ألقضاء وألقُضاة

**هذا بشكل عام ويستثنى من ذلك إذا كان قاضي المظالم ينظر في قضية مرفوعة ضد الخليفة أو أحد وزرائه أو قاضي قضاته ((إذا كان الخليفة قد جعل له صلاحية تعيين وعزل قاضي المظالم)) وذلك لأنَّ بقاء صلاحية العزل بيد الخليفة في هذه الحالة سيؤثر في حكم قاضي المظالم, وبالتالي يحدُّ من قدرته على عزل الخليفة أو أحد أعوانه مثلاً, وتكون صلاحية العزل هذه وسيلة إلى الحرام, أي أنَّ صلاحية عزل قاضي المظالم بيد الخليفة في هذه الحالة حرام, وأما باقي الحالات فإنَّ الحكم باق على أصله أي أنَّ صلاحية عزل قاضي المظالم هي للخليفة كتوليته سواء بسواء.

صلاحيات قضاء المظالم

تملك محكمة المظالم صلاحية النظر في أية مظلمة من المظالم سواء أكانت متعلقة بأشخاص من جهاز الدولة أم متعلقة بمخالفة الخليفة لأحكام الشرع أم بمعنى نص من نصوص التشريع في الدستور والقانون وسائر الأحكام الشرعية ضمن تبني الخليفة, أم متعلقة بفرض ضريبة من الضرائب أم غير ذلك.

ولا يشترط في قضاء هذه المظالم وأمثالها مجلس قضاء, ولا دعوة المدَّعى عليه, ولا وجود مدَّع, بل لها حق النظر في المظلمة ولم يدَّع بها أحد.

هذا وإن وجود مبان ضخمة للمحاكم عامة, ولمحكمة المظالم خاصة تظهر هيبة الدولة وعزتها من المباحات أصلاً, ويصبح هذا المباح واجباً إذا لم تستطع الدولة رعاية شؤون المسلمين إلاَّ به أخذاً بالقاعدة الأصولية: (( إنَّ ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب)).

تعدُّ العقود والمعاملات والأقضية التي أبرمت قبل قيام دولة الخلافة صحيحة بين أطرافها حتى انتهاء تنفيذها قبل الخلافة, ولا ينقضها قضاء الخلافة, ولا يحركها من جديد, وكذلك لا تقبل الدعاوى حولها من جديد بعد قيام الخلافة, يستثنى من ذلك حالتان:

  1. إذا كان للقضية التي أبرمت وانتهى تنفيذها أثرٌ مستمرٌ يخالف الإسلام, مثل الربا, فما بقي من الربا فهو موضوع. ومثل زواج مسلمة من ذمي يفسخ العقد, ويفرَّق بينها وبينه.

  2. إذا كانت القضية تتعلق بمن آذى الإسلام والمسلمين لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم عندما فتح مكة المكرمة أهدر دم بضعة نفر من المشركين كانوا يؤذون الإسلام والمسلمين في الجاهلية, فأهدر دمهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة, علماً بأنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام يجب ما قبله». رواه أحمد والطبراني عن عمرو بن العاص. أي أنَّ من آذى الإسلام والمسلمين مستثنى من هذا الحديث.

من أمجاد القضاء في الإسلام

  1. عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه ينصف القبطي من محمد بن عمرو بن العاص عندما ضربه وقال له: ((خذها وأنا ابن الأكرمين!)) في سباق الخيل بمصر, فاقتص منه عمر بالدرَّة, والصحابة يشهدون, وعمر يقول للقبطي: ((اضرب ابن الأكرمين!)) ثمَّ قال: ((أجلها ـ أي الدرَّة ـ على صلعة عمرو؛ فإنما ظلمك بسلطان أبيه!)) ثمَّ قال عمر قولته المشهورة: (( يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً!)).

  2. القاضي شريح يقضي ليهودي على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه, في درع لعلي وجدها اليهودي, ولا بينة لعلي, ولكن القاضي يكنِّي علياً, وينادي علياً باسمه فيقول: (( قف يا أبا الحسن بجوار خصمك!)) فيعترض أمير المؤمنين قائلاً: ((هذا أول الجور, أكنَّيتني وتنادي اليهودي باسمه!)) فلما رأى اليهودي وسمع وعايش هذا الموقف أسلم وقال: ((الدِّرع عندي ولا أتهم أمير المؤمنين!)).

  3. قضية سمرقند المشهورة: دخل الجيش الإسلامي سمرقند عنوة دون أن يعرض القائد الأمور الثلاثة: الإسلام أو الجزية أو القتال. فذهب وفد من أهل سمرقند إلى دمشق عاصمة الخلافة في عصر بني أمية, وتظلم للخليفة عمر بن عبد العزيز, فأرسل معهم قاضياً يبحث القضية, ويحكم فيها, وبعد التحري والبحث حكم القاضي بخروج الجيش بعيداً عن أسوار المدينة بحيث لا تصلها قذائف المنجنيقات, وبعد إصدار الحكم طلب أهل سمرقند بقاء الجيش فيها, فأصرَّ القاضي على تطبيق الحكم الشرعي, خرج الجيش امتثالاً للحكم الشرعي, وعرض القائد على أهل سمرقند الإسلام, فأسلموا راغبين بعد أن رأوا عدالة الإسلام!

  4. القاضي شريك بن عبد الله ينصف امرأة من أمير الكوفة موسى بن عيسى عمِّ أمير المؤمنين المهدي. كان الأمير قد اشترى حصة إخوانها من بستان في الكوفة على شط الفرات ورثوه عن أبيهم, وطلب من المرأة أن تبيعه حصتها فأبت عليه ذلك, فما كان منه إلاَّ أن هدم الجدار وضمَّ أرضها إلى أرضه, فاشتكته إلى القاضي شريك, فطلبه للمثول بين يديه أو إرسال وكيل عنه فرفض. فأرسل قائد الشرطة يتوسط له عند القاضي فسجنه, ثمَّ أرسل وجهاء الكوفة فسجنهم؛ لأنَّ في توسطهم إعاقة للعدالة, واعتداء على حقوق الضعفاء. فذهب الأمير بغلمانه إلى السجن وأخرج من فيه عنوة, فحمل القاضي متاعه وانطلق إلى بغداد ليستعفي من القضاء, فتنبَّه الأمير لذلك وأعاد قائد الشرطة والوجهاء إلى السجن, وحضر إلى مجلس القضاء, فقضى القاضي للمرأة, وأعاد الأمير الأمر كما كان, وأمر القاضي بإخراج من كان بالسجن, فأنصف المرأة وأقام العدل!

وفي الختام نسأل الله العلي القدير أن يعجل بقيام دولة الخلافة التي تطبق الإسلام كاملاً, وتحمله إلى الناس كافةً بالجهاد, فتقيم العدل وتنشر الإسلام في ربوع العالم, ويتحقـق قول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ … }النساء58. عجل الله قيامها وجعلنا من شهودها وجنودها الأوفياء المخلصين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو أنس جاد الله**

**صلاحيات قاضي الحسبة

يملك قاضي الحسبة أو من ينيبه صلاحية الفصل ((الحكم)) في المخالفة التي تضرُّ حق الجماعة فور العلم بها في أي مكان دون الحاجة لمجلس قضاء. فمتى وأين وجدت المخالفة حكم فيها سواء أكان في السوق أو في البيت أو في الطريق في الليل أو النهار؛ لأنه لا يوجد مدَّع أو مدعى عليه, بل يوجد حق عام اعتدي عليه, أو مخالفة للشرع.

فالرسول عليه الصلاة والسلام حين نظر في أمر صَبُرَة الطعام نظر فيها وهو سائر في السوق, وكانت معروضة للبيع, ولم يستدع صاحبها عنده, بل بمجرَّد أن رأى المخالفة نظر فيها في مكانها, مما يدلُّ على أنه لا يشترط مجلس قضاء في قضايا الحسبة.

ومن صلاحياته أن يختار نواباً عنه تتوافر فيهم شروط المحتسب يوزعهم في الجهات المختلفة حسب الحاجة, وتكون صلاحياتهم القيام بوظيفة المحتسب في المنطقة أو المحلة التي عُـيِّنت لهم في القضايا التي فوضوا فيها, وهذا مقيد بما إذا كان عقد تعيين المحتسب يشتمل على ذلك وإلاَّ فلا, ويكون تحت إمرته نفر من الشُرَط , ومع من ينيبهم لتنفيذ أوامره وأوامرهم في إزالة المخالفة, ومعاقبة الممتنعين.

ثالثاً: قضاء المظالم: يختص قضاء المظالم برفع الظلم عن الحاصل من الدولة على أي شخص يعيش تحت سلطانها سواء أكان من رعاياها أم من غيرهم, وسواء أحصلت هذه المظلمة من الخليفة أم ممن هو دونه من الحكام أو الموظفين.

ودليل قضاء المظالم من الكتاب والسنة:

أولاً: من الكتاب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59

فالنزاع بين الرعية وأولي الأمر يجب ردُّه إلى الله ورسوله. أي إلى حكم الله وحكم رسوله, وهذا يقتضي وجود قاض يحكم في هذا النزاع وهو قاضي المظالم.

ثانياً: من السنة فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله:

أ. فعله عليه الصلاة والسلام: فقد عيَّن راشد بن عبد الله قاضياً للمظالم.

ب. ومن قوله عليه الصلاة والسلام:

  1. «من أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه, ومن جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتصَّ منه».

  2. روى الإمام أحمد في مسنده عن أنس رضي الله عنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: يا رسول الله! لو سعرت, فقال: «إنَّ الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعِّر, وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحدٌ بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال». فاعتبر التسعير مظلمة؛ لأنه لو سعَّر يكون قد فعل شيئاً لا حق له به.

تعيين القضاة وعزلهم

يعين القضاة بأنواعهم ويعزلون من قبل الخليفة أو من قبل قاضي القضاة لما ثبت أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يعين القضاة بأنواعهم, وبذلك فإنَّ الخليفة هو الذي يعين القضاة بأنواعهم.

ويجوز لقاضي القضاة تعيين القضاة بأنواعهم ومن ضمنهم قاضي المظالم إذا جعل الخليفة له ذلك في عقد التقليد, ويجوز أن يقتصر عمل محكمة المظالم الرئيسة في المركز ((عاصمة الخلافة)) على النظر في المظلمة من الخليفة ووزرائه وقاضي قضاته, وأن تنظر فروع محكمة المظالم في الولايات في المظالم من الولاة والعمال وموظفي الدولة الآخرين.

وللخليفة أن يعطي محكمة المظالم المركزية ((في العاصمة)) صلاحية تعيين وعزل قضاة المظالم في محاكم المظالم في فروع الولايات التابعة لمحكمة المظالم المركزية. والخليفة هو الذي يعين ويعزل أعضاء محكمة المظالم الرئيسة ((في عاصمة الخلافة)).**

**أنواع القضاء

أولاً: قضاء الخصومات: قضاء الخصومات هو الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام فيما يحصل فيه خلاف بين أفراد الرعية في المعاملات والجنايات والنفقات, وغير ذلك. وأدلة قضاء الخصومات هي أدلة القضاء بعامة الواردة في مشروعية القضاء.

أولا يجوز أن يقضي قاضي الخصومات إلاَّ في مجلس قضاء, ولا تعتبر البينة واليمين إلاَّ في مجلس القضاء, وذلك لما روي عن عيد الله بن الزبير قال: « قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم». رواه أبو داود وأحمد, وهذا الحديث يبيِّن الهيئة التي يحصل فيها القضاء, وهي هيئة مقصودة لذاتها, وهي شرط لصحة قضاء الخصومات, ويؤيِّد ذلك حديث علي رضي الله عنه حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا جلس إليك الخصمان, فلا تكلـَّم حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول». وكذلك الأمر بالنسبة للبينة واليمين لا اعتبار لأحدهما خارج مجلس القضاء, وذلك للحديث الذي رواه البيهقي: « ولكن البينة على من ادَّعى, واليمين على من أنكر» ولا تكون هذه الصفة إلاَّ في مجلس القضاء.

هذا ولا يوجد في الإسلام محاكم استئناف, ولا محاكم تمييز كما في القضاء في الأنظمة الوضعية. فالقضاء من حيث البت في القضية درجة واحدة, فإذا نطق القاضي بالحكم, فحكمه نافذ ولا ينقضه حكم قاض آخر.

والقاعدة الفقهية تـنصُّ على أن ((الاجتهاد لا ينقض بمثله)) فليس أيُّ مجتهد بحجة على مجتهد أخر. فلا يصحُّ وجود محاكم تناقض أحكام محاكم أخرى. إلاَّ أن القاضي إن ترك الحكم بأحكام الشريعة الإسلامية, وحكم بأحكام الكفر, أو إن حكم بحكم يخالف نصاً قطعياً من الكتاب أو السنة أو إجماع الصحابة. أو حكم حكماً مخالفاً لحقيقة الواقع, كأن حكم على شخص بالقصاص على أنه قاتل عمد, ثمَّ ظهر القاتل الحقيقي, فإنه في هذه الحالات وأمثالها يُـنقَضُ حكم القاضي, وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». رواه البخاري ومسلم. ولما روى جابر بن عبد الله أنَّ رجلاً زنا بامرأة فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجُـلد. ثمَّ أخبر أنه محصن فأمر به فرُجم».

وأخبر عبد الرزاق عن الإمام الثوري قال: ((إذا قضى القاضي بخلاف كتاب الله أو سنة رسوله أو شيء مجمع عليه, فإنَّ القاضي بعده يردُّه)). والذي له صلاحية نقض هذه الأحكام هو قاضي المظالم.

ثانياً: قضاء الحسبة: قضاء الحسبة هو الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام في المخالفات التي تضر حق الجماعة. ودليل قضاء الحسبة من السنة:

  1. فعل الرسول صلى الله عليه وسلم: وهو ما ورد في حديث صَبُرَة الطعام: ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صَبُرَة طعام في السوق, فأدخل يده فيها فنالت بللاً, فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» فقال: أصابته السماء يا رسول الله. فقال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشَّ فليس مني».

  2. استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سوق مكة بعد الفتح سعيد بن العاص, كما جاء في طبقات ابن سعد, وفي الاستيعاب لابن عبد البَرِّ, ولهذا فإنَّ دليل الحسبة هو السنة.

تطبيقات قضاء الحسبة

  1. استعمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة تدعى الشفاء بنت عمرو قاضي حسبة على سوق النساء بالمدينة.

  2. كما استعمل عبد الله بن عتبة قاضي حسبة على سوق المدينة, كما نقل ذلك مالك في الموطأ, والشافعي في مسنده رحمهما الله تعالى.

  3. وكذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقوم بنفسه بقضاء الحسبة, فكان يطوف بالأسواق كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  4. ظل الخلفاء يقومون بالحسبة إلى أن جاء الخليفة المهدي فجعل للحسبة جهازاً خاصاً, فصارت من أجهزة القضاء.

  5. وفي عهد الرشيد كان المحتسب يطوف بالأسواق, ويفحص الأوزان والمكاييل من الغش, وينظر في معاملات التجار والتعديات على طريق الناس.**

**شروط القضاة

يشترط فيمن يتولى القضاء سبعة شروط هي أن يكون:

  1. مسلماً.

  2. حراً.

  3. بالغاً.

  4. عاقلاً.

  5. عدلاً.

  6. فقيهاً.

  7. مدركاً لتنزيل الأحكام على الوقائع.

ويشترط فيمن يتولى قضاء المظالم زيادة على هذه الشروط شرطان هما:

  1. أن يكون رجلاً.*

  2. وأن يكون مجتهداً, كقاضي القضاة؛

لأن عمله قضاء وحكم, فهو يحكم على الحاكم, وينفذ الشرع عليه؛ ولذلك يشترط أن يكون رجلاً, وعلاوة على باقي شروط القاضي أن يكون مجتهداً؛ لأن من المظالم التي ينظر فيها أن يكون الحاكم قد حكم بغير ما أنزل الله, أي أن يحكم بحكم ليس له دليل شرعي, أو أن لا ينطبق الدليل الذي استدل به على الحادثة, وهذه المظلمة لا يستطيع أن يفصل فيها إلاَّ المجتهد, فإذا كان قاضي المظالم غير مجتهد كان قاضياً عن جهل, وهذا حرام ولا يجوز.

تقليد القضاة

يجوز أن يقلد القاضي والمحتسب وقاضي المظالم تقليداً عاماً في القضاء بجميع القضايا في جميع البلاد, ويجوز أن يقلدوا تقليداً خاصاً بالمكان وبأنواع القضايا، أخذاً من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قلد علياً كرم الله وجهه قضاء اليمن, وقلد معاذ بن جبل قضاء الجَـنَد من اليمن, وقلد عمرو بن العاص القضاء في قضية واحدة معينة.

رزق القضاة

قال الإمام الحافظ في الفتح: (( الرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين )). والقضاء مما يجوز أخذ الرزق عليه من بيت مال المسلمين, فهو من مصالح المسلمين التي يجوز الاستئجار عليها, وللقائم عليها أجر سواء أكانت عبادة أم غير ذلك. قال تعالى في شأن مصارف الزكاة: {… وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ..}التوبة60

وروى أبو داود وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين, وما فقه الذهبي عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما عامل استعملناه, وفرضنا له رزقاً, فما أصاب بعد رزقه فهو غلول».

وقد استعمل عمر رضي الله عنه شريحاً على القضاء, وجعل له مئة درهم رزقاً في الشهر. ولما آلت الخلافة لعلي كرم الله وجهه استعمله, وجعل له خمسمائة درهم رزقاً في الشهر. وروى ابن سعد في الطبقات عن نافع قال: (( استعمل عمر بن الخطاب زيد بن ثابت على القضاء, وفرض له رزقاً )). وقد أجمع الصحابة على جواز أخذ الرزق على القضاء.

تشكيل المحاكم

لا يجوز أن تتألف المحكمة إلاَّ من قاض واحد له صلاحية الفصل في القضاء, ويجوز أن يكون معه قاض آخر أو أكثر, ولكن ليست لهم صلاحية الحكم, وإنما لهم صلاحية المشاورة, وإعطاء الرأي, ورأيهم غير ملزم له, وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين للقضية الواحدة قاضيين, وإنما عيَّن قاضياً واحداً للقضية الواحدة.

وأيضاً فإن القضاء هو الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام, والحكم الشرعي في حق المسلم لا يتعدد, وهو حكم الله, وحكم الله واحد. صحيح قد يتعدد فهمه, ولكنه في حق المسلم عند التطبيق واحد لا يتعدد مطلقاً, ولهذا لا يصلح أن يكون القاضي للقضية الواحدة أي في المحكمة الواحدة متعدداً. ولكن يجوز أن يكون أكثر من محكمة في البلدة الواحدة حسب الحاجة. ولكن كل محكمة منفصلة عن غيرها. فالقضاء كالوكالة يجوز التعدد فيها؛ لذلك جاز تعدد القضاة في البلدة الواحدة. وعند تجاذب الخصوم بين قاضيين أو أكثر في مكان واحد, يرجَّح جانب المدَّعي, ويكون النظر للقاضي الذي يطلبه؛ لأنه طالب حق, وهو أرجح من المطلوب منه.**

**وامتُحِنَ عبدُ الله بن طالب - أحد قضاة القيروان - فكان يقول في سجوده وهو في السجن “اللهم إنك تعلم أني ما حكمت بجور، ولا آثرتُ عليك أحداً من خلقك، ولا خفت فيك لومة لائم”.

ووصف المؤرخون محمد بن عبدالله بن يحيى - أحد قضاة قرطبة - بأنه “لم يداهن ذا قدرة، ولا أغضى لأحد من أصحاب السلطان، ولم يطمع شريف في حيفه، ولم ييأس وضيع من عدله، ولم يكن الضعفاء قطُّ أقوى قلوباً ولا ألسنة منهم في أيامه”.

ومن القضاة العادلين مَنْ تُطْرح بين يديه قضية يدلي فيها أحد الخصمين بشهادة الخليفة نفسه، فيرد الشهادة في غير مبالاة، شهد السلطان با يزيد عند شمس الدين محمد بن حمزة الفناري قاضي الأستانة في خصومة رُفعت إليه، فرد القاضي الشهادة، ولما سأله السلطان عن وجه ردها قال له: إنك تارك للجماعة، فبنى السلطان عند قصره جامعاً، وعين لنفسه فيه موضعاً، ولم يترك الجماعة بعد ذلك.

ورفعت قضية إلى محمد بن بشير قاضي قرطبة أحد الخصمين فيها سعيد الخير عم الخليفة عبد الرحمن الناصر، وأقام سعيد بيِّنةً أحدُ شهودِها الخليفةُ نفسه، ولما قدم كتاب شهادة الخليفة إلى القاضي نظر فيه ثم قال لوكيل سعيد: “هذه شهادة لا تعمل عندي فجئني بشاهد عدل”.

فمضى سعيد إلى الخليفة، وجعل يغريه على عزل القاضي، فقال الخليفة: “القاضي رجل صالح لا تأخذه في الله لومة لائم، ولست - والله - أعارضه فيما احتاط به لنفسه ولا أخون المسلمين في قبض مثله”.

ولما سُئل ابنُ بشير عن رد شهادة الخليفة قال:“إنه لا بد من الأعذار في الشهادة، ومن الذي يجترئ على القدح في شهادة الأمير إذا قبلت! ولو لم أعذر لبخست المشهود عليه حقه”.

فالإسلام يلقن القاضي أنه مستقل ليس لأحد عليه من سبيل، وقد قص علينا التاريخ أنَّ كثيراً من القضاة العادلين كانوا لا يتباطؤون أن يحكموا على الرئيس الذي أجلسهم على منصة القضاء حكمهم على أقصر الناس يداً، وأدناهم منزلة.

قال ابن عبد السلام يصف القضاة العادلين: “وربما كان بعضهم يحكم على من ولاه، ولا يقبله إن شهد عنده”.

وقال المقري يصف القضاء في الأندلس: “أما خطة القضاء في الأندلس فهي أعظم الخطط عند الخاصة والعامة؛ لتعلقها بأمور الدين وكون السلطان لو توجه عليه حكم حضر بين يدي القاضي”.

وحكم ابن بشير قاضي قرطبة على الخليفة عبد الرحمن الناصر في قضية رفعها عليه أحد المستضعفين من الرعية، وأبلغ الخليفة الحكم مقروناً بالتهديد بالاستقالة من القضاء إذا لم يُسلِّم الحكم، ويبادر إلى تنفيذه.

ومن القضاة العادلين مَنْ يرمي بالمنصب في وجه الدولة إذا أخذ بعض رجالها يتدخل فيما يرفع من خصومات، فعل هذا إبراهيم بن إسحاق قاضي مصر حين تخاصم إليه رجلان، وأمر بكتابة الحكم على أحدهما، فتشَفَّع المحكوم عليه إلى الأمير، فأرسل إليه الأمير يسأله الرجوع، فقال: لا أعود إلى ذلك أبداً، ليس في الحكم شفاعة.

وفعل هذا برهان الدين بن الخطيب بن جماعة أحد قضاة مصر، عارضه محب الدين ناظر الجيش في قضية، فقال: لا أرضى أن أكون تحت الحجر، وصرف أتباعه، وصرح بعزل نفسه، وأغلق بابه، فبلغ أمره الملك الأشرف، فانزعج وما زال يسترضيه حتى قبل، واشترط أشياء تلقاها منه بالإجابة.

والرئيس الناصح يكبر القاضيَ الذي يأنس منه استقامة، ويعمل لإرضائه؛ حتى يصرفه عن الاستقالة.

أرسل أبو عبيد قاضي مصر أبا بكر بن الحداد إلى بغداد؛ ليستعفي له عن القضاء، فأبى الوزير علي بن عيسى بن الجراح أن يعفيه وقال: “ما أظنه إلا أنه كره مراقبة هلال بن بدر؛ لأنه شابٌ غِرٌّ لا يعرف قدره؛ فأنا أصرف هلالاً، وأولي فلاناً وهو شيخ عاقل يعرف قدر القاضي”.

والرئيس العادل يعجب بالعالم الذي دلته التجربة على استقامته عند الحكم، وتجرده من كل داعية غير داعية ظهور الحق، ويدعوه هذا الإعجاب إلى إقامته قاضياً بين الناس؛ أخذ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فرساً من رجل على سوم، فحمل عليه فعطب، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلاً، فقال الرجل: إني أرضى بشريح القاضي، فقال شريح: أخذته صحيحاً سليماً، فأنت ضامن له حتى ترده صحيحاً سليماً، قال الشعبي -وهو راوي القصة- فكأنه أعجبه؛ فبعثه قاضياً.

ولصعوبة القضاء من ناحية التثبت من الحق أَوَّلاً، والقدرة على تنفيذه ثانياً - أبى كثير من العلماء الأتقياء أن يقبلوا ولايته، ورفضوها بتصميم يخشون أن يعترضهم في التنفيذ ما لا طاقة لهم بدفعه، أو يخشون الزلل عند النظر في بعض النوازل، وتَعَرُّف أحكامها؛ فإن إدراج الوقائع الجزئية تحت الأصول الكلية عسير المدخل؛ لكثرة ما يحوم حوله من الاشتباه؛ فكثير من الجزئيات تحتوي أوصافاً مختلفةً، وكلُّ وصفٍ ينزع إلى أصل، وقد يكون في الأصل الذي هو أَمَسُّ بالواقعة خفاءٌ لا ينكشف إلا أن يرددَ القاضيْ الألمعيُّ نظره، ويجهد في استكشافه رَوِيَّتَه.**

**ومن الأحاديث الواردة في الوعيد على الجور في القضاء قوله صلى الله عليه وسلم:“من ولي من القضاء فقد ذبح بغير سكين”.

ففي هذا الحديث تمثيل القاضي إذ يلاقي جزاءه في الآخرة بأشد الناس عذاباً في هذه الحياة، وهو المذبوح بغير سكين.

وهذا حالُ مَنْ يكون حظُّه من علم القضاء بخساً، أو يكون خلق العفاف في نفسه واهياً.

ويصح حمل الحديث على معنى الإشارة إلى صعوبة القضاء، حتى كأن القاضي مِنْ أجلِ ما يلاقيه مِنْ تَعَرُّفِ الحق وتنفيذه مِنْ مكاره ومجاهدةٍ للأهواء - مذبوحٌ بغير سكين.

وهو بعد هذا مُشْعِرٌ بسمو منزلة القضاء؛ إذ كان القاضي العادل يضاهي القتيل في سبيل الله بما انقطع عنه من شهوات، وقاساه من آلام؛ يبتغي أجر الله، والله عنده أجر عظيم.

ومما جمع بين الوعد والوعيد قوله -صلى الله عليه وسلم-:“القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار”.

وَصَفَ هذا الحديثُ عاقبةَ مَنْ يقضي بالحق على بينة منه، وهي المصير إلى الجنة، وآذن بعاقبة مَنْ يقضي على جهل أو جور، وهي المصير إلى النار.

ولا يتناول هذا الوعيدُ العالمَ بأصول الشريعة يجتهد رَأْيَهُ فلا يُصيب الحق، ويقضي بما رأى.

قرأ الحسن البصري قوله تعالى: [ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً… الآية] (الأنبياء:78-79).

وقال: لولا ما ذكر الله من أمر هذين لرأيت أنَّ القضاة هلكوا؛ فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده.

وصف الإسلام ما في العدل من فوز، وأعلن بما في الحيف من شقاء، وكان قضاؤه صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى لصيانة الحقوق، والتسوية بين الخصوم، ويكفي شاهداً على هذا أنَّه صلى الله عليه وسلم أراد إقامة الحد على امرأة مخزومية سرقت، فخاطبتْ قريشٌ أسامةَ؛ ليكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسقاط الحد عنها فقال صلوات الله وسلامه عليه : " أتشفع في حد من حدود الله"! ثم قام؛ فخطب قال:“يا أيها الناس إنما ضلَّ من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يده”.

رسم عليه الصلاة والسلام طريقَ العدلِ في القضاء قَيِّمَةً غيرَ ذات عوج، وزادها بسيرته العملية وضوحاً واستنارة؛ فاستبانت لأصحابه في أجلى مظهر، فاقتدوا بهديها الحكيم، وأروا الناس القضاء الذي يزن بالقسطاس المستقيم؛ انظر إلى قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في رسالته إلى أبي موسى الأشعري: “آس بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك”.

كان للإسلام وسيرةِ الذين أوتوا العلم من رجاله أثرٌ في إصلاح القضاء كبيرٌ، ولا تُشْرِقُ المحاكم بنور العدل إلا أن يمسك زمامها رشيدُ العقل، راسخ الإيمان بيوم الفصل.

فتقوى الله تحمل القاضي على تحقيق النظر في كل واقعة؛ حتى يتعرف الحق، ولا يأخذ بأول ما يلوح له من الفهم، وإن تيقنَ أن قضاءَه نافذ، وما له في الرؤساء من مُعَقِّب.

ومن أمراء الأندلس من كان يعزل القاضي متى رأى منه السرعة في فصل القضايا التي تستدعي بطبيعتها شيئاً من التروي؛ إذ يفهم من هذه السرعة عدمَ تحَرُّجِه من إثم الخطأ في الحكم.

وتقوى الله هي التي تقف القاضي في حدود العدل: لا يخرج عنها قيد أنملة في حال.

قيل للقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي: ألا تؤلف كتاباً في أدب القضاء؟ فقال: “اعدل، ومد رجليك في مجلس القضاء، وهل للقاضي أدب غير الإسلام؟”.

وفي سيرة أبي عبد الله محمد بن عيسى أحد قضاة قرطبة أنه “التزم الصرامة في تنفيذ الحقوق، والحزامة في إقامة الحدود، والكشف عن البيان في السر، والصدع بالحق في الجهر، ولم يهب ذا حرمة، ولا داهنَ ذا مرتبة، ولا أغضى لأحدٍ من أرباب السلطان وأهله، حتى تحاموا حِدَّةَ جانبه، فلم يجسر أحدٌ منهم عليه”.

ونقرأ في وصف إبراهيم بن أبي بكر الأجنادي أحد قضاة مصر أنه “كان لا يَقْبَلُ رسالة ولا شفاعة، بل يصدع بالحق، ولا يولي إلا مستحقاً”.**

**القضاء العادل في الإسلام

الكاتب: الشيخ العلامة محمد الخضر حسين

أحاط الإسلام بضروب السعادة هداية وتعليما, فدل على كل ضرب منها دلالة تقوم بها الحجة , وتقطع عن الناس عذر الجهلِ به. وله في هدايته درجات, فقد يرشد إلى الشيء دون أن يلهج به, أو يُلْحِف في الترغيب فيه, حيث يكون سهل المأخذ على النفس, أو يكون في طبيعة البشر ما يسوق إليه, كإحسان الوالد لولده, والسعي في الأرض؛ لابتغاء الرزق. وقد يكون في الأمر ثقل على النفس، وصرف لها عن بعض شهواتها, فلا تكاد تقبل عليه إلا بعزم صميم, ونظر في العواقب بعيد, كإقامة الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد. وهذا ما يأمر به المرة بعد الأخرى, ويسلك في الدعوة إليه أساليب شتى؛ حتى يأخذ إليه النفوس على تفاوت هممها، واختلاف رغائبها, وكذلك ترى مسلكه في الدعوة إلى العدل في القضاء.

يتقدم الخصمان إلى القاضي وكثير ما يجد في نفسه ميلا شديدا أو ضعيفا إلى أحدهما يميل إليه؛ لنحو قرابة, أو صداقة, أو وجاهة, أو غنى, أو يميل إليه؛ لأنه فقير, أو ضعيف, أو خصم لمن يناوئه . وقلما استطاع القاضي في هذه الأحوال أن يضع الخصمين من نفسه في درجة واحدة إلى أن يفصل في القضية بما أراه الله من الحق.

تلك العواطف التي تثور في القاضي حال النظر في القضية هي في حكم المعفو عنه إلا أن يكون لها في رجحان أحد الخصمين على الآخر أثر غير ما تقتضيه البينة, وأصول الحكمِ .

شأن تلك العواطف أن تجاذب القاضي, وتناجيه أن يَنْحُوَ بالحكم نحو منفعة المعطوف عليه, وعلى قدر العطف تكون هذه المجاذبة والمناجاة, ومتى قَوِيتا في نفس لا تخاف مقام ربِّها, ولم تكن على بصيرة مما في لباس العدل من زينة وفخار- نبذت الحق وراء ظهرها, وانحدرت مع عاطفتها إلى هاوية الظلم, وما هاوية الظلم إلا حفرة من النار.

هذه العواطف التي تجاذب القاضي, وتناجيه أن يُرْضِيَ خصماً بعينه تجعل العدل في القضاء من قبيل ما يثقل على النفس, ويجمح عنه الطبع؛ فكان من حكمة الدعوة الإسلامية أن تُعْنى به عنايةً صافية, وتَدْخُلَ إلى الترغيب فيه من أبواب متعددة.

عُنيت الشريعةُ بالعدل في القضاء عنايتَها بكل ما هو دَعامةٌ لسعادة الحياة؛ فأتت فيه بالعظات البالغات : تُبَشِّرُ مَنْ أَقامَه بعلو المنزلة, وحسن العاقبة, وتُنْذِرُ مَنِ انحرف عنه بسوء المنقلب, وعذاب الهون.

فمن الآيات المنبهة لما في العدل من فضل قوله تعالى: [وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ].

فقد أمر بالعدل, ونبه على أن خيراً عظيماً ينال الحاكم بالقسط هو محبة الله له, وما بعد محبة الله إلا الحياة الطيبة في الدنيا والعيشة الراضية في الأخرى.

ومن الأحاديث الدالة على ما يورثه العدل من شرف المنزلة عند الله تعالى قوله صلى الله عليه وسلم:“إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولو”.

وفي ذكر “الرحمن” تربية للرجاء والثقة بأنَّ الحاكم العادل يجد من النعيم ما تشتهيه نفسه، وتلذه عينه، شأن مَنْ يكون قريبَ المنزلة من ذي رحمةٍ وسعت كلَّ شيء.

وإن شئتَ مثلاً من آيات الوعيد فانظر قوله تعالى: [يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ].

تجد الآية تنادي بأن الفَصْلَ في القضايا جرياً مع الأهواء ضلالٌ عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله مُلْقٍ في شديد العذاب.

ومن ذا الذي يستخف بعذاب وصفه الكبير المتعال بالشدة، ويشتريه بمتاع من هذه الحياة؟ إلا من سفه نفسه، ولم ينفذ الإيمان إلى سويداء قلبه.

فلهذه الآية أثر بليغ في النفوس المطمئنة بالإيمان، كان أحمد بن سهل جاراً لقاضي مصر بكار بن قتيبة، فحدث أنه مرَّ على بيت بكار في أول الليل، فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: ثم قمت في السحر فسمعته يقرؤها ويرددها؛ فلا عجب أن يكون بَكَّارٌ هذا من أعدل القضاة حكماً، وأشرفهم أمام أولي الأمر موقفاً.**

**الشروط الواجب توفرها في القاضي:

يشترط الإسلام توفر جملة من المواصفات في شخصية القاضي ليتمكن من أداء واجبه على أكمل وجه وهي: 1- أن يكون مسلما : قال تعالى:{وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} النساء141 فالقاضي حين يقضي يطبق أحكام الشريعة الإسلامية , وتطبيق الشريعة والدين يحتاج إلى إيمان به من قبل من يطبقه, وخوف من الله يمنعه من الحيد عن التطبيق السليم لأحكامه,

وهذا لا يتوفر إلا بٍ:

1- صاحب العقيدة المسلم.

2- حرا : فلا تجوز تولية من فيه شائبة رق ومن يعجز عن ولاية نفسه. 3- بالغا : فتولي الصبيان غير جائز.

4- عاقلا: لا يتولى القضاء المجنون والمعتوه, فالقاضي ذكي واسع الإدراك, قوي الفطنة.

5- عدلا : فلا يجوز تولية الفاسق بل القائم بالفرائض , التقي , النقي , الورع.

6- فقيها : عالما بالمسائل الشرعية وأدلتها وطرق استنباطها, فلا تصح تولية الجاهل. 7- سليم الحواس : فلا تجوز تولية الأصم والأعمى ولا الأخرس , وذلك أن الخلل في هذه الحواس يعيقه عن العمل. أما سلامة باقي الاعضاء فهي مستحبة, لان السلامة من الآفات أهيب لذوي الولاية.

8- وتشترط الذكورة في قضاء المظالم دون غيره. تقليد القضاة وعزلهم : يجوز تقليد القضاة (القاضي, المحتسب, وقاضي المظالم) تقليدا عاما بجميع القضايا في البلاد , وكذلك تقليدا خاصا بقضية واحدة. ثبت ذلك من افعال الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قلد علي بن أبي طالب على قضاء اليمن وقلد عمرو بن العاص القضاء في قضية واحدة معينة.

أما عزل القضاة فيتم إذا:

1- وجد أفضل منه أو ظهر عجزه وعدم كفاءته , فقد عزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه شرحبيل بن حسنة عن القضاء, فقال له شرحبيل : “أعن سخطة عزلتني” قال : “لا , ولكن وجدت من هو مثلك في الصلاح, واقوي منك في العمل.”

2- وكذلك فسق القاضي أي قيامه بالأعمال الفاسقة كشرب الخمر أو ارتكابه للكبائر .

3- وأيضا الردة, لان الإسلام شرط في صحة ولاية القاضي.

4- أو تعرضه للمرض المعجز الذي يعيقه عن العمل أو من جنون ألمّ به.

5- ويضاف إلى ما يسبق انتهاء المدة التي حددت له بالعمل أو بفراغه من النظر في قضية محددة كلف بها. رزق القضاة: وبالنظر إلى عمل القاضي يستخلص أنه موظف في الدولة يستحق أجرا على عمله. ثبت ذلك من سيرة الصحابة رضوان الله عليهم, فقد بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه لعامله على مصر قائلا : “أن أفسح للقاضي في البذل ما يزيل علته, وتقل معه حاجته إلى الناس,” ورتب للقاضي شريح 500 درهم في كل شهر.

تشكيل المحاكم:

1- لم يعين الرسول صلى الله عليه وسلم للقضية الواحدة قاضيين, وعليه لا يجوز أن تتألف المحكمة إلا من قاض واحد, له صلاحية الفصل في القضاء. ويمكن أن يشاور هذا القاضي آخرين, لكن رأيهم غير ملزم. كما أن حكم الله في حق المسلم لا يتعدد فهو حكم الله, وحكم الله واحد لا يتعدد.

2- لا يجوز أن يقضي القاضي إلا في مجلس القضاء, ولا تعتبر البينة واليمين إلا في مجلس القضاء وهذا خاص بقضاء الخصومات.

3- يجوز أن تتعدد درجات المحاكم بالنسبة لأنواع القضايا, فيجوز أن يخصص بعض القضاة بأقضية معينة إلى حد معين, وان يوكل أمر غير هذه القضايا إلى محاكم أخرى. وذلك لان القضاء وكالة من الخليفة, ويجوز أن تكون عامة وخاصة.

4- لا يوجد في قضاء الإسلام محاكم استئناف ولا محاكم تمييز, فالقضاء من حيث البت في القضية درجة واحدة. فإذا نطق القاضي بالحكم, فحكمه نافذ ولا ينقضه قاض آخر. ولا يصح وجود محاكم تنقض أحكام محاكم أخرى. لكن إذا خالف القاضي نصا قطعيا, أو حكم بأحكام الكفر, أو حكم حكما مخالفا لحقيقة الواقع, فانه في هذه الحالات وأمثالها ينقض حكم القاضي من قبل قاضي المظالم.**

**أنواع القضاء في الإسلام

القضاء في الإسلام على ثلاثة أنواع:

1- قضاء الخصومات : وهو القضاء بين الناس لفض النزاعات بينهم. يقوم به “القاضي”. ودليله فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وتعيينه غيره قضاة على الناس. وقضاء الخصومات لا يكون إلا في مجلس القضاء حيث يجلس الخصمان بين يدي الحاكم وذلك لما روى الزبير حيث قال : " قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم" (رواه أبو داود) فمجلس القضاء شرط لصحة القضاء, وشرط لاعتبار اليمين. ولا تشترط في أنواع القضاء الأخرى, فواقعها مختلف. وقضاء الخصومات يتولاه الرجل والمرأة.

2- قضاء الحسبة: وهي الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام فيما يضر حق الجماعة. ويقوم به قاضي يدعى “المحتسب”. وأعمال المحتسب كثيرة فتشمل نواحي أدبية ودينية وعمرانية وأخلاقية. ويمكن إجمال أعمال المحتسب في النواحي التالية: أ- مراقبة التجار وأرباب الحرف أي مراقبة كل صاحب مهنة , ومن أمثلة ذلك : مراقبته للأطباء , فكان المحتسب في الدولة الإسلامية يأخذ على الأطباء عهد الإلتزام والإخلاص, ويجبرهم على دفع دية المريض إذا مات من سوء تصرف منهم. ومثال آخر: مراقبته للخبازين , فكان يأمرهم برفع سقائف أفرانهم , ويجعل في سقوفها منافس واسعة للدخان, ويأمرهم بغسل المعاجن وتنظيفها ويأمر العجان بان يكون ملثما لأنه ربما عطس أو تكلم , وأن يشد على جبينه عصابة بيضاء لئلا يعرق فيقطر منه شيء في العجين. ب- مراقبة الأبنية والطرقات, فيأمر بهدم الأبنية البارزة ويدعو أصحاب البيوت المتداعية إلى هدمها ورفع أنقاضها. ت- مراقبة الأخلاق العامة مثل طرح الكناسة على جوار الطريق, وتبديد قشور البطيخ, أو رش الماء بحيث يخشى منه التزحلق والسقوط. ث- أعمال مختلفة مثل مراقبة نظافة المساجد, وإجبار الناس معاملة الخدم معاملة حسنة, وجمع الأشياء الضائعة وإعادتها لأصحابها, ومنع معلمي المكاتب من ضرب الصبيان ضربا مبرحا ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل. ويصح أن تتولى المرأة قضاء الحسبة, وذلك أن عمر بن الخطاب استعمل امرأة من قومه وهي أم سليمان بن أبي حثمه " الشفاء" على قضاء الحسبة. ويملك المحتسب القضاء في المخالفة فور العلم بها دون الحاجة لمجلس قضاء في كل زمان ومكان طالما أن هناك تعدي على الحق العام. 3

3- قضاء المظالم: وهو القضاء الذي يحصل على اثر شكوى على الحاكم أو جهاز الحكم. ودليله قول الله تعالى {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} النساء59 كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام فعله وتولاه بنفسه, وكذلك فعل الخلفاء من بعده , فكان جزء من عملهم. لكن عبد الملك بن مروان افرد وقتا مخصوصا للظلامات وأسلوبا معينا , فصار للمظالم جهاز خاص كان يسمى " دار العدل". وعليه يجوز للحاكم أن ينيب عنه في قضاء المظالم, وان يعين قاضيا معينا يقوم بها. ويقوم بقضاء المظالم قاض يسمى “قاضي المظالم”, وعمله رفع كل مظلمة تحصل من الدولة على أي شخص يعيش تحت سلطانها سواء حصلت من الحاكم أو ممن دونه من الحكام والموظفين , فكل مظلمة تقع من رجال الدولة تعتبر مظلمة يستوجب البت فيها. فلو سعر الخليفة للناس مثلا يكون قد فعل شيئا لا حق له به . قيل للرسول صلى الله عليه وسلم عندما غلا السعر على عهده : لو سعّرت, فقال:" إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر واني لأرجو أن القى الله ولا يطلبني احد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال" (رواه الترمذي). ومن الأمور التي تنظر فيها محكمة المظالم مخالفات الخليفة للأحكام الشرعية إن حصلت, و فرضه ضرائب جائرة , أو إنقاصه لرواتب الموظفين والجند. وكذلك يعمل على رد الغصوب , سواء كانت سلطانية تغلب عليها ولاة الجور , أو كانت مما تغلب عليها ذوو الأيدي القوية. ويعمل على مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج والجهاد , من تقصير فيها وإخلال بشروطها , ويمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه , لعلو قدر المحكوم عليه وعظم خطره. ولا يشترط في قضاء المظالم مجلس قضاء ولا حضور المدعى عليه ولا وجود مدع, بل لها حق النظر في المظلمة ولو لم يدع احد. كما يعين ويعزل قاضي المظالم من قبل الخليفة أو من قبل قاضي القضاة إذا أعطي هذا الحق. كما ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يعين القضاة بأنواعهم. لكن في حال كانت المظلمة مرفوعة ضد الخليفة, فان بقاء صلاحية عزل قاضي المظالم بيد الخليفة اثناءها قد تؤدي إلى الحرام, فالوسيلة إلى الحرام حرام, لأن صلاحية العزل في هذه الحالة ستؤثر في حكم القاضي, وبالتالي يحد من قدرة القاضي على عزل الخليفة فتكون صلاحية العزل هذه وسيلة إلى الحرام , أي بقاءها في يد الخليفة في هذه الحالة حرام.**

**نظام القضاء في الأسلام

دكتور بشير خليل الحداد

مقدمة:

من الخصائص التي تميز بها تشريع الأسلام عن كل المذاهب و المناهج البشرية ،شموليته و استيعابه للحياة كلها ،فأذا كانت العقائد و القوانين الوضعية تعنى بجانب أو جوانب محدودة من حياة الأنسان ، فأن الأسلام قد عني بالأنسان كاملاً ? روحاً و جسداً ? و بالحياة من كافة النواحي و الجوانب .*

فألأسلام رسالة للأنسان و لحياته في كل المجالات و في كل ميادين النشاط البشري ، فلا يدع جانب من جوانب الحياة الأنسانية الآ كان له فيه موقف من أقرار او تعديل أو تكميل أو تبديل أو تقنين.*

إن ألاسلام هو دين الحياة بكل ما في الكلمة معنى ، وليس فكرا مجرداً ، أو عقيدة من دون شريعة ، و انما هو في حقيقته عقيدة ينبثق منها تصور فكري و نظام متكامل للحياة .*

و من ابرز النظم التي وضعها الأسلام لتنظيم حياة البشر نظام القضاء.*

أهمية النظام القضائي و فضله:*

خلق الله تعالى الأنسان مدنياً بطبعه، لا يمكن ان ينعزل عن العالم و يعيش فريداً وحيداً بعيداً عن بني جنسه ، فهو مجبول بفطرته و غريزته على معاشرة الناس و مخالطتهم و معاملتهم ومقايضتهم ، و مدفوع الى الدخول معهم في علاقات متعددة .و روابط مختبلفة ، وهو بذلك يسعى الى تحقيق مصالحه ، ويعمل على اشباع حاجاته و أستكمال رغباته ، و قد يضر بالآخرين و يعتدي على حقوقهم أثناء البحث عما ينفعه فينشأ نزاع بينه و بين الذين يتعامل معهم ، وينشب الصراع بين افراد الجماعة الواحدة .

فوجب ايجاد قواعد تشريعية الهية أو قوانين وضعية يلتزم بها الناس ، توضح لهم حقوقهم وترسم لهم حدودها وأطرها ، و تنظم لهم اشباع حاجاتهم و رغباتهم ، حتى تستقر احوال المجتمع و تستقيم اموره ، و لزم وجود طائفة تتولى هذه التشريعات و التقنينات و تسهر على صيانتها من العبث بها ، و حمايتها من الأعتداء أو الخروج عليها ، كي يسود النظام العام و يعمم السلام الأجتماعي بين البشر ، وتحتم ايجاد سلطة تكفل احترام التشريعات و التقنينات ، و تعمل على ازالة معوقات تنفيذها و منع معرقلات احترامها.(1)

و في الدولة الأسلامية فقد غدى العدل وظيفة رئيسية ، حيث به قامت السماوات و الأرض ، و القضاء هو الميزان الذي يتحقق به العدل ،و القسطاس هو الميزان الذي يتم به القسط ، و تحفظ به الحقوق و تصان به الأموال و ألاعراض و الدماء من الضياع و ألانتهاك و ألاهدار و القضاء يعتمد على مفهوم موحد بين الناس لمعنى الحق ، و من ثم فأنه لا يزدهر الآ بين الجماعات المتمدنة ،و لايرقى الا في المجتمعات التي بلغت في الحضارة مبلغاً عظيماً .*

يقول قاضي القضاة (شهاب الدين ابو اسحاق بن عبدالله المعروف بأبن ابي الدم الحموي ت 642 هـ ) (( القيام بالقضاء بين الناس والأنتصار للمظلومين ،و قطع الخصومات الناشئة بين المتخاصمين من اركان الدين ، و هو اهم فروض الكفاية، فأذا قام به من يصلح له سقط الفرض فيه عن الباقيين ، و ان امتنع كل الصالحين له اثم جميعا )) (2)*

و يؤكد ابو الحسن الأندلسي : ان خطة القضاء عند الفقهاء و المسلمين قاطبة من اسمى الخطط ، فأن الله تعالى قد رفع درجة الحكام و جعل اليهم تصريف امور الأنام ، اذا يحكمون في الدماء ،و ألأبضاع ، و الأموال ، و الحلال و الحرام ، و هذه خطة الأنبياء ، و من بعدهم الخلفاء فلا شرف في الدنياء بعد الخلافة أشرف من القضاء. (3)*

و نقل عن الفقهاء ان التمادي في ترك اقامة قاضٍ في قطر من الأقطار معصية تعم اهله ،و ان البلد الذي لا حاكم فيه تجب الهجرة منه ، و انه لابد للناس من حاكم يأخذ على يد الظالم و المظلوم و ينصف الناس بعضهم من بعض .(4)*

و قد اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقضاء ،و بلغ من اهتمامه به انه نص عليه في المعاهدة التي عقدها بين المسلمين و اليهود و المشركين في المدينة بعد الهجرة ،و تاسيس الدولة الأسلامية ،اذا جاء فيها : وانه ماكان بين اهل الصحيفة من حدث او شجار يخاف فاسده ، فأن مردّه الا الله عز وجل ، و الا محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم (5)

و اذا كان الله تعالى قد امر الحكام في القرآن الكريم بأن يحكموا بين الناس بالعدل ، و اكد النبي صلى الله عليه و سلم في سنة الشريفة هذا المعنى ، و اجمعت الأئمة عليه ، فأن كيفية الوصول الى هذه الغاية متروكة للمسلمين حسب الزمان و المكان فلهم ان يختاروا ما يشائون من الأشكال و الأجراءات التي تصاحب الأعمال القضائية ، و ان يضعوا القواعد المنظمة لها و تخصيصها ،و ترتيب درجاتها و تحديد مواعيد سماع الدعوى و الطعن في الأحكام القضائية .فالشريعة ألأسلامية لا تعارض اي تنظيم للقضاء الشرعي تقتضي الضروريات العملية ،و يتمشى مع التشريعات الحديثة بل تحض عليه مادام يحقق العدالة ، و يوصل الى الحكم بالقسط بين الناس (6)

ومن اجل هذا نظمت الدولة الأسلامية القضاء احسن تنظيم و سبقت في هذا المجال كل الأنظمة المستحدثة ،اذا لا تتم مظاهر السيادة في الدولة الا بأنشاء الجهاز القضائي ، و تنظيم السلطة القضائية ، ومنح القضاة ضمانات تكفل لهم ممارسة اختصاصاتهم ، و مباشرة مهامهم ، و تخول للناس ان يتقاضوا امامهم .***

**أحكام القضاء في الإسلام

الأستاذ أبو أنس جاد الله

بسم الله الرحمن الرحيم*

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد بن عبد الله وعلى أله وصحبه ومن والاه, ومن اتبعه, وسار على دربه, واهتدى بهديه, وانتهج نهجه, واستن بسنته, وحكم بحكمه, وقضى بقضائه بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:

إن رسالة الإسلام رسالة عالمية شاملة كاملة للبشرية جمعاء, أنزلها الله رحمة للعالمين, فقد أرسل الله تعالى كل نبي إلى قومه خاصة, وأرسل محمداً إلى الناس كافة, قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً …}الأعراف158 فكانت رسالة الإسلام رسالة خاتمة، رسالة شاملة عامة تعالج شؤون الناس جميعاً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وبما أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه, يعيش في جماعات مبتعداً عن العزلة والوحدة, ونظراً لاختلاف وجهات النظر, وتضارب المصالح عند بني البشر, واختلاف مقاييسهم وتقديرهم للمنافع, كان لا بد من نظام يسيرون به أمور حياتهم, ويعالجون به مشكلاتهم, ويفضون بموجبه نزاعاتهم واختلافاتهم التي تنشأ عن اجتماعهم؛ فكان القضاء في الإسلام نظاماً شاملاً كاملا يعالج ذلك كله بما يحقق العدل وأكثر منه الرحمة والإحسان بين بني الإنسان, بل بين كل الكائنات؛ لتنعم في ظل الإسلام بطمأنينة وسلام في حياة ترضي الرحمن, فيفوز بالجنان أهل الطاعة والإيمان, ويبوء أهل الكفر والعصيان بالخسران والنيران.

تعريف القضاء ومشروعيته

القضاء في الإسلام هو الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام, وهو يفصل في الخصومات بين الناس, أو يمنع ما يضرُّ حق الجماعة, أو يرفع النزاع الواقع بين الناس وأي شخص ممن هو في جهاز الحكم: حكاماً أو موظفين, خليفة كان أو من هو دونه.

أما مشروعية القضاء فالأصل فيها الكتاب والسنة.

أما الكتاب فقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ…}المائدة49 وقوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }النور51

وأما السنة فأدلتها:*

أولاً: فعل الرسول صلى الله عليه وسلم, فقد تولى القضاء بنفسه الشريفة, وقضى بين الناس, ومن ذلك: قضاؤه بين سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة, حين اختلفا في ابن وليدة, قال سعد: إنه ابن أخي. وقال عبد بن زمعة: هو أخي, وابن وليدة أبي, ولد على فراشه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو لك يا عبد بن زمعة». ثم قال: «الولد للفراش, وللعاهر الحجر».

ثانياً: قلد النبي صلى الله عليه وسلم القضاء لأصحابه:*

أ. فقد قلد عمرو بن العاص القضاء في قضية واحدة.*

ب. قد عيَّن عبد الله بن نوفل قاضياً على المدينة.*

ج. قلد علياً كرم الله وجهه قضاء اليمن, وأوصاه قائلاً: «إذا تقاضى إليك رجلان, فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر, فسوف تدري كيف تقضي» رواه الترمذي وأحمد.

د. قلد معاذ بن جبل قضاء الجَـنَد (ناحية من اليمن).

أنواع القضاة

القضاة في الإسلام ثلاثة: أحدهم: القاضي (قاضي الخصومات) وهو يتولى الفصل في الخصومات بين الناس في المعاملات والعقوبات.

والثاني: المحتسب: وهو الذي يفصل في المخالفات التي تضرُّ حقَّ الجماعة.

والثالث: قاضي المظالم: الذي يتولى الفصل في المنازعات الواقعة بين الناس وأي شخص ممن هو في جهاز الحكم, حكاماً كانوا أو موظفين, خليفة كان أو من هو دونه.**

**القضاء في الاسلام

دكتور حازم عيد بدر

جاء الإسلام بنظام متكامل يشمل الدين وما فيه من إيمان وعبادات , والدولة وما فيها من أنظمة وقوانين ومعاملات ,أنظمة تلاءم جميع أجناس الشعوب على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وحتى على اختلاف أديانهم,أنظمة تجعل النفس تسلم بكل جوارحها اعتقادا واحتراما , ولعل من ابرز تلك النظم, النظم القضائية في الإسلام. قال تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ} المائدة49 والقضاء أمر لازم لقيام الأمم وسعادتها, وحياتها حياة طيبة, ولنصرة المظلوم وقمع الظالم وفض الخصومات والنزاعات وأداء الحقوق إلى مستحقيها, وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وللضرب على أيدي العابثين وأهل الفساد, ولضمان سيادة النظام في المجتمع وتحقيق الأمن وفق نظم ربانية تداوي النفس الإنسانية. والقضاء هو الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام , حتى تفصل الخصومة بين الناس, أو يمنع ما يضر حق الجماعة, أو يرفع أي نزاع يمكن أن يقع بين ا لناس وأي شخص في جهاز الحكم , تبعا للأحكام المتلقاة من الكتاب والسنة. والقضاء فرض كفاية, إذا قام به بعض الأمة سقط الوجوب عن الباقين وإذا لم يقم به احد منها أثمت الأمة جميعا . وأمر الناس لا يستقيم دون القضاء, فالأمر بالمعروف وردع الظالم ونصرة المظلوم واجبات لا تتم دون القضاء, فالقاعدة الشرعية تقول :ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ودليل ذلك في الكتاب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ }النساء135 . هذا بالنسبة للقضاء بصفة عامة, أما بالنسبة لدخول الأفراد فيه, فهذا يرجع إلى حالاتهم, فهو واجب على الشخص إذا لم يصلح غيره لهذا الأمر , ويحرم على الشخص الذي يعلم عن نفسه العجز وميله للهوى, ويخير المرء إذا وجد من يتساوون في الصلاحية للقضاء. سئل مالك رضي الله عنه : أيجبر الرجل على ولاية القضاء؟ قال: “نعم, إذا لم يوجد منه عوض,” قيل له بالضرب والحبس؟ قال : “نعم.” وأول قاض في الإسلام كان رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه, فقد كان مأمورا بالدعوة والتبليغ وكذلك بالفصل في الخصومات بين الناس, قال تعالى : {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ }المائدة49 وقال :{وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} المائدة42 , فتولى الرسول صلى الله عليه وسلم القضاء بنفسه, وكذلك قلد غيره للقضاء, فولى عليا على اليمن ومعاذ بن جبل على الجند. وفي عهد الخلفاء الراشدين باشروا القضاء بأنفسهم, ولما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية, نتيجة للفتوحات, قاموا بتعيين القضاة, وفصلوا بين الولاية والقضاء, ووضعوا الأسس التي يستنير بها القضاة, ومن أمثلة ذلك كتاب عمر بن الخطاب إلى قاضي الكوفة أبي موسى الأشعري الذي يعتبر بمثابة دستور القضاة الذي يسيرون على هديه في الأحكام وفيه يقول عمر رضي الله عنه :**

" من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس : سلام عليك أما بعد : فان القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة, فافهم إذا أدلي إليك وأنفذ إذا تبين لك, فانه لا ينفع تكلم لا نفاذ له. آس بين الناس في مجلسك, وفي وجهك وقضائك, حتى لا يطمع شريف في حيفك , ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى واليمين على من أنكر, والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا احل حراما أو حرم حلالا … ولا يمنعنك قضاء قضيتة اليوم فراجعت فيه عقلك, وهديت لرشدك, أن ترجع إلى الحق, فان الحق قديم لا يبطله شيء, ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله , ولا سنة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم اعرف الأشباه والأمثال, فقس الأمور عند ذلك بنظائرها, واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق. واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه, فان احضر بينته أخذت له بحقه, وإلا استحللت عليه القضية, فان ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى وابلغ في العذر. المسلمون عدول بعضهم على بعض, إلا مجلودا في حد أو مجريا عليه شهادة زور, أو ظنينا في ولاء أو نسب, فان الله قد تولى منكم السرائر, ودرأ بالبينات والايمان . اياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم, والتنكر عن الخصومات, فان الحق في مواطن الحق يعظم به الأجر ويحسن به الذخر . فمن صحت نيته, واقبل على نفسه, كفاه الله ما بينه وبين الناس, ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس في نفسه شانه الله. فما ظنك بثواب عند الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن رحمته, والسلام".

ألقضاء وألقُضاة

**عرض هارون الرشيد على المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث قضاءَ المدينة بجائزة قدرها أربعة آلاف دينار، فأبى، وقال: لأن يخنقني السلطان أحب إلي من القضاء.

ومن العلماء من يأبى قبولها، ويكون الأمير ممن يقدر قدره، ويراه أقدر أهل العلم على القيام بها؛ فيهدده بالعقاب، أو يسومه العذاب؛ ليكرهه على قبولها، ومنهم من يقبلها بعد التهديد البالغ، مثل عيسى بن مسكين أحد الفقهاء بالقيروان؛ عرف الأمير إبراهيم بن أحمد بن الأغلب من زهده في المناصب أنه يأبى ولاية القضاء، فأحضره وقال له: ما تقول في رجل جمع خلال الخير أردت أن أوليه القضاء، وألم به شعث هذه الأمة فامتنع؟

قال له عيسى بن مسكين: يلزمه أن يلي، قال: تَمَنَّع، قال تجبره على ذلك بجلد، قال: قم فأنت هو، قال: ما أنا بالذي وصفت، وَتَمَنَّع حتى أخذوا بمجامع ثيابه، وقربوا السيف من نحره، فتقدم لها بعد أمر خطير.

ولارتباط سعادة الأمة باستقامة القضاء جاز للرئيس الأعلى متى رأى في أهل العلم من هو أدرى بمسالكه، وأقدر على القيام بأعبائه - أن يكرهه على ولايته بالوسائل الكافية، قيل للإمام مالك: هل يُجبر الرجل على ولاية القضاء؟ قال: لا، إلا أن لا يُوجد منه عوض فيُجبر عليه، قيل له: أيُجبر بالضرب والسجن؟ قال: نعم.

وطلب ابن الأغلب أمير القيروان الإمام سحنون لولاية القضاء فامتنع، وبقي نحو سنة يطلبه لها وهو يمتنع، حتى قال له حالفاً: لئن لم تتقدم لها لأقدمن على الناس رجلاً من غير أهل السنة؛ فاضطره هذا الحلف إلى قبولها.

ومن العلماء من يُطلب للقضاء فلا يُجيب إلا على شرط يصعب على رجال الدولة قبوله، ولا يسعهم إلا أن يتركوه، طلبوا أبا محمد بن أبي زيد لقضاء القيروان، وقطعوا دون قبوله كل عذر؛ فشرط عليهم أن يجعلوا لمن بين يديه من الأعوان ما يقوم بكفايتهم من بيت المال بحجة أن من واجب السلطان أن يوصل لكل ذي حقٍّ حقه، وليس على صاحب الحق أن يُعطي من حقِّه شيئاً، فاستكثروا ما يُنفق في هذا السبيل، وتركوه.

وإن شئت مثلاً يريك الاعتزازَ بالعلم والزهد في المناصب إلا أن يتيقن السير بها في استقامة - فإليك قصةَ زيادِ بن عبد الرحمن: دعاه هشام عندما تولى الخلافة بالأندلس إلى القضاء، فأبى، وبعث إليه الوزراء، فلم يتخلص منهم حتى قال لهم: عليَّ المشيُ إلى مكة إن وليتموني القضاء، وجاء أحد يشتكي بكم - لآخذن ما بأيديكم، وأدفعه إليه، وأكلفكم البينة؛ لما أعرفه من ظلمكم؛ فعرفوا أنه سيفعل ما يقول؛ فتركوه.

وعناية الإسلام بالقضاء رَفَعَتْهُ إلى درجة أفضل الطاعات؛ فمن سار فيه على بينة وهدى كانت الأوقات التي يشغلها بالنظر في النوازل، وإعداد الوسائل لساعة الفصل أوقاتاً معمورة بالعمل الصالح، كافلة لصاحبها الكرامة في الدنيا، والفوز في الأخرى.

ولهذا ترى بعض العلماء يتقلدون القضاء، ويأبون أن يأخذوا عليه رزقاً.

ومن هؤلاء العلماء الزاهدين أبو القاسم حماس بن مروان ولاه زيادة الله ابن الأغلب قضاء إفريقية فتولاه وأبى أن يأخذ عليه أجراً “وكانت أيامه أيام حقٍّ ظاهر، وسنة فاشية، وعدل قائم”.

وكان سحنون قاضي إفريقية “لا يأخذ لنفسه رزقاً ولا صلة من السلطان، وإنما يأخذ لأعوانه وكتابه من جزية أهل الكتاب”.

ومن أبى أخذ الأجر على القضاء فليدخر ثوابه كاملاً عند الله، أو لأنه كان في غنى، وليس في أهل العلم من يكفي كفايته، فتكون ولايته من قبيل القيام بفرض عين، ومن تعين عليه القضاء وهو في بسطة من المال فهو الذي لا يُجيز له الفقهاء أن يأخذ على ولايته عوضاً.

حقيقةً إن الإسلام بنى القضاء على أسس محكمة، ونظم صالحة، وأخرج للناس قضاة سلكوا إلى العدل في الحكم، والحزم في التنفيذ مسلكاً هو أقصى ما يستطيعه البشر، وأرقى ما يجده الباحث في القديم والجديد؛ فإذا وفقت الدول الإسلامية لأن تربي رجالاً مثل من وصفنا علماً وجلالة - أمكنها أن تحتفظ بروح العدل الذي لا يجري إلا على يَدِ مَنْ تفقه في كتاب الله وسنة رسوله، واهتدى بحكمتهما إلى أنَّ الدنيا متاعٌ، وأن الآخرة هي دار القرار.**

**نماذج مشرفة من القضاء الإسلامي:

بدراسة تاريخ القضاء الإسلامي نجده قضاء مشرفا وذلك أن الفقهاء كانوا لا يلتمسون القضاء بقلوبهم ولا بألسنتهم, لشدة خوفهم من الوقوع في الخطأ والظلم, فأكثرهم رفض القضاء خوفا من أن ينطبق عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “القضاة ثلاثة قاضي في الجنة وقاضيان في النار ، فأما الذي في الجنة فرجل علم الحق فقضى به وقاض علم الحق فلم يقضي به وقاض قضى بجهل فهما بالنار” (رواه أبو داود) ومن أمثلة ذلك: رفض الإمام أبو حنيفة تولي القضاء في الكوفة زمن الأمويين, رغم تعرضه للتعنيف والضرب. ونتيجة لذلك الالتزام وتلك الخشية الفائقة تولى القضاء قضاة نزيهون شرفاء, يسعد المرء بذكر بعض المواقف المشرفة لهم, ومنها:

1- اختصم رجلان في شيء إلى إبراهيم بن اسحق القاري قاضي مصر سنة 204ھ في خلافة المأمون , فقضى على احدهما , فشفع إلى الوالي, فأمره السرّي أن يتوقف عن تنفيذ الحكم , فجلس إبراهيم في منزله, فركب إليه السرّي و سأله الرجوع, فقال:“لا, لا أعود إلى ذلك المجلس أبدا ! ليس في الحكم شفاعة.”

2- اختصم علي بن أبي طالب يهوديا في درع كان في حوزة اليهودي إلى القاضي صاحب المظالم, فطلب القاضي من عليّ شاهدين, فأتى له بابنه الحسن ومولاه قنبر, وكان مذهب القاضي يرى أن الولد لا يشهد لوالده, وان الوالد لا يشهد لولده, فلم يأخذ القاضي بشهادة الحسن وشهادة قنبر, وحكم لصالح اليهودي , وكان ذلك سببا في دخول اليهودي الإسلام.

3- جاءت امرأة متظلمة يوما للمأمون وأتته بثياب رثة , فاخذ حقها من خصمها وهو ابنه العباس, حيث جلس الخصمان في حضرة القاضي بن اكثم والمأمون, وأثناء النظر في الدعوى , ارتفع صوتها على صوت العباس , فزجرها احد الحجاب, فقال له المأمون : " دعها فان الحق انطقها والباطل أخرسه", وكانت ظلامتها ان العباس بن الخليفة اغتصب ضياعها, فأمر القاضي بردها إليها, وباشر المأمون تنفيذ الحكم على ابنه.

4- ومن المواقف التي تظهر نزاهة ونباهة وفطنة القضاة: تخاصم رجلا وامرأة لدى شريحا قاضي الكوفة, فأرسلت عيني المرأة وبكت, فقال احدهم: يا أبا أمية, ما أظن هذه البائسة إلا مظلومة , فقال: إن إخوة يوسف جاءوا أباهم يبكون. 5- ويروى عن نزاهة القضاة , أن قاضي مصر ابن عبد السلام , أفتى بشيء ثم ظهر له انه اخطأ, فنادى في المدينة عن نفسه : “من أفتى له ابن عبد السلام بكذا فلا يعمل به فانه اخطأ.”

اللهم وفقنا إلى تطبيق أحكام الحق في قضاء الحق, في ظل دولة الحق دولة الإسلام, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.**

*اهداف القضاء في الأسلام ، و اسس تحقيقها:

بما ان القضاء هو الميزان الذي به يتحقق العدل و تحفظ الحقوق كما مر سابقا فهو من اقوى الفرائض ، و اشرف العبادات بعد الأيمان بالله تعالى و يمكن اجمال الأهداف العامة لأقامة القضاء ماياتي: (14)

1-رفع التهار ج ، ورد النوائب ،و صيانة مصالح المجتمع .*

2- بث الطمأنينة في النفوس .*

3- توصيل الحقوق الى اصحابها.*

4- وضع الأمور في نصابها .*

5- نشر العدل و الأمن في المجتمع .*

6- دفع الجور بين العباد ،و الضرب على ايدي المفسدين .

7- قطع الخصومات و القضاء على المنازعات .

8- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .

ان تحقيق هذه الأهداف لا يتأتى الا بتوافر خمسة اسس هي :*

1- تولية القاضي الذي استكمل شروط القضاء ، و يصلح لهذا العمل .*

2- الحكم بالعدل و الاحسان .*

3- اسغلال القضاء و عدم تدخل السلطة التنفيذية في ممارسة اعماله .*

4- اظهار معاونة رئيس الدولة و اعضاء السلطة التنفيذية للقاضي قولاً و فعلاً و منع كل من يحاول التدخل في شؤونه.

5- يجب على ولي الأمر أن لا يألوا جهداً في مراقبة القضاة و الا يدخر و سعا في تفقد احوالهم ، و الأشراف عليهم دائماً ، و لكن في حدود احكام الشريعة بحيث لا تؤثر هذه المراقبة في استغلال القضاء و عمل القاضي .

المصادر و الهوامش :

  1. نظام القضاء الأسلامي : د. اسماعيل ابراهيم البدوي ، ص11.

  2. الدرر المنظومات في الأقضية والحكومات / كتاب ادب القضاء : د. محمد*

مصطفى الزحيلي ص36.

  1. تأريخ قضاة الأندلس / كتاب المرتبة العليا … ابو الحسن الأندلسي ص2.

  2. الفتاوي الكبرى الفقهية : شهاب الدين احمد بن محمد بن حجر الهيثمي /ت 995 هـ 4/297

  3. سيرة ابن هشام : ابو محمد عبدالملك بن هشام ت 218 هـ: 2/119.

  4. العمل القضائي في القانون المقارن ..د. القطب محمد طبلية /ص92.

  5. النساء 105.

  6. المائدة 48.

  7. النساء 59.

  8. حديث صحيح رواه الجماعة /نيل الأوطار للشوكاني ، 8/308.

  9. حديث صحيح اخرجه البهيقي /المصدر نفسه 8/344.

  10. رواه الترمذي و ابو داود / المصدر نفسه 8/343.

  11. نظام القضاء الأسلامي : د. اسماعيل ابراهيم البدوي ص 149 ، مصدر رئيس.

  12. المصدر نفسه .**

*تأريخ القضاء في الأسلام:

عرفت جميع الأمم القضاء ،سواء اكانت امم متقدمة متوغلة في البداوة و التخلف لأن الخصومات من لوازم الطبائع الأنسانية ، و المنازعات من سجايا النفوس البشرية ،فلذلك يستلزم تنسيب قضاة يردون الظالمين و يأخذون على ايدي المفسدين ، لكي لا يختل نظام المجتمع و ينتشر الفساد في الأرض ، و تشيع الفواحش و يعم الفوضى في الناس .

و قد عرف العرب قبل بعثة الرسول صلى الله عليه و سلم نظاما للتقاضي و وجد بينهم حكام يحتكم الناس اليهم فكانوا ينصفون المظلومين ، و يردون اليهم حقوقهم ، و كان لكل قبيلة حكام معروفون ، فحكام قبيلة قريش هم : عبدالمطلب ،وابو طالب ، و العاص بن وائل … و غيرهم ، و حكام قبيلة تميم هم : اكثم بن صيفي و حاجب بن ابي زرارة … و غيرهم من الحكام في قبائل اخرى ..و كان العرب يتحكمون احياناً الى العرافين او الكهنة ،معتقدين انهم يعلمون بواطن الأمور عن طريقة الفراسة و القرائن ،او عن طريقة الأستعانة بالجن .و في بداية عصر النبوة لم يكن في الدولة الأسلامية قضاة سوى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لأن مساحة الدولة كانت صغيرة ، و الناس لا يزالون على بساطتهم ، و كان الرسول صلى الله عليه و سلم اضافة الى انه كان رئيساً للدولة الأسلامية ، و نبياً عن ربه ، كان قاضيا بين افراد الدولة ، قال تعالى ((إنا انزلنا اِلَيلكَ الكِتابَ بِالحَقِ لِتَحكُمَ بينَ الناسِ بمِا اراكَ الله )) (7)

و قال ايضاً (فأحكُم بَينَهُم بمِا اُنزل الله ) (8) ، و امر الله و المؤمنين بأن يتقاضوا الى رسول الله و يحتكموا اليه ، و جعل ذلك دليلاً على الأيمان ، قال تعالى (فأن تَنازَعتُم في شَيءٍ فردُّوهُ إلى الله و الرَّسول إن كُنتُم تُؤمِنوُنَ باللهِ و اليَوم الآخر ) (9)*

وقد وضع النبي صلى الله عليه و سلم القواعد التي يسير عليها القضاة في احكامهم ،و رسم المعالم التي توضح كيفية الحكم بين الناس ، وبين الأسس التي تحقق بها العدالة في المجتمعات و الشعوب ، حتى اصبح سبيل العدل ظاهراً جلياً ، و أسست المباديء القضائية ثابتة راسخة ، و اصبحت دعائم الحكم متميزة شامخاً ، قال صلى الله عليه و سلم (لا يقضينَّ حاكمٌ بينَ اثنينِ و هُوَ غَضبان ) (10) و قال ايضاً ( لو يعطي الناس بدعواهم لأدعى الناس دماء رجالٍ و اموالهم و لكن البينة على المدعي و اليمين على من انكر ) (11)

و ارشد النبي (صلى الله عليه و سلم) علياً بن ابي طالب حين وجهه الى اليمن قائلاً: (يا على اذا جلس اليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فأنك اذا فعلت ذلك تبين لك القضاء)(12)

و قد جوَّز النبي (صلى الله عليه و سلم) للقاضي ان يجتهد رأيه اذا لم يجد نصاً يطبق على القضية المعروضة حتى يصل الى الحل يتفق و المباديء الشرعية العامة ، وجعل له على خطئه في الأجتهاد أجراً واحداً اذا كان يقصد معرفة الحق و اتّباعه .*

و في عهد الخلفاء الراشدين سار الخلفاء على ماكان عليه في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم ففي خلافة ابي بكر (رضي الله عنه ) كان الولاة في الأمصار هم القضاة ايضاً و لم يفصل القضاة عن الولاية .*

و في خلافة عمر ابن الخطاب (رض) ، حيث كثرت الفتوحات و اتسعت اقليم الدولة ، و زاد العمران بحيث اصبح متعسراً على الخليفة ، او على الوالي ان يجمع اي واحد منهما بين النظر في مصالح الناس ، و بين القضاء ، فلذلك فصل عمر بن الخطاب (رض) القضاء عن الولاية ، و عين قضاة خصّوا بالفصل في المنازعات وفوضهم في الحكم بين الناس ،و سموا بأسم القضاة ، و كانت تصرف لهم ارزاقهم من بيت المال .(13)**