ألمختار من أدبيات ألشيخ جواد عبد المحسن الهشلمون

ألمختار من أدبيات
ألشيخ جواد عبد المحسن الهشلمون

001… الفهرس
002… شعائر الله
003… ألنفاق
004… مسؤولية الوالد تجاه المولود
005… مسجد التقوى والمسجد الضرار
007… الخاطئ والمخطئ والشفاعة
009… أحوال القلب
011… طريق الحق واحد
012… كتاب " حديث ألصيام 12 "
013… الوقف واثره على المجتمع الاسامي
016… كلمةُ حقٍ عند سلطان جائر
017… المراء
019… إن الولد مبخلة مجهلة مجبنة
020… قوة الإرادة وحامل الدعوة
023… ضغان المنافقين
025… البركة
029… القول الفصل
030… الحدود والخرائط
031… وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد
032… المسابقة والمسارعة في القرآن
034… وجعلنا من الماء كل شىءحي افلا يؤمنون
035… سؤاله وجوابهم (عنزة ولو طارت)

.

طالبة علم كتب:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شيخ جواد بن عبد المحسن لو تكرمت احتاج كتاب حديث رمضان 12 ضروري

كيف احصل عليه ارجو الرد وجزاكم الله خيرا

**الأخت الفاضلة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بداية نرحب بك في منتدى الزاهد

وبصورة أولية فإن كتاب حديث رمضان 12 موجود في المنتدى على الرابط التالي :

www.sharabati.org

وسنتصل بالشيح جواد عبد المحسن ليأمن الكتاب لك إن شاء الله**

الطَّمْس

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً }النساء47

قال ابن اسحق: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن صوريا الأعور وكعب بن أسيد فقال لهم(يا معشر يهود اتقوا الله واسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق ) قالوا ما نعرف ذلك يا محمد وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر فانزل الله هذه الآية.

الطمس هو استئصال أثر الشيء في قوله تعالى{فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ }المرسلات8 وطمس الأثر محيه وإهلاكه في قوله تعالى {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} يونس88

واختلف العلماء في موضوع الطمس هل هو حقيقة أم مجاز فإن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز فقد أخذ جماعة بالحقيقة وجماعة بالمجاز , فهل الطمس هنا حقيقة فيجعل الله الوجه كالقفا أم مجاز…؟؟ وفيه قولان:-

  1. روي عن أبي بن كعب أنه قال( من قبل أن نطمس) يعني من قبل أن نضلكم إضلالا لا تهتدون بعده

  2. وقال قتادة معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء…أي يذهب بالأنف والشفاه والعينين والحواجب… وهذا معناه عند أهل اللغة .

وروي عن ابن عباس وعطية العوفي: من أن الطمس هو أن تزال العينان خاصة وتردّ في القفا فيكون ذلك رداً على الدبر ويمشي القهقرى

وقال مالك رحمه الله : كان أول إسلام كعب الأحبار أنه مرَّ برجل من الليل يقرأ الآية{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً }النساء47 فوضع كفيه على وجهه … ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه وقال( والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي)

وكذلك فعل عبد الله بن سلام لمّا نزلت وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبلغ أهله وقال( يا رسول الله ما كنت أدري أن أصِلَ إليك حتى يُحَوَّلَ وجهي إلى قفاي)

وقال المبرد … الوعيد باقٍ منتظر وقال لا بد من طمسٍ في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة.

إن القضية هي إدراك حق حين ظهور الدليل وحين ظهوره لا بد من إتباع الحق أو جحوده, فالأمر حين ظهر لكعب الأحبار ولعبد الله بن أبي كانت المسارعة في الاستجابة للحق دون تسويف أو تأخير ودون حسابات ربح وخسارة وقد كان التلقي تَلَّقٍ عقائدي أفرز عندهما أن هذا الأمر واقع, فالمسارعة لإتباع هذا الحق والخضوع إليه هي القضية الواجب إدراكها وهذا ما يمكن فهمه من قوله تعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ }النساء 46

وأما الصورة الثانية لمن حصل عنده الدليل على صدق دعوة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فجحد واستكبر بناءً على هوىً اتبعه أو مصلحة قدَّمها ثم لم يكتف بذلك بل حارب هذه الدعوة وافترى وشكك وقد أخبر الله عنهم ذلك فقال {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ }الأنعام33

إن الفرق واضح بين الاستجابة بناء لوضوح الدليل وبين الاستجابة لظهور مصلحة , وهذا أيضاً كان دافعه تقديم الهوى على الحق, فلا بد من أن تكون الاستجابة للحق فقط حين ظهور الدليل المقنع المفحم, فإن الاستجابة المطلوبة هي(خضوع قلوب لا خضوع أعناق), فالله يريد أن يأتي الناس طواعية واختياراً ليثبتوا حبهم للخالق ويطيعوه فيما أمر وأن يتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم, ولو كانت القضية إخضاع أعناق كما أخبر ربنا { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}الشعراء 4

**في موضوع (فورة الدم) - حرمةُ المسلم (1)

جواد عبد المحسن الهشلمون

في قول الحق سبحانه وتعالى﴿ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ﴾الحج30.

قال الزَجاج: الحرمات هي ما وجب القيام به وَحَرُمَ التفريط فيه … وحرمات الله هي حدوده التي منع من تجاوزها أو التعدي عليها وفي الحديث (ألا وإن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه) فالأوامر والنواهي هي حرمات لله وحدوده التي حدها للعباد في قوله تعالى﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ لطلاق1,سواء أكانت في العقود أم في غيرها.

حُرَمُ الرجل: عياله ونساؤه وما يحمي من أرضٍ وشجر وثمر ونبات وكل ما يعود له ويتصرف فيه تدخل في حرمته وكل رحمٍ لم يحل له نكاحه تدخل في حرمته.

والحُرْمَةُ: هي الذمةُ…وأحرم الرجل فهو محرم إذا كانت له ذمة وفي هذا المعنى قال الراعي:

قتلوا ابن عفانَ الخليفةَ مُحرِماً ودعا فلم أرَ مثله مقتولا

فحرمة الإسلام ذمته ويشرح هذا قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (كُلّ مُسلم عن مُسلم مُحْرِمٌ أخوانِ نصيران) ، قال ابن الأعرابي يقال أنه لمُحرِمٌ عنك يعني يَحرُم أذاك عليه , وقال الأزهري: وهذا بمعنى الخبر أراد أنه يَحرُمُ على كل واحدٍ منهما أن يؤذي صاحبه لحرمةِ الإسلام المانعةِ عن ظلمه.

فالمسلمُ معتصم بالإسلام ممتنعٌ بحرمته ممن أراده أو أراد ماله فيكونُ الإسلام هو الحق المانعُ لتحليل أو جواز الاعتداء على من نطق الشهادتين, فالنطق بهما أدخله في ذمةِ الإسلام , وذمةِ الإسلام التي تتجسد في المسلمين معلومة معروفة ومحددة بحدود الله عز وجل﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ الطلاق1, وقد جاء في صحيح مسلم ما يوضح هذا الأمر عن أسامة قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في سرية فصبَحنا الحرمات -وهو موضع ببلاد جهينةَ- فأدركت رجلاً فقال لا إله إلا الله …فطعنته فوقع في نفسي من ذلك … فذكرته للنبي صلى الله عليه واله وسلم فقال (أقال لا إله إلا الله وقتلته)..؟؟!! قال قلت يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح قال (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا).

إن مجرد التلفظ بالشهادتين هو بدايةُ حصول الحرمة بالنسبة للمتلفظ, فلم يكن له قبلها حرمة فوجدت الحرمةُ بوجود التلفظ فكان الإسلام هو سبب وجود الحرمة فتوجد الحرمة بوجود الإسلام وتنعدم الحرمة بانعدامه, وهذا لا يعني أن غير المسلمين في دولة الإسلام ليست لهم حرمة بل لهم حرمة الذمة ولكن ليست حرمة الإسلام ؛ لأنهم لم يسلموا لأن هناك فرق بين حرمة الذمة التي وجدت بعد عهدهم مع المسلمين وبين من أسلم لأن الذي أسلم قد فرض الله له هذه الحرمةَ بإسلامه وليس لمخلوقٍ أن يقبل أو يرفض بل يطيع أبداً بعكس حرمةِ الذمةِ فلنا أن نقبلهم أو نرفضهم.

يتبع إن شاء الله**

سعة الأرض وضيقها

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}النساء97

وفي الآية مباحث :-

  1. إن الحالة التي توفتهم الملائكة عليها إنهم كانوا متلبسين بظلمهم لأنفسهم والعبرة بالخواتيم فقد روى جعفر بن محمد عن أبيه قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال الرسول عليه السلام( ارفق بصاحبي فإنه مؤمن) فقال ملك الموت يا محمد طب نفساً وقر عيناً فإني بكل مؤمن رفيق, واعلم أن ما من أهل بيت مدر ولا بيت شَعْرٍ في برٍ ولا بحر إلا وأناا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات)

وقيل إنهم جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي الإيمان به فلما هاجر أقاموا مع قومهم وَفُتِنَ منهم جماعة فافتتنوا

  1. { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} وهو سؤال يظهر فيه التقريع والتوبيخ فكان الجواب { كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} وهذا اعتذار غير صحيح, فهو كصورة الذين جاءوا إلى الرسول وكانوا قد تخلفوا عنه في قوله تعالى{ وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ}التوبة90 وهذه الصورة في الدنيا… والصورة التي نحن بصددها لحظة الموت فالعذر واهٍ واهٍ مع أنهم مسلمين ولكن ظالمين لأنفسهم

  2. إنهم حين قالوا { كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} أن غيرهم وصفهم بهذا الوصف فصدفوهم وهذا كان خطأهم … فلقد وصفهم المستكبرون بهذا الوصف وقبلوه… ونحن اليوم إذا وصفتنا دول الاستكبار العالمي بأننا العالم الثالث أو الدول النامية وقبلنا بل وصدقنا هذه التسمية فإننا نكون قد أعناهم علينا بأن انهزمنا وكسرنا ارادتنا

    إن اههذ جلت قدرته قد خاطبنا فقال{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ}البقرة143 فصنفنا ربنا بأننا أعلى الأمم مرتبة عنده وقال{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} آل عمران110 وهذه في الدنيا, فنكون أعلى الأمم مرتبة في الدنيا والآخرة فالله جل وعلا بوأنا هذه المنزلة فإن اخترنا عليها فإنما هو الضلال والغباء الذي يحصل لمن يرى بعينه فلا يدرك ما يرى

    1. { قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} يقول قتادة : سعة إلى الهدى يعني أن الضلال ضيق, ولو كنت غنيا, والهدى سعة ولو كنت فقيرا, ورحم اله جُنْدع ابن ضمرة من بني ليث ,وقد كان من المستضعفين في مكة, وكان حينها مريضا فلما سمع الآية قال أخرجوني … فهيئ له فراش ثم وضع عليه وخُرج به فمات في الطريق بالتنعيم وهو مهاجر… وقال إني لدليل في الطريق وإني لمدسر ومالي عذر فقد هاجروا إلى الحبشة ليعبدوا الله ولا يلحقهم أذاً وهاجروا إلى المدينة

    إن المدينة مع كونها ضيقة المساحة بالنسبة للجزيرة العربية ولكنها هي-السعة- لوجود الهدى والحق وأنها الأرض التي تحكم بأمر الله ونهيه وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال( من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام )

    1. {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً }النساء98 قال ابن عباس رضي الله عنهما : كنت أنا وأمي ممن عنى الله بهذه الآية… وقد كان من الولدان آن ذاك وأمه هي أم الفضل بنت الحارث وهن تسع أخوات {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} يعني أنهم لا يملكون قوة أو أسباباً للتخلص مما هم فيه{ وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } والسبيل هو الطريق…ومن منا لا يعرف أو لم يهتدي إلى طريق الله وسبيله فقد خاطبنا وأمرنا ربنا عز وجل فقال {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }آل عمران104 والآية التي قبلها تبين لنا بوضوح أن سبيل الله هو الهدى في قوله عز وجل{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }آل عمران103فبيان هذه الآيات للاهتداء للسبيل… وليس لأي سبيل بل لسبيل الله فقط لأن السبل كثيرة قد تداخل بعضها ببعض تداخلاً يلبس على الناس دينهم فقال عز وجل {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }الأنعام153

    هذا الأمر إن كانت لنا دولة هي-السعة- التي يعبد فيها الله وحده أما إذا لم تكن لنا ?السعة- فخطاب ربنا لنا ليس تكليف لنا بما لا نطيق وحاشا لله أن يطلب منا هذا , ولكن إذا لم تكن موجودة فالكل يعلم الطريق ويدرك أن السبيل هو العمل لإيجاد هذه الدولة وهذه-السعة- لأنها هي التي تنقلنا من الضيق إلى السعة ومن الكرب إلى الفرج ومن العسر إلى اليسر ومن ضيق الضلال إلى سعة الهدى

حُسْنُ الخاتِمَةُ(2)

3ـ معنى سُوءِ الْخاتِمَةِ:

سوء الخاتمة أن يموت العبد على حالة سيئة، من كفر، أو جحود، أو شك، وهذه الداهية العظمى، والرزية الكبرى، فإن ذلك يوجب لصاحبه الخلود في العذاب، وأدنى من ذلك أن يموت، وهو متلبس بمعصية من معاصي الله، أو مُصِرٌّ عليها بقلبه، والمرء يبعث على ما مات عليه, فعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يبعث كل عبدٍ على ما مات عليه)الجمع بين الصحيحين.

4ـ أسْبَابُ سُوءِ الخاتمةِ:

ان من أسباب سوء الخاتمة مخالفة الباطن للظاهر: فقد يكون العبد بظاهره يعمل بطاعة الله، ولكنه يبطن النفاق، أو الرياء، أو يكون في قلبه دسيسة من دسائس السوء؛ كالكبر، أو العجب، فيظهر ذلك عليه في آخر عمره، ويختم له به، فتكون الخسارة الأبدية، كما في قصة الذي كان يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبلى أحسن البلاء، ولكنه لم يفعل ذلك من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، فلما جرح استعجل الموت فانتحر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ]رواه البخاري ومسلم. فقوله صلى الله عليه وسلم: [فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ] يدل على أن باطنه، خلاف ظاهره، ولا يمكن أن تسوء خاتمة من صلح ظاهره، وباطنه، والله أعلم.

ومن أسباب سوء الخاتمة الإصرار على المعاصي،وإلفها: قال ابن القيم: ومن عقوباتها-أي الذنوب والمعاصي- أنها تخون العبد وهو أحوج ما يكون إلى نفسه هذا وثَمَّ أمرٌ أخوف من ذلك، وأدهى منه، وأمر؛ وهو أن يخونه قلبه، ولسانه عند الاحتضار، والانتقال إلى الله، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة؛ كما شاهد الناس كثيرًا من المحتضرين، أصابهم ذلك، حتى قيل لبعضهم: قل: لا إله إلا الله، فقال: آه آه، لا أستطيع أن أقولها. وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فقال: شاه رخ غلبتك، ثم قضى. وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فقال:

يا رُبَّ قَائِلَةٍ يَوْمًا وَقَدْ تَعِبَتْ = كَيفَ الطَّرِيقُ إلى حَمَّامِ مِنْجَابِ

  ومن أسباب سوء الخاتمة حب الدنيا: قال يحيي بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان من سكر منها فلا يفيق إلا في عسكر الموتى، نادمًا بين الخاسرين. قالوا: وإنما كان حب الدنيا رأس الخطايا، ومفسدًا للدين, فأن حبها يقتضي تعظيمها، وهي حقيرة عند الله، ومن أكبر الذنوب تعظيم ما حقر اللهُ, فأن الله لعنها، ومقتها، وأبغضها، إلا ما كان له فيها، ومن أحب ما لعنه الله، فقد تعرض للفتنة,فقد  روى أبو عمر بن عبد البر عن أبي سعيد الخدري ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان فيها من ذكر الله أو أدى إلى ذكر الله والعالم والمتعلم شريكان في الأجر وسائر الناس همج لا خير فيه" أخرجه الترمذي عن أبي هريرة وقال حديث حسن غريب. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من هوان الدنيا على الله ألا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها". وروى الترمذي عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء" . وقال الشاعر :

      تسمع من الأيام إن كنت حازما   =      فإنك  منها  بين  ناه   وآمر 

      إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما  =     فات من شيء فليس  بضائر

       ولن تعدل الدنيا جناح بعوضة     =     ولا وزن زف من جناح  لطائر

       فما رضى الدنيا ثوابا لمؤمن     =       ولا  رضى الدنيا جزاء  لكافر

وقال ابن عباس : هذه حياة الكافر لأنه يزجيها في غرور وباطل ، وأما حياة المؤمن فتنطوي على أعمال صالحة ، فلا تكون لهوا ولا لعبا.

أنه إذا أحبها صيَّرَها غايته، وتوسل إليها بالأعمال التي جعلها الله، وسائل إليه، وإليه الدار الآخرة، فعكس الأمر، وقلب الحكمة .

أن محبتها تجعلها أكبر هم العبد؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ] رواه الترمذي.

 ومن أسباب سوء الخاتمة العدول عن الاستقامة: فالاستقامة على دين الله نعمة من الله ، ومن شُكْرٍ هذه النعمة الاعتراف بها باطنًا والتحدث بها ظاهرًا، والاجتهاد في الطاعة، ودعوة الناس على دين الله ـ عز وجل ـ، فمن ترك الاستقامة، فقد كفر هذه النعمة العظيمة، ومن ذاق طعم الإيمان، وعرف طريق الرحمن، ثم تنكبه، وأعرض عنه، واختار طرق الضلال عليه، وآثر الغي على الرشاد، والضلالة على الهدى، والفجور على التقى، فكان ذلك أعظم أسباب سوء الخاتمة.

ومن أسباب سوء الخاتمة تعلق القلب بغير الله: إذا تعلق القلب بغير الله محبةٍ، أو توكلاً، أو خوفًا، أو رجاءً فلا بد أن يشقى العبد،فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ…] رواه البخاري . فالقلب يشقى بإعراضه عن الله، وتلعقه بغيره؛ ولذا نهى الله أن يزداد حب العبد لابنه، وأبيه، وأخيه، وزوجته، وماله؛ فيكون أكثر من حبه لله، أو لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين(24) } التوبة. فقد حذر الله عباده ليستعدوا للموت قبل نزوله بالتوبة والعمل الصالح، قال تعالى:{ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَوَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَأَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (56)} الزمر,وقال الحسن اتق الله يا ابن آدم، لا يجتمع عليك خصلتان؛ سكرة الموت، وحسرة الفوت وقال بعض السلف: أصبحتم في أمنية ناس كثير؛ يعني أن الموتى يتمنون حياة ساعة ليتوبوا فيها ويجتهدوا في الطاعة ولا سبيل لهم إلى ذلك.

واما علامات سوء الخاتمة:فبعضهم يقع عند اشتداد المرض في التسخط، والاعتراض على قضاء الله، أو الجحود، والكفر بـ:' لا إله إلا الله': أو يصرح بأنه لا يستطيع أن ينطق بكلمة التوحيد، وأنه يحال بينه، وبينها، أو يتكلم بكلام يغضب الله، ومن أمثلة ذلك: ما ذكره ابن الجوزي قال : سمعت شخصًا يقول-وقد اشتد به الألم-: ربي يظلمني، وهذه حالة إن لم ينعم فيها بالتوفيق للثبات وإلا فالهلاك وهذا ما كان يقلقل سفيان الثوري فإنه كان يقول: أخاف أن يشتد على الأمر، فأسأل التخفيف، فلا أجاب، فأفتتن الثبات عند الممات، لابن الجوزي. ومن علامات سوء الخاتمة: أن يموت العبد على عمل يغضب الله؛ فيكون ذلك خزيًا له، وفضيحة في الدنيا، مع ما ينتظره في خزي الآخرة، وعذابها.

قال ابن القيم: والحكايات في هذا كثيرة جدًا، فمن كان مشغولاً بالله، وبذكره، ومحبته في حال حياته؛ وجد ذلك أحوج ما هو إليه، عند خروج روحه إلى الله، ومن كان مشغولاً بغيره في حال حياته، وصحته، فيعسر عليه اشتغاله بالله، وحضوره معه عند الموت، ما لم تدركه عناية ربه، ولأجل هذا، كان جديرًا بالعاقل أن يلزم قلبه، ولسانه ذكر الله حيثما كان؛ لأجل تلك اللحظة التي إن فاتت شقي شقاوة الأبد، فنسأل الله أن يعيننا على ذكره، وشكره، وحسن عبادته[طريق الهجريتين، .

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 - 2015

مفهوم “الكلب” في الاسلام

  قال تعالى  واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين, ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون .(177 الاعراف )

سبب النزول: نزلت هذه الآيات فيما يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد بن اسلم في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك الوقت وتمنى أن يكون هو ذلك الرسول فلما أرسل الله محمدا  حسده وكفر به بعد أن قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة (يس) حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه فتبعته قريش تقول ما تقول يا أمية فقال: أشهد أنه على حق قالوا: فهل تتبعه قال: حتى أنظر في أمره فخرج إلى الشام. وبعد أن مات أتت أخته الفارعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن وفاته فذكرت أنه أنشد عند موته :-

كل عيشٍ وإن تطـاول دهـرا = صائر مـرةً إلـى أن يـزولا

ليتني كنت قبل ما قد بدا لــي =في قلال الجبال أرعى الوعولا

إن يوم الحساب يوم عظيــم = شاب فيه الصغير يومـاً ثقيلا

ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنشديني من شعر أخيك فأنشدته :-

لك الحمد والنعماء والفضل ربنـا = ولا شيء اعلى منك جداً و أمجدِ

مليك على عرش السماء مهيمـن = لعزته تعنوا الوجوه وتســـجد

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أخاك آمن شعره وكفر قلبه.

   وقال سعيد بن المسيب نزلت في أبي عامر بن صيفي وكان يلبس المسوح في الجاهلية فكفر بالنبي، وذلك أنه دخل على النبي في المدينة فقال: يا محمد ما هذا الذي جئت به؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جئت بالحنفية دين ابراهيم قال: فإني عليها فقال النبي لست عليها لأنك أخلت فيها ما ليس منها فقال أبو عامر : أمات الله الكاذب منا طريداً وحيدا فقال النبي نعم أمات الله الكاذب منا كذلك, فخرج إلى الشام فمات كما وصف طريداً وحيداً.

تفسيــر الآيــة :

1-  واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا 

  يعني أن الحديث ليس عن أحمق بل هو حديث عن رجل آتاه الله العلم فتعلم وعلمه الحجج، فحاجج به العلماء وفهم الأدلة حتى صار عالماً يسأله الغير ويسافر إليه ويطلب العلم منه، فهو بحر في علمه، بل يكفيك أن تقول أن هذا الرأي لفلان أو قال به فلان فتحتجّ برأيه وقوله. فهذا خبره وخبر كل من كان على شاكلته، فهو حجة على نفسه لعلمه ولفهمه.

2-  فانسلخ منها 

  يعني بعد فهمه بدل أن تزيده تمسكاً والتصاقاً بها لعلمه بأنها آيات الله الخالق ويقينه بصحتها ولكنه انسلخ منها انسلاخ الجلد من الشاة, وحقيقة كشط الجلد وإزالته بالكلبة عن المسلوخ عنه, بل يقال لكل شيء فارق شيئاً على أتم وجه انسلخ منه.

  فالعلم المتحصل للعالم لا ينزع منه وإلا كان التعبير فانسلخت منه، ولكن آيات الله باقية بدلائل صحتها ولكنه انسلخ منها بأن كفر بها كالحية تبقي جلدها وتنسلخ منه. وبعمله هذا بعد أن فهم آيات الله لابد أن يصل إلى نتيجة بعد الفعل وهذه هي النتيجة , ولاحظ فاء الترتيب والتعقيب.

3-  فأتبعه الشيطان 

  أي لحقه وأدركه الشيطان وبعد أن لم يكن يستطيع إدراكه, يقال اتبعت القوم إذ سبقوك فلحقتهم، فكان المعنى أن هذا الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها كان بفعله هذا أسبق من الشيطان في الضلال والهوى، والشيطان يتبعه وهو للشيطان إمام وليس أبلغ من هذا الذم ذم. ونظيره قول الشاعر

وكنت امرىء من جند ابليس فارتقى = بي الدهر حتى صار ابليس من جندي

فإن مات قبلي كنت احسـن بعــده = طرائق فسق ليـس يحسنهـا بعـدي

(فكان من الغاوين) :فصار إماماً ورأساً للضلال والكفر بعد أن كان إماماً في الهداية.

يتبع

مفهوم “الكلب” في الاسلام (2)

4- -  ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه 

  أي أقام ظناً أنه خالد فيها فبعد إعراضه عن التمسك بما آتاه الله من الآيات انسلخ منها واتبع الهوى، فلا جرم أنه وقع في هاوية الردى بل صار يدعو بدعوة الشياطين لحلاوة الدنيا على لسانه وركونه لها، لما صار فيه من موقع مرموق بين الشياطين يخاف أن يفقده, نفهمه من معنى الإخلاد هو اللزم للمكان لما فيه من موافقة الأهواء والرغبات وإشباع الجوعات وخصوصاً جوعة الحكم.

  فمن كان هذا حاله صار في درجة الكلب, فكل من كانت نعم الله في حقه أكثر وأعرض عن متابعة الهدى وأقبل على مجاراة الهوى كان بعده من الله أعظم, وإليه الإشارة يقول الرسول  ( من ازداد علماً ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا ) أو لفظ هذا معناه .

5-  فمثله كمثل الكلب 

  وفيه مباحث :-

1- قال الليث : اللهث : هو أن الكلب إذا ناله الإعياء عند شدة العدو وعند شدة الحر يندلع لسانه . وهذا التمثيل ما وقع بكل الكلاب وإنما بالكلب اللاهث.

فإن أخسّ الحيوانات الكلب وأخسّ الكلاب هو اللاهث منها فكان التمثيل أنه من آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا وأخلد الأرض كان مشبهاً بأخس أخس الحيوانات وهذا وصفه.

2- أن كل من يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في الإعياء والعطش وفي الراحة والدعة، فكان ذلك طبع فيه وعادة وكذلك من آتاه الله العلم والدين أغناه الله عن التعرض لأوساخ أموال الناس، ثم يميل إلى طلب الدنيا ويلقي نفسه فيها ويبيع دينه بدنيا غيره كانت حاله كحال ذلك الكلب اللاهث حيث واظب على خسيس العمل .

3- إن الرجل العالم إذا توسل بعلمه طلب الدنيا وإظهار نفسه بأن يورد عليهم أنواع علومه وفضائل نفسه ومناقبها ويمدحه من هو مثله أو دونه من الشياطين ويغدقون عليه الألقاب والأوسمة والمناصب, فلا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات وتقرير تلك العبارات يندلع لسانه ويخرج لأجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز في الدنيا فكانت حاله شبيهة بحال ذلك الكلب اللاهث.

 وفي الحديث أن النبي  أنه قال ( العلم علمان علمٌ في القلب وفذلك العلم النافع وعلمٌ على السان فذلك حجة الله تعالى على ابن آدم ).

6-  إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث 

  قال ابن عباس يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، ثم جاءهم من لا يشكون بصدقه وأمانته، فجحدوا وصدق الله العظيم قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون  (33 الانعام).

  فحصل هذا التمثيل بينهم وبين الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث لأنهم لم يهتدوا لمّا تركوا ولم يهتدوا لما جاءهم الهدى فبقوا على الضلال في كل الأحوال مثل هذا الكلب اللاهث في كل الأحوال.

  وهذا شر تمثيل في أنه قد غلب عليه هواه حتى استحوذ عليه بالكلية وصدق الله العظيم  استحوذ عليهم الشيطان  (19 المجادلة) حتى صار لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فهو مملوك لهواه فهو كلب لاهث حمل عليه أو لم يحمل فهو لا يملك لنفسه ترك اللهثان.

7-  ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثل القوم الذين كذّبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون 

  يقول السيد قطب رحمه الله : فهل هو نبأ يتلى ؟؟ أم أنه مثل يضرب في صورة النبأ لأنه يقع كثيراً فهو من هذا الجانب خبر يروى.

  فهو يمثل حال الذين كذبوا بآيات الله بعد أن تبين لهم فيعرفونها ثم لا يستفيدون منها، وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر، ما أكثر الذين يعطون علم دين الله ثم لا يهدون. إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن موضعه واتباع الهوى به،  هواهم وهوى المتسلطين.

  وكم من عالم دين رأيناه يعلم حيقيقة دين الله ثم يزيغ عنها ويعلن غيرها ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة والفتاوى المطلوبة للسلطان يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعا .

  لقد رأينا من هؤلاء من يعلم ويقول: إن التشريع حق من حقوق الله سبحانه، من ادعاه فقد ادعى الألوهية ومن ادعى الألوهية فقد كفر ومع ذلك ومع علمه بهذه الحقيقة التي يعلمها من الدين بالضرورة فإنه يدعو للطواغيث اللذين يدّعون حق التشريع ويدّعون الألوهية بإدعاء هذا الحق.                            

يتبع

مفهوم “الكلب” في الاسلام (3)

  ولقد رأينا من هؤلاء من يكتب في تحريم الربا كله عاماً ثم يكتب في حله كذلك عاماً آخر، ورأينا منهم من يبارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس ويخلع على هذا الوصل وراء الدين .

  ولقد رأينا من هؤلاء- والعياذ بالله - في زماننا هذا من كان كأنما يحرص كل الحرص على ظلم نفسه, أو كمن يعض بالنواجذ على مكان له في قاع جهنم يخشى أن ينازعه إياه أحد المتسابقين معه في الحلبة فهو لا يبرح يقدم في كل صباح ما يثبت به مكانه هذا في جهنم, ولا يبرح يلهث وراء هذا المطمع لهاثاً لا ينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنيا على هذا الحال .

  أفلا يكون هذا العالم, مصداقاً لنبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين؟ وماذا سيكون هذا العالم إلا أن يكون هذا المسخ الذي يحكيه الله سبحانه وتعالى عن صاحب النبأ  ولو شئنا لرفعنا بها ولكن أخلد إلى الأرض فاتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث  ولو شاء الله لرفعه بما آتاه من العلم بآياته ولكنه- سبحانه- لم يشأ لأن ذلك الذي علم الآيات أخلد إلى الأرض واتبع هواه .

  إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله فلم ينتفع بهذا العلم. ولم يستقم على طريق الإيمان. وانسلخ من نعمة الله ليصبح تابعاً ذليلا، وينتهي به المطاف إلى المسخ في مرتبة الحيوان,

  وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتلوه على قومه الذين كانت تتنزل عليهم آياته. كي لا ينسلخوا منها وقد أوتوها. ثم ليبقى من بعده يتلى ليحذر الذين يعلمون من علم الله شيئا أن ينتهوا إلى هذه النهاية البائسة وأن يصيروا إلى هذا اللهاث الذي لا ينقطع. وأن لا يظلموا أنفسهم هذا الظلم الذي لا يظلمه عدو لعدو. فإنهم لا يظلمون إلا أنفسهم بهذه النهاية المنكرة .

  نعم إنه مثل للعلم الذي لا يعصم صاحبه أن تثقل به شهواته وأهواؤه فيخلد إلى الأرض من ثقلها .

  نعم إن الله قد طلب منا أن نتعلم لنعبده به حين قال  واتقوا الله ويعلمكم الله    (282 البقرة). فالعلم هو لعبادته سبحانه وتعالى, علم بني على أساس العقيدة وهي دافعه إلى الحركة لتحقيق مدلولها العملي بالالتزام بالأوامر والنواهي. ويكون هذا العلم ميزاناً للحق تنضبط به عقول الناس ومداركهم وتقاس به وتوزن اتجاهاتهم وحركاتهم فما قبله هذا الميزان صح وقبل وما رفضه هذا الميزان رفض.

  ولا يقبل العلم لأجل العلم بل العلم لأجل غاية محددة هي نيل رضوان الله عز وجل وعبادته كما أمر .

  روى مسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها ...؟؟ قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار . ورجل وسَّع الله عليه فأعطاه من أضعاف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه فالقي في النار ).

جواد عبد المحسن

حديث رمضان - 1

إن الجانب الاقتصادي في المبدأ الإسلامي ليس مفصولا او مفضولا عن غيره من الجوانب ومشاكله ليست مقدمة أو مؤخرة عن غيرها فنظام الحكم والنظام الاجتماعي والعلاقات الداخلية والخارجية وأحكام الأراضي وأحكام الفيء والغنائم والعبادات وغيرها كلها يشملها نظام واحد ومبدأ واحد، ولا يمكن تفصيل هذه الأمور وجعلها تابعة للجانب الاقتصادي فأي مشكلة تقع في جانب من جوانب الحياة المتعددة هي قضية إنسانية وبحاجة لحل وهذا الحل موجود في هذا المبدأ وصدق الله العظيم( ما فرطنا في الكتاب من شيء) ولا تحل بناءا على قاعدة اقتصادية مطلقا .

لقد مورست سياسة الترقيع منذ أن طُبّق أول قانون وظهور عواره عند الرأسماليين وغيرهم من الاشتراكيين ولم تنجح هذه السياسة لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء ففشلت ولم يجد نفعا لا الدعوة للعدالة الاجتماعية ولا دعوى الإصلاح في استمراره وان أطال في عمر هذا النظام لفساد فكرة العدالة الاجتماعية وفساد فكرة الإصلاح .

إن السياسة الاقتصادية التي يجب تطبيقها عمليا في هذا العصر لمعالجة المشاكل الاقتصادية هو وجود سياسة اقتصادية ثابتة تستند إلى المبدأ وتنبثق عنه , وأن ترسم هذه السياسة بحسبه , ولا ترسم السياسة الاقتصادية عبر رؤية معينة لواقع معين وزمن معين سرعان ما يتغير هذا الواقع فتتغير السياسة الاقتصادية تبعا لتغير هذا الواقع .

إن على الذين يتحدثون عن السياسة الاقتصادية الواجب رسمها لبلدهم أن يدركوا واقع البلد ,وما يجب أن يكون عليه بلدهم … فإن كان واقعه انه لا يعتنق فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة فإنهم مضطرون لرسم سياسة اقتصادية غير ثابتة , إذ إنهم لا يملكون فكرة كلية يستمدون منها السياسة الاقتصادية الثابتة , أما إن كان واقع بلدهم انه يعتنق فكرة كلية ولكنهم لا يباشرون شؤون حياتهم على أساس هذه الفكرة … فإنه لا يجوز لهذا البلد أن يرسم سياسة اقتصادية غير ثابتة لا تستند إلى ما اعتنقوه من هذه الفكرة الكلية … فإذا فعلوا فإنها لا تجدي ولا تعالج لان هذه السياسة الاقتصادية قد انبثقت عن فكرة كلية غير الفكرة الكلية التي يعتنقها أهل هذا البلد … لأنها متعذرة التطبيق إلا بالحديد والنار بل وتكون العواقب وخيمة … وهذا ما حصل ويحصل في بلاد المسلمين من إضاعة للثروة والجهد وتبديد لهما .

إن البلاد الإسلامية تعتنق فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة وهي العقيدة الإسلامية ولكنها لا تباشر شؤونها في معترك الحياة على أساسها … ولذلك لا يجديها رسم السياسة الاقتصادية غير الثابتة ولا يتأتى أن ترسم لها سياسة اقتصادية رأسمالية أو اشتراكية لأن كل منهما تنبثق عن فكرة كلية غير الفكرة الكلية التي تعتنقها الأمة … فيتحتم عليها أن ترسم لنفسها سياسة اقتصادية منبثقة عن الفكرة الكلية التي تعتنقها وهي العقيدة الإسلامية … يعني أنه لا بد أن تكون السياسة الاقتصادية للبلاد الإسلامية أحكاما شرعية مستنبطة من الكتاب والسنة أو مما أرشد إليه الكتاب والسنة من أدلة … وما عدا ذلك من السياسات الاقتصادية فهي سياسات فاسدة ولا يؤدي رسمها إلا إلى تزايد المشكلات الاقتصادية وغيرها والى إفقار الناس وإدامة التخبط والاضطراب .

إن سياسة الاقتصاد هي الهدف الذي ترمي إليه الأحكام التي تعالج تدبير شؤون الإنسان وسياسة الاقتصاد في الإسلام هي ضمان تحقيق الإشباع لجميع الحاجات الأساسية لكل فرد إشباعا كليا وتمكينه من إشباع الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع باعتباره يعيش في مجتمع معين له طراز خاص من العيش وينظر إليه في نفس الوقت باعتباره مرتبطا مع غيره بعلاقات معينة تسير تسييرا معينا حسب طراز خاص … فكانت سياسة الاقتصاد في الإسلام هي جعل القيم الرفيعة هي التي تسيطر على العلاقات القائمة بين الأفراد .

**جواد عبد المحسن

الخليل - فلسطين**


المراجع :

1- النظام الاقتصادي ? تقي الدين النبهاني .

2- السياسة الاقتصادية المثلى ? عبد الرحمن المالكي .

3- هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية ? هنري كيسنجر .

4- قصة الحضارة ? ول ديوارنت جـ 37 ، 38 ، 41 ، 42

5- الهيمنة أم البقاء ? نعوم تشومسكي

الطَّمْس

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً }النساء47

قال ابن اسحق: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن صوريا الأعور وكعب بن أسيد فقال لهم(يا معشر يهود اتقوا الله واسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق ) قالوا ما نعرف ذلك يا محمد وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر فانزل الله هذه الآية.

الطمس هو استئصال أثر الشيء في قوله تعالى{فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ }المرسلات8 وطمس الأثر محيه وإهلاكه في قوله تعالى {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} يونس88

واختلف العلماء في موضوع الطمس هل هو حقيقة أم مجاز فإن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز فقد أخذ جماعة بالحقيقة وجماعة بالمجاز , فهل الطمس هنا حقيقة فيجعل الله الوجه كالقفا أم مجاز…؟؟ وفيه قولان:-

  1. روي عن أبي بن كعب أنه قال( من قبل أن نطمس) يعني من قبل أن نضلكم إضلالا لا تهتدون بعده

  2. وقال قتادة معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء…أي يذهب بالأنف والشفاه والعينين والحواجب… وهذا معناه عند أهل اللغة .

وروي عن ابن عباس وعطية العوفي: من أن الطمس هو أن تزال العينان خاصة وتردّ في القفا فيكون ذلك رداً على الدبر ويمشي القهقرى

وقال مالك رحمه الله : كان أول إسلام كعب الأحبار أنه مرَّ برجل من الليل يقرأ الآية{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً }النساء47 فوضع كفيه على وجهه … ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه وقال( والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي)

وكذلك فعل عبد الله بن سلام لمّا نزلت وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبلغ أهله وقال( يا رسول الله ما كنت أدري أن أصِلَ إليك حتى يُحَوَّلَ وجهي إلى قفاي)

وقال المبرد … الوعيد باقٍ منتظر وقال لا بد من طمسٍ في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة.

إن القضية هي إدراك حق حين ظهور الدليل وحين ظهوره لا بد من إتباع الحق أو جحوده, فالأمر حين ظهر لكعب الأحبار ولعبد الله بن أبي كانت المسارعة في الاستجابة للحق دون تسويف أو تأخير ودون حسابات ربح وخسارة وقد كان التلقي تَلَّقٍ عقائدي أفرز عندهما أن هذا الأمر واقع, فالمسارعة لإتباع هذا الحق والخضوع إليه هي القضية الواجب إدراكها وهذا ما يمكن فهمه من قوله تعالى { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ }النساء 46

وأما الصورة الثانية لمن حصل عنده الدليل على صدق دعوة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فجحد واستكبر بناءً على هوىً اتبعه أو مصلحة قدَّمها ثم لم يكتف بذلك بل حارب هذه الدعوة وافترى وشكك وقد أخبر الله عنهم ذلك فقال {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ }الأنعام33

إن الفرق واضح بين الاستجابة بناء لوضوح الدليل وبين الاستجابة لظهور مصلحة , وهذا أيضاً كان دافعه تقديم الهوى على الحق, فلا بد من أن تكون الاستجابة للحق فقط حين ظهور الدليل المقنع المفحم, فإن الاستجابة المطلوبة هي(خضوع قلوب لا خضوع أعناق), فالله يريد أن يأتي الناس طواعية واختياراً ليثبتوا حبهم للخالق ويطيعوه فيما أمر وأن يتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم, ولو كانت القضية إخضاع أعناق كما أخبر ربنا { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}الشعراء 4

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرة في الهُدى والضلال

في قوله الحق{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }المائدة105

روى أبو داود والترمذي قال خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال إنكم تقرأون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده)

وروى أبو داود والترمذي عن أبي أمية الشَّعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخُشني فقلت له كيف تصنع بهذه الآية فقال أية آية قلت قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} قال أما والله لقد سألت عنها خبيراً سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال(بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر… حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك رأي العامة , فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر, للعامل فيهنَّ مثل أجر خمسين منا أو منهم قال بل أجر خمسين منكم)

وقيل لعبد الله بن عمر في بعض أوقات الفتن .... لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه .... فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا (ليُبلغ الشاهد الغائب ) ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل

وقال عبد الله بن المبارك : في قوله تعالى (عليكم أنفسكم) إنه خطاب لجميع المؤمنين أي عليكم أهل دينكم , فكأنه قال ليأمر بعضكم بعضا ولينه بعضكم بعضا فهو دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب

وأسند أبو محمد الدارهي حدثنا صدقة بن خالد عن جابر عن شيخ يكنّى أبا عمرو عن معاذ ابن جبل رضي الله عنه قال( سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت يقرأونه لا يجدون فيه شهوة ولا لذة يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب أعمالهم طمع لا يخالطه خوف…إن قصَّروا قالوا سنبلغ وإن أساؤؤا قالوا سَيُغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئا)

إن واجب كل عالم بحكم شرعي أن يظهره ولا يكتمه وأن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر في كل الأحوال وأنه عند مسيس الحاجة اليه فهو أوجب وأكد, فلا يقولن قائل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إلقاء للنفس في التهلكة وربنا نهانا فقال {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}البقرة195… والصمت أسلم

إن بيان الحكم الشرعي والتزام حده حين أصبح الضلال كأنه وجهة نظر له قانون الكفر يحميه وله الأتباع ينادون به ويدعون إليه هو ما نحن مخاطبون به في هذه الأيام بغض النظر عن مآلات الأفعال… إننا مخاطبون بالتزام أمر الله ونهيه وهذا ما سوف نحاسب عليه فلا تقول نخاف أن نفعل كذا وكذا حتى لا يحصل لنا كذا وكذا ولا نريد أن نظهر تمسكنا بأحكام ربنا لكي لا يقال عنا إننا متزمتون أو إننا إرهابيون أو متطرفون, فان هذا الأمر ومثله من الأمور ما هي إلا محاولة لإقناع النفس أو محاولة تبرير لعدم التقيد

إن لدعاة الحق أتباع ولدعاة الباطل أتباع لهم أوصاف يعرفون بها وأولها ما أخرج الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( الكبر سفه الحق وازدراء الناس) وفي رواية( فلا يراهم شيئا) وغمط الناس هو الطعن عليهم وازدرائهم, وفي الصحيحين عن حارثة بن وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال( ألا أخبركم بأهل الجنة…!!! كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره.. ألا أخبركم بأهل النار!!! كل عُتُلٍّ جواظٍ مستكبر)

وفي المسند عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال( أما أهل الجنة فكل ضعيف مستضعف أشعث ذو طمرين لو أقسم على الله لأبره , وأما أهل النار فكل جعظريٍّ جواظٍ جّماع مناعٍ ذي تبع)

إن الذين ينظرون إلى أنفسهم عبر مرآة مُكَبِّرة يرى نفسه أكبر من حجمها الطبيعي وهذا غروره بنفسه وهذا شأنه هو وأما نحن فلا ننظر إليه إلا عبر منظار ربنا عز وجل والتزامه بأمر الله ونهيه… فكونه ضخم عظيم وعليه كثير من الشحم واللحم وله هيبة وغني وبخيل وله أزلامه… وغير هذا فلا يخيفنا ولا يجوز أن تقع هيبته في قلوبنا فهمتنا أكبر من ذلك بكثير وكمن قال( أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم باله لو لم يسير إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم وأنجز له وعده فيكم)

إن نظرتنا للذين يظنون أنهم فوق الخلق وأن الله قد اصطفاهم بالفهم والمال والجاه دون غيرهم ما هي إلا نظرة الإسلام لهم ونُقََيَّمَهُم عبرها وهم كما وصفوا في الحديث الذي رواه البخاري عن سهل بن سعد قال( مرَّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا…؟؟؟ فقال… رجل من أشراف الناس..هذا والله حريٌّ إذا خطب أن يُنكح وإن شفع أن يُشَّفع وإن قال أن يسمع لقوله…قال فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم مَرَّ على رجل آخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيك في هذا …؟؟ قال يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حَرِيٌّ إذا خطب ألا يُنكح وإن شَفَعَ ألا يُشَّفع وإن قال ألا يُسمع لقوله… فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ها خير من مِلئ الأرض مثل هذا) فهذه همة وعزم كل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في كل زمن… وفي زمن التخاذل آكد.

ألأمَّة ألوَسَط

ان الامة الوسط التي جعلها الله قد خاضت معارك لا يمكن تخيلها حتى ضمن معطيات عصرها ولا يمكن تفسير هذا الا لان الله جعلها امة وسطا مؤيدة منه عز وجل وحبلها موصول بربها وقد حاولت ان اطرح بين ايديكم بعض هذه المعارك الفاصلة لاقول انها كلها لم تكن متناسبة العدد او مساوية له ومع ذلك انتصرت الانتصار الباهر المتميز فكان فيها الاسود والاحمر والاصفر والعربي والاعجمي.

ان أعظم معجزات التاريخ هي انتصار جيش قليل العدد على جيش أضخم عددا و عدة, و لكن المعجزة هي أن تتكرر هذه الانتصارات بشكل متكرر يلغي وجود المصادفة ويثبت توفر العنصر الأهم للنصر وهو التعلق بالله و معرفة الجيش أن النصر من عند الله و الأخذ بالأسباب المؤدية إلى النصر لهذه الامة الوسط بغض النظر عن جنسها او قوميتها لانها كلها صهرت في بوتقة العقيدة الاسلامية و قد قال الله تعالى عن انتصار المسلمين برغم قلة عددهم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) سورة الأنفال.

معركة بدر التاريخ :17 رمضان سنة 2هـ تعداد الجيش المسلم :314 مقاتل تعداد الجيش الكافر :1,000 مقاتل منهم 100 فارس.

غزوة مؤتة: تعداد الجيش المسلم :3000 مقاتل تعداد الجيش الرومي :200,000 (100,000 جيش الروم ، 100,000 العرب أنصار الروم).

معركة اليرموك: التاريخ : 13 هـ ? 636 م تعداد الجيش المسلم :40,000

تعداد الجيش البيزنطي : 240,000.

معركة نهاوند او فتح الفتوح:التاريخ :سنة 21 هـ (642 م)تعداد الجيش المسلم :30,000وتعداد الجيش الفارسي :150,000

معركة القادسية :التاريخ : شعبان 15 هـ / 16-19 نوفمبر 636م تعداد الجيش المسلم :30,000و تعداد الجيش الفارسي :200,000.

معركة وادي لكة اوسهل البرباط ، وقعت في 19 يوليو 711 م بين المسلمين بقيادة طارق بن زياد وجيش الملك القوطي الغربي رودريغو الذي يعرف في التاريخ الإسلامي باسم لذريق.التاريخ : 92 هـ ? 19 يوليو 711 تعداد الجيش المسلم : 12 ألف جُلُّهم من الرَّجَّآلة تعداد الجيش الكافر :100 ألف من الفرسان.

معركة ملاذ كرد: التاريخ :1071 م ? 463 هـ تعداد الجيش المسلم : أربعين ألف وتعداد الجيش الكافر : مائتي ألف مقاتل,وقعت بين المسلمين السلاجقة بقيادة ألب أرسلان و الجيش البيزنطي.

معركة حطين: التاريخ : يوم السبت 25 ربيع الثاني 583 هـ الموافق 4 يوليو 1187 م تعداد الجيش المسلم :25.000وتعداد الجيش الصليبي :63.000.

معركة الدونونية: التاريخ :م1276تعداد الجيش المسلم :المرينيين 5 آلاف

الغرناطيين 5 آلاف وتعداد الجيش الكافر :90 ألف , وقعت سنة 1276 م بين جيوش دولة المرينيون متحدة مع جيش محمد الفقيه ابن الأحمر والتي انتصرت على قوات الملك القشتالي ألفونسو العاشر. كان للمعركة تأثير كبير في تاريخ الأندلس الإسلامي، إذ أنها أوقفت زحف النصارى في الأراضي الإسلامية وقد أخرت سقوط مملكة غرناطة لمدة تزيد عن قرنين.

بسم الله الرحمن الرحيم

ألعلم ومفهوم " إقْرَأ "

تحية طيبة لكل الاخوة الكرام وابعث برسالة ود عبركم للاخ الكريم سيف الدين عابد وتعقيبا على ما تفضل به عن مفهومنا ل(اقرأ)

((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ))

عن عائشة أنها قالت فيما يرويه البخاري ( أول ما بدئ به الرسول صلى الله عليه و سلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح )

حتى جاءه الحق و هو في غار حراء فجاءه الملك فقال : اقرأ ، قال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني ثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال : اقرأ ، قلت ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (العلق:5)

إن الآيات الأولى التي نزلت من القرآن في الليلة المباركة قد أمرت بالقراءة مرتين و ذكرت العلم ثلاث مرات و قد توالت الآيات بعد ذلك في ذكر فضل العلم و التعليم و تمجيد العلماء ، و قد أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يلجأ إلى الله متضرعاً داعياً أن يزيده الله علماً (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)(طـه: من الآية114))

و العلم عند المسلمين في أمر الله بـ ( اقرأ ) هو من وسائل تثبيت الإيمان ؛ ذلك أن العلماء هم أشدّ الناس خشية لله في قوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )(فاطر: من الآية28) و لا يصل إلى ذروة الإيمان من بني آدم إلا العلماء ، فالله سبحانه و تعالى يقرنهم به و بملائكته في شهادة التوحيد و شهادة التوحيد هي ذروة سنام الإيمان فالقول ( أشهد أن لا اله إلا الله ) هي قمة الإيمان .

و هذه القمة لا يرقى إليها إلا العلماء و في قوله تعالى (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ)(آل عمران: من الآية18)

و هذه مقدمة لنظرة الإسلام للعلم في قوله تعالى ( اقرأ )

العلم و مكانته

قد يظن بعض الناس أن العلم الذي عناه القرآن إنما محصور بعلوم الشريعة فقط و هذا خطأ محض فإنه سبحانه و تعالى حينما ذكر أن العلماء هم الذين يخشون الله لم يحددهم داخل اطار العلم الديني فقط ، اقرأ معي قول الحق (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)(فاطر: من الآية28)

ثم إن الله سبحانه قد سخر لنا البحار و الأنهار و الجبال و الشمس و القمر و النجوم و هذا المن منه بالتسخير إنما من أجل أن نصل إلى السيطرة عليها باكتشاف القوانين التي وضعها الله بها حتى تكون الأمة الإسلامية بل الدولة الإسلامية أقوى الدول لأنها التي تحمل رسالة الله إلى البشرية جمعاء . و طلب هذه العلوم واجب على المسلمين وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على طلب العلم حين قال (من سلك طريق يبتغي فيه علما سهّل الله له طريقا الى الجنة ، و إن الملائكه لتضع اجنحتها لطالب العلم رضاً لما يصنع وان العالم ليستغفر له من في السمرات ومن في الارض حيتان في الماء ،و فضل العالم على العابد لفضل القمر على سائر الكواكب . و إن العلماء ورثة الانبياء . وان الانبياء لم يورثوا دينارا ولادرهما انما ورثوا العلم فمن أخذه أخذه بخط وافر) رواه أبو دواود و الترمذي

(بِاسْمِ رَبِّكَ) إن الاتجاه العلمي في الاسلام بدأ في صورة صريحه بـ(اقرأ) و لكن (اقرأ) في الاسلام مشروطه بشرط يوجبه الاسلام بل يحتمه و هي لسيت مطلقة و إنما شرطها و قيدها أن تكون ( باسم ربك ) و هنا تفترق الحضارة الإسلامية و تتميز عن غيرها من الحضارات بل و تفترق حياة المسلمين عن غيرهم و طراز عيشهم عن طراز عيش غيرهم ؛ و ذلك إن كل أمر من أمور المسلم يجب أن يكون داخلاً في اطار ( باسم ربك ) .

فطلب العلم و بواعثه يجب أن تكون ( باسم ربك ) و له أهداف و غايات يجب أن تكون في سبيل الله و الخطاب و اضح (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162)

و كلنا مأمور بأن يُسَيّر أعماله على نهج المصطفى صلى الله عليه و سلم حركة و سكوناً سلباً أو ايجاباً بل يكون مماتنا لله تعالى ، و باسم الله و في سبيل الله فالحياة في جميع مظاهرها يجب أن تكون قراءة ( باسم ربك) (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)(الزمر: من الآية3)) فكل ما لم يكن خالصاً لوجهه الكريم أو كل قراءة لم تكن قراءة باسمه فلا تُعدّ و لا تُعتبر ()لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)(الحج: من الآية37).

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) و نحن بصدد أول آية نزلت و قد و رد فيها ( ربك ) لبيان وجوب الطاعة عند من آمن ، فالقراءة يجب أن تكون باسم ( الربك ) و يجب أن تكون في الإيجاب و السلب و في الحركة و السكون و في النطق و الصمت و في اطار الأوامر و النواهي و الإستجابة و المطلقة حتى تروض نفسك لطاعته .

يتبع

فإذا قرأ الإنسان باسم ربه يعني إذا استجاب بمقتضى دخوله في عقد الإيمان ، و كيّف حياته كلها لتكون قراءة باسم ربه فقد أسلم ، و قد سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن معنى الإسلام فقال : ( أن تسلم لله و جهك ، و أن يسلم المسلمون من لسانك و يدك ) و المسلم إما صادق أو مزيف ؛ فالمسلم الصادق لا ينهل من منابع غير الهية في كل أمور حياته ؛ فلا يتخذ في العقيدة أو في الأخلاق أو في المعاملات أو في البيوع أو العقود إماماً غير إمامه المأمور بطاعته و صدق الله العظيم (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65)

فالقراءة باسم الرب الذي خلق هو طاعته فيما أمر و نهى ؛ إذ أنها هي الفيصل بين وضوح التوحيد و اللّبس الذي قد يحصل عند عدم وضوح هذه الحقيقة إذ أن كثيراً ما كان يجمع الناس بين الإقرار بالله بأنه هو الخالق الموجد من عدم ، و بين الإعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة ، فتداخل مفهوم انفصال الربوبية عن الألوهية .

فقد كان في السابق و قد عاد مع الأسف و لقد أخبرنا ربنا عزّ و جل عن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ)(الزمر: من الآية3) . فقد كانت عقائد الجاهلية تعجّ بالأرباب المختلفة بوصفها أرباباً صغاراً تقوم إلى جانب كبير الآلهة .

فالاستجابة للرب و تفرد الاستجابة له هو الفرادة الحقيقية المأمور بها المسلون حتى لا يتفرق كل ناعقٍ نحو ربٍ مختلف عن رب غيره ، فإفراده جل و علا بالربوبية و الالوهية و الاستجابة له بإقرار السيادة و الحاكمية له و حده حتى تكون القراءة باسمه و حده جل و علا و صدق الله العظيم (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (الزخرف:87) فالجواب عندهم الله …

فكيف يكون الجواب هو الله ثم حين الممارسة العملية يختلف الجواب و يميل كل صاحب هوى إلى هواه يتخذه رباً يعبده . و قد حرص الرسول المصطفى على أن ينهل المسلمون الصفاء و أول هذا القرآن حتى إنه في أول العهد لم يسمح بكتابة الأحاديث حتى لا تختلط به .

ثم إنه صلى الله عليه و سلم حرص على أن لا يلوث الدين الحنيف بغيره ، فقد روى المحدثون في ذلك أحاديث غاية في العمق منها ما رواه الإمام أحمد قال : حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشام أنبأنا خاله عن الشعبي عن جابر ( أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه و سلم بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي فغضب و قال ( المتهوكون (المشككون) فيها يا ابن الخطاب ..؟ و الذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه ، و الذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما و سعه إلا أن يتبعني ) و أحاديث كثيرة في هذا المجال .

و لقد انتهر الرسول صلى الله عليه و سلم عمر في شدّة لأنه أتى بصحف من التوراة و حاول أن يستسقي في العقيدة من منبع غير القرآن و السنة النبوية و سار المسلمون على هذا النسق من التفرقة بين الجانب المادي و الجانب العقائدي ، حتى أن عمر ابن العزيز استخار الله أربعين يوماً في ترجمة كتابٍ في الطب ثم شرح الله صدره لذلك عندما برزت حاجة المسلمين ثم بعد ذلك ترجمت كتب في الطب و الفلك و الكيمياء في عهد أبي جعفر المنصور ، و كان التفريق واضح من أنها علوم يجوز تعلمها لخدمة الإسلام والمسلمين و تبقى في دائرة ( اقرأ باسم ربك ) و هي علوم لا تُعَبر عن وجهة نظر أو حضارة و إنما هي علوم مجردة . و لا تعبر عن و جهة نظر .

ثم بدأ الإنحراف يغزو عقول الذين وصلوا لمرحلة الترف الفكري أو لم يعودوا يقرأوا ( باسم ربك ) و ذلك في بداية عصر المأمون الذي يؤرخ اللحظات الاولى لدبيب الضعف في هذه الامه عندما سمح بترجمة العقائد اليونانيه وطرق تفكيرها النابعه من وجهة نظرها.

وحصل الخلط بين ( اقرأ باسم ربك) و ( اقرأ ) فقط لمجرد القراءة وهذا ما أنتجته الفلسفة اليونانيه والفكر النظري في العقيده والاخلاق والانصراف الى ذلك والاشتغال به فما انتج إلا الفتور والتشكك والتخاذل في العزائم .

إن العقل عند المسلمين هو لفهم الخطاب وعبادة ربنا كما أمر و فهمنا لهذا الخطاب بواسطته .

أما جعل العقل حكماً على الاحكام الشرعيه أو تقديمه على الشرع فهو الانحراف الفكري إن لم أقل الانتكاس الفكري لوظيفة العقل

وما نراه اليوم من ترجمة لكتب تتحدث عن العقيده والاخلاص والخلق وطراز العيش فانه مخالف لشرعنا بل ومشكك في عقيدتنا وهذا لايجوز لنا فعله او المساعده على فعله .

فكتاب أصل الأنواع لداروين ، أو رأس المال لكارل ماركس ، أو الحضارة الإسلامية في القرن الرابع من وجهة نظر المستشرقين ، أو غيرها الكثير الكثير من قصص آنست همنجواي أو البرتومورافيا أو البيركامي أو سيمون ديبغوار ، كلها من نتاج حضارة كافرة لا يجوز لنا أن نتعب أنفسنا بقراءتها أو ترجمتها فضلاً عن أنها تجعل للكافر مدخلاً يدخل به علينا فكرياً، وهذا ما جناه الكافر حين زرع بذوره في أرضنا ؛ فقد أنتج لنا ساطع الحصري و طه حسين و نجيب محفوظ و يوسف السباعي و عباس العقاد و سلمان رشدي و نزار قبّاني و كلهم يحملون بذور الفكر و الحضارة الغربية و مُهدت لهم السُبل و المطابع و الصحف و الإذاعات و التلفزيون حتى لا يكاد يظهر غيرهم فهم الوجه الظاهر للأمة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم ( أمتي كالمطر لا يدرى أولها خير أم آخرها ) .

حديث رمضان ( 12 )

من أوراق جواد عبد المحسن الهشلمون

إعداد : جواد عبد المحسن الهشلمون

الطبعة الأولى

2014م - 1435 هـ

.www.sharabati.org

**الوقف واثره على المجتمع الاسامي

**

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…الاخوة الاعزاء …احب ان اطرح عليكم قضية مهمة كانت من القضايا التي يتميز فيها المجتمع المسلم وحاول الغاشم اخفاءها وهي(الوقف واثره على المجتمع الاسامي)وارجوا ان تعذروني لانني لم استطع اختصاره اكثر من ذلك.الوقف في اللغة هو الحبس والمنع، وقد عرف الوقف (اصطلاحا) بقولهم :“هو حبس مال يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه، على مصرف مباح”.والوقف نوعان: “وقف خيرى” يتعلق بالجانب الخيرى لصالح المسلمين عموما وهو ما ورد فيه الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له”. ويفصل معنى الصدقة الجارية ماورد في سنن ابن ماجة قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره أوولدًا صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته”.

أما النوع الآخر فهو “الوقف الأهلى(الذرى)” والذي يوقفه المرء لصالح ذريته من بعده للانتفاع بها وقد روى البيهقي من أن عدداً من الصحابة تصدقوا بدورهم ومساكنهم، وجعلوها وقفاً في سبيل الله أو على ذريتهم. ويكون الوقف باطلا غير مشروع إذا قصد به الواقف مضارة ورثته، كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم، لأن ذلك مما لم يأذن به الله سبحانه، بل إنه تعالى نهى عن الضرر والضرار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لاضر ولاضرار”.

و تستند مشروعية الوقف إلى الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فيدل على مشروعيته بعموم قوله تعالى { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}آل عمران92وقد بادر بعض الصحابة إلى التصدق بأحب أمواله إليه، عند نزول هذه الآية.وقد روى البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري، عن أنس بن مالك قال: "كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة نخلاً، وكان أحب أمواله إليه (بيرحاء)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قام أبو طلحة وقال يارسول الله إن الله يقول (لن تنالوا البر…)الآية، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يارسول الله حيث أراك الله، فقال صلى الله عليه وسلم: إجعلها (أي ريعها) في قرابتك.

وأول وقف خيري عرف في الإسلام هو وقف سبع بساتين بالمدينة، كانت لرجل يهودي اسمه مخيريق، أوصى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين عزم على القتال مع المسلمين في غزوة أحد، قال في وصيته: "إن أصبت ـ أي قتلت، فأموالي لمحمد ـ يضعها حيث أراه الله، فقتل، وحاز النبي صلى الله عليه وسلم تلك البساتين السبعة، فتصدق بها أي حبسها, ومضى الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وعملوا بما حث عليه من الإكثار من الصدقة والإنفاق مما يحبون، وسجلوا أروع الأمثلة في التطوع بأحب أموالهم إليهم.

ومن تلك الأمثلة وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقيل هو ثاني وقف في الإسلام، ففي الحديث أنه أصاب أرضاً بخيبر، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله: أصبت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس منه، فبم تأمرني؟ فقال: “إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها”. فتصدق بها عمر على ألا تباع ولا توهب ولا تورث، وتكون (أي منافعها وثمارها) في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، ولاجناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول. ثم تتابعت الأوقاف بعد ذلك في أوجه البر والخير,فقد ادرك المسلمون كنه الحياة الدنيا وانها تفضي لما بعدها فعاشوا الآخرة في الدنيا وادركوا عمليا ان الباقيات الصالحات هي خير وابقى,وانعكس هذا الامر على علاقتهم مع مالهم فجعلوا منه مركبا موصلا الى الأخرة بل ومستمرا يدر عليهم الاجر فوقفوه على اوجه الخير الشامل للمسلمين في مجتمعهم فانهم حين قرأوا قول الحق{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}قرأوا ما قبله فادركوا معناه كاملا(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)آل عمران.

ونظام «الوقف» هوميزة تميز بها المجتمع المسلم فلم تكن موجودة وما عرفها احد او فعلها قبل المسلمين للتقرب إلى الله تعالى ,فنسيج المجتمع المسلم تاتي قوته من خلال مشاركة افراده في بناء لبناته بناء قويا ومستمرا ومستديما يستغرق الجيل الحالي والاجيال القادمة,وياتي تشابه الاوقاف وارض الخراج من ناحية استغراق منفعتها الحاضر والمستقبل وتصرف براي الخليفة ونظره, على خلاف الاوقاف فانها تحبس لتصرف على الوجه الذي اوقفها صاحبها عليها,وليس للخليفة سلطان عليها الا للتنظيم او لوجود مخالفة شرعية, ويظهر الفرق بين الارض الخراجية والارض العشرية في التصرفات في موضوع الوقف فتنفصل الرقبة عن المنفعة هنا لان التصرف يكون في الرقبة، ولذلك لا يصح وقف الارض الخراجية .

وفي العصر الأموي حدث تطور كبير في إدارة الأوقاف، فبعد أن كان الواقفون يقومون بأنفسهم على أوقافهم ويشرفون على رعايتها وإدارتها، قامت الدولة الأموية بإنشاء هيئات خاصة للإشراف عليها، وأحداث ديوان مستقل لتسجيلها.

يتبع

الوقف واثره على المجتمع الاسامي (2)
وفي عهد العباسيين أصبحت للأوقاف إدارة خاصة مستقلة عن القضاء، يقوم عليها رئيس يسمى “صدر الوقوف” وواكب هذا التطور الإداري جهد علمي مفيد، لضبط أحكام الوقف وطرق التصرف فيه ولحماية أملاكه من الضياع، فخصه الفقهاء بمؤلفات خاصة، وأفردوا له فصولا واسعة في مدونات الفقــه الكبرى. وهذا التطور والتوسع في العناية بالأوقاف أدى إلى قيام الوقف بدور كبير في التنمية المجتمعية وسد الخلل الناتج عن خطوب الدهر وتقلب الاحوال اونزول جائحة, حتى لا يشغل المسلم عارض يلهيه او يدفعه لمعصية,وابقاء التجانس والتعاضد في المجتمع المسلم وعدم احتياجه لغيره لا استدانة ولا صدقة ولا منحة فمجتمع خير امة اخرجت للناس لا يليق به ان يكون محل صدقة اواحتياج من أي احد كان دولة او منظمة دولية اجنبية.
وقد اقتبس الغربيون هذه الفكرة ونقلوها عن الدولة العثمانية في القرن التاسع عشرحين ظهر تغول الراسمالية وظهر عوارها بتفتت مجتمعهم وتحلله بطغيان المادية عليه فكانت هذه الفكرة محاولة لاخفاء عوار مبداهم ,فنشات الجمعيات التي تعنى بالفقراء ودور الايواء وأطلق عليها الغربيون لاحقا اسم"منظمات المجتمع المدنى"او المنظمات غير الحكومية والتي -ومن المفارقه - استوردنا مصطلحها منهم في القرن العشرين بعد أن همشنا دور الاوقاف ومحوناه من عندنا.
ان من المسلم به أن نظام الوقف الإسلامي ظل يمثل على مدى ثلاثة عشر قرناً صورة من أروع صور التعاضد في المجتمع المسلم وينبوعاً فياضاً من ينابيع الخير حتى آلت حال الأوقاف في العصور الأخيرة من عصور الدولة العثمانية إلى التدهور والجمود والإهمال والمحاربة، وتعرضت ممتلكاتها بسبب ذلك، إلى الانهيار والخراب، خصوصا بعد دخول البلاد الإسلامية مرحلة الاستعمار الأوروبى وخصوصا الفرنسي الذي أدرك أن أهم المؤسسات التي تدعم الطبقـــة المتعلمة الواعية في وقوفها في وجه سياسة الاستعمار وخططه هي المؤسسات التي تعتمد على الوقف كالمساجد والمدارس والزوايا والأربطة. لهذا عمد المستعمر إلى التدخل المباشر في شؤون الوقف ومؤسساته، تحت ستار إصلاح إدارتها وتحديث أنظمتها، وكان هدفه الحقيقي هو الحد من الدور الإيجابي للوقف ومؤسساته، خاصة في تنشيط الوعي الديني ومحاربة المستعمر ، ودخلت البلاد الإسلامية عهداً جديداً من التطور السياسي والاجتماعي تمثل في نشوء نظام الدولة الوطنية الحديثة على النمط الغربي.وكانت تركيا أول دولة إسلامية تقوم بإلغاء النظام القديم للأوقاف ووضع ممتلكاته تحت الإدارة الحكومية الرسمية، وذلك عقب الغاء نظام الخلافة الإسلامية مباشرة، وقد صدرت قوانين إلغاء الوقف الأهلي(الذري) في عدد من الأقطار الإسلامية الأخرى، ففي لبنان صدرت سنة 1947، وفي سوريا 1947م، ومصر 1952م، وفي العراق 1954م، وفي المغرب 1977م وفي الاردن1958ودمجت مدخولات الاوقاف بالميزانية العامة للدولة ضمن قانون الوعظ والارشاد . وتسربت ممتلكات الوقف بنوعيه الأهلي والخيري لجيوب البعض باسلوب الخصخصة او التاميم اوغيرها من الشعارات، و صمت العلماء والمفكرون عن الحديث عنه اوالبحث في أبعاده وقضاياه وبعد عن الاذهان حتى اصبح مع الاسف من الاحكام الشرعية الكثيرة المغيبة.
لقد كان للوقف أبعاد دينية واجتماعية واقتصادية وثقافية وإنسانية غطت أنشطتها سائر أوجه الحياة الاجتماعية وامتدت لتشمل المساجد والمرافق التابعة لها والدعوة والجهاد في سبيل الله، والمدارس ودور العلم والمكتبات، والمؤسسات الخيرية، وكفالة الضعفاء والفقراء والمساكين والأرامل، والمؤسسات الصحية.
وكذلك الوقف للجهاد في سبيل الله ويؤكد مشروعيته ما روى أن خالد بن الوليد حبس دروعه وأكراعه في سبيل الله. وتأهيل المجاهدين,وإعداد العدة اللازمة من سلاح وطعام,وصناعة الأسلحة,وفك أسرى المسلمين من أيدي الأعداءوقد سجل تاريخ الإسلام أوقافاً كانت مخصصة لهذا الغرض، ولعل أشهرها وقف صلاح الدين الأيوبي الذي كان ببلده بلبيس.
وبفضل ما تدره الأوقاف من أموال سخية في هذا المجال، قاومت الأمة الإسلامية أعداءها على مر العصور، وصدت جيوش الاستعمار في العصر الحديث، ولم ينجح المستعمر في اختراق حدودها إلا بعد أن ضعفت مؤسسة الوقف وتقلص دورها في حياة المسلمين.
وكذلك الوقف للانفاق في المواسم الدينية فانها تعتبر شعائر تعبدية، فضّلها الله تعالى على غيرها وأمر بإحيائها ومن هذه المواسم شهر رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى ويوم عاشوراء,وحرصاً على إقامة هذه الشعائر أقام المسلمون أوقافاً خاصة بها وشرطوا أن تخصص لإحيائها وأن يصرف ريعها على المحتاجين للتفريج عنهم وإدخال السرور عليهم,وهناك وثائق نصت على أن يصرف من ريع الوقف كل سنة في يوم عاشوراء في شكل إعانات ومواد غذائية، توزع على طلبة العلم والأيتام والفقراء والمساكين,وفي كل يوم من أيام رمضان على الفقراء والمساكين وطلاب العلم..ومولت الأوقاف موائد الإفطار والسحور للصائمين من الفقراء والغرباء، ووضعت بذلك الأساس لِسُنَّةٍ حسنة لا تزال حية في بعض البلاد الإسلامية ,وفي عيد الأضحى تذبح النعام وتوزع لحومها.
ومن منافع ذلك النوع من أنواع الأوقاف انها تدخل السرور على قلب المرء المحتاج لقول النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ( إن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم إشباع جوعته وتنفيس كربته) جامع الجوامع للسيوطي.
والوقف على المدارس فقد عرف تاريخ الاسلام إيقاف أموال المسلمين على التعليم وبناء المدارس. ولدينا العديد من الأمثلة على عظمة ورقى المسلمين في هذا الصدد ومن امثلة ذلك ما روى الرحالة الشهير ابن جبير: أنه شاهد في بغداد نحو ثلاثين مدرسة،كل واحدة منها في قصر وبناية كبيرة… أشهرها وأكبرها “المدرسة النظامية”. ولهذه المدارس أوقاف وعقارات للإنفاق عليها وعلى العلماء والدارسين فيها، وكان وقف “نظامية بغداد” خمسة عشر ألف دينار شهرياً، وتخرج منها أكابر العلماء,و تحدث ابن جبير عما شاهده من هذه المدارس في القاهرة ودمشق وغيرها بأنه تأسست المدارس الموقوفة الخاصة بأبناء الفقراء والأيتام واللقطاء.
يتبع

الوقف واثره على المجتمع الاسامي (3)
ويعطي ابن خلدون أمثلة على ما كان في بغداد وقرطبة والكوفة والبصرة والقيروان وفاس من مراكز علمية، ويتحدث عما شاهده في القاهرة من التطور العلمي وازدهار المدارس,ويذكر التاريخ فضل صلاح الدين الأيوبي في إنشاء المدارس العلمية في جميع المدن التي كانت تحت سلطانه، في مصر ودمشق والموصل وبيت المقدس.
والوقف على المكتبات كذلك فقد انتشرت المكتبات التي أوقفها المسلمون في جميع بلاد المسلمين في بغداد ومصر والشام والأندلس والمغرب على مَرِّ التاريخ,وهناك أمثله عديدة توضح المستوى الذي كانت عليه تلك المكتبات: (أ)حوت المكتبة التي أوقفها ابن مليس الوزير الفاطمي على غرف عديدة للمطالعة، وقاعات خاصة للمحاضرات والمناظرات، وقاعة خاصة لتوجيه الباحثين والناشئين. وأعطيت من ريع وقفها مرتبات لطلبة العلم والعلماء والقائمين عليها. (ب)يقال أن المكتبة التي أوقفها بنو عَمَّار في طرابلس الشام، كانت آية في السعة والضخامة، وإنها اشتملت على مليون كتاب. (ج)يصف لنا ابن جبير عن المكتبات التي أوقفها المسلمون في مصر فيقول: “ومن مناقب هذا البلد (أي مصر)، ومفاخره أن الأماكن في هذه المكتبات قد خصصت لأهل العلم فيهم، فهم يفدون من أقطار نائية فيلقى كل واحد منهم مأوى يأوي إليه ومالاً يصلح به أحواله. وبلغ من عناية السلطان بهؤلاء الذين يفدون للاستفادة العلمية، أن أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها، وخصص لهم مستشفى لعلاج من مرض منهم، وخصص لهم أطباء يزورونهم وهم في مجالسهم العلمية، وخصص لهم الخدم لقضاء حاجاتهم.”
والوقف في المجال الصحي بلغ من عناية المسلمين بالرعاية الصحية وتطوير خدماتها، أن خصصت أوقافا وقفت على رعاية المرضى جميعا دون تمييز بين فقير وغنى والخدمات الصحية التي تقدمها هذه المراكز الطبية، من علاج وعمليات وأدوية وطعام، كانت مجاناً بفضل الأوقاف التي كان المسلمون يرصدونها لهذه الأغراض الإنسانية، إذ كانت الرعاية الصحية في سائر البلاد الإسلامية إلى وقت قريب من أعمال البر والخير، ولم تكن هناك وزارات للصحة العمومية كما في العصر الحاضر.
وكان للأوقاف أثر حميد في النهوض بعلوم الطب، لأن دور المستشفيات التي ينفق عليها من الأوقاف لم يقتصر على تقديم العلاج، وإنما تعدى ذلك ذلك إلى تدريس علم الطب، فكانت تخصص قاعات داخل المستشفيات الكبيرة للدروس والمحاضرات.
ونسرد بعض الأمثلة لبيان مستوى تلك الخدمات الطبية (أ)كان أول مستشفى كبير في تاريخ الحضارة الإسلامية هو “البيمارستان” الذي أمر ببنائه هارون الرشيد ببغداد. ثم توالت بناء المستشفيات حسب نظام الوقف حتى أصبح ببغداد وحدها في مطلع القرن الرابع الهجرى خمسة مستشفيات. (ب)وصل الأمر إلى بناء أحياء طبية متكاملة: فقد تحدث ابن جبير في رحلته: أنه وجد ببغداد حياً كاملاًً من أحيائها يشبه المدينة الصغيرة، كان يسمى بسوق المارستان، يتوسطه قصر فخم جميل وتحيط به الغياض والرياض والمقاصير والبيوت المتعددة، وكلها أوقاف وقفت على المرضى، وكان يؤمه الأطباء والصيادلة وطلبة الطب، إذ كانت النفقات جارية عليهم من الأموال الوقفية المنتشرة ببغداد. (ج)تحدثت كتب التاريخ عن المستشفيات التي أنشئت في مصر بفضل أموال الوقف: مثل:مستشفى أنشأه الفتح بن خافان ومستشفى أمير مصر أحمد بن طولون والمستشفى التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي. وتحدث المؤرخون والرحالة عن المستشفى التي أنشأه الملك قلاوون بمصر، وجعله وقفاً لعلاج مرضى المسلمين، قال عنه ابن بطوطة إنه يعجز الوصف عن محاسنه، وقد أعد فيه من الأدوية والمرافق الخدمية ما لايحصى. (د)وكثرت المنشآت الصحية بمدن الأندلس حتى ان مدينة قرطبة وحدها كان بها خمسون مستشفى، أوقفها الخلفاء والأمراء والموسرون. وكذلك الحال في المغرب الأقصى حيث انتشرت المستشفيات في أهم المدن وتحدث عنها المؤرخون بإسهاب، ومن أهمها مستشفى سيدي فرج بفاس التي خصص جزءا منها لعلاج طير اللقلاق، وجزءا خصص للموسيقيين الذين يزورون المرضى مرة كل أسبوع للترفيه عنهم
والرعاية الاجتماعية كذلك فقد تعددت أنواع الوقف في هذا المجال عبر التاريخ الإسلامي فهناك أوقاف للّقطاء واليتامى لإيوائهم ورعايتهم وختانهم وأوقاف مخصصة لرعاية المقعدين والعميان والشيوخ والعجزة، وأوقاف لإمدادهم بمن يقودهم ويخدمهم,وأوقاف لتزويج الشباب والفتيات ممن تضيق أيديهم وأيدي أوليائهم عن نفقاتهم، وفي بعض المدن دور خاصة حبست على الفقراء لإقامة أعراسهم.
وأوقاف لإمداد الأمهات المرضعات بالحليب والسكر، ويذكر المؤرخون بإعجاب شديد أن من محاسن صلاح الدين الأيوبي أنه جعل في أحد أبواب القلعة بدمشق ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزابا يسيل منه الماء المحلى بالسكر، تأتي إليهما الأمهات في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.
وأوقاف لإنشاء دور للضيافة والاستراحة (الخانات)وأوقاف لقضاء الديون عن المعسرين، وأوقاف للقرض الحسن، وأوقاف لتوفير البذور الزراعية، ولشق الأنهار وحفر الآبار.
ومن أهم المنشآت الاجتماعية التي نشأت في المجتمعات الإسلامية، بفضل الاهتمام بالوقف، أسبلة المياه الصالحة للشرب(السقايات) وكان من تقاليد الوقف أن تلحق الأسبلة بالمساجد، وغالباً ما تكون وسط المدينة أو على طرق القوافل، لتكون في متناول الجميع. وشاع الوقف لهذا الوجه من البِرِّ في سائر أنحاء العالم الإسلامي، لعظيم فضلها وثوابها ومنها ما يزال قائما.
وهناك أوقاف مشهورة في التاريخ لتزويد مكة المكرمة بالماء الطاهر الطيب، أشهرها وقف السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد، وما زال يعرف بعين زبيدة. المراجع تحرير نظام الوقف الإسلامي ونظام الوقف الإسلامي.

كلمةُ حقٍ عند سلطان جائر

عَنَدَ الرَّجُلُ : خَالَفَ الْحَقَّ وَهُوَ عَارِفٌ بِهِ,عَنَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ : تَبَاعَدَ عَنْهُمْ, عَنَدَ عَنِ الطَّرِيقِ : مَالَ عَنْهُ وَعَدَلَ, عَنَدَ العِرْقُ أَو الجُرْحُ : سال دمُه ولم يجفّ, عَنَدَ فلانٌ : استكبر وتجاوز الحدَّ في العصيان.

عنَدَ: عنَد الشَّخصُ:خالف الحقَّ وردّه وهو عارفٌ به هو عنيد في خصومته حتى النهاية ،في قوله تعالى { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ }15 ابراهيم, يعني عتا وطغى وتجاوز الحَدَّ في المعارضة لا يمكن التَّفاهم معه لأنّه يعنِد.

عنَد عن القصد أو الطريق : مال وعدل عنه عنَد عن أصحابه : تركهم في سفر وأخذ في غير طريقهم.

اِسْمٌ لِمَكَانِ الْحُضُورِ دَخَلْتُ عِنْدَ صَاحِبِي { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ }

ظَرْفٌ لِزَمَانِ الحُضُورِ : وَصَلَ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ

بِمَعْنَى لَدَى : (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) النحل آية 96.

وتَأْتِي بِمَعْنَى الظَّنِّ وَالْحُكْمِ : هَذَا عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا,وتعني الْمِلْكِيَّةُ وَتَأْتِي مَجَازاً : عِنْدَ الْحَاجَةِ عِنْدَ الاقْتِضَاءِ, عِنْدَهُ عِلْمٌ كَمَا تَلْحَقُ بِهَا مُخْتَلِفُ الضَّمَائِرِ : عِنْدِي,عندهم ,عندنا…وهكذا, كان عند حُسْن الظَّنِّ به : تصرَّف حَسَنًا كما كان متوقَّعًا منه.

ان للسلطان بطانتان بطانة السوء وبطانة الخير بطانة السوء تنظر ماذا يريد السلطان ثم تزينه له وتقول هذا هو الحق هذا هو الطيب ولو كان من أجور ما يكون تفعل ذلك مداهنة للسلاطين وطلبا للدنيا, أما بطانة الحق فإنها تنظر ما يرضى الله ورسوله وتدل الحاكم عليه, هذه هي البطانة فتوصف الحسنة او بالبطانة السيئة,لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ما بعث الله من نبى ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصمه الله) (رواه أحمد ، والبخارى ، والنسائى ، وابن خزيمة ، وابن حبان عن أبى سعيد).

ان كلمة الباطل عند سلطان جائر هذه ضد الجهاد, وكلمة الباطل عند سلطان جائر تكن بأن ينظر المتكلم ماذا يريد السلطان فيتكلم به عنده ويزينه له وقول كلمة الحق عند سلطان جائر من أعظم الجهاد ,فقد روى طارق بن شهاب - رضي الله عنه - أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد وضَعَ رِجْلَهُ في الغَرْزِ : أيُّ الجهادِ أفضلُ ؟ قال : «كلمةُ حقٍ عند سلطان جائر». أخرجه النسائي. وقال عند سلطان جائر لأن السلطان العادل كلمة الحق عنده لا تضر قائلها لأنه يقبل, أما الجائر فقد ينتقم من صاحبها ويؤذيه فالآن عندنا أربع أحوال:

1 - كلمة حق عند سلطان عادل وهذه سهلة: قال سفيان الثوري: لما حج المهدي قال: لا بد لي من سفيان، فوضعوا لي الرصد حول البيت ، فأخذوني بالليل. فلما مثلت بين يديه قال لي: لأي شيء لا تأتينا فنستـشيرك في أمرنا؟ فما أمرتنا من شيء صرنا اليه وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه. فقلت له : كم انفقت في سفرك هذا؟ قال: لا أدري، لي أمناء ووكلاء. قلت: فما عذرك غدا اذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حج قال لغلامه كم أنفقت في سفرنا هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر دينارا. فقال: ويحك اجحفنا بيت مال المسلمين وقد علمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رب متخوض في مال الله ومال رسوله فيما شاءت نفسه، له النار غدا.( و رب متخوض في مال الله و مال رسول الله له النار يوم القيامة ) رواه البخاري في الصحيح عن معاذ بن فضالة غير انه قال : فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين و اليتيم و ابن السبيل و قال : شهيدا بدل قوله حسرة و لم يذكر ما بعده

فقال أبو عبيد الكاتب: أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا؟ فأجابه سفيان: اسكت، انما اهلك فرعون: هامان أي انت وأمثالك من بطانة السوء.

2 - كلمة باطل عند سلطان عادل وهذه خطيرة لأنك قد تفتن السلطان العادل بكلمتك بما تزينه له من الزخارف

3 - كلمة الحق عند سلطان جائر وهذه أفضل الجهاد

4 - كلمة باطل عند سلطان جائر وهذه أقبح ما يكون فهذه أقسام أربعة لكن أفضلها كلمة الحق عند السلطان الجائر نسأل الله أن يجعلنا ممن يقول الحق ظاهرا وباطنا على نفسه وعلى غيره قال العلامة المحدث عبد المحسن العباد في شرحه على سنن أبي داود رحمه الله : قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن عبادة الواسطي حدثنا يزيد -يعني ابن هارون - أخبرنا إسرائيل حدثنا محمد بن جحادة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر) ]. أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر أو أمير جائر)، وذلك أن الجهاد فيه احتمال السلامة واحتمال الهلاك؛ لأنه يقتل، وقد ينتصر ويغلب، ويحصل الغنيمة والأجر والثواب من الله عز وجل، وأما السلطان الجائر فهو قاهر لمن بين يديه، فيبطش به، ويؤدي ذلك إلى هلاكه، ويكون هلاكه أقرب من هلاك من يجاهد في سبيل الله، فمن أجل ذلك كانت الكلمة التي تقال عنده بهذه المنزلة، والمقصود من ذلك: أنه عندما يقول كلاماً باطلاً في مجلسه لا يسكت عليه، وإنما يبين أن الحق هو كذا، ولا يقر الباطل ويسكت عليه، وإنما يبين الحق وأنه خلاف ما يقول، وأن الذي قاله ليس بصحيح وإنما الصحيح هو كذا وكذا، لأن هذا هو الذي جاء عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، فكونه يكون عند سلطان جائر معناه: أنه يكون عرضة للهلاك، لاسيما إذا كان ذلك الجائر معروفاً بإزهاق النفوس وإتلافها بأي سبب من الأسباب ولو كان أمراً يسيراً.

جواد عبد المحسن

حديث رمضان 13 / 2015