**ترشيد الوعي السياسي السـياسـة هي رعاية شـؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة.
ورعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً من قبل الدولة تكون بتنفيذ المبدأ في الداخل، وهذه هي السياسة الداخلية.
وأما رعاية شؤون الأمة خارجياً من قبل الدولة فهي علاقتها بغيرها من الدول والشعوب والأمم، ونشر المبدأ إلى العالم، وهذه هي السياسة الخارجية.
وفهم السياسة الخارجية أمر جوهري لحفظ كيان الدولة والأمة، وأمر أساسي للتمكن من حمل الدعوة إلى العالم، وعمل لابد منه لتنظيم علاقة الأمة بغيرها على وجه صحيح.
ولما كانت الأمة الإسلامية مكلفة بحمل الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة، كان لزاماً على المسلمين أن يتصلوا بالعالم اتصالاً واعياً لأحواله، مدركاً لمشاكله، عالماً بدوافع دوله وشعوبه، متتبعاً الأعمال السياسية التي تجري في العالم، ملاحظاً الخطط السياسية للدول في أساليب تنفيذها، وفي كيفية علاقة بعضها ببعض، وفي المناورات السياسية التي تقوم بها الدول؛ ولذلك كان لزاماً على المسلمين أن يدركوا حقيقة الموقف في العالم الإسلامي على ضوء فهم الموقف الدولي العالمي؛ ليتسنى لهم أن يتبينوا أسلوب العمل لإقامة دولتهم، وحمل دعوتهم إلى العالم.
غير أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن موقف الدول لا يظل ثابتاً على حال واحدة، فهو يتغير حسب تغير الأوضاع الدولية.
وإن موقف كل دولة من الدول لا يلزم حالة واحدة من ناحية دولية، وإنما تتداوله حالات متعددة من ناحية القوة والضعف، ومن ناحية قوة التأثير أوعدم التأثير، ومن ناحية تفاوت العلاقات القائمة بينها وبين الدول، واختلاف هذه العلاقات؛ لذلك كان من غير الممكن إعطاء خطوط عريضة ثابتة للموقف الدولي، وإعطاء فكرة ثابتة عن موقف أي دولة من الدول القائمة في العالم. وإنما يمكن إعطاء خط عريض عن الموقف الدولي في فترة ما، مع تصور إمكانية تغيّر هذا الموقف. وإعطاء فكرة معينة عن موقف أي دولة في ظروف ما، مع إدراك قابلية تبدل هذا الموقف؛ ولهذا كان لا غنى للسياسي عن أن يتتبع الأعمال السياسية القائمة في العالم، وأن يربطها بمعلوماته السياسية السابقة، حتى يتسنى له فهم السياسة فهماً صحيحاً، وحتى تتأتى له معرفة ما إذا كان الموقف الدولي لا يزال كما هو أو تغيّر، وحتى يتأتى له إدراك موقف كل دولة، ومعرفة ما إذا كان هذا الموقف قد بقي على حاله، أم طرأ عليه تغيّر.
وتغيّر الموقف الدولي تابع لتغيّر موقف بعض الدول من حال إلى حال، إمّا بقوتها، وإمّا بضعفها، وإمّا بقوة علاقتها بالدول، أو بضعف هذه العلاقة، فينتج حينئذ تغير في الميزان الدولي؛ لحصول تغير في ميزان القوى القائمة في العالم؛ ولذلك كان فهم موقف كل دولة من الدول التي لها تأثير في الموقف الدولي أساساً لفهم الموقف الدولي. ومن هنا كانت العناية منصبة على الإحاطة بمعلومات عن كل دولة؛ لأنها الركيزة الأولى للفهم السياسي. وليست معرفة موقف كل دولة متعلقة بموضعها في الموقف الدولي، بل هي متعلقة في كل شيء له علاقة بسياستها الداخلية والخارجية. ومن هنا تتحتم معرفة الفكرة التي تقوم عليها سياسة الدول القائمة في العالم، والتي لها شأن يذكر في الموقف الذي ينبغي أن تقفه الأمة الإسلامية منها. كما أنه يتحتم أن تعرف الخطط والأساليب التي تستعملها، وأن تقترن معرفة الخطط والأساليب بالتتبع الدائم لها، وبإدراك مدى تغيّرها، وبالوعي على الدوافع التي حملت على تغيّرها، أو الأسباب التي اضطرت هذه الدول لتغيير الخطط والأساليب، مع المعرفة الصحيحة بالأشياء التي تؤثر على هذه الدول، أو تحملها على تغيير خططها وأساليبها.
طريقة ايجاد الوعي السياسي
أما الطريقة لإيجاد الوعي السياسي في الأفراد، وإيجاده في الأمة، فإنها هي التثقيف السياسي بالمعنى السياسي، سواء أكان تثقيفاً بأفكار الإسلام وأحكامه، أم كان تتبعاً للأحداث السياسية، فيتثقف بأفكار الإسلام وأحكامه، لا باعتبارها نظريات مجردة، بل بتنـزيلها على الوقائع، ويتتبع الأحداث السياسية، لا كتتبع الصحفي ليعرف الأخبار، ولا كتتبع المعلم ليكتسب معلومات، بل بالنظرة إليها من الزاوية الخاصة لإعطائها الحكم الذي يراه، أو ليربطها بغيرها من الأحداث والأفكار، أو يربطها بالواقع الذي يجري أمامه من الأعمال السياسية. فهذا التثقيف السياسي، بالمبدأ وبالسياسة، هو طريقة إيجاد هذا الوعي السياسي في الأمة وفي الأفراد، وهو الذي يجعل الأمة الإسلامية تضطلع بمهمتها الأساسية، ووظيفتها الأصلية، ألا وهي حمل الدعوة إلى العالم، ونشر الهدى بين الناس؛ ولذلك كان التثقيف السياسي هو الطريقة لإيجاد الوعي السياسي، عند الأمة وعند الأفراد. ومن هنا كان لا بد من التثقيف السياسي في الأمة الإسلامية على أوسـع نطاق، فإنه هو الذي يوجد في الأمة الوعي السياسي، ويجعلها تنبت حشداً من السياسيين المبدعين.
.**
**والدول الكبرى بعد مؤتمر برلين كانت قد اتخذت كلها نهب أملاك الدولة الإسلامية، وهي الدولة العثمانية، الزاوية الخاصة لها، وليس القضاء على الدولة العثمانية، مع أنها بحثت الأمرين معاً، وقررت الاتفاق على الثاني، ولكن لم تتخذه الزاوية الخاصة، ولذلك تكيفت جميع أعمالها حسب هذه الزاوية الخاصة، ودخلت في صراع سياسي مع بعضها استمر أكثر من قرن، وهو وإن انتهى بزوال الدولة الإسلامية، ولكن ذلك لم يكن الزاوية الخاصة التي تنظر منها هذه الدول للأحداث والأعمال السياسية. فالزاوية الخاصة التي تنظر منها هي التي تحكمت في سياستها وفي نظرتها للأعمال السياسية.
وأميركا، بعد الحرب العالمية الثانية، قالت إن العالم شركة، وإن أميركا لها أكثر الأسهم في هذه الشركة، فيجب أن تكون إدارة هذه الشركة في يدها، واتخذت هذا القول الزاوية الخاصة التي تنظر منها إلى العالم، فصارت أعمالها تتكيف بهذه الزاوية، وصارت تنظر إلى الأعمال السياسية التي تجري في هذا العالم من هذه الزاوية. والنظرة من هذه الزاوية هي التي جعلتها تتفق بل تتحالف مع الاتحاد السوفياتي، وجعلتها تتنكر لبريطانيا وفرنسا، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي تغيرت نظرتها، فلم تعد تتنكر لبريطانيا وفرنسا وحسب، بل أصبحت تتنكر لكل دول العالم، وبالغت في ذلك بحيث صارت تتنكر للاتفاقات الدولية التي أجمعت عليها دول العالم، فانسحبت من اتفاقية كيوتو، ورفضت الدخول في اتفاقيات نزع الألغام الأرضية، وإنشاء محكمة جرائم دولية، وغيرها من الاتفاقيات، وأصبحت الزاوية الخاصة التي تنظر منها إلى العالم تقوم على أساس عدم وجود أنداد لها تتحالف معهم على قدم المساواة، فمالت إلى التفرد، وأصبحت تتعامل مع الدول الكبرى الأخرى بأسلوب الهيمنة والتفوق.
هذه هي الكيفية التي تكون عليها النظرة من زاوية خاصة إلى الأحداث السياسية التي تجري في العالم، سواء كانت هذه الزاوية زاوية عامة، كاتخاذ نشر الدعوة أساساً للسياسة الخارجية، أي الزاوية الخاصة التي ينظر إلى العالم منها، أم كانت خاصة كحصر العداء في دولة معينة يمكننا التغلب عليها من الانطلاق في العالم، أم كانت أخص من ذلك كالاشتباك في معركة سياسية معينة من أجل أن ترى الدول الأخرى نموذجاً من معاركنا السياسية. فانطباق النظرة من زاوية خاصة على الأعمال والحوادث السياسية أمر سهل، ولا يحتاج إلا إلى ممارسة السياسة بالفعل، بل يكفي في فهمه استعراض الأحداث السياسية بعمق، ومن هنا يتبين أن تتبع السياسة، وإدراك المفاهيم السياسية يجب أن يؤدي إلى إيجاد الوعي السياسي، وأن هذا الوعي السياسي أمر لا بد منه للعمل السياسي، بل لا بد منه للتأثير في الأحداث السياسية.
وإذا كانت الدول الكبرى قد أصبح الوعي السياسي لديها بديهة من البديهيات، وأصبحت معرفة السياسة الدولية الخبز اليومي للسياسيين، فإن المفروض في أبناء الأمة الإسلامية، وهم أبناء الدولة الإسلامية، أن يكون الوعي السياسي أول ما يجب أن يتحلوا به من المفاهيم السياسية، وأن يكون أساس قيامهم بالأعمال السياسية، وأن يعملوا لأن يصبح شائعاً بين الناس، وبديهة من البديهيات في المجتمع، وأن يكون الخبز اليومي للسياسيين، فإن مهمتهم الكبرى، ووظيفتهم الأصلية، هي حمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، ونشر الهدى بين الناس، وهذا لا يتأتى إلا إذا كانوا سياسيين، وإلا إذا نظروا إلى العالم من زاوية خاصة، وإلا إذا كان لديهم الوعي السياسي الكامل.
ولأجل أن لا يكبر أمر الوعي السياسي عليهم، وأن لا يظنوه شيئاً ضخماً لا يستطيع أن يتمتع به إلا الأذكياء وإلا المثقفون، فإنهم يجب أن يعرفوا أن الوعي السياسي أمر في منتهى البساطة، وهو ميسور لكل الناس حتى للأميين والعوام. لأن الوعي السياسي لا يعني الإحاطة بالإسلام كله، أو بما يجب أن يتخذ زاوية خاصة للنظرة إلى العالم، وإنما يعني فقط أن تكون النظرة نظرة إلى العالم, مهما كانت معارفه عنه قليلة أو كثيرة، وأن تكون هذه النظرة من زاوية خاصة. فالعبرة فيه هي النظرة العالمية، ولو كان عملاً سياسياً واحداً، وأن تكون هذه النظرة العالمية من زاوية خاصة محددة. فمجرد وجود النظرة إلى العالم، ومن زاوية خاصة، يكفي للدلالة على الوعي السياسي.
صحيح أن هذا الوعي السياسي يتفاوت قوة وضعفاً بتفاوت المعارف عن العالم وعن الأحداث السياسية، ويتفاوت بتفاوت المعارف عن الزاوية الخاصة، ولكن كله وعي سياسي، ويؤدي النتيجة نفسها مهما تفاوت، وهي الارتفاع عن السطحية في السياسة، والترفع عن التفاهة في النظرة إلى الأمور. وعلى هذا فالوعي السياسي ليس خاصاً بالسياسيين والمفكرين، ولا يصح أن يكون خاصاً بالسياسيين والمفكرين، وإنما هو عام، ويجب أن يكون عاماً، وممكن إيجاده في الأميين والعوام، كما يمكن إيجاده في العلماء والمتعلمين، بل يجب إيجاده ولو إجمالاً في الأمة بجملتها؛ لأن الأمة هي التربة التي ينبت فيها الرجال، فلا بد أن تكون هذه التربة تربة وعي سياسي، حتى تنبت الرجال، وحتى تتمكن من محاسبة الحكام، ومن تقدير الرجال، ومن مجابهة الأخطار الخارجية بوعي صحيح.
أما الطريقة لإيجاد الوعي السياسي في الأفراد، وإيجاده في الأمة، فإنها هي التثقيف السياسي بالمعنى السياسي، سواء أكان تثقيفاً بأفكار الإسلام وأحكامه، أم كان تتبعاً للأحداث السياسية، فيتثقف بأفكار الإسلام وأحكامه، لا باعتبارها نظريات مجردة، بل بتنزيلها على الوقائع، ويتتبع الأحداث السياسية، لا كتتبع الصحفي ليعرف الأخبار، ولا كتتبع المعلم ليكتسب معلومات، بل بالنظرة إليها من الزاوية الخاصة لإعطائها الحكم الذي يراه، أو ليربطها بغيرها من الأحداث والأفكار، أو يربطها بالواقع الذي يجري أمامه من الأعمال السياسية. فهذا التثقيف السياسي، بالمبدأ وبالسياسة، هو طريقة إيجاد هذا الوعي السياسي في الأمة وفي الأفراد، وهو الذي يجعل الأمة الإسلامية تضطلع بمهمتها الأساسية، ووظيفتها الأصلية، ألا وهي حمل الدعوة إلى العالم، ونشر الهدى بين الناس؛ ولذلك كان التثقيف السياسي هو الطريقة لإيجاد الوعي السياسي، عند الأمة وعند الأفراد، ومن هنا كان لا بد من التثقيف السياسي في الأمة الإسلامية على أوسع نطاق، فإنه هو الذي يوجد في الأمة الوعي السياسي، ويجعلها تنبت حشداً من السياسيين المبدعين.
منقول**
**الوعي السياسي
الوعي السياسي لا يعني الوعي على الأوضاع السياسية، أو على الموقف الدولي، أو على الحوادث السياسية، أو تتبع السياسة الدولية، والأعمال السياسية، وإن كان ذلك من مستلزمات كماله. وإنما الوعي السياسي هو النظرة إلى العالم من زاوية خاصة، وهي بالنسبة لنا من زاوية العقيدة الإسلامية، زاوية: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، هذا هو الوعي السياسي. فالنظرة إلى العالم من غير زاوية خاصة تعتبر سطحية، وليس وعياً سياسياً. والنظرة إلى المجال المحلي أو المجال الإقليمي تفاهة، وليس وعياً سياسياً، ولا يتم الوعي السياسي إلا إذا توفر له عنصران: أن تكون النظرة إلى العالم كله، وأن تنطلق هذه النظرة من زاوية خاصة محددة، أياً كانت هذه الزاوية، سواء أكانت مبدأ معيناً، أو فكرة معينة، أو مصلحة معينة، أو غير ذلك. هذا من حيث واقع الوعي السياسي كما هو، وبالطبع هو بالنسبة للمسلم من زاوية معينة هي العقيدة الإسلامية. هذا هو الوعي السياسي، وما دام هذا واقعه، فإنه يحتم طبيعياً على السياسي أن يخوض النضال في سبيل تكوين مفهوم معين عن الحياة لدى الإنسان، من حيث هو إنسان، في كل مكان. وتكوين هذا المفهوم هو المسؤولية الأولى التي ألقيت على كاهل الواعي سياسياً، والذي لا ينال الراحة إلا ببذل المشقة في تحملها وأدائها.
والواعي سياسياً يتحتم عليه أن يخوض النضال ضد جميع الاتجاهات التي تناقض اتجاهه، وضد جميع المفاهيم التي تناقض مفاهيمه، في الوقت الذي يخوض فيه النضال لتركيز مفاهيمه، وغرس اتجاهه. فهو يسير في اتجاهين في آن واحد، لا ينفصل أحدهما عن الآخر في النضال قيد شعرة؛ لأنهما شيء واحد، فهو يحطم ويقيم، ويهدم ويبني، يبدد الظلام ويشعل النور، وهو كما قيل: «نار تحرق الفساد, ونور يضيء طريق الهدى». وكما يدخل في تركيز المفاهيم، وغرس الاتجاهات، تنزيل الأفكار على الوقائع، والبعد عن التجريد والمنطق، كذلك يدخل في النضال ضد الاتجاهات، النضال ضد المطاعن التي تهاجم مفهومه عن الحياة، وضد مفاهيم الأعماق التي جاءت من العصور الهابطة، وضد التأثير التضليلي الذي يبثه الأعداء عن الأفكار والأشياء، وضد اختصار الغايات السامية، والأهداف البعيدة، بغايات جزئية، وأهداف آنية. فهو يناضل في جبهتين: داخلية وخارجية, ويناضل في اتجاهين: اتجاه الهدم، واتجاه البناء، ويعمل على صعيدين: صعيد السياسة وصعيد الفكر، وبالجملة هو يخوض معترك الحياة في أسمى ميادينها وأعلاها؛ ولذلك كان اصطدام الواعين بالقضايا، في احتكاكهم بالواقع، والناس، ومشاكل الحياة، أمراً حتمياً، لا فرق في ذلك بين الصعيد المحلي الداخلي والصعيد الدولي العالمي، وفي هذا الاصطدام، تبرز المقدرة على جعل الرسالة التي يحملها، والزاوية الخاصة التي ينظر إلى العالم منها، حسب المفهوم الذي يتبناه، هي الأساس، وهي الحَكَم، وهي الغاية التي يسعى إليها، والهدف الذي يجهد لتحقيقه. إلا أنه نظراً لالتزامه زاوية خاصة، ولوجود ذوق معين له، وميول معينة لديه، طبيعية كانت أو مبدئية، فإنه يخشى إن لم يع على نفسه أن يلون الحقائق باللون الذي يهواه، وأن يؤوّل الأفكار على الوجه الذي يريده، وأن يفهم الأخبار بحسب النتيجة التي يريد أن يصل إليها؛ ولذلك يجب أن يحذر من تسلط ميوله على الآراء والأنباء. فرغبات النفس لشيء ذاتي، أو حزبي، أو مبدئي، ربما تجعله يفسر الرأي أنه صدق وهو كذب، أو يخيل إليه أنه كذب وهو صدق؛ ولذلك لا بد من أن يتبين الواعي الكلام الذي يقال، والعمل الذي يعمل. فبالنسبة للوقائع، أشياء كانت أو حوادث، يجب أن يدركها إدراكاً حسياً، وأن يحس بها حساً منطقياً، ولكن كما هي، لا كما يحب ويرغب أن تكون. وبالنسبة للأفكار، يجب أن تُفهم كما هو واقعها، فينتقل في ذهنه إلى الخارج: خارج الذهن، ويرى ببصيرته الواقع الذي يعبر عن الفكر، ويفهم هذا الفكر، حسب رؤيته للواقع الذي يدل عليه، كما هو، لا كما يتفق مع ما يريد. صحيح أن التعبير قد يكون مجازياً، وقد يكون استعارة، وقد يكون كناية، وقد يكون جملة، معناها بكونها جملة، لا بالألفاظ التي تتركب منها، ولكن ذلك لا يمنعه من الانتقال إلى الخارج، ورؤية الواقع الذي تدل عليه، حسب دلالة اللغة، وكما قال عن معناها أهل اللغة. فالواعي سياسياً، يجب أن يسير مع الحق، ولكن حسب وجهة نظره التي أخذها عن جزم ويقين، وأن يرى الحقائق كما هي، ولكن حسب رؤيته الحسية أو الفكرية، وبذلك يستكمل الوعي، حيث تتوفر لديه وسائل التدبر. إلا أنه يجب أن يظل أساس كل شيء لديه من رؤية، وإدراك، وحس، وفهم، هو النظرة إلى العالم من زاوية خاصة.
وهنا قد يرد سؤال هو: كيف يتفق التجرد الذي يكون عليه الواعي سياسياً، من حيث التزام الحق ورؤية الحقائق كما هي، مع نظرته إلى العالم من زاوية خاصة؟ فإذا ورد مثل هذا السؤال، فإنما يرد من النظرة السطحية للأمور، فإذا تعمق المرء في البحث فإنه لا يورد مثل هذا السؤال؛ وذلك لأن هناك فرقاً بين واقع الأشياء، وبين الحكم عليها، فواقع الأشياء لا يختلف فيه الناس. فإذا كانت متعلقة بالرؤية البصرية، فكل من له بصر يرى الشيء كما هو، إلا أن يخدع ويضلل. وإذا كانت متعلقة بالحس، فإن كل من له إحساس يحس بالشيء، سواء بالذوق كطعم المر وطعم الحلو، أم باللمس كالناعم والخشن، أم بالسمع كالأصوات، أم بالشم كالروائح. فالأشياء يحس بها الناس كما هي، مهما حصل من تفاوت، ولكن الحكم على الأشياء هو الذي يختلف فيه الناس. فالنظرة إلى العالم من زاوية خاصة متعلقة بالحكم على الأشياء والأفعال، ورؤية الحقائق كما هي متعلقة بالاحساسات والإدراكات؛ ولذلك لا بد أن يرى الحقائق كما هي ويلتزم جانب الحق، ولا بد أن ينظر إلى العالم، والحوادث، والأشياء، من زاوية خاصة.
أما كيف ينطبق ذلك على السياسة العالمية، فإن استعراض بعض الأمثلة يُري كيف تسير النظرة للأحداث السياسية من زاوية خاصة، ولنورد بعض الأمثلة من سياسة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبعض الأمثلة من السياسة في القرون الوسطى، وبعض الأمثلة من السياسة المعاصرة. فالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت الزاوية الخاصة التي ينظر منها إلى العالم هي نشر الدعوة، فلأن قريشاً كانت هي الدولة الكبرى في الجزيرة، وكانت هي رأس الكفر في الوقوف في وجه الدعوة، فإنه وضع نصب عينيه حصر الأعمال السياسية والأعمال الحربية فيها، فكان يرسل العيون لترصدها، ويتعرض لتجارتها، ويشتبك معها في معارك الحرب، وكان يكتفي من باقي الدول أي القبائل بالوقوف متفرجين، أو كما يقولون بالوقوف على الحياد. فأعماله السياسية والعسكرية كانت تصدر عن النظرة إلى العالم من زاوية خاصة. والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين علم بأن خيبر تتفاوض مع قريش في عقد حلف بينهما؛ لمهاجمة المدينة، والقضاء على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسحق الإسلام، حدد زاوية العمل أن يهادن قريشاً، أو يصالحها، ويتفرغ لسحق خيبر، ومن هذه الزاوية الخاصة اتخذ سياسة السلم أساساً لأعماله المقبلة، ما دامت تسير في تحقيق غايته. فصارت أعماله كلها في هذه الفترة، من ذهابه للعمرة، ، ورضاه بإعراض قريش عنه، ولينه أمام تعنت قريش، ومخالفته لأصحابه، وغير ذلك، تسير وفق سياسة السلم. فكانت نظرته للأعمال السياسية مع عدوه الذي يركز عليه تصدر من زاوية خاصة، وتتكيف حسب مقتضيات هذه الزاوية الخاصة.
فهذان مثالان من أعمال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أحدهما عمل عام، وهو التركيز على دولة كبرى هي رأس أعدائه، بناء على زاوية خاصة. والثاني عمل خاص، وهو التركيز على هدف معين، فجعله زاوية خاصة، وصار ينظر إلى الأعمال السياسية والعسكرية من هذه الزاوية الخاصة. وبذلك يشاهد كيف تسيطر النظرة للأحداث السياسية من زاوية خاصة، على الأعمال والتصرفات، وكيف أنه لولا هذه النظرة من زاوية خاصة، لكانت الأعمال لا معنى لها.**
**تعريف السياسة
السياسة هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة.
هذا هو تعريف السياسة، وهو وصف لواقع السياسة من حيث هي، وهو معناها اللغوي في مادة ساس يسوس سياسة بمعنى رعى شؤونه، قال في المحيط “وسست الرعية سياسة أمرتها ونهيتها” وهذا هو رعاية شؤونها بالأوامر والنواهي، وأيضا فإن الأحاديث الواردة في عمل الحاكم، والواردة في محاسبة الحكام، والواردة في الاهتمام بمصالح المسلمين يستنبط من مجموعها هذا التعريف، فقد روى مسلم عن أبي حازم قال : قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي r قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلما هلك نبي خلفه نبي ، وأنه لا نبي بعدي ، وستكون خلفاء فتكثر ، قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : فوا ببيعة الأول فالأول ، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم» رواه مسلم ، وقوله r : «ما من عبد يسترعيه الله رعية لم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة» رواه مسلم، وقوله عليه السلام : «ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة»رواه البخاري ، وقوله r : «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف فقد برئ ومن أنكر فقد سلم إلا من رضي وتابع» رواه مسلم والترمذي، وقوله r : «من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم» رواه الحاكم، وعن جرير بن عبد الله قال: «بايعت رسول الله r على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم» متفق عليه، فهذه الأحاديث كلها سواء ما يتعلق بالحاكم في تولية الحكم، أو ما يتعلق بالأمة التي تحاسب الحاكم، أو ما يتعلق بالمسلمين بعضهم مع بعض من الاهتمام بمصالحهم والنصح لهم، كلها يستنبط منها تعريف السياسة بأنها رعاية شؤون الأمة فيكون تعريف السياسة المتقدم تعريفاً شرعيا مستنبطاً من الأدلة الشرعية.
ومنذ أن هدمت الخلافة وطبقت أنظمة الكفر السياسية في البلاد الإسلامية، انتهى الإسلام من كونه سياسياً، وحل محله الفكر السياسي الغربي المنبثق عن عقيدة المبدأ الرأسمالي، عقيدة فصل الدين عن الحياة. ومما يجب أن تدركه الأمة الإسلامية، أن رعاية شؤونها بالإسلام لا تكون إلاّ بدولة الخلافة، وأن فصل الإسلام السياسي عن الحياة وعن الدين، هو وأد للإسلام وأنظمته وأحكامه، وسحق للأمة وقيمها وحضارتها ورسالتها.
والدول الرأسمالية تتبنى عقيدة فصل الدين عن الحياة وعن السياسية، وتعمل على نشرها وتطبيق أحكامها على الأمة الإسلامية، وتعمل على تضليل الأمة وتصور لها بأن السياسة والدين لا يجتمعان، وأن السياسة إنما تعني الواقعية والرضى بالأمر الواقع مع استحالة تغييره، حتى تبقى الأمة رازحة تحت نير دول الكفر، دول الظلم والطغيان، وحتى لا تترسم الأمة بحال سبيلاً للنهضة. بالإضافة إلى تنفير المسلمين من الحركات الإسلامية السياسية، ومن الاشتغال بالسياسة. لأن دول الكفر تعلم أنه لا يمكن ضرب أفكارها وأحكامها السياسية إلاّ بعمل سياسي، والاشتغال بالسياسة على أساس الإسلام. ويصل تنفير الأمة الإسلامية من السياسة والسياسيين إلى حد تصوير السياسة أنها تتناقض مع سمو الإسلام وروحانيته. ولذلك كان لا بد من أن تدرك الأمة السر وراء محاربة الدول الكافرة، والحكام العملاء للحركات الإسلامية وهي تعمل لإنهاض المسلمين بإقامة دولة الخلافة وتضرب أفكار الكفر، وتعيد مجد الإسلام.
وعليه لا بد من أن تعي الأمة الإسلامية معنى السياسة لغة وشرعاً، وأن الإسلام السياسي لا يوجد إلاّ بدولة الخلافة، والتي بدونها يغيض الإسلام من كونه سياسياً، ولا يعتبر حياً إلاّ بهذه الدولة، باعتبارها كياناً سياسياً تنفيذياً لتطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها، وهي الطريقة الشرعية التي تنفذ بها أحكام الإسلام وأنظمته في الحياة العامة، وأن الله قد أوجب على الأمة تطبيق هذه الأحكام، وحرم الاحتكام لأنظمة الكفر، لمخالفتها للإسلام ولأنها من وضع البشر.
ولذلك كان لا بد من أن تثقف الأمة الثقافة الإسلامية، ودوام سقيها بالأفكار والأحكام السياسية، وبيان انبثاق هذه الأفكار وهذه الأحكام عن العقيدة الإسلامية باعتبارها فكرة سياسية، والتركيز على ذلك من الناحية الروحية التي فيها، باعتبار أنها أوامر ونواه من الله لا بأي وصف آخر. وهذا الوصف هو الذي يكفل تمكن أفكار وأحكام الإسلام في النفوس، ويكشف للأمة معنى السياسة والفكر السياسي، ويجعلها تدرك المسؤولية الملقاة على عاتقها لإيجاد أفكار الإسلام وأحكامه في حياتها العملية، وأهمية الرسالة العالمية التي أوجب الله حملها للناس كافة، خاصة وهي ترى مدى ما وصل إليه حالها في هذا العصر لغياب دولة الإسلام وأفكار وأحكام الإسلام من حياتها، ومدى ما وصل إليه العالم من شرٍ وشقاء واستعباد للناس. وهذا التثقيف السياسي، سواء أكان تثقيفاً بأفكار الإسلام وأحكامه، أم كان تتبعاً للأحداث السياسية فإنه يوجد الوعي السياسي، ويجعل الأمة تضطلع بمهمتها الأساسية، ووظيفتها الأصلية ألا وهي حمل الدعوة الإسلامية إلى الشعوب والأمم الأخرى.**