة الكلام وكثرة الأكل.

يتبع

ونبينا صلى الله عليه وسلم يشفع أربع شفاعات، في كل مرة يحد الله له حداً بالعلامة، فقد ورد في بعضها أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع فيشفعه الله فيمن كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، وفي بعضها مثقال نصف دينار، وفي بعضها: أخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وفي بعضها: أخرج من كان في قلبه أدنى من مثقال حبة من إيمان، فهذه أربع شفاعات للنبي صلى الله عليه وسلم للمذنبين الذين استحقوا دخول النار.
وجاء في بعضها أن في المرة الأولى يقال له: أخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وفي المرة الثانية: أخرج من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، وفي المرة الثالثة: أخرج من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ويشفع كذلك بقية الأنبياء، والملائكة والشهداء والصالحون والأفراط، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة فيخرجهم رب العالمين برحمته، فيخرج قوماً من النار لم يعملوا إحساناً قط، يعني: لم يعملوا ما هو زيادة عن التوحيد والإيمان، كل هذا تواترت به الأحاديث.
فالإيمان بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم للمذنبين الخاطئين في يوم القيامة حق، وكذلك شفاعة غيره، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة.
قال عليه الصلاة والسلام: (إن كل نبي تعجل دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)، أما الكافر الذي مات على الكفر، فلا حيلة فيه ولا شفاعة له، قال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر:48]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ} [البقرة:254]، فهذا في أهل الكفر.
وما من نبي إلا له شفاعة، وكذلك الصديقون يشفعون، والصديق: على وزن فِعِّيل، وهو من قوي تصديقه وإيمانه بالله، فأحرق بقوة تصديقه الشبهات والشهوات، ومقدمهم فينا الصديق الأكبر أبو بكر، ودرجتهم أعلى من الشهداء، ولما اهتز أحد وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيد)، فدرجة الصديقين فوق درجة الشهداء.
ثم بعدها درجة الشهداء، والشهيد: هو الذي بذل نفسه رخيصة في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، فإنه بذل أغلى ما يملك وهي نفسه التي بين جنبيه، فقاتل أعداء الله، لإعلاء كلمة الله.
ثم بعد ذلك درجة الصالحين من المؤمنين على تفاوتهم فيما بينهم، فمنهم السابقون، ومنهم المقتصدون، ومنهم الظالمون لأنفسهم، فالسابقون في أعلى الدرجات، وهم الذين داوموا على الفرائض والنوافل، وتركوا المحرمات والمكروهات، والمقتصدون هم الذين اقتصروا على أداء الفرائض وترك المحرمات، ولم يفعلوا النوافل وقد يفعلون بعض المكروهات، والظالمون لأنفسهم موحدون مؤمنون، لكنهم قصروا في بعض الواجبات، أو فعلوا بعض المحرمات، فهؤلاء عندهم أصل الصلاح وأصل التقوى، فينفعهم هذا الصلاح والتقوى في عدم الخلود في النار، ولكنهم قد يدخلون النار ويعذبون، لكن في النهاية مآلهم إلى الجنة والسلامة.
ان الله تعالى يتفضل بعد ذلك على من يشاء، فيخرج برحمته بقية أهل التوحيد الذين لم يشفع فيهم، ولهذا وهذا قد جاءت فيه الأحاديث التي أثبتت أن المؤمنين العصاة الذين دخلوا النار يحترقون فيها ويصيرون فحماً، وأنهم يخرجون من النار ضبائر ضبائر -أي: جماعات جماعات- بعدما صاروا فحماً، وأنهم يموتون فيها إماتة، كل هذا ثبت في صحيح مسلم وغيره، وأنهم بعد أن يخرجوا من النار يلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، يعني: البذرة، ثم بعد ذلك يدخلون الجنة.

قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناسٌ أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - وأماتتهم إماتة ً حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة في حميل السيل فقال رجل من القوم كأن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} قد كان بالبادية وفي رواية يحيى بن بكير عن الليث أن أبا سعيد الخدري قال قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا قال هل تضارون في رؤية الشمس إذا كان صحوٌ قلنا لا قال فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذٍ إلا كما تضارون في رؤيتها ثم قال ينادي منادٍ ليذهب كل قومٍ إلى ما كانوا يعبدون فذكر نحو معنى حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد بطوله وفيه قلنا يا رسول الله وما الجسر قال مدحضة ٌ مزلة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكٌ مفلطحة له شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان وفيه فناجٍ مسلم وناج مخدوش ومكدوسٌ في نار جهنم حتى يمر آخرهم يسحب سحباً .الجمع بين الصحيحين.

جواد عبد المحسن
ألمصدر :

-كتاب حديث رمضان - 13 لعام 2015

الخاطئ والمخطئ والشفاعة

الخاطئ فعله خطِئ : وهوالذي يتعمد الخطأ ، أو يواقع الذنب وهو يعلمه ،قال تعالى (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)يوسف وقال (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)القصص والمخطئ : الذي لا يتعمد خطأ ولا يقترف الذنبَ إلا جهلا أو سهوا بلا قصد ، ومنه قوله تعالى : (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)286 البقرة قوله (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)الاحزاب.وقد فرقت النصوص بين القتل المتعمد والقتل الخطأ في أحكام الدنيا والآخرة, ومن الأدلة المشهورة قوله تعالى (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ) البقرة:286 وثبت في الحديث الصحيح من رواية مسلم أن الله سبحانه استجاب لهذا الدعاء فقال:فقد فعلت .

ومن الأحاديث المشهورة في العذر بالخطأ قوله- صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)رواه ابن ماجة والحاكم ، قال الحافظ ابن رجب في شرحه لهذا الحديث (الخطأ:هو أن يقصد بفعله شيئاً فيصادف فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر فصادف قتله مسلماً, ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم، ولو قتل مؤمناً خطأ فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب، وكذا لو أتلف مال غيره خطأ بظنه أنه مال نفسه, الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات، والناسي والمخطئ لا قصد لهما فلا إثم عليهما، وأما رفع الأحكام عنهما فليس مراداً من هذه النصوص فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخر.

إعذار المجتهد المخطئ في الأحكام، وهو قوله ? صلى الله عليه وسلم-: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، و إذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) قال الحافظ الخطيب البغدادي ? رحمه الله -: (فإن قيل: كيف يجوز أن يكون للمخطئ فيما أخطأ فيه أجر، وهو إلى أن يكون عليه في ذلك إثم لتوانيه وتفريطه في الاجتهاد حتى أخطأ؟ فالجواب، أن هذا غلط لأن النبي ? صلى الله عليه وسلم- لم يجعل للمخطئ أجراً على خطئه، و إنما جعل له أجراً على اجتهاده، وعفا عن خطئه لأنه لم يقصده، و أما المصيب فله أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته) ، واستدل جمهور العلماء بهذا الحديث على تخطئة بعض المجتهدين ممن لم يصب الحق و أن الحق مع أحدهم أو بعضهم، وفيه رد على من قال: كل مجتهد مصيب، يقول الإمام ابن قدامة ? رحمه الله-: (والحق في قول واحد من المجتهدين ومن عداه مخطئ، سواء كان في فروع الدين أو أصوله) ، ثم ذكر الأدلة على ذلك ومنها هذا الحديث، وقال الإمام الزركشي: (واختلف العلماء في حكم أقوال المجتهدين، هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؟ ذهب الشافعي و أبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء رحمهم الله إلى أن الحق في أحدهما، و إن لم يتعين لنا فهو عند الله متعين، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد في الشخص الواحد حلالاً حراماً، و لأن الصحابة تناظروا في المسائل و احتج كل واحد على قوله: وخطأ بعضهم بعضاً، وهذا يقتضي أن كل واحد يطلب إصابة الحق، ثم اختلفوا، هل كل مجتهد مصيب أم لا؟ فعند الشافعي أن المصيب منهم واحد و إن لم يتعين، و إن جميعهم مخطئ إلا ذلك الواحد وبه قال مالك وغيره..) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ? رحمه الله ? (فإذا أريد بالخطأ الإثم، فليس المجتهد بمخطئ بل كل مجتهد مصيب مطيع لله، فاعل ما أمره الله به، و إذا أريد به عدم العلم بالحق في نفس الأمر فالمصيب واحد، وله أجران..) ، ونختم الكلام حول هذا الحديث بالإشارة إلى أن من أخطأ فحكم أو أفتى بغير علم واجتهاد فهو آثم عاص ، يقول شيخ الإسلام ? رحمه الله ? (.. فمن كان خطؤه لتفريطه فيما يجب عليه من اتباع القرآن و الإيمان مثلاً، أو لتعديه حدود الله بسلوك السبل التي نهى عنها، أو لاتباع هواه بغير هدى من الله، فهو الظالم لنفسه، وهو من أهل الوعيد، بخلاف المجتهد في طاعة الله ورسوله باطناً وظاهراً الذي يطلب الحق باجتهاده كما أمره الله ورسوله فهذا مغفور له خطؤه?..) ، لكنه لا يكفر إن فرط في الاجتهاد فوقع في الكفر خطأ، لأن الكفر يكون بعد قيام الحجة، يقول شيخ الإسلام: (.. وأما (التكفير) فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد ? صلى الله عليه وسلم- وقصد الحق، فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقاً، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته..) ، ويقول ? أيضاً -: (وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، و إن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة و إزالة الشبهة) ، وخلاصة هذا المبحث ما يلي:

قد تواترت النصوص من الكتاب والسنة في إعذار المخطئ، و أن حكمه حكم الجاهل والمتأول ? فلا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه -، و أنه إن كان مجتهداً فيما يسوغ فيه الاجتهاد ? فله أجر باجتهاده ? ولو أخطأ ? أما إن لم يكن مجتهداً وأخطأ فيأثم لتفريطه.

قال شرح كتاب السنة للبربهاري رحمه الله [والإيمان بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين الخاطئين يوم القيامة، وعلى الصراط، ويخرجهم من جوف جهنم، وما من نبي إلا وله شفاعة، وكذلك الصديقون والشهداء والصالحون، ولله بعد ذلك تفضل كثير على من يشاء، والخروج من النار بعدما احترقوا وصاروا فحماً.

       يجب على المسلم أن يؤمن بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم للمذنبين الخاطئين، والخاطئون بمعنى المذنبين، لكن الخاطئ غير المخطئ؛ لأن المخطئ هو الذي فعل الشيء من غير تعمد، وهو قد يغفر له، مثل قتل الخطأ، بخلاف الخاطئ، فإن الخاطئ هو المذنب العاصي المتعمد، فهو أشد إثماً من المخطئ.

ففرق بين الخاطئ والمخطئ، ولهذا قال الله تعالى في سورة الحاقة: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} [الحاقة:35 - 37] أي: المذنبون، أما المخطئ فهو الذي فعل الشيء عن غير عمد.

وقد جاء في إثبات الشفاعة أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصرحت هذه الأحاديث بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، أي من أهل التوحيد، مؤمنون موحدون مصلون، لكن دخلوا النار بذنوب ومعاص ارتكبوها ولم يتوبوا منها، فهذا دخل النار لأنه مات على الزنا من غير توبة، وهذا مات على الربا من غير توبة، وهذا مات على عقوق الوالدين من غير توبة، هذا مات على قطيعة الرحم من غير توبة، وهؤلاء العصاة الموحدون منهم من يعفو الله عنه من أول وهلة، كما قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]، ومنهم من يعذب في قبره وتسقط عنه عقوبة جهنم بعذاب القبر، كما في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) ومنهم من تصيبه الأهوال والشدائد في يوم القيامة، ويكون ذلك تكفيراً لذنوبه، ومنهم من يستحق دخول النار ثم يشفع فيه قبل أن يدخلها، ومنهم من يدخل النار، ولا بد أن يدخل النار جملة من أهل الكبائر، فقد تواترت الأخبار بهذا.

يتبع

وفي قصة مسجد الضرار ظهر أن الكفر كله ملة واحدة، والكافرون أولياء بعض، وقد تبين هذا في موقف أبي عامر الفاسق، إذ غضب غضبا شديدا، وتألم لهزيمة المشركين في بدر، فأعلن عداءه للرسول، وتوجه إلى مكة يحث أهلها على قتال المسلمين، وخرج مقاتلا معهم في أحد، وحاول تفتيت الصف الإسلامي، ثم ذهب إلى هرقل ملك الروم ليتحالف معه ويتقوى به، وصدق الله تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (الأنفال: من الآية73) .

وهكذا حاول المنافقون ـ كعادتهم ـ الكيد والـتآمر على الإسلام والمسلمين ببنائهم لهذا المسجد، لأسباب مقنعة في الظاهر ـ من التيسير على ضعفاء المسلمين ـ، وهو أسلوب ماكر خبيث قد ينطلي على كثير من الناس، كما يفعل المنافقون وأعداء الإسلام اليوم .

فمسجد الضرار ليس حادثة في المجتمع الإسلامي الأول انتهت وانقضت، بل هي فكرة ومؤامرة مستمرة، يُخَطط لها، وتختار الوسائل الدقيقة لتنفيذها، في صور كثيرة ومختلفة، فلا يزال أعداء الإسلام ـ من المنافقين والمبشرين وغيرهم ـ يقيمون أماكن ظاهرها البناء والخير والإصلاح، وباطنها حرب على الله ورسوله، وهدفها الطعن في الإسلام، وتشكيك المسلمين في معتقداتهم، وإبعادهم عن قيمهم وآدابهم، فيقيمون مدارس باسم التعليم ليتوصلوا بها إلى بث سمومهم بين أبناء المسلمين، وصرفهم عن دينهم، ويعقدون الندوات والمنتديات باسم الثقافة والتطوير، والغرض منها خلخلة العقيدة في القلوب، والقضاء على القيم في النفوس، ويبنون مستشفيات باسم المحافظة على الصحة والخدمات الإنسانية، والغرض منها التأثير على المرضى والفقراء وصرفهم عن دينهم، وقد اتخذوا من البيئات الجاهلة والفقيرة - لاسيما في بلاد إفريقيا - ذريعة للتوصل إلى أهدافهم ومؤامراتهم الخبيثة,ومن ثم فعلى المسلمين أن يأخذوا من سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الدروس والعبر التي تساعد الأمة على معرفة الطريق إلى عز الإسلام والمسلمين، من خلال معرفة عوامل النهوض والنصر، وأسباب السقوط والهزيمة، ويتعرفون على هدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في تعامله مع الأعداء، وتربيته للأفراد، وبنائه للدولة .

   إن مسجد الضرار الذي بناه المنافقون في الصدر الأول ما يزال اليوم يتخذ في صور شتى من الوسائل الماكرة التي يتخذها أعداء الإسلام لحرب المسلمين، وتفريقهم، وتشويه صورة الإسلام في نفوسهم، عبر وسائلهم المختلفة، فقنوات البث المباشر الناشرة للرذيلة يعد وكراً من أوكار الضرار، والمجلات الفاتنة الفاضحة، والجرائد المنحرفة الضالة، والكتب الهدامة، صور جديدة لمسجد الضرار، وقوالب مختلفة لمسجد الضرار، يقوم عليها علمانيون وحداثيون وإن تلبسوا باسم الإسلام، وافتتحوا أوكارهم بمقدماته، ونشرت بعض قيمه وأخلاقه، فهي تحمل في طياتها الفساد والانحلال والغزو الفكري المركز ضد عقيدة المسلمين، وتربيتهم وقيمهم وأخلاقهم، وإنما يتأكلون باسم الإسلام. وعلى شاكلتها كل محل ينشر الرذيلة، أو يبيع الفساد والخبث للمسلمين،  والمكتبات التي تروج للفساد والإفساد بين المسلمين، كلها صور متنوعة ومختلفة لمسجد الضرار . بل وكثير من المنظمات والأحزاب المنتمية للإسلام، والفرق الخارجة عنه إنّما هي صور مشكلة مزخرفة لمسجد الضرار.



قوله تعالى: "لمسجد أسس على التقوى": أي بنيت جدره ورفعت قواعده على تقوى الله وطاعته من أول يوم ابتدئ في بنائه....والأسس أصل البناء؛ وكذلك الأساس. والأسس مقصور منه... وجمع الأس إساس؛ مثل عس وعساس. وجمع الأساس أسس؛ مثل قذال وقذل. وجمع الأسس أساس؛ مثل سبب وأسباب. وقد أسست البناء تأسيسا.... ومعنى التقوى هنا الخصال التي تُتقى بها العقوبة،...ويدخل فيها كل خير ونفع للمسجد.



أي المساجد هو؟:    واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى؛ فقالت طائفة: هو مسجد قباء؛ يروى عن ابن عباس والضحاك والحسن. وتعلقوا بقول: "من أول يوم"، ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أول يوم؛ فإنه بني قبل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ قاله ابن عمر وابن المسيب، ومالك فيما رواه عنه ابن وهب وأشهب وابن القاسم.... وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري: قال تماري رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم؛ فقال رجل هو مسجد قباء، وقال آخر هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو مسجدي هذا). قال حديث صحيح. والقول الأول أليق بالقصة؛ لقوله: "فيه" وضمير الظرف يقتضي الرجال المتطهرين؛ فهو مسجد قباء. والدليل على ذلك حديث أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء "فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين" قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية. قال الشعبي: هم أهل مسجد قباء، أنزل الله فيهم هذا.. وقال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: (إن الله سبحانه قد أحسن عليكم الثناء في التطهر فما تصنعون) ؟ قالوا: إنا نغسل أثر الغائط والبول بالماء؛ رواه أبو داود..... وروى الدارقطني عن طلحة بن نافع قال: حدثني أبو أيوب وجابر بن عبدالله وأنس بن مالك الأنصاريون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية " فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)التوبة " فقال: (يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا) ؟ قالوا: يا رسول الله، نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فهل مع ذلك من غيره) ؟ فقالوا: لا غير، إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء. قال: (هو ذاك فعليكموه). وهذا الحديث يقتضي أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء، إلا أن حديث أبي سعيد الخدري نص فيه النبي صلى الله عليه وسلم على أنه مسجده فلا نظر معه. وقد روى أبو كريب قال: حدثنا أبو أسامة قال حدثنا صالح بن حيان قال حدثنا عبدالله بن بريدة في قوله عز وجل: "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه" [النور: 36] قال: إنما هي أربعة مساجد لم يبنهن إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وبيت أريحا بيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام، ومسجد المدينة ومسجد قباء اللذين أسسا على التقوى، بناهما رسول الله صلى الله عليه وسلم....وعن ابن عباس: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم} يعني مسجد قباء.....وعن أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال: "مسجدي هذا"...وعن عثمان بن عبيد الله، قال: أرسلني محمد بن أبي هريرة إلى ابن عمر أسأله عن المسجد الذي أسس على التقوى، أي مسجد هو؟ مسجد المدينة، أو مسجد قباء؟ قال: لا، مسجد المدينة....وعن ابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد، قالوا: المسجد الذي أسس على التقوى: مسجد الرسول...وعن أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: المسجد الذي أسس على التقوى: هو مسجد النبي الأعظم....وعن سعيد بن المسيب، قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، هو مسجد المدينة الأكبر.... قال أبو جعفر الطبري: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لصحة الخبر بذلك عن رسول الله. ذكر الرواية بذلك.

جواد عبد المحسن

المصدر : كتاب حديث رمضان - 13عام2015

**مسجد التقوى والمسجد الضرار

ان من أعجب ما تفتقت عنه حيل المنافقين في مكرهم وكيدهم للإسلام والمسلمين بالمدينة المنورة، أن يبنوا مسجدا يلتقون فيه تحت ستار العبادة ورغبتهم في الخير، حيث ذهبوا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في طريقه إلى غزوة تبوك ليصلي بهم فيه، فاعتذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأرجأ ذلك لحين عودته وفي أثناء عودة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة راجعا من تبوك نزلت عليه هذه الآيات: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(107)}.سورة التوبة.

قال القرطبى:     ونزلت الآية فيما روي في أبو عامر الراهب؛ لأنه كان خرج إلى قيصر وتنصر ووعدهم قيصر أنه سيأتيهم، فبنوا مسجد الضرار يرصدون مجيئه فيه؛...وقال أهل التفسير: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وبعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه؛ فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجدا ونبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا، ويصلي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام؛ فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدا     لذي الحاجة، والعلة والليلة المطيرة، ونحب أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (إني على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلينا لكم فيه) فلما أنصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار؛ فدعا النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة، فقال: (انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه) فخرجوا مسرعين، وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة نار، ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه،...وقال عكرمة: سأل عمر بن الخطاب رجلا منهم بماذا أعنت في هذا المسجد؟ فقال: أعنت فيه بسارية. فقال: أبشر بها سارية في عنقك من نار جهنم.



قوله تعالى: "ضرارا" المعنى ضرارا بالمسجد، وليس للمسجد ضرار، إنما هو لأهله.... قال بعض العلماء: الضرر: الذي لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة. والضرار: الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة.... قال علماؤنا: وكل مسجد بني على ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه...وقال النقاش: يلزم من هذا ألا يصلي في كنيسة ونحوها؛ لأنها بنيت على شر.... ولكن قد أجمع العلماء على أن من صلى في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة. وقد ذكر البخاري أن ابن عباس كان يصلي في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل.



قال القرطبى: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وإذا كان المسجد الذي يتخذ للعبادة وحض الشرع على بنائه فقال: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة) يهدم وينزع إذا كان فيه ضرر بغيره، فما ظنك بسواه بل هو أحرى أن يزال ويهدم حتى لا يدخل ضرر على الأقدم... قال علماؤنا: لا يجوز أن يبني مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه؛ والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا، إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ.

والمسجد الضرار لابد فيه من شروط ثلاثة:

1- (أن يكون قد أقيم على الكفر والضلال) لقوله تعالى: "وكفرا": أي بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به.

2- ( الغرض منه تفريق المؤمنين وشق صفهم وتفتيت جمعهم وتقليل جماعتهم وسوادهم) لقوله تعالى: " وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ "107 التوبة أي يفرقون به جماعتهم ليتخلف أقوام عن النبي صلى الله عليه وسلم...لأنهم كانوا يصلون جميعا في مسجد قباء.... وهذا يدلك على أن المقصد الأكبر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة، وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة حتى يقع الأنس بالمخالطة، وتصفو القلوب من وضر الأحقاد.... وتفطن مالك رحمه الله من هذه الآية فقال: لا تصلي جماعتان في مسجد واحد بإمامين؛ خلافا لسائر العلماء.... وقد روي عن الشافعي المنع؛ حيث كان تشتيتا للكلمة وإبطالا لهذه الحكمة وذريعة إلى أن نقول: من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ويبطل النظام،

3- (أن يكون مجمعا لأهل محاربة الله ورسوله وتضليل المؤمنين وإبعادهم عن دينهم الحق) لقوله تعالى: "وإرصادا لمن حارب الله ورسوله"التوبة107: يعني أبا عامر الراهب؛ وسمي بذلك لأنه كان يتعبد ويلتمس العلم فمات كافرا بقنسرين بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم؛ فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين. فلما انهزمت هوازن خرج إلى الورم يستنصر، وأرسل إلى المنافقين وقال: استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجند من الروم لأخرج محمدا من المدينة؛ فبنوا مسجد الضرار. وأبو عامر هذا هو والد حنظلة غسيل الملائكة وصيفي وأخيه، وكان هؤلاء الثلاثة من خيار المسلمين... والإرصاد: الانتظار؛ تقول: أرصدت كذا إذا أعددته مرتقبا له به.

قوله تعالى: {من قبل} يعني من قبل بنائهم ذلك المسجد. وذلك أن أبا عامر هو الذي كان حزب الأحزاب، يعني حزب الأحزاب لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خذله الله، لحق بالروم يطلب النصر من ملكهم على نبي الله، وكتب إلى أهل مسجد الضرار يأمرهم ببناء المسجد الذي كانوا بنوه فيما ذكر عنه ليصلي فيه فيما يزعم إذا رجع إليهم؛ ففعلوا ذلك. وهذا معنى قول الله جل ثناؤه: {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} التوبة 107

مسجد التقوى:

قال تعالى: { لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ(108)} سورة التوبة.

قال القرطبى: قوله تعالى: "لا تقم فيه أبدا" يعني مسجد الضرار؛ أي لا تقم فيه للصلاة. وقد يعبر عن الصلاة بالقيام؛ يقال: فلان يقوم الليل أي يصلي؛ ومنه الحديث الصحيح: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه). أخرجه البخاري.... وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد، وأمر بموضعه أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف والأقذار والقمامات.

قوله تعالى: "أبدا" ظرف زمان. وظرف الزمان على قسمين: ظرف مقدر كاليوم، وظرف مبهم كالحين والوقت؛ والأبد من هذا القسم، وكذلك الدهر.... وهنا مسألة أصولية، وهي أن "أبدا" وإن كانت ظرفا مبهما لا عموم فيه ولكنه إذا اتصل بلا النافية أفاد العموم، فلو قال: لا تقم، لكفي في الانكفاف المطلق. فإذا قال: "أبدا" فكأنه قال في وقت من الأوقات ولا في حين من الأحيان.



  لقد سلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام طريق اللين والإغضاء، يقبل منهم أعذارهم على ضعفها وكذبها، فإذا وقع أحدهم في خيانة ربما تهدر دمه، تجاوز عنه حتى لا يقال: إن محمدا يقتل أصحابه، وما هم من صحبته في شيء، ولكن هكذا ربما يقول الناس .. ولو كان في هؤلاء المنافقين خير لأسرهم هذا الحلم والعفو والخلق النبوي، ولأقبلوا على الإسلام، غير أن هذا الأسلوب الكريم من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يزدهم إلا جرأة على نفاقهم وباطلهم، ومن ثم لم يبق بد من كشف خبثهم ومؤامراتهم .

يتبع

ألنفاق

إن من قضاء الله على امة الاسلام انه تعالى اختبرها بامر لم يكن موجودا في غيرها من الامم,وما عرفه رسول من الرسل قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم وهذا الامر هو النفاق ,فلم يعرف بل ولم يكن في مكة نفاق ولا منافقون وانما اسلام او كفر ولا بين بين البينين ولا لون بين اللونين بل ترافق وجوده مع وجود الدولة.

فبعد ان انتشر الاسلام في المدينة المنورة واخذ طريقه الى النفوس واصبحت لهذه الدولة الفتية قوة سياسية وعسكرية بدأ النفاق يظهر في المدينة على شكل تكتل وكيان فكري وسياسي, فالمنافقون اظهروا الاسلام خوفا وطمعا وابطنوا الكفر في نفوسهم وكانوا يشكلون قوة حليفة لليهود والمشركين وعنصرا من عناصر التخريب والهدم في المجتمع الاسلامي الوليد. وقد عملوا على اثارة الفتن والخلافات بين المسلمين ونشر الاشاعات والاكاذيب وشن حرب دعائية ونفسية وتجسسية لأضعاف المسلمين وتحجيم انتشار الاسلام.

وقد ذكر القرآن الكريم كثيرا عن النفاق والمنافقين وخطرهما على الاسلام وبنية المجتمع الاسلامي كما تحدث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن ذلك وبذل جهدا مضنياً وحكيما من اجل القضاء عليه ومنعه من تنفيذ المخططات والمؤامرات الهدامة التي كان يعدها ويعمل على تنفيذها. وكان من ابرز قادة النفاق عبدالله بن أبي سلول وقد لعبت هذه الفئة دورا خطيرا في التنسيق والتآمر مع اليهود في المدينة والمشركين في مكة والروم في الشام، كما لعبت دورا خطيرا في التجسس وبث الاشاعات واثارة الفتن وطعن المسلمين من الخلف. ان اخطر ما شنه المنافقون مع حلفائهم اليهود والمشركين ضد الدعوة الاسلامية والدولة الاسلامية وشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، الحرب الدعائية وحرب الاشاعات لاضعاف كيان المسلمين والنيل من قوتهم ووحدتهم وبث الرعب والشكوك وزرع روح الهزيمة في نفوسهم وكانت الاوامر الإلهية {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سُنَّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسُنَّةِ الله تبديلا} (الاحزاب 60 ? 62).

وقد حاول المنافقون شق الصف الاسلامي وتمزيق وحدة المسلمين واثارة الفتن والخلافات والاحقاد القبلية بينهم فقد سجل القرآن الكريم بعض الحوادث الشاهدة على هذا العمل التخريبي الهدام كما في قوله تعالى {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) } (المنافقون: 7 و8)

وتحدث القرآن عن النشاط السياسي والتآمري للمنافقين الذي حاولوا التستر عليه واخراجه بصيغة مشروع خيري عبادي فقد اتفق المنافقون على ان يبنوا مسجدا ليتخذوه مركزا للتجمع والتآمر على المسلمين وليغطوا نشاطهم المعادي ولينسقوا مع الروم للاغارة على المدينة واسقاط الدولة التي بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم والقضاء على الدعوة الاسلامية لذلك سماه القرآن (مسجدا ضرارا) فأنزل الله تعالى في تلك الحادثة { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } (التوبة: 107). وبعد نزول الوحي وانكشاف المؤامرة امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرق ذلك المسجد الضراري واستئصال تلك البؤرة الخبيثة فاحرق وقضى عليه وبقيت الحادثة معلما بارزا في تاريخ النفاق ودرسا للمسلمين وموعظة لهم ليعرفوا كيف يتعاملون مع المشاريع والمؤسسات النفاقية التي تتظاهر بالصلاح والاخلاص وتقديم الخدمات الانسانية والخيرية.

شَهِدَ هؤلاء المنافقون أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، والله جلَّ جلاله يقول﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾ فأنت حينما تقر بحقيقة، ولا تتخذ موقفاً بناءً على هذا الإقرار فأنت لم تفعل شيئاً، فلو أن إنسانًا في أشد حالات العطش، وهو على وشك الموت، عرف أن هناك نبع ماء، ولم يتحرك إلى هذا النبع، ماذا نفعته هذه المعرفة ,وهذا ما سماه علماء المنطق تحصيل حاصل، فإذا قلت: الشمس ساطعة، وهي ساطعة، ماذا فعلت إن قلت: ساطعة، فهي ساطعة، وإن قلت: ليست بساطعة، فهي ساطعة، ففي كلا الحالين إن جاءت كلمتك موافقةً للحقيقة لم تفعل شيئاً، وإن جاءت مخالفةً للحقيقة سقطت من أعين الناس، أما حينما تكون في أشد الحاجة إلى أشِعَّتها وتقول: هي ساطعة، وتعرض جسمك لأشعتها، فتشفى من بعض أمراضك، فانت الآن أخذت موقفاً، فالمنافقون قالوا﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ قالوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾المنافقون 1.

بسم الله الرحمن الرحيم

الاقتصاد السياسي والسياسة الاقتصادية

لم يكن نشوء المبدأ الرأسمالي نشوءا مفاجأ بين عشية وضحاها, بل جاء نتيجة إفرازات عديدة أدت بمجملها إلى تبلور عقيدة هذا المبدأ قبل أن يتبلور نظامه…ويمكن لنا أن نوجز هذه الإفرازات مثل ظهور النظريات الفلسفية وحركة الإصلاح الديني ودعاوى الإلحاد وسيطرة الكنيسة والإقطاعيين والظلم على العامة,

وحتى تتضح الصورة…فلقد كانت المؤسسة الكنيسة من الناحية المالية أهم مؤسسة في البلاد ,فهي تملك مثلا ما بين 55 ? 60% من الأرض وأملاكا أخرى تقدر قيمتها في مجموعها بمبلغ يتفاوت بين ( بليوني جنيه وأربعة بلايين جنيه استرليني ذهبي ) سنة 1789م يضاف إلى هذا المبلغ دخله السنوي المقدر ب( 120 ) مليون جنيه و ( 129 ) مليون جنيه عشور تجبى من غلات الأرض … ومع كل ما هو موجود تحت يد الاكليروس والرهبان إلا أن كثراً منهم هجر الرهبنة … ويصف آرثر ينج الوضع فيقول ( إن الحقول مسرح للإدارة المهلهلة… كما إن البيوت شاهد على الفقر المدقع … ومع كل هذا فان هذه البلاد كلها قابلة جداً للتحسن لو عرفوا ما ينبغي ان يصنعوه بها ).

وترافق مع هذا وذاك ظهور الاكتشافات العلمية واكتشاف العالم الجديد والحاجة إلى الأيدي العاملة مما حدا بهم إلى الذهاب إلي شرق إفريقيا وسرقة الناس والاتجار بالرق ففي عام واحد سنه 1788 شحن تجار الرقيق الفرنسيون أكثر من ( 29) إلفا إلى هاييتي فأصبح (30) ألفا من البيض يستخدمون (480) إلفا من السود .

وقد أدى هذا الأمر إلى نشوء ما يسمى بالطبقة البرجوازية وهم طبقة التجار و رجال الأعمال و الصناعيين الذين طالبوا الدول برفع القيود عن العلاقات التجارية و تحت ضغطهم تنازلت الحكومات ولبت كثيرا من مطالبهم مما حسن حركة التجارة ، فمثلا بلغ حجم التبادل التجاري بين فرنسا وبريطانيا في عام 1788م بليون فرنك وكان النهم يزداد يوما بعد يوم صرحت غرفة تجارية تصريحا يعبر عن هذا النهم حين قالت(إن فرنسا تحتاج إلى مستعمراتها لصيانة اقتصادها) ولقد احتاجت المشاريع الصناعية والاستعمارية إلى رأس المال, وولدت سلالة من المصرفيين وعرضت شركات المحاصة السندات وطرحت الحكومة السندات وأسهم القروض وتطورت المضاربة في بيع وشراء السندات المالية …حتى شارك أعضاء الوزارات في المضاربة…فأصبحوا خاضعين لضغط المصرفيين ونفوذهم … وكانت كل حرب تزيد من اعتماد الدولة عليهم … مما أدى إلى إخضاع القرار السياسي لمصلحة رجال الأعمال أو إلى آلهة المال كما يسمونهم …وليس هذا الأمر في أوروبا وحسب بل في الدولة الناشئة حديثا في أمريكا .

لقد أدى هذا التطور في النظام الرأسمالي بعد استقرار عقيدة فصل الدين عن الحياة وتحجيم الكنيسة وعدم تدخلها في القرار السياسي ( الحرب و السلم ) إلى وجود الحاجة للاستعمار لأنه من وجهة نظرهم ? حاجة اقتصادية ? بعد أن كان في أصله حاجة مبدئية أو مصلحة يمليها المبدأ ويصف هذا الأمر ( روبرت كوبر) مستشار توني بلير في السياحة الخارجية فيقول ( الحاجة إلى الاستعمار اليوم ماسة كما كانت في القرن التاسع عشر لحمل مبادئ النظام والحرية والعدالة التي تعتنقها مجتمعات ما بعد الحادثة) .

ولقد نشئ ما يسمى بالمثالية الولسونية ? نسبة إلى(رودو ويلسون الرئيس للولايات المتحدة 27 من سنة 1856 ? 1924 ) , ووجهة نظره هي تفويض نخبة من الوجهاء والأعيان من ذوي المثل العليا سلطة حفظ الاستقرار ووضع الجمهور في مكانه الصحيح… وهذا الانتداب في رؤية السلطة إنهم لفيف من الناس ممن يعون دور الحكومة وهو (حماية الأقلية الثرية من الأغلبية) وهذه المثالية كما يقول ( نعوم تشومسكي ) يمكن تلخيصها بأنه يجب على أمريكا أن تؤدي دورها التاريخي بصفتها الطليعة ، وأن تغير النظام العالمي ومن خلال هذا الإدراك أن تديم هيمنتها عملا بحتمية التفوق العسكري وأن تجعل العالم قاب قوسين أو أدنى من الدمار حتى يمكن لك أن تستثمر هذا الأمر لمصالحك من دون مجازفة وشطب المشاركة السياسية للأكثرية العددية في الداخل من خلال التضخيم الإعلامي للحدث لإسكات المعارضين بتصوير الأمر بأنه تهديد مباشر للأمن في أمريكا وواجب على أمريكا حماية أمنها بالحروب الإستباقية وصناعة الرأي العام إعلاميا , كما حصل مع العراق و الكنغو وكوبا وفي أمريكا الجنوبية بتدبير الانقلابات وفي ملخصه أن العلاقات الخارجية لا تبنى على أساس المصالح المشتركة بين الدول وإنما على أساس إدارة صراعات ويصف هذا الأمر جورج شولتز وزير خارجية رغين 1986م بقوله ( أن التفاوض تعبير ملطف للاستسلام .. إذا لم يسقط ظل القوة على طول طاولة المفاوضات ) ولقد سقط ظل هذه القوة وتمثل بمشروع مارشال لإعمار أوروبا و وصفت(مجلة ترست ويك) تصف مشروع مارشال ( بأنها التعبير الاقتصادي للإطار السياسي الذي أرساه صناع السياسة في حقبة ما بعد الحرب ). بعد انتهاء الحرب وتمثله بقانون ( الإعارة والتأجير) قبل الحرب وابتزاز بريطانيا الحرب اقتصاديا , وبل ويصف أحد خبرائهم السياسة بأنها ظل المشاريع والأعمال الضخمة على المجتمع وهو التسامح مع التغلغل الاقتصادي الأمريكي في أي بلد وعدم التسامح مع أي منافسة ويستشهد بقول( ثوسيديس ) وهو قائد يوناني 460 ? 403 ق.م بقوله ( للأمم الكبيرة أن تفعل ما تشاء وللأمم الصغيرة أن تقبل ما يتوجب عليها فعله ) مثل الاتفاقية الأمنية العراقية أخيرا.

وليس هذا فقط بل كما أن العلاقات الخارجية تخضع لإرادة آلهة المال ومصالحهم فكذالك الأمر الأمر بالنسبة للعلاقات الداخلية حين قال الرئيس الأمريكي ( مديسون ) ( حراسة المصالح العامة من أذى الديمقراطية ) فكانت سياسة التصنت وتقييد الحريات وحماية الاحتكارات وغض الطرف عن إنشاء البنوك الاستثمارية التي لا تخضع للرقابة الحكومية وهذا ما شاهدناه ورأيناه من مسلسل الانهيارات المتلاحقة وحمى الإفلاس الجماعي ، وهذا ما أدى إلى أن نسمع أصواتا تنادي بضرورة التغيير واستبدال هذا النظام الاقتصادي بغيره من النظم لأنه ثبت فشله ولا مجال لإصلاحه و هذا ليس عندهم فحسب بل إنه قد تعداهم حتى وصلنا نحن المسلمين لأننا نحكم بالنظام الاقتصادي الرأسمالي عمليا وفي جميع نواحي حياتنا الاقتصادية .

مشاهد المنافقين والمؤمنين

في قوله الحق {الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }الأعراف51

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( فيلقى العبد فيقول أي فل(تضخيم فلان) ألَم ْ أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل , وأذرك ترأس وتربُع , فيقول بلى( أي رب)… فيقول أفظننت أنك ملاقي…؟؟ فيقول لا …فيقول إني أنساك كما نسيتني…ثم يلقى الثاني فيقول لله ويقول هو مثل ذلك بعينه… ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك…فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصَلَّيتُ وصمتُ وتصدقت ويثني بخير ما استطاع …قال فيقال ها هنا إذأً , ثم يقال له الآن نبعث شاهداً عليك… ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليَّ … فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي… فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه )

قال ابن عباس: يغفر الهف تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم, ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره , فإذا رأى المشركون ذلك قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك فتعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين , فقال الله تعالى :اما إذا كتموا الشرك فاختموا على أفواههم…فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون, فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا فذلك قوله جل وعلا {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً }النساء42

وفي صحيح مسلم عن شعبة عن محمد (ابن زياد) قال سمعت أبو هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له, وإني أريد إن شاء الله أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ) وفي صحيح مسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال( لكل نبي دعوة دعاها لأمته… وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ) وأيضا في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)

وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في سورة إبراهيم {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}إبراهيم36 وقال عيسى عليه السلام (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فرفع يديه وقال(أمتي أمتي) وبكى…فقال الله عز وجل يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم, فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك وهذا موافق لقوله عز وجل {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى }الضحى5

وفي صحيح مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته, وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة, فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا)

نوح {وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ }الأنبياء76

سليمان {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ{35} فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ{36} وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ{37} وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ{38} هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ{39}ص35-39

أيوب{ وأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{83} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ{84}الأنبياء83-84

يونس {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ{87} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ{88}الأنبياء87-88

زكريا{ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ{89} فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}الأنبياء89-90

موسى وهارون{ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ{88} قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ{89}يونس88-89

إن الفكرة التي نحاول فهمها وإيصالها من أن الحبل الموصول بين العبد وربه واجب أن يبقى موصولاً بالتذلل والاحتياج له في كل أمر دق هذا الأمر أو جل في قوله تعالى {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }البقرة152 وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قال:اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي والثانية اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر60 فقد أمر الخلق أن يذكروه راغبين راهبين وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء , فإذا هم أخلصوا بالذكر له في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة العاجلة والآجلة (والثالثة) اذكروني بالثناء والطاعة ,أذكركم بالثناء والنعمة (الرابعة)اذكروني في الدنيا أذكركم بالآخرة(الخامسة)اذكروني في الخلوات أذكركم في الغلوات (السادسة )اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء(السابعة)اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي ( الثامنة)اذكروني بمجاهدتي أذكركم بهدايتي في قوله تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}العنكبوت69 (التاسعة)اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد من الاختصاص( العاشرة) اذكروني بالربوبية في الفاتحة أذكركم بالرحمة والعبودية والخاتمة

على فراش الموت

وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)ق

فهذا ما تيسر جمعه من على فراش الموت لمن سبق تذكرة لنفسي أولا و لإخواني فان القلوب مع تسارع الاحداث وضغوط الحياة وثقل التزاماتها وكثرة اشغالها ومشاغلها تكاد في زحمة هذه الامور لا تتفكر او تنشغل بما بعدها لانشغالنا بما فيها فكان هذا الموضوع لآخر دقائق عهدنا بهذه الدنيا لنأخذ منها العظة .. و لنتذكر حقيقة هذه الدنيا ونسأل الله العظيم ان يعيننا عليها وان يثبتنا وان يرحمنا فهي كما قال شوقي:

لها نظر القيان الى غبي = ولي نظر الذكي اذا تغابى

وجاءت سكرة الموت بالحق أي : غمرته وشدته ; فالإنسان ما دام حيا تكتب عليه أقوال وأفعال ليحاسب عليها ، ثم يجيئه الموت وهو ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله تعالى وعده وأوعده . وقيل الحق هو الموت سمي حقا إما لاستحقاقه وإما لانتقاله إلى دار الحق ; فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره وجاءت سكرة الحق بالموت ، وكذلك في قراءة أبي بكر وابن مسعود رضي الله عنهما ; لأن السكرة هي الحق فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللفظين . وقيل : يجوز أن يكون الحق على هذه القراءة هو الله تعالى ; أي : جاءت سكرة أمر الله تعالى بالموت. وقيل : الحق هو الموت والمعنى وجاءت سكرة الموت بالموت.  لما احتضر أبو بكر أرسل إلى عائشة فلما دخلت عليه قالت كما قال الشاعر:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

فقال أبو بكر هلا قلت كما قال الله : وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد . والسكرة واحدة السكرات, وفي الصحيح عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة - أو علبة - فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء ، فيمسح بهما وجهه ويقول(لا إله إلا الله إن للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول : في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده) خرجه البخاري وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال)إن العبد الصالح ليعالج الموت وسكراته وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض تقول السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة) القشيري في الرسالة - عن إبراهيم بن هدبة عن أنس.

لما احتضر أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه حين وفاته قال لعائشة :    انظروا ثوبي هذين , فإغسلوهما و كفنوني فيهما , فإن الحي أولى بالجديد من الميت

و أوصى عمر رضي الله عنه قائلا : إني أوصيك بوصية إن أنت قبلت عني : إن لله عز و جل حقا بالليل لا يقبله بالنهار , و إن لله حقا بالنهار لا يقبله بالليل , و إنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة , و إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه في الآخرة بإتباعهم الحق في الدنيا , و ثقلت ذلك عليهم , و حق لميزان يوضع فيه الحق أن يكون ثقيلا , و إنما خفت موازين من خفت موازينه في الآخرة باتباعهم الباطل , و خفته عليهم في الدنيا و حق لميزان أن يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا    ولما طعن, جاء عبدالله بن عباس , فقال  يا أمير المؤمنين , أسلمت حين كفر الناس وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس, وقتلت شهيدا و لم يختلف عليك اثنان و توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو عنك راض .

فقال له : أعد مقالتك فأعاد عليه , فقال المغرور من غررتموه والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس أوغربت لافتديت به من هول المطلع, وقال عبدالله بن عمر كان رأس عمر على فخذي في مرضه الذي مات فيه, فقال ضع رأسي على الأرض فقلت ما عليك كان على الأرض أو كان على فخذي  فقال لا أم لك , ضعه على الأرض فقال عبدالله فوضعته على الأرض فقال  ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي عز و جل.

أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه و أرضاه قال حين طعنه الغادرون و الدماء تسيل على لحيته لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين, اللهم إني أستعديك و أستعينك على جميع أموري و أسألك الصبر على بليتي, ولما إستشهد فتشوا خزائنه فوجدوا فيها صندوقا مقفلا  ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوبا عليها (هذه وصية عثمان)

                          بسم الله الرحمن الرحيم .      

عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله و أن الجنة حق  و أن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد عليها يحيا و عليها يموت و عليها يبعث إن شاء الله .

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد أن طعن رضي الله عنه قال ما فعل بضاربي قالوا  أخذناه قال أطعموه من طعامي , و اسقوه من شرابي  فإن أنا عشت رأيت فيه رأيي و إن أنا مت فاضربوه ضربة واحدة لا تزيدوه عليها, ثم أوصى الحسن أن يغسله و قال لا تغالي في الكفن فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول (لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا)السنن الكبرى والصغرى للبيهقي،  وأوصى إمشوا بي بين المشيتين لا تسرعوا بي , و لا تبطئوا , فإن كان خيرا عجلتموني إليه , و إن كان شرا ألقيتموني عن أكتافكم .

معاذ بن جبل رضي الله عنه و أرضاه الصحابي الجليل حين حضرته الوفاة وجاءت ساعة الإحتضار  نادى ربه  قائلا يا رب إنني كنت أخافك , و أنا اليوم أرجوك .. اللهم إنك تعلم أنني ما كنت أحب الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار  وإنما لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق العلم ثم فاضت روحه بعد أن قال لا إله إلا الله.

وقد روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (نعم الرجل معاذ بن جبل) وروى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال (أرحم الناس بأمتي أبوبكر .... إلى أن قال ... و أعلمهم بالحلال و الحرام معاذ) .

بلال بن رباح رضي الله عنه و أرضاه حينما أتاه الموت قالت زوجته وا حزناه, فكشف الغطاء عن وجهه و هو في سكرات الموت و قال لا تقولي واحزناه , و قولي وا فرحاه ثم قال: غدا نلقى الأحبة ..محمدا و صحبه .

أبو ذر الغفاري رضي الله عنه و أرضاه:فقد روي عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه عن أم ذر قالت : لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال لي ما يبكيك فقلت و ما لي لا أبكي و أنت تموت بفلاة من الأرض و ليس عندي ثوب يسعك كفنا لي ولا لك و لا بد منه لنعشك قال : فأبشري و لا تبكي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيحتسبان فيريان النار أبدأ و إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لنفر أنا فيهم : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين و ليس من أولئك النفر أحد إلا و مات في قرية و جماعة فأنا ذلك الرجل و الله ما كذبت و لا كذبت فابصري الطريق فقلت : أنى و قد ذهب الحاج و تقطعت الطريق فقال : اذهبي فتبصري قال : فكنت أشتد إلى الكثيب ثم أرجع فأمرضه فبينما أنا و هو كذلك إذا أنا برجال على رحالهم كأنهم الرخم تجد بهم رواحلهم قال علي قلت ليحيى بن سليم تجد أو تخب قال : بالدال قالت : فألحت بثوبي فأسرعوا إلي حتى و قفوا علي فقالوا من هو قلت : أبو ذر قالوا : صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قلت : نعم ففدوه بآبائهم و أمهاتهم و أسرعوا إليه حتى دخلوا عليه فقال لهم أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لنفر أنا فيهم : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين ما من أولئك النفر رجل إلا و قد هلك في قرية و جماعة و الله ما كذبت و لا كذبت أنتم تسمعون أنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب لي أو لها إني أنشدكم الله ثم إني أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو نقيبا و ليس من أولئك النفر إلا و قد قارف ما قال إلا فتى من الأنصار فقال : أن أكفنك يا عم أكفنك في ردائي هذا و في ثوبين في عيبتي من غزل أمي قال أنت فكفني فكفنه الأنصاري في النفر الذين حضروه وقاموا عليه و دفنوه في نفر كلهم يمان)المستدرك

يتبع

محمد بن القاسم

بطل من أعظم الأبطال في التاريخ الإسلامي، هو فاتح بلاد السند والبنجاب، وقد أودع الله بين جنبيه نفسًا بعيدة المطامح عالية الهمة لخدمة الإسلام.

ولد محمد بن القاسم الثقفي سنة 72هـ بمدينة الطائف في أسرة معروفة، فقد كان جدّه محمد بن الحكم من كبار ثقيف. وفي سنة 75هـ صار الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا عامًّا على العراق والولايات الشرقية التابعة للدولة الأموية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، فعيّن الحجاج عمّه القاسم واليًا على مدينة البصرة، فانتقل الطفل محمد بن القاسم إلى البصرة. ولما شيد الحجاج مدينة واسط وصارت معسكرًا لجنده الذين يعتمد عليهم في الحروب، وامتلأت بسكانها الجدد، وفيها نشأ وترعرع محمد بن القاسم الثقفي وتدرب على الجندية والفروسية، فلُقّن فنون الحرب وأساليب القتال حتى أصبح من القادة المعروفين وهو لم يتجاوز بعد 17 عامًا من العمر.

 لقد بدت على محمد بن القاسم الثقفي أمارات النجابة والشجاعة وحسن التدبير في الحرب منذ نعومة أظفاره؛ مما جعل الحجاج بن يوسف الثقفي يعينه أميرًا على ثغر السند وهو لم يتجاوز 17 عامًا، وكان محمد بن القاسم راجح الميزان في التفكير والتدبير، وفي العدل والكرم، إذا قورن بكثير من الأبطال، وهم لا يكادون يبلغون مداه في الفروسية والبطولة، ولقد شهد له بذلك الأصدقاء والأعداء، وقد سحر الهنود بعدالته وسماحته، فتعلقوا به تعلقًا شديدًا.

 وكان من دأب محمد بن القاسم الثقفي أن يجنح إلى الصلح والسلم ما وسعه ذلك، وقد أوصاه بذلك الحجاج بن يوسف الثقفي: "إذا أردت أن تحتفظ بالبلاد فكن رحيمًا بالناس، ولتكن سخيًّا في معاملة من أحسنوا إليك، وحاول أن تفهم عدوك، وكن شفوقًا مع من يعارضك، وأفضل ما أوصيك به أن يعرف الناس شجاعتك، وأنك لا تخاف الحرب والقتال".

 وكان محمد بن القاسم يتصف بالتواضع الرفيع، فكان في جيشه من يكبر أباه سنًّا وقدرًا، فلم تجنح نفسه معهم إلى الزهو والمباهاة، ولكنه لم يكن يقطع أمرًا إلا بمشورتهم، بَنَى المساجد في كل مكان يغزوه، وعمل على نشر الثقافة الإسلامية مبسطة ميسرة.

 ان أعمال القرصنة البحرية التي كان يقوم بها الهنود حيث يذكر البلاذري أن البوارج الهندية قد استولت على سفينة كانت تحمل نساء مسلمات أرسلهن ملك جزيرة الياقوت هدية إلى الحجاج بن يوسف فنادت امرأة من تلك النسوة وكانت من يربوع : يا حجاج وبلغ الحجاج ذلك فقال : يا لبيك فأرسل إلى داهر يسأله تخلية النسوة . فقال أخذهن لصوص لا أقدر عليهم, لذلك أرسل الحجاج بن يوسف عبيد الله بن نبهان إلى الديبل "كراتشي اليوم" فقتل, فكتب إلى بديل بن طهفة البجلي وهو بعمان يأمره أن يسير إلى الديبل, لكن الهنود استطاعوا محاصرته وقتله أيضا.

 تبدّى للحجاج مدى الإهانة التي تلحق بهيبة المسلمين وخطورتها إن هو سكت على هذا الأمر, فاختار محمد بن القاسم وكان بفارس, وكان قد أمره أن يسير إلى (الريّ), فردّه إليه, وعقد له ثغر (السند), وضمّ إليه ستة الآف من جند أهل الشام, وجهّزه بكلِّ ما احتاج اليه - حتى الخيوط والإبر والمال- وأمره أن يقيم بشيراز حتى يكمل حشد رجاله ويوافيه ما أعدّ له واهتمّ الحجاج اهتماما بالغاً في إنجاز كل ما يحتاج اليه جيش محمد بن القاسم حتى بلغ بذلك حدّ الروعة حقاً فلم ينس أصغر التفاصيل الإدارية لإكمال احتياجات هذا الجيش, حتى إنه عمد إلى القطن المحلوج فنُقع في الخل الأحمر الحاذق, ثم جُفِّف في الظل وقال لهم : إذا صرتم إلى (السِّند) فإن الخل بها ضيِّق, فانقعوا هذا القطن في الماء, ثم اطبخوا به واصطبغوا . ويقال : إن محمداً لما صار إلى ثغر السِّند, كتب يشكو ضيق الخلِّ عليهم, فبعث الحجاج إليه بالقطن المنقوع في الخل.

المعارك التي خاضها محمد بن القاسم :

 مضى محمد إلى مكران فأقام بها أياماً, ثم أتى فنزبور ففتحها, ثم أتى (أرمائيل ففتحها أيضا, فقدم (الديبل) كراتشي يوم جمعة, فوافته هناك سفنه التي كانت تحمل الرجال والسِّلاح والعتاد والمهمات, فخندق حيث نزل (الديبل) وأنزل الناس منازلهم ونصب منجنيقاً يقال له (العروس), الذي كان يعمل لتشغيله خمسمائة من الرجال ذوي الكفاية المدربين على استخدامه, فدكّ بقذائفه معبد الهنادكة الأكبر (البد), وكان على هذا البد دقل عظيم وعلى الدقل راية حمراء إذا هبّت الريح أطافت المدينة, وحاصر محمد الديبل وقاتل حماتها بشدّة, فخرجوا إليه, ولكنه هزمهم حتى ردهم إلى البلد, ثم أمر بالسلالم فنصبت وصعد عليها الرجال, وكان أولهم صعوداً رجل من بني مراد من أهل الكوفة ففتحت المدينة عنوة ولكنّ عامل (داهر) ملك السند عليها هرب عنها, فأنزل فيها محمد بن القاسم أربعة الآف من المسلمين وبنى عليها جامعها, فكان أول جامع بني في هذه المنطقة, وسار محمد عن الديبل إلى النيرون, وكان أهلها بعثوا إلى الحجّاج فصالحوه, فلقوا محمداً بالميرة وأدخلوه مدينتهم ووفوا بالصلح, وسار محمد عن (نيرون) وجعل لا يمر بمدينة إلاَّ فتحها حتى عبر نهراً دون "مهران"نهر السند, فأتاه أهل (سربيدس), وصالحوه ففرض عليهم الخراج وسار عنهم إلى (سهبان) ففتحها ثم سار إلى نهر (مهران) فنزل في وسطه, وبلغ خبره (داهر) فاستعدّ لمجابهته, وبعث محمد إلى (سدوستان), فطلب أهلها الأمان والصلح, فأمنهم محمد وفرض عليهم الخراج أيضا.

يتبع

شعائر الله

الشعائر: جمع شعيرة، وهي المعالم التي جعلها الله لعباده لينالوا ثوابه بتعظيمها، فالإحرام شعيرة، والتكبير شعيرة، والطواف شعيرة، والسَّعْي شعيرة، ورمْي الجمار شعيرة وحرمة المسلم وعرضه وماله وعدم اهانته …إلخ هذه أمور عظّمها الله، وأمرنا بتعظيمها .

وتعظيم الشيء أبلغ وأشمل من فِعْله، أو أدائه، أو عمله،فالفقير يعظم الزكاة وان لم يفعلها وغير المستطيع يعظم الحج وان لم يفعله, وتعَظَّيم الشعائر يعني تأديتها بحبٍّ واقبال وإخلاص، وجاء بها على الوجه الأكمل { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } الحج: 32,والشعائر : جمع شعيرة وهي المعلم الواضح, مشتقة من الشعور . وشعائر الله : لقب لمناسك الحج . جمع شعيرة بمعنى : مشعرة بصيغة اسم الفاعل أي معلمة بما عينه الله . فمضمون جملة ومن يعظم شعائر الله أخص من مضمون جملة ومن يعظم حرمات الله وذكر الأخص بعد الأعم للاهتمام ، أو بمعنى مشعر بها ، فتكون شعيرة فعيلة بمعنى مفعولة لأنها تجعل ليشعر بها الرائي .

فكل ما أمر الله به (بزيارة أو بفعل) فهو من شعائر الله ، أي مما أشعر الله للناس وقرره وشهره ؛ ومنها معالم الحج : الكعبة ، والصفا والمروة ، وعرفة ، والمشعر الحرام ، ونحوها من معالم الحج,وكذلك الاذان واقامة الصلاة وعدم استقبال او استدبار الكعبة اوبيت المقدس حين قضاء الحاجة,وتقديم او تأخير دخول بيت الراحة مع رفع الاذان,وعدم اشتغال القلب في الصلاة,ونحو ذلك, وتطلق الشعيرة أيضا على بدنة الهدي قال تعالى (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) لأنهم يجعلون فيها شعارا,فلا نعظم البدن لذاتها وانما التعظيم لشعائر الله يعني لاوامره .

ومثالنا في ذلك: خليل الله إبراهيم، عندما أمره الله أنْ يرفع قواعد البيت: كان يكفيه أنْ يبني على قَدْر ما تطوله يده، وبذلك يكون قد أدّى ما أُمِر به، لكنه عشق هذا التكليف وأحبَّه ووضع حجراً على حجر ليقف عليه، ويرفع البناء بقدر ما ارتفع إليه فمحبة أمر الله مَرْقى من مراقي الإيمان، نسموَ إليه في كل عمل,فالهدف أنْ نؤدي التكاليف بحُبٍّ وعِشْق يُوصِّلنا إلى حب الله عز وجل؛ لذلك نجد من أهل المعرفة مَنْ يقول: رُبَّ معصية أورثتْ ذلاً وانكساراً خَيْر من طاعة أورثت عِزاً واستكباراً.

ان هذه المحبة للتكاليف عبَّر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: " وجُعلَتْ قُرَّة عيني في الصلاة "رواه أحمد ، والنسائى لذلك نَعَي القرآن على أولئك الذين{ إِذَا قَامُوغ¤اْ إِلَى ظ±لصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىظ° يُرَآءُونَ ظ±لنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ظ±للَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}لنساء: 142وابنته فاطمة - رضي الله عنها - كانت تجلو الدرهم وتلمعه، فلما سألها رسول الله عما تفعل، قالت: لأنني نويتُ أنْ أتصدَّق به، وأعلم أنه يقع في يد الله قبل أنْ يقع في يد الفقير. هذا هو التعظيم لشعائر الله والقيام بها عن رغبة وحب.

فإذا ورد الأمر من الله وثبت نأخذه على الرَّحْب والسِّعَة دون جدال ولا مناقشة، وكيف نناقش أمر الله ونحن نعظِّمه؟ ومن هنا نقول للذين يناقشون في أمور فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل تعدُّد زوجاته مثلاً ويعترضون، بل ومنهم مَنْ يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يليق نقول لهم ما دُمْتُم آمنتم بأنه رسول الله، فكيف تضعون له موازين الكمال من عند أنفسكم وتقولون كان ينبغي أنْ يفعل كذا ولا يفعل كذا, وهل عندكم من الكمال ما تقيسون به فِعْل رسول الله…؟ فأن الكمال منه صلى الله عليه وسلم ومن ناحيته لا من ناحيتكم.

ثم يقول سبحانه: { فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ظ±لْقُلُوبِ } [الحج: 32] ليست من تقوى الجوارح، بل تقوى قلب لا تقوى قالب، فالقلب هو محلُّ نظر الله إليك، ومحلُّ قياس تعظيمك لشعائر الله,أنْ الفرق شاسع واسع بين اخضاع القلب واخضاع القالب,والله عز وجل لم يرد ان يُخضِع قوالبنا، إنما يريد أنْ يُخضع قلوبنا، ولو أراد سبحانه أنْ تخضع القوالب لخصعتْ له راغمة، كما جاء في قوله تعالى:{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ظ±لسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ }الشعراء34فأنت تستطيع أنْ تُرغِم مَنْ هو أضعف منك على أيِّ شيء يكرهه، إنْ شئتَ سجد لك، لكن لا تملك أنْ تجعل في قلبه حباً أو احتراماً لك، لأنك تجبر القالب، أمّا القلب فلا سلطةَ لك عليه بحال.

أن معنى شعائر الله هو كل أوامر الله وما فرضه الله على البشر،نؤديها ونعظمها لانها من الله,وقد وردت عبارة شعائر الله في القرآن في مواضع:

1- من سورة الحج (ذَظ°لِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّـهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ï´؟ظ£ظ¢ï´¾ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىظ° أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ï´؟ظ£ظ£ï´¾),ويفهم بوضوح أن شعائر الله فيها منافع للناس ثم محلها إلى البيت العتيق، فالأمر يتعلق هنا بالحج وهو ما يدل عليه سياق النص الكامل، والتي فيها منافع للناس ،.

ويؤيد المفهموم السابق لشعائر الله ما ورد أيضاً في قوله تعالى(وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّـهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَظ°لِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ï´؟ظ£ظ¦ï´¾ لَن يَنَالَ اللَّـهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـظ°كِن يَنَالُهُ التَّقْوَىظ° مِنكُمْ كَذَظ°لِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىظ° مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ï´؟ظ£ظ§ï´¾) سورة الحج ,فواضح من النص السابق أن شعائر الله هى أنواع من بهيمة الأنعام التي تُعد للذبح في وقت الحج، والبُدن أحد أنواع بهيمة الأنعام، أو هى البدين أي السمين من هذه الأنواع.

(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّـهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّـهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ï´؟ظ،ظ¥ظ¨ï´¾ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىظ° مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـظ°ئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ï´؟ظ،ظ¥ظ©ï´¾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَـظ°ئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ï´؟ظ،ظ¦ظ*ï´¾) سورة البقرة, فإن الصفا والمروة هما أيضاً من شعائر الله وهما مكانين امر الله بتعظيمهما.

وعودة إلى عبارة شعائر الله فقد جاءت في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىظ° عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّـهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ï´؟ظ،ï´¾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّـهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا غ? وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىظ° وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ï´؟ظ¢ï´¾) سورة المائدةفهذه امر وبعدها النهي في قوله تعالى(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)المائدة5 وهنا يتحدث النص عن بعض ما أمر الله المؤمنين أن ينتهوا عنه كونها من شعائر الله، وكذلك عدم استحلال شعائر الله وعدم إستحلال صيد البر في الشهر الحرام.

ان من مقتضيات تعظيم شعائر الله عدم تعظيم شعائر غير الله,فان لابليس ايضا شعائر وللشيطان شعائر وللاهواء شعائر,وكلها لا يحل لمسلم تعظيمها,فقانون الكفر لا نعظمه ولا نعظم شعائره كاعياد الاستقلال والجلوس على العرش ومولد او وفاة الزعيم,واعياد الميلاد من شعائر الشيطان فلا نعظمها,كعيد الام ويوم الشجرة وعيد الحب واشباهها.

وكذلك المعاهدات التي افرزتها اتفاقات سايكس بيكو او كامب ديفد او اوسلوا او وادي عربة لكونها شعائر للشيطان يريد اخضاع المسلمين بها واذلالهم