ألزواج والزيجات

**تعدد الزوجات حق للرجل والمرأة

تطالعنا التقارير والأخبار بأرقام مذهلة عن العنوسة في كثير من بلاد المسلمين، بلاد تتميز بالغنى وأخرى بالفقر الشديد، وعندما تتحدث الأرقام عن الملايين فإن الأمر لا شك له آثار كبيرة وخطيرة على المجتمع، خصوصا في ظل غياب الرعاية الصحيحة من نظم الحكم القائمة في بلادنا. بل إن تلك النظم هي من يفاقم المشكلات الاجتماعية، فهي التي تشغّل وسائل الإعلام ليل نهار لنشر الرذيلة والفساد، والمسلسلات التي تحاول ترسيخ الانحطاط والشذود، كما في المسلسل المدبلج (الحب الممنوع). وفي بعض بلاد المسلمين يمنع القانون تعدد الزوجات ويعاقب بالحبس من يثبت عليه الزواج المتعدد، بينما لا عقوبة في ذلك القانون على من يقارف الزنا. لكن الأخطر من ذلك -في نظري - هو ما ترسخ من مفاهيم عند كثير من المسلمين والتي تنظر إلى تعدد الزوجات على أنه خطأ يجب تركه، وأصبح في كثير من المناطق عرفا تصعب مواجهته.

ومن اللافت للنظر اشتداد الحملة المسعورة التي تقوم بها بعض الجمعيات النسائية ضد المجتمع المسلم، بدعم من صناديق غربية مشبوهة ليتمرد المسلمون على مجتمعهم النقي وعلى دينهم وأخلاقهم، وتشجيع النساء على الخروج على الضوابط الإسلامية، وترك الاحتشام والخلق الرفيع تحت شعارات مسمومة مثل تحرر المرأة من ظلم المجتمع، واستقلالية الرأي، وحرية التصرف، وما إلى ذلك من المصطلحات التي تخالف ماهو معلوم من الدين بالضرور. ومن يتابع هذه الحملة المسعورة يلاحظ بشكل جلي أنها تركز على مجتمعات المسلمين من خلال استغلال بعض النساء للعب هذا الدور الذي يهدف إلى تفكيك المجتمع من الداخل وإبعاده عن معتقداته وعاداته وتراثه، ليتحول إلى مجتمع منحل، خال من الأخلاق، بعيد عن الدين الذي هو أساس تقدم المجتمع ونجاحه، فقد أدرك هؤلاء أنه من المستحيل تحقيق أحلامهم الخبيثة إلا من خلال تفكيك المجتمع من الداخل بهدم الأخلاق والدين.

نحن ندرك تماما أن الغرب الذي يدعم هذه الجمعيات بالمال والإعلام والخبراء، ليس حبا في المسلمين ونسائهم. فهذا الغرب الذي يذرف دموع التماسيح على نسائنا هو من رمّل أكثر من مليوني امرأة عراقية، ويتّم أكثر من خمسة ملايين من أطفال المسلمين هناك، وهو لا يزال يقتل ويرمّل وييتّم في العراق وفلسطين وأفغانستان وباكستان وغيرها، فكيف نصدق أكذوبة جمعياتهم ودموعهم التي تحرق أجساد أطفالنا.

إن تعدد الزوجات أمر رباني، وهو حكم شرعي ثابت بالنص القرآني، وطبقه رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه وصحابته الكرام. واستمر حال المجتمع الإسلامي على ذلك إلى يومنا هذا، ولم يكن تعدد الزوجات مشكلة في يوم من الأيام للمسلمين، بل كان على الدوام حافظا للمجتمع من الأمراض الاجتماعية التي تعاني منها كل المجتمعات اليوم.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدراسات التي يقوم بها بعض الكفار تؤدي بهم إلى نتيجة مفادها أن تعدد الزوجات علاج لكثير من مشاكل مجتمعاتهم، فقد قرأت قبل سنوات دراسة لمعهد روسي حول انحراف الشباب، وقد خلص البحث إلى أن المناطق التي يقطنها المسلمون تعاني من انحرافات قليلة للشباب وأطفال المدارس، كما خلص البحث إلى أن السبب وراء ذلك يعود لتعدد الزوجات، والذي يؤدي إلى تماسك الأسرة المسلمة التي إن حصل وفقد منها الأب فإن تعدد الزوجات يفي بالغرض وتبقى الأسر متماسكة. إن تعدد الزوجات يتيح لجميع أفراد المجتمع المشاركة في الحياة الاجتماعية، وبدل أن تترك العديد من الفتيات، أو الأرامل أو المطلقات للعزلة، فإنهن يشاركن في المجتمع ويمارسن حقهن بالحياة الكريمة، وهذا ما يهدف إليه ديننا الحنيف. أما الجمعيات المتباكية على نسائنا فرأيها مناف لديننا، وبالعكس يشجع على الانعزال والأنانية والسقوط في أمور غير أخلاقية.

لقد أعجبني رأي لأحدى الأخوات على قناة الجزيرة قبل مدة، وهي من المغرب وتحمل شهادة الدكتوراه في الفقه الإسلامي، فقد قالت : إن تعدد الزوجات هو حق للرجل والمرأة على السواء، وأوضحت أن اللواتي يطالبن بإلغاء التعدد هن أنانيات، فالمتزوجة عليها أن تنظر إلى أختها الغير متزوجة، وأن على النساء أن يطالبن بالتعدد أكثر مما يطالب به الرجال، فهو حق لهن شرعه العليم الخبير، وهو الذي يكفل لكل النساء العفة والطهر والكرامة.

إن المؤسف أن تجد من بين المسلمين وخصوصا النساء من يعتبر هذا الحكم الشرعي “خطر على المجتمع” “وخراب للبيوت” مثلما تشيع الجمعيات المشبوهة، في الوقت الذي لا نجد من ينتقد السفور المستشري، ولباس النساء الفاضح، والموديلات الهابطة التي تغزو بلادنا ونحن نرى ولا نحرك ساكنا، وان الأمر إذا استمر على هذه الحال، سفور للنساء من جهة ومحاربة لتعدد الزوجات من جهة أخرى، فإن النتيجة لا تحمد عقباها وندم حين لا ينفع الندم. ولا بد من للمسلمين من التمسك بدينهم بدل أن يقلدوا أباطيل الغرب، ويكفينا شرفا أن كلا منا يعرف أباه، وفي بلاد الغرب فإن القليل من الناس من يعرف أباه.

عن مجلة الزيتونة**

**ضوابط التعدد في الإسلام:

لم يترك الإسلام أمر التعدد للأهواء والأمزجة، وإنما وضع له ضوابط وشروطًا صريحة محكمة كما ذكرنا آنفًا، يضمن بها صلاح واقع البشرية وتجنب الظلم والإضرار، وتتمثل هذه الضوابط والشروط فيما يلي:

أولًا: تحديد العدد

قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]، قال ابن كثير: (انكحوا ما شئتم من النساء سواهن إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثا وإن شاء أربعا، كما قال تعالى: { جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } [ فاطر: 1 ] أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه، بخلاف قصر الرجال على أربع … لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره) [تفسير ابن كثير، (3/77)، باختصار يسير].

فلا دليل في الآية لمن يقول بجواز الزيادة على أربع، بالإضافة إلى تأكيد السنة ذلك، كما في حديث إسلام غيلان بن سلمة السالف، وهو محل إجماع بين المسلمين، قال ابن كثير: (قال الشافعي: وقد دَلَّت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة،

وهذا الذي قاله الشافعي، رحمه الله، مجمع عليه بين العلماء) [تفسير ابن كثير، (3/77)].

ثانيًا: العدل بين الزوجات:

قال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا}، قال الشنقيطي رحمه الله في دلالات هذه الآية: (وأنه مع خشية عدم العدل لا يجوز نكاح غير واحدة) [أضواء البيان، الشنقيطي، (3/77)].

وقال السعدي رحمه الله: (ومع هذا فإنما يباح له ذلك إذا أمن على نفسه الجور والظلم، ووثق بالقيام بحقوقهن، فإن خاف شيئا من هذا فليقتصر على واحدة، أو على ملك يمينه) [تفسير السعدي، ص(144)].

وحذرت السنة المطهرة من الجور في ذلك الشأن، فقال صلى الله عليه وسلم: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) [رواه أبو داود، (2133)، وصححه الألباني، صحيح سنن أبي داود، (1867)].

وأما قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129]، فمعناها الميل القلبي كما قال ابن كثير في أنها نزلت في عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها أكثر من غيرها) [تفسير ابن كثير، (2/430)].

وقد اتخذ المغرضون من هذه الآية ذريعة لمنع التعدد، فقالوا: التعدد مشروط بالعدل، والعدل غير مستطاع فهذا دليل تحريمه، وتجاهلوا بقية الآية: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}، فكيف يأمر الله بما لا يكون في وسع البشر؟ وإنما غاية ما يقال في نفي العدل، إنما هو الميل كما قال ابن كثير: (لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن حصل القسْم الصوري: ليلة وليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع) [تفسير ابن كثير - (2/430)].

وحول هذا الشرط يقول العلامة أحمد شاكر رحمه الله: (وشرط العدل في هذه الآية {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً } شرط شخصي لا تشريعي؛ أعني: أنه شرطٌ مرجعُهُ للشخص، لا يدخل تحت سلطان التشريع والقضاء؛ فإنّ الله قد أذن للرجل -بصيغة الأمر- أن يتزوج ما طاب له من النساء، دون قيد بإذن القاضي، أو بإذن القانون، أو بإذن ولي الأمر، أو غيره، وأمره أنه إذا خاف -في نفسه- ألا يعدل بين الزوجات أن يقتصر على واحدة.

وبالبداهة أنْ ليس لأحد سلطانٌ على قلب المريدِ الزواجَ، حتى يستطيع أن يعرف ما في دخيلة نفسه من خوف الجور أو عدم خوفه، بل ترك الله ذلك لتقديره في ضميره وحده، ثمَّ علَّمه الله -سبحانه- أنه على الحقيقة لا يستطيع إقامة ميزان العدل بين الزوجات إقامة تامّة لا يدخلها ميل، فأمره ألا يميل كلَّ الميل، فيذر بعض زوجاته كالمعلقة، فاكتفى ربه منه -في طاعة أمره في العدل- أن يعمل منه بما استطاع، ورفع عنه ما لم يستطع) [عمدة التفاسير، أحمد شاكر، ص(459)].

ثالثًا: النفقة

وتشمل النفقة الطعام والشراب والكسوة والمسكن والأثاث اللازم له ويجب أن تكون لدى الرجل الذي يقدم على الزواج بادئ ذي بدء القدرة المالية على الإنفاق على المرأة التي سيتزوج بها. والحديث في ذلك واضح: (لا ضرر ولا ضرار) [رواه ابن ماجه، (2430)، وصححه الألباني، صحيح سنن ابن ماجه، (2340)]، والنفقة واجبة بالإجماع، فيشترط إذن لتعدد الزوجات أن يكون الرجل مستطيعًا سبيل النفقة، وكما يقال في القدرة المالية يقال كذلك في القدرة الجنسية.

حكمة تعدد الزوجات:

الأصل في التعامل مع الأحكام الشرعية هو التسليم المطلق حتى ولو لم تتبد الحكمة منه، {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51]، ولكن ذلك لا يمنع من استباط الحكمة والسعي للوصول إليها، ويمكننا باستصحاب خصائص الشريعة، واستقراء الواقع نتلمس جيدًا مبررات التعدد في الإسلام:

1 ? مواجهة زيادة أعداد النساء على الرجال:

( تدل الإحصائيات التي جرت وتجري في بلاد العالم المختلفة دلالة واضحة على أن عدد الإناث أكثر من عدد الذكور ، وذلك نتيجة لكثرة ولادة البنات.

ولأن موت الرجال بمشيئة الله تعالى وقدرته أكثر من موت النساء، فالرجال هم وقود المعارك العسكرية، وتلتهم الحروب عدداً كبيراً منهم، هذا بالإضافة إلى تعرض الرجال للحوادث بشكل أكثر من النساء، فهم يخرجون للكسب وطلب الرزق وينتقلون من أجل ذلك من مكان لآخر، ويذلون كل ما في وسعهم من جهد للحصول على لقمة العيش، الأمر الذي يجعلهم أكثر قابلية للمرض والموت هذا في الوقت الذي يكون فيه النساء في بيوتهن، ويترتب على ما سبق أن ذكرناه آنفاً وجود فارق بين نسبة الإناث ونسبة الذكور) [تعدد الزوجات في الإسلام، محمد بن مسفر بن حسين الطويل، ص(21)].

ومن ثم تكون الحاجة للتعدد لمواجهة هذا النقص العددي في الرجال عنه في النساء، وإلا صرنا أمام احتمالات أخرى بالغة السوء، فإما أن تبقى أعداد كثيرة من النساء بدون زواج، أو أن يخادن الرجل ويسافح من شاء من النساء.

2 ? مراعاة الظروف الصحية التي تمر بها الزوجة:

فقد تضعف عن القيام بوظيفتها المنزلية أو الجنسية كإصابتها بأمراض مزمنة أو عجز مرهق أو عقم دائم، فتتعرض هذه المسكينة البائسة إلى خطر هجر الزوج لها أو طلاقها، ومصلحتها تقتضي أن تظل في بيتها وتحت رعاية زوجها) [مزايا نظام الأسرة المسلمة، أحمد حسن كرزون، ص(215)]، فنتساءل في هذه الحالة: أيهما خير للزوجة الأولى؟ أن يفارقها زوجها أم يمسكها ويرعاها ويتزوج عليها؟

3 ? تلبية حاجات الرجل الفطرية:

فمن الرجال من تزداد رغبته الجنسية، ولا يكتفي بامرأة واحدة، ولا يصبر على ترك الجماع في فترة الحيض لزوجته، أو قد يكون كثير الأسفار، فهل نسمح له بمزاولة الفاحشة لإشباع حاجاته، أم نتركه ينعم بما رخص له الإسلام دين اليسر؟

يقول المستشرق الفرنسي “أميل درمنغم”: (أيهما أثقل: تعدد الزوجات الشرعي أم تعدد الزوجات السري؟ إن تعدد الزوجات من شأنه إلغاء البغاء والقضاء على عزوبة النساء ذات المخاطر) [المصدر السابق، ص(217)، نقلًا عن كتاب قالوا عن الإسلام، ص(411)].

4 ? الحصول على الذرية:

(فترة الإخصاب في الرجل تمتد إلى سن السبعين أو ما فوقها، بينما هي تقف في المرأة عند سن الخمسين أو حواليها، فهناك في المتوسط عشرون سنة من سني الإخصاب في حياة الرجل لا مقابل لها في حياة المرأة، وما من شك أن أهداف اختلاف الجنسين ثم التقائها امتداد الحياة بالإخصاب والإنسال، وعمران الأرض بالتكاثر والانتشار، فليس مما يتفق مع هذه السنة الفطرية العامة أن نكف الحياة عن الانتفاع بفترة الإخصاب الزائدة في الرجل) [دستور الأسرة في ظلال القرآن، أحمد فائز، ص(182-183)]

ومن ناحية أخرى هناك من الرجال من تقصر زوجته عن الإنجاب لعقم أو مرض، فهل نحرمه من متطلبات فطرته في أن يكون أبًا، أم نأمره بأن ينجب من سفاح؟ اللهم لا يقول هذا إلا من عميت بصيرته.

فلا يبقى إلا اختيار مفارقة زوجته العقيم، وإن قلنا بذلك فلا شك أن فيه ظلم للمرأة والتي تعاني مثل الرجل وأكثر من عدم الإنجاب، فنجمع عليها بذلك همين، فهل يقول بذلك عاقل؟!

5 ? قد يبغض الرجل زوجته لسبب أو لآخر:

وقد تكون الزوجة تضطرها ظروفها لأن تبقى في كنف زوجها، ففي هذه الحالة نأمره بطلاقها أم أن له فسحة في دين الله، يتزوج بأخرى ويمسك الأولى، وقد يكون زواجه الثاني سببًا في تأليف قلبه على زوجته الأولى عندما يجد راحته، ففي هذا صيانة للأسرة من التفكك والتبعثر من جراء الطلاق.

6 ? علاج بعض المشاكل الإنسانية:

كإتاحة الفرصة أمام العانسات والأرامل والمطلقات بأن يحظين بأزواج يجدن معهم العفة، وذلك خير للمجتمع من الوقوع في مستنقعات الرذيلة.

والأم الأرملة المتوفي عنها زوجها تاركًا لها أطفالًا، فالتعدد يفيد في تلك الحالة في إعفافها أولًا، ثم رعاية وكفالة أطفالها الأيتام.

قد يتوفى أحد إخوان الرجل أو أقاربه، فيتزوج أرملة أخيه أو قريبه صيانة لأهله، حيث تدفعه صلة الرحم لأن يتزوجها.

وأمثال وأشباه هذه المشكلات الكثير والكثير، علاجها الناجح كثيرًا ما يتمثل في التعدد، فهو إذن ليس خيرًا ومنفعة للرجل وحده، وإنما هو للمجتمع بأسره رجالًا ونساءً، فقط لا يدرك ذلك إلا من تجرد لله، ولم تغش عينيه تلك الزوبعات السوداء والنعرات الغريبة على تراثنا ومجتمعنا الإسلامي.

منقول عن : **

**حوار هادئ حول تعدد الزوجات

عادل مناع

بسم الله الرحمن الرحيم

يعتبر تعدد الزوجات من المحاور الأساسية في قضية تحرير المرأة المزعوم، والذي تولى كبرها علمانيو الغرب وأذنابهم من المنتسبين إلى أمة الإسلام، لكي تحذو المرأة المسلمة حذو نظيرتها الأوربية، فتنسلخ من هويتها كخطوة واسعة على طريق تقويض البنيان الإسلامي الشامخ.

ولقد كانت هذه المسألة وما زالت مادة خصبة للجدل الواسع، وصارت تناقش بمعزل عن محضن الشريعة، فتعددت فيها الآراء، وأدلى كلٌ فيها بدلوه، واعتبر التعدد إهانة للمرأة وظلمًا لها وإهدارًا لكرامتها، فقام المغرضون للترويج لهذه القضية على ذلك النسق الفاسد، وطالبوا بتحرير المرأة من قيود الظلم الواقع عليها ـ ومن أعظمها التعدد ـ مشيرين من قريب أو بعيد إلى شرائع الإسلام كمسئول أوحد عن هذا الظلم الواقع على المرأة.

والكلام في تلك القضية قديم، ظهر إلى العلن في حقبة قاسم أمين الذي كان يرى أن التعدد يعد احتقاراً شديداً للمرأة [المشابهة بين قاسم أمين في كتابه “تحرير المرأة” وبين دعاة التحرير في هذا العصر، سليمان بن صالح الخراشي].

(وكان من أول من نادى بهذه الفكرة من الشرعيين هو الشيخ محمد عبده فقد حمل على التعدد حملة شعواء وقدم إلى الحكومة اقتراحا تضع بموجبه نظاما تشرف به على تعدد الزوجات حتى لايقدم عليه من ليس أهلا له لكن الحكومة لم تأخذ به ، وقام تلاميذه من بعده بالدعوة إلى ماكان يدعو إليه أستاذهم ، ولما ألفت فى عام 1928 لجنة تعديل بعض أحكام الأحوال الشخصية وكان أكثر أعضاءها من تلاميذ الشيخ محمد عبده وضعوا مقترحات تتضمن تقييدا لتعدد الزوجات قضائيا ولكن قامت معارضة شديدة لهذا المشروع وتناوله رجال الفقه بالنقد مما أدى إلى العدول عنه) [تعدد الزوجات، سدينة عبد الكريم الزوي، ص(15)].

ولا ننكر أن الممارسات الخاطئة لبعض أو كثير ممن عددوا قد هيأت المناخ المناسب لتلك النعرات، ولكن الإسلام كشرائع محكمة نزلت من لدن حكيم خبير، ليس مسئولًا عن أخطاء المنتسبين إليه المسيئين تطبيق أحكامه، علمًا بأن هذا الخلل في الممارسات والتطبيق، إنما هو جزء من منظومة شاملة من الانحراف السلوكي عن شرع الله لا يمكن فصل بعض أجزائها عن بعض.

أصداء الدعوة الهدامة:

لقد كان للتنديد بالتعدد في ظل الإسلام صداه في واقع المجتمعات الإسلامية، فلقد استحسنت كثير من النساء تلك الهجمة الشرسة على تعدد الزوجات، وصرن لا يقبلن على الإطلاق بهذه الفكرة، ويعتبرنها من قبيل الخيانة الزوجية التي تستدعي الطلاق، بل وصل الأمر إلى أن بعض النساء يفضلن قيام أزواجهن بالخيانة على الزواج من غيرهن.

وحتى الملتزمات منهن تتردد أبصارهن بين تقديس أحكام الشريعة وبين سطوة النظرة المعاصرة للتعدد، تكون الغلبة في كثير من الأحيان للثانية، ولا عجب فقد صار ينظر إلى المرأة التي تزوج عليها زوجها على أنها ضحية مكلومة مسلوبة الكرامة والحقوق.

وعلى صعيد الأنظمة والقوانين نرى بوضوح مدى التأثر بهذه الهجمة القديمة، فترنحت القوانين ما بين مقيدة ولاغية في بلاد المسلمين، ففي القانون الليبي مثلًا (اتجه القانون إلى التشديد فى القانون رقم ( 22 ) لسنة 1991 بتعديل م 13 من القانون 10 / 1984 حيث نص على (( أ ـ الحصول على الموافقة كتابية رسمية من زوجته التى فى عصمته أو صدور إذن من المحكمة بذلك . ب ـ التأكد من ظروف طالب التعدد الاجتماعية وقدرته الصحية والمادية وفى حالة تخلف أحد الشرطين يعتبر الزواج باطلا) [المصدر السابق نقلًا عن الزواج والطلاق في القانون الليبي، عبد السلام الشريف، ص(119)].

وأما في تونس (فقد اتجه المشرع فيها اتجاها متشددا حيث ألغى تعدد الزوجات ونص على ضرورة الاحتفاظ بزوجة واحدة فقط واعتبر الزواج بثانية باطلا لاينتج أثرا كما جاء فى نص المادة العاشرة من مجلة الأحوال الشخصية التونسية (( تعدد الزوجات ممنوع وإن تزوج بأكثر من واحدة يستوجب عقابا بالحبس مدة العام) [المصدر السابق ص(118)].

وفي مصر (حاولت جيهان زوج الرئيس الراحل أنور السادات استصدار قانون مشابه يمنع التعدد ، لكن رجال الأزهر الشريف والتيار الإسلامي الجارف نجحوا في إحباط المحاولة ، وإن كانت جيهان قد نجحت في تمرير قانون يجعل اقتران الرجل بأخرى إضرارا بالزوجة الأولى يعطيها الحق في طلب الطلاق !! وبعد مقتل السادات وانهيار سطوة جيهان تم إلغاء هذه المادة المخالفة للشريعة الغراء.

ولكن وسائل الإعلام المختلفة لم تتوقف عن مهاجمة التعدد الشرعي والسخرية منه ، والتندر على معددي الزوجات في الأفلام والمسلسلات الساقطة التي تقوم في ذات الوقت بتزيين الفواحش ، وتعرض اتخاذ العشيقات على أنه أمر كوميدي للتسلية والفكاهة والتبسيط !!! وخرجت امرأة علمانية على شاشة محطة دولية تهاجم التعدد في الإسلام) [زوجات لا عشيقات، حمدي شفيق، ص(2)].

التعدد هل تفرد به الإسلام؟

ما إن يذكر التعدد في الشرق أو الغرب حتى يشار إلى الإسلام وكأنه أول من احتضن هذه الفكرة، ويتم عمدًا إغفال الحقائق التاريخية والواقعية الثابتة في أن التعدد نظام اجتماعي قديم، فلقد كان هذا النظام منتشرًا بين الفراعنة، ومن أشهرهم رمسيس الثاني، الذي كان له ثماني زوجات أشهرهن “نفرتيتي” ثم “إيزيس نفر”، وعشرات من الجواري، وكان التعدد كذلك معروفًا زمن إبراهيم عليه السلام، وجمع يعقوب عليه السلام بين أختين ـ وكان جائزًا في شريعته ـ هما “ليا” و “راحيل” أم يوسف وبنيامين، وكان لداود عدة زوجات، وكذلك ابنه سليمان عليهما السلام.

وكان التعدد كذلك معروفًا عند العرب قبل الإسلام، فعن ابن عمر قال: أسلم غيلان بن سلمة وتحته عشر نسوة فقال له النبى صلى الله عليه وسلم (خذ منهن أربعًا) [رواه ابن ماجه، (2029)، وصححه الألباني، صحيح سنن ابن ماجه، (1953)].

وكان التعدد معروفًا في الدول ذات الأصل السلافي وهي الآن الصرب والروس والتشيك والسلوفاك ومعظم سكان رومانيا ومقدونيا وبلغاريا…

وكان ولا يزال معروفًا في البلاد الوثنية كالهند والصين واليابان وبعض دول إفريقية، وفي النصرانية ظلت الكنيسة تعترف بتعدد الزوجات حتى القرن السابع عشر، ولا يوجد نص صريح في الأناجيل الأربعة يحرمه، وإنما منعه النصارى تأثرًا بالوثنية التي كانوا يعيشون في كنفها قبل ذلك وتركت بعضًا من آثارها عليهم، من ذلك منع التعدد الذي كانت تفرضه بعض الدول الوثنية وليست كلها[للتوسع: زوجات لا عشيقات، حمدي شفيق، ص(3-6)].

فالتعدد إذن ظاهرة أو نظام اجتماعي لم تكن نشأته الأولى مع ظهور الإسلام، فلم كل هذا الهجوم على الإسلام وتشريعاته؟!

التعدد في ظل هيمنة الرسالة:

جاء الإسلام كرسالة مهيمنة يقر أوضاعًا وينسف أوضاعًا، ويهذب أخرى ويضبطها، في إطار متطلبات عالمية الرسالة وبقائها إلى يوم الدين.

وقبل مجيئه كانت المرأة مسلوبة الحقوق مهدرة الكرامة، تكابد أبشع ألوان الظلم، وكان من ضمنها التعدد الذي لم يكن له ما يضبطه كمًا وكيفًا، فلما جاء الإسلام أقر المبدأ إلا أنه أحاطه بسياج من الضوابط التي تكفل مصلحة المرأة من ناحية ومن ناحية أخرى (ليحقق أهدافه الإنسانية السامية ويعالج ظاهرة اجتماعية واقعية، ويسد به آخر ثغرة يمكن أن ينفذ منها نحو اقتراف الفواحش، كما يتلافى به ضرر إنهاء الحياة الزوجية عند عجر الزوجة صحيًا عن أداء وظيفتها مراعيًا بهذا التشريع المحكم كرامة المرأة وصيانتها ودفع الظلم والتعسف عنها) [مزايا نظام الأسرة المسلمة، أحمد حسن كرزون، ص (210)].

يقول صاحب الظلال: (الإسلام لم ينشئ التعدد إنما حدده، ولم يأمر بالتعدد وإنما رخص فيه، وقيده، وإنه رخص فيه لمواجهة واقعيات الحياة البشرية وضرورات الفطرة الإنسانية).**

** تعدد الزوجات

الكاتب : علي حسن جمال البنا

لا حاجة للمسلمين بنقاش حكم أتى من السماء من خالق البشر والأدرى بما يجب وما لا يجب أي الأدرى منهم بمصالحهم فليتقوا الله ويعلنوا الإنقياد لشرع الله بلا نزاع ونقاش

تعدد الزوجات حق للرجل والمرأة

تطالعنا التقارير والأخبار بأرقام مذهلة عن العنوسة في كثير من بلاد المسلمين، بلاد تتميز بالغنى وأخرى بالفقر الشديد، وعندما تتحدث الأرقام عن الملايين فإن الأمر لا شك له آثار كبيرة وخطيرة على المجتمع، خصوصا في ظل غياب الرعاية الصحيحة من نظم الحكم القائمة في بلادنا. بل إن تلك النظم هي من يفاقم المشكلات الاجتماعية، فهي التي تشغّل وسائل الإعلام ليل نهار لنشر الرذيلة والفساد، والمسلسلات التي تحاول ترسيخ الانحطاط والشذود، كما في المسلسل المدبلج (الحب الممنوع). وفي بعض بلاد المسلمين يمنع القانون تعدد الزوجات ويعاقب بالحبس من يثبت عليه الزواج المتعدد، بينما لا عقوبة في ذلك القانون على من يقارف الزنا. لكن الأخطر من ذلك -في نظري - هو ما ترسخ من مفاهيم عند كثير من المسلمين والتي تنظر إلى تعدد الزوجات على أنه خطأ يجب تركه، وأصبح في كثير من المناطق عرفا تصعب مواجهته.

ومن اللافت للنظر اشتداد الحملة المسعورة التي تقوم بها بعض الجمعيات النسائية ضد المجتمع المسلم، بدعم من صناديق غربية مشبوهة ليتمرد المسلمون على مجتمعهم النقي وعلى دينهم وأخلاقهم، وتشجيع النساء على الخروج على الضوابط الإسلامية، وترك الاحتشام والخلق الرفيع تحت شعارات مسمومة مثل تحرر المرأة من ظلم المجتمع، واستقلالية الرأي، وحرية التصرف، وما إلى ذلك من المصطلحات التي تخالف ماهو معلوم من الدين بالضرور. ومن يتابع هذه الحملة المسعورة يلاحظ بشكل جلي أنها تركز على مجتمعات المسلمين من خلال استغلال بعض النساء للعب هذا الدور الذي يهدف إلى تفكيك المجتمع من الداخل وإبعاده عن معتقداته وعاداته وتراثه، ليتحول إلى مجتمع منحل، خال من الأخلاق، بعيد عن الدين الذي هو أساس تقدم المجتمع ونجاحه، فقد أدرك هؤلاء أنه من المستحيل تحقيق أحلامهم الخبيثة إلا من خلال تفكيك المجتمع من الداخل بهدم الأخلاق والدين.

نحن ندرك تماما أن الغرب الذي يدعم هذه الجمعيات بالمال والإعلام والخبراء، ليس حبا في المسلمين ونسائهم. فهذا الغرب الذي يذرف دموع التماسيح على نسائنا هو من رمّل أكثر من مليوني امرأة عراقية، ويتّم أكثر من خمسة ملايين من أطفال المسلمين هناك، وهو لا يزال يقتل ويرمّل وييتّم في العراق وفلسطين وأفغانستان وباكستان وغيرها، فكيف نصدق أكذوبة جمعياتهم ودموعهم التي تحرق أجساد أطفالنا.

إن تعدد الزوجات أمر رباني، وهو حكم شرعي ثابت بالنص القرآني، وطبقه رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه وصحابته الكرام. واستمر حال المجتمع الإسلامي على ذلك إلى يومنا هذا، ولم يكن تعدد الزوجات مشكلة في يوم من الأيام للمسلمين، بل كان على الدوام حافظا للمجتمع من الأمراض الاجتماعية التي تعاني منها كل المجتمعات اليوم.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدراسات التي يقوم بها بعض الكفار تؤدي بهم إلى نتيجة مفادها أن تعدد الزوجات علاج لكثير من مشاكل مجتمعاتهم، فقد قرأت قبل سنوات دراسة لمعهد روسي حول انحراف الشباب، وقد خلص البحث إلى أن المناطق التي يقطنها المسلمون تعاني من انحرافات قليلة للشباب وأطفال المدارس، كما خلص البحث إلى أن السبب وراء ذلك يعود لتعدد الزوجات، والذي يؤدي إلى تماسك الأسرة المسلمة التي إن حصل وفقد منها الأب فإن تعدد الزوجات يفي بالغرض وتبقى الأسر متماسكة. إن تعدد الزوجات يتيح لجميع أفراد المجتمع المشاركة في الحياة الاجتماعية، وبدل أن تترك العديد من الفتيات، أو الأرامل أو المطلقات للعزلة، فإنهن يشاركن في المجتمع ويمارسن حقهن بالحياة الكريمة، وهذا ما يهدف إليه ديننا الحنيف. أما الجمعيات المتباكية على نسائنا فرأيها مناف لديننا، وبالعكس يشجع على الانعزال والأنانية والسقوط في أمور غير أخلاقية.

لقد أعجبني رأي لأحدى الأخوات على قناة الجزيرة قبل مدة، وهي من المغرب وتحمل شهادة الدكتوراه في الفقه الإسلامي، فقد قالت : إن تعدد الزوجات هو حق للرجل والمرأة على السواء، وأوضحت أن اللواتي يطالبن بإلغاء التعدد هن أنانيات، فالمتزوجة عليها أن تنظر إلى أختها الغير متزوجة، وأن على النساء أن يطالبن بالتعدد أكثر مما يطالب به الرجال، فهو حق لهن شرعه العليم الخبير، وهو الذي يكفل لكل النساء العفة والطهر والكرامة.

إن المؤسف أن تجد من بين المسلمين وخصوصا النساء من يعتبر هذا الحكم الشرعي “خطر على المجتمع” “وخراب للبيوت” مثلما تشيع الجمعيات المشبوهة، في الوقت الذي لا نجد من ينتقد السفور المستشري، ولباس النساء الفاضح، والموديلات الهابطة التي تغزو بلادنا ونحن نرى ولا نحرك ساكنا، وان الأمر إذا استمر على هذه الحال، سفور للنساء من جهة ومحاربة لتعدد الزوجات من جهة أخرى، فإن النتيجة لا تحمد عقباها وندم حين لا ينفع الندم. ولا بد من للمسلمين من التمسك بدينهم بدل أن يقلدوا أباطيل الغرب، ويكفينا شرفا أن كلا منا يعرف أباه، وفي بلاد الغرب فإن القليل من الناس من يعرف أباه.**

**ومن هنا يعلم أن الزواج المدني ليس اتفاقية زواج فحسب، بل هو اتفاقية زواج ونسب ونفقة وملكية وإرث وبنوة وحضانة وطلاق؛ فهو ليس مجرد عقد زواج كما يتوهمه بعض الناس بل هو نظام معاشرة رجل لامرأة أو امرأة لرجل، وما ينتظم هذه المعاشرة، وما يترتب عليها، وكيفية تركها.

أما لو نظرنا إلى واقع نظام الإسلام فيما يتعلق بالزواج، نجد أنه عقد خاص بالزواج لا يتعداه إلى غيره، ولا تشمل أحكامه أحكام غيره، ‎وأما النسب والنفقة والملكية والإرث والبنوة والحضانة والطلاق فهي أبواب منفردة، ولكل منها أحكام معينة خاصة به لا تشمل غيره. وبهذا يظهر التباين الكلي بين نظام الإسلام ونظام الزواج المدني. وبهذا أيضا يظهر أن المسألة ليست مسألة عقد وحسب بل مسألة أخذ نظام برمته، وأنّ من سعى إلى تقنينه في بلاد المسلمين أراد استبدال نظام الغرب الوضعي بالنظام الإسلامي الرباني.

ثمّ إنّ نظام الزواج المدني يخالف أحكام الإسلام كل المخالفة.‎ وإليك بعض أوجه المخالفة:

? في عقد الزواج في الإسلام تحدد صيغة العقد وشروطه وأركانه، والزواج المدني أهمل هذه الأمور من وجهة نظر إسلامية، فلم يحدد صيغة العقد من حيث لفظ الإيجاب والقبول، ومن حيث اشتراط الولي، ومن حيث المهر. وهذه الأمور تهدم العقد عند فقدانها أو تفسده.

? يشترط لانعقاد الزواج من وجهة نظر إسلامية أن يكون الشرع قد أباح تزوج أحد العاقدين بالآخر؛ فلا يتزوج المسلم إلا من مسلمة أو كتابية، ولا يجوز سواهما لقوله تعالى (وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، ولقوله تعالى (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ). كما يشترط في الرجل حتى تنكحه المرأة المسلمة أن يكون مسلما لا غير، ‎فيمنع أن يتزوج المرأة المسلمة كافر، سواء أكان كتابيا أم غير كتابي لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)، فزواج المسلم بالكافرة غير الكتابية كالمجوسية والبوذية والشيوعية والملحدة، وزواج المسلمة بالكافر مطلقا، زواج باطل لا ينعقد. والزواج المدني وفق القانون المدني الوضعي يجعل هذا الزواج صحيحا، فهو بذلك يخالف أحكام الإسلام.‎

? يشترط الشرع لصحة الزواج إذا انعقد شرعا شرطين: أحدهما أن تكون المرأة محلا لعقد الزواج أي أن لا تكون محرمة على الرجل، والزواج المدني يهمل هذه الناحية وفق تصور الإسلام للمحارم. والشرط الثاني هو حضور شاهدين مسلمين بالغين عدلين فاهمين الغرض من العقد، والزواج المدني لا يشترط الإسلام في الشاهدين.

هذا من حيث الزواج، أما من حيث ما تعلق باتفاقية الزواج المدني من أحكام تخصّ الطلاق والنفقة والملكية والسكن والإرث والبنوة والحضانة والنسب، فان أحكام الزواج المدني المتعلقة بها تخالف أحكام الإسلام. وإليك بعض أوجه المخالفة:

? جعل الشرع الطلاق للرجل يقع على المرأة متى أوقعه الرجل عليها مطلقا ولا يلزم إذن المحكمة، والزواج المدني يوجب إذن المحكمة.

? منع الشرع الكافر أن يرث المسلم، والزواج المدني وفق القانون المدني الوضعي يجيز أن يشترط فيه أن يرث الكافر المسلم.

? منع الشرع الكافر من حضانة الطفل المسلم بعد الفطام، والزواج المدني وفق القانون المدني يجيز أن يجعل الطفل المسلم تحت حضانة الكافر.

هذا هو واقع النظامين: نظام الزواج المدني ونظام الإسلام، وواضح فيه مخالفة الزواج المدني لنظام الإسلام كليا، ولذلك كان العقد الذي يحصل فيه عقدا غير شرعي، ولا يجوز لمسلم أو مسلمة عقد الزواج وفقه.

وهاهنا أشياء يتعيّن التنبيه عليها نعرضها في سؤالين:**

ألزواج ألمدني

**السؤال: إني أبحث عن الحكم الشرعي لعقود الزواج التي يقع إبرامها في مقرات البلدية وهل يجوز أن تتولى إبرامها امرأة وكذلك عن حكم الاشتراك في الملكية بين الزوجين ؟

كذلك أسأل عن الفرق بين العقد المدني والعقد الشرعي وهل عقود الزواج التي تترتّب عليها آثار مخالفة للشرع كعدم إمكانية التزوّج بثانية أو منع الزوج من حقّ تطليق زوجته إلا بإذن من المحاكم المدنية… هل يجوّز الشرع ذلك أم لا ؟

وبارك الله فيكم وسدّد خطاكم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته**

**ألجواب من : ياسين بن علي

أحمد ألله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

الأخ الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد، فإنّ هذا السؤال يتعلق بما يسمى الزواج المدني، وهو الذي يعقد في البلديات كما ذكرت. ولإدراك الحكم الشرعي في المسألة نبيّن واقع ما يسمى بالزواج المدني:

مصطلح الزواج المدني مرتبط بنشأة القانون المدني. والقانون المدني أول ما أطلق كان للتعبير عن القانون الذي يحكم مدينة روما ومن فيها. فهو إذن عبارة عن فرع للقانون الروماني القديم الذي كان مطبقا في الإمبراطورية الرومانية. “ثم استخدمت هذه العبارة في القرن السادس على مجموعة يوستنيان لتميزها عن مجموعة القانون الكنسي. ثم أطلقت فيما بعد على قانون نابليون الذي بُدئ به سنة 1804م والذي ضم الأحوال الشخصية إلى جانب الأحوال المالية. ومنذ تلك الفترة غدت لفظة القانون المدني تعني تشريع دولة من الدول لموجبات الأفراد في مناكحاتهم ومسؤولياتهم فيها وفي عقودهم وإيجاراتهم وبيوعهم والتزاماتهم ويكون هذا القانون سائداً لكافة عناصر الأمة وشرعة للمحاكم في حال رفع القضايا إليها”. ويقوم هذا المفهوم على أن التشريع في شتى مجالات الحياة ومنها الزواج للدولة لا غير، ولا ينازعها فيه أحد أو جهة حتى ولو كانت الكنيسة.

ومن هنا فقد أطلق تعبير “الزواج المدني” على الزواج الذي يخضع في إنشائه وانحلاله وآثاره وشروطه إلى مفهوم القانون المدني ومنظومته تمييزا له عن الزواج الكنسي (أو الديني) الذي يتم في الكنيسة. وتعتبر فرنسا هي أول من أطلق هذه التسمية في أعقاب صدور قانون نابليون. وقد تبع فرنسا في تقنين الزواج المدني، كل من ألمانيا والنمسا والسويد ورومانيا والاتحاد السوفييتي والبرازيل وسويسرا وبلجيكا والنرويج ودول أمريكا اللاتينية، ومن البلاد الإسلامية تركيا وتونس ولبنان.

وبالرجوع إلى نصوص القانون المدني الفرنسي المتعلق بالزواج (وأحسب أن السائل يقيم بفرنسا) نجد أن هذا الزواج ليس مجرد عقد إيجاب وقبول بين اثنين، بل عبارة عن نظام كامل ينظم العلاقة بين الرجل والمرأة، وهو أيضا ما ينطبق على بقية الدول التي قننت هذا الزواج. فنجد القانون يشترط في الزوجين اختلاف الجنسين (وفي بعض الدول لا يشترط)، وبلوغهما، والفحص الطبي، وانتفاء الغش حول شخصية أحدهما، وعدم قيام زواج آخر، وأن لا تكون الزوجة في عدة الطلاق، وأن لا تكون بينهما رابطة مانعة (يعنون النسب والمصاهرة، وفي بعض الدول ألحقت الرضاعة)، ولا بد من إعلان رغبتهما في الزواج قبل عشرة أيام على الأقل، ويجري العقد أمام مأمور النفوس (رجلا كان أو امرأة) ويتوجب حضورهما بشخصيهما لعدم جواز الوكالة، ويتعين تبادل الموافقة أمام مأمور النفوس، وبحضور شاهدين بالغين. ثم بعد ذلك لا بدّ من الاتفاق على كيفية العيش المشترك (وهو غاية الزواج من منظور القانون المدني) من الناحية المالية، وذلك باختيار أحد الأنواع الثلاثة من النظم المقننة وهي: نظام الاشتراك، ونظام التعاقد، ونظام البائنة. كما أن القانون قد حدد حقوق الزوجين وواجباتها، فنص على أنهما ملزمان بواجب الوفاء لبعضهما، والمساعدة (عند الشيخوخة أو المرض) والمساكنة (في سكن واحد وقبول العلاقات الجنسية)، كما نظم الطلاق فجعله بحكم محكمة، ونظم أيضا غير ذلك من المسائل كالإرث، والنسب، والحضانة.**

ألزواج والزيجات

**السؤال الأول هو: إذا كان عقد الزواج المدني غير شرعي، ولا يجوز لمسلم أو مسلمة الإقدام عليه، فكيف نفعل مع من تزوج وفق هذا النظام؟

والجواب عليه هو: لا بدّ من التروي في هذه المسألة وعدم التسرع في الحكم ببطلان الزواج دون الوقوف على تفاصيل العقد وملابساته. وعليه، إذا حصل عقد زواج مدني بين مسلم ومسلمة أو كتابية ينظر في العقد، فإن وجد فيه جميع ما يجب وجوده في عقد الزواج الشرعي، نعتبره زواجا، وأما إن لم يوجد ما يجب وجوده، فلا نعتبره زواجا. وأما فيما يتعلّق بالشروط التي وردت في اتفاقية الزواج المدني، فإن كانت مخالفة لأحكام الإسلام فلا عبرة بها ولا قيمة لها، وإن كانت مما أجاز الشرع للزوجين اشتراطه فتعتبر إذا اعتبر العقد. والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: “والمسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرّم حلالا أو أحلّ حراما”، وقوله: “كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط. كتاب الله أحق وشرط الله أوثق”.

وأما السؤال الثاني فهو: سلمنا أن العقد المدني غير جائز، فكيف العمل في بلد يلزم الناس به؟

والجواب عليه هو:

  1. لا زالت بعض بلاد المسلمين تعمل بنظام الزواج الشرعي (عند المأذون أو عدل إشهاد)، وهناك من دول الغرب من يقبله رسميا، لذلك فعليك أن تعقد زواجك وفق الشرع.

  2. إذا لم توجد إمكانية لعقد الزواج الشرعي في بلادك أو لا تقبل الدولة الغربية الزواج الشرعي، فعليك أن تعقد زواجك الشرعي بمساعدة إمام أو من تثق في علمه وعدالته، ثم يقع بعد ذلك الذهاب إلى البلدية كناحية شكلية من أجل توثيق الزواج وتسجيله رسميا حفظا للحقوق، وإذا ألزمت ببعض الإجراءات، فلا عبرة بها لأن زواجك انعقد شرعا بالعقد الشرعي الأول.

بقي أن نشير إلى نقطتين:

النقطة الأولى تتعلق بمأمور النفوس الذي قد يكون امرأة. والذي يغلب على ظني أن وظيفة مأمور النفوس وظيفة إدارية، وعمله التثبت من الإيجاب والقبول، والتثبت من الأوراق المقدمة، وتحرير العقد بشروطه. لذلك، حتى وإن كان مأمور النفوس امرأة، فلا يعنينا ذلك لأن المسألة شكلية تتعلق بالتوثيق والتسجيل الإداري من أجل حفظ الحقوق. وهذا الواقع لا علاقة له بقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها”.

وأما النقطة الثانية فتتعلق بحكم الاشتراك في الملكية بين الزوجين.

والجواب من وجهين:

الأول: أن الزوجين فيما أظنّ غير ملزمين من وجهة نظر القانون المدني بذلك، فلهما أن يختارا بين النظام القانوني المشترك وبين النظام التعاقدي المشترك الذي يمكّن من إخراج بعض الأموال من الشراكة.

الثاني: أن العبرة في الشروط بما قرره الإسلام، ومن وجهة نظر شرعية فلا يجوز إلزام الزوجين بالاشتراك في أموالهما، أما إذا قررا ذلك عن طيب نفس منهما، فلا مانع منه، لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه”.

والله أعلم.**