**هذا بشكل عام ويستثنى من ذلك إذا كان قاضي المظالم ينظر في قضية مرفوعة ضد الخليفة أو أحد وزرائه أو قاضي قضاته ((إذا كان الخليفة قد جعل له صلاحية تعيين وعزل قاضي المظالم)) وذلك لأنَّ بقاء صلاحية العزل بيد الخليفة في هذه الحالة سيؤثر في حكم قاضي المظالم, وبالتالي يحدُّ من قدرته على عزل الخليفة أو أحد أعوانه مثلاً, وتكون صلاحية العزل هذه وسيلة إلى الحرام, أي أنَّ صلاحية عزل قاضي المظالم بيد الخليفة في هذه الحالة حرام, وأما باقي الحالات فإنَّ الحكم باق على أصله أي أنَّ صلاحية عزل قاضي المظالم هي للخليفة كتوليته سواء بسواء.
صلاحيات قضاء المظالم
تملك محكمة المظالم صلاحية النظر في أية مظلمة من المظالم سواء أكانت متعلقة بأشخاص من جهاز الدولة أم متعلقة بمخالفة الخليفة لأحكام الشرع أم بمعنى نص من نصوص التشريع في الدستور والقانون وسائر الأحكام الشرعية ضمن تبني الخليفة, أم متعلقة بفرض ضريبة من الضرائب أم غير ذلك.
ولا يشترط في قضاء هذه المظالم وأمثالها مجلس قضاء, ولا دعوة المدَّعى عليه, ولا وجود مدَّع, بل لها حق النظر في المظلمة ولم يدَّع بها أحد.
هذا وإن وجود مبان ضخمة للمحاكم عامة, ولمحكمة المظالم خاصة تظهر هيبة الدولة وعزتها من المباحات أصلاً, ويصبح هذا المباح واجباً إذا لم تستطع الدولة رعاية شؤون المسلمين إلاَّ به أخذاً بالقاعدة الأصولية: (( إنَّ ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب)).
تعدُّ العقود والمعاملات والأقضية التي أبرمت قبل قيام دولة الخلافة صحيحة بين أطرافها حتى انتهاء تنفيذها قبل الخلافة, ولا ينقضها قضاء الخلافة, ولا يحركها من جديد, وكذلك لا تقبل الدعاوى حولها من جديد بعد قيام الخلافة, يستثنى من ذلك حالتان:
-
إذا كان للقضية التي أبرمت وانتهى تنفيذها أثرٌ مستمرٌ يخالف الإسلام, مثل الربا, فما بقي من الربا فهو موضوع. ومثل زواج مسلمة من ذمي يفسخ العقد, ويفرَّق بينها وبينه.
-
إذا كانت القضية تتعلق بمن آذى الإسلام والمسلمين لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم عندما فتح مكة المكرمة أهدر دم بضعة نفر من المشركين كانوا يؤذون الإسلام والمسلمين في الجاهلية, فأهدر دمهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة, علماً بأنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام يجب ما قبله». رواه أحمد والطبراني عن عمرو بن العاص. أي أنَّ من آذى الإسلام والمسلمين مستثنى من هذا الحديث.
من أمجاد القضاء في الإسلام
-
عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه ينصف القبطي من محمد بن عمرو بن العاص عندما ضربه وقال له: ((خذها وأنا ابن الأكرمين!)) في سباق الخيل بمصر, فاقتص منه عمر بالدرَّة, والصحابة يشهدون, وعمر يقول للقبطي: ((اضرب ابن الأكرمين!)) ثمَّ قال: ((أجلها ـ أي الدرَّة ـ على صلعة عمرو؛ فإنما ظلمك بسلطان أبيه!)) ثمَّ قال عمر قولته المشهورة: (( يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً!)).
-
القاضي شريح يقضي ليهودي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه, في درع لعلي وجدها اليهودي, ولا بينة لعلي, ولكن القاضي يكنِّي علياً, وينادي علياً باسمه فيقول: (( قف يا أبا الحسن بجوار خصمك!)) فيعترض أمير المؤمنين قائلاً: ((هذا أول الجور, أكنَّيتني وتنادي اليهودي باسمه!)) فلما رأى اليهودي وسمع وعايش هذا الموقف أسلم وقال: ((الدِّرع عندي ولا أتهم أمير المؤمنين!)).
-
قضية سمرقند المشهورة: دخل الجيش الإسلامي سمرقند عنوة دون أن يعرض القائد الأمور الثلاثة: الإسلام أو الجزية أو القتال. فذهب وفد من أهل سمرقند إلى دمشق عاصمة الخلافة في عصر بني أمية, وتظلم للخليفة عمر بن عبد العزيز, فأرسل معهم قاضياً يبحث القضية, ويحكم فيها, وبعد التحري والبحث حكم القاضي بخروج الجيش بعيداً عن أسوار المدينة بحيث لا تصلها قذائف المنجنيقات, وبعد إصدار الحكم طلب أهل سمرقند بقاء الجيش فيها, فأصرَّ القاضي على تطبيق الحكم الشرعي, خرج الجيش امتثالاً للحكم الشرعي, وعرض القائد على أهل سمرقند الإسلام, فأسلموا راغبين بعد أن رأوا عدالة الإسلام!
-
القاضي شريك بن عبد الله ينصف امرأة من أمير الكوفة موسى بن عيسى عمِّ أمير المؤمنين المهدي. كان الأمير قد اشترى حصة إخوانها من بستان في الكوفة على شط الفرات ورثوه عن أبيهم, وطلب من المرأة أن تبيعه حصتها فأبت عليه ذلك, فما كان منه إلاَّ أن هدم الجدار وضمَّ أرضها إلى أرضه, فاشتكته إلى القاضي شريك, فطلبه للمثول بين يديه أو إرسال وكيل عنه فرفض. فأرسل قائد الشرطة يتوسط له عند القاضي فسجنه, ثمَّ أرسل وجهاء الكوفة فسجنهم؛ لأنَّ في توسطهم إعاقة للعدالة, واعتداء على حقوق الضعفاء. فذهب الأمير بغلمانه إلى السجن وأخرج من فيه عنوة, فحمل القاضي متاعه وانطلق إلى بغداد ليستعفي من القضاء, فتنبَّه الأمير لذلك وأعاد قائد الشرطة والوجهاء إلى السجن, وحضر إلى مجلس القضاء, فقضى القاضي للمرأة, وأعاد الأمير الأمر كما كان, وأمر القاضي بإخراج من كان بالسجن, فأنصف المرأة وأقام العدل!
وفي الختام نسأل الله العلي القدير أن يعجل بقيام دولة الخلافة التي تطبق الإسلام كاملاً, وتحمله إلى الناس كافةً بالجهاد, فتقيم العدل وتنشر الإسلام في ربوع العالم, ويتحقـق قول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ … }النساء58. عجل الله قيامها وجعلنا من شهودها وجنودها الأوفياء المخلصين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو أنس جاد الله**