مفهـوم الزراعـة العضـويـة
ألمهندس ألزراعي : سعد يونس داغر
بدأت طرق الإنتاج العضوي تتطور في بلاد مختلفة من العالم في بدايات القرن العشرين، وقد ظهر مفهوم زراعي باسم BIODYNAMIC ( الزراعة البيوديناميكية ) في فرنسا العام 1924، وأعطى الرواد الأوائل لطرق الزراعة العضوية أسماء مختلفة لما يقومون به من ممارسات زراعية اقرب إلى الطرق الطبيعية في الإنتاج. وحاليا نجد أسماء مثل زراعة بيئية، زراعة حيوية، زراعة عضوية، زراعة بيوديناميكية، زراعة حيوية مكثفة، وهذه المسميات تعرف حاليا كأسماء مترادفة تطلق على نفس النظام الزراعي المعروف باسم الزراعة العضوية، وان اختلفت في بعض التطبيقات والممارسات والمعتقدات والقوانين ولكنها تتميز جميعا بأنها تهدف إلى إنتاج غذاء خال من السموم وكاف لإطعام البشرية وبطرق اكثر استدامة وعدالة تحفظ حق الأجيال في المصادر ودون إلحاق الأذى بالإنسان والبيئة. وقد أصبحت مشكلة تعدد الأسماء اقل حدة بعد تشكيل الاتحاد الدولي لحركات الزراعة العضوية IFOAM . ويزداد انتشار الزراعة العضوية بشكل متسارع على الصعيد العالمي، حيث تقدر الزيادة السنوية في التحول من الزراعة المعتمدة على الكيماويات نحو الزراعة العضوية بحوالي 20%، ويظهر التطور الكبير لحركة الزراعة العضوية من خلال عدد أعضاء IFOAM (الاتحاد الدولي) الذي بدأ في العام 1972 بخمس منظمات، ثم اصبح يضم في عضويته بعد خمسة عشر عاما 100 منظمة من 25 دولة، بينما يزيد اليوم عدد المنظمات التي إنضمت للاتحاد عن 800 منظمة من أكثر من 100 دولة. فما هي الزراعة العضوية ؟؟
حسب تعريف IFOAM/ الاتحاد الدولي/ فان الزراعة العضوية تعني:-
اسلوب زراعي بيئي ذو أبعاد اقتصادية واجتماعية،يهدف إلى إنتاج غذاء نظيف بطرق آمنة، مع مراعاة التوازن الطبيعي، ودون الإخلال بالنظام البيئي. أي أنها حسب هذا التعريف تشمل انظمة زراعية، لإنتاج الغذاء والألياف/كالقطن وغيره/، ذات مضمون بيئي، اجتماعي، اقتصادي. هذه الأنظمة تأخذ خصوبة التربة كأساس للقدرة على الانتاج من خلال احترام الطبيعة المتأصلة للنبات والحيوان والحفاظ على البيئة، وهي تستلزم تغييرات رئيسية في نظام الزراعة.
فالزراعة العضوية تعتمد على نظام الدورة الزراعية، وإعادة استخدام المواد العضوية من داخل المزرعة مثل بقايا المحاصيل، روث الحيوانات، زراعة المحاصيل البقولية، والسماد الأخضر، وكذلك المخلفات العضوية من خارج المزرعة. كما تعتمد على وسائل واساليب غير كيماوية للسيطرة على الآفات (حشرات، أمراض، أعشاب). فالأسمدة والمبيدات الكيماوية ومنظمات النمو والمواد الكيماوية المضافة (في غذاء الحيوانات) تستثنى من الزراعة العضوية، كما تستثنى منتجات الهندسة الوراثية.
تعتبر بنية التربة وخصوبتها الأساس في إنتاج المحاصيل في الزراعة العضوية. ويتم الوصول الى تربة خصبة وحية من خلال سياسة تسميد مناسبة تعتمد على الاسمدة الطبيعية. حيث أن قرار التحول من الزراعة العادية/المكثفة (المعتمدة على الكيماويات) إلى الزراعة العضوية يتطلب تغييرا في أسلوب العمل وطريقة التفكير والانتقال من منهجية تعتمد على تغذية النبات الى منهجية تعتمد على تغذية التربة كأسلوب إنتاج. فالتربة في الزراعة العضوية تعامل كجسم نابض بالحياة، وليس فقط كوسط يستخدم لتثبيت النباتات وإمدادها بالعناصر الغذائية.
تشكل الآفات الزراعية أحد أهم المشاكل التي تستنزف وقت وجهد ومال المزارع، وقد تفاقمت مشاكل الآفات في العقود الأخيرة، ورغم كل الجهود التي بذلت وتبذل في سبيل التعامل مع هذه القضية، إلا أنها ما زالت واحدة من أهم المشاكل وتزداد تفاقما يوما بعد يوم، وتعتبر المبيدات الكيماوية في الزراعة العادية/المكثفة/ المعتمدة على الكيماويات أهم الوسائل، وأحيانا الوسيلة الوحيدة، التي يلجأ إليها المزارعون في سبيل تقليل أضرار الآفات، دون الوصول إلى حل لهذه المشكلة بالقضاء على الآفات، بل تظهر بين الحين والآخر آفات جديدة اشد فتكا بالمحاصيل وأخرى اكثر مقاومة للمبيدات. ولكن في الزراعة العضوية فان مهاجمة الآفات للمحاصيل تتراجع وتكون اقل حدة، نظرا للتوازن البيئي الذي ينشا في المزرعة والمحيط، كنتيجة للتنوع الحيوي الذي يتم إنشاءه بتنويع الزراعات والمحاصيل، والتوقف عن استخدام الكيماويات مما يتيح الفرصة أمام الحشرات النافعة للتطور، وبناء تربة خصبة والحفاظ على الأحياء في داخلها، والعمل بنظام الدورة الزراعية. كل هذه العوامل تجعل انتشار وضرر الآفات والمصاريف اللازمة لمكافحتها اقل.
أما الأساس في الإنتاج الحيواني في الزراعة العضوية فيتمثل في احترام الاحتياجات الفسيولوجية والسلوكية للحيوانات. ويتحقق ذلك عن طريق امدادها بالغذاء العضوي ذو النوعية الجيدة وبالكمية الكافية وتوفير مساحة السكن المناسبة لها، وكذلك من خلال ادارة الانتاج الحيواني حسب الاحتياجات السلوكية وتوفير الخدمة البيطرية اللازمة للحيوانات.
وتشكل العلاقة المتناغمة بين الانتاج النباتي والانتاج الحيواني (زراعة النباتات وتربية الحيوانات) عاملاً مهماً لتحقيق التوازن البيئي داخل المزرعة. ويتحقق ذلك بتوفير اكتفاء ذاتي من السماد الحيواني اللازم لتسميد التربة ورفع خصوبتها، وكذلك توفير الغذاء العضوي للحيوانات من نفس المزرعة قدر الإمكان. ويمكن أن يكون مصدر الأسمدة الحيوانية مزرعة أخرى، على أن تكون المزرعة الحيوانية مدارة بطريقة عضوية أيضاً (وفي البداية يمكن الحصول على الأسمدة الحيوانية من مزرعة عادية غير عضوية، على أن تكون هناك خطة لدى المزارع لإيجاد مصدر عضوي للأسمدة الحيوانية).
الزراعة العضوية ليست مجرد فلسفة فقط، ولكنها محددة بانظمة وقوانين إنتاج وعمل وتسويق وإدارة مزرعية تفصيلية، حيث وضعت الكثير من الحكومات أنظمة وقوانين ومعايير لضبط الزراعة العضوية(تعتمد أساسا على المعاير والانظمة التي وضعها الاتحاد الدولي كقاعدة للأنظمة المحلية)، لتحدد بذلك ما هو منتج عضوي، ولضمان نوعية هذا الإنتاج من ناحية، ولحماية حق المستهلك في الحصول على منتجات عضوية حقيقية من ناحية ثانية، طالما انه يدفع سعراً أعلى للحصول على المنتجات العضوية.
مما سبق نستطيع القول ان الزراعة العضوية هي طريقة زراعة تحمل صفة الاستدامة وتضمن التكامل بين عناصر الانتاج الزراعي المختلفة، وتعتمد على أسس وأساليب علمية خاصة بما يتعلق بالتوازن الطبيعي، والحفاظ على المصادر الطبيعية، وتجهيز الاسمدة العضوية، والحفاظ على الاحياء الدقيقة النافعة وزيادتها، في سبيل إغناء ورفع خصوبة التربة، مما ينعكس على النبات من حيث النمو الجيد، والمحصول العالي والقدرة على مقاومة الافات.انها زراعة مكثفة بالمعلومات والمعرفة. فممارسة الزراعة العضوية تتطلب من المزارع إلماما شاملاً بما ورد هنا، ومعرفة جيدة بمحاصيل متنوعة، وبعلوم التربة والري والحشرات المختلفة (الضارة والنافعة) والعلاقات بين هذه الحشرات، وكذلك علاقات التضاد أو التعزيز ( حيث تضعف النباتات بعضها أو تقوي بعضها إذا زرعت بشكل متداخل أو مترافقة مع بعضها). وهي بذلك تحتاج إلى قدرة على الربط بين هذه العناصر وتأثرها ببعض وتأثيرها على بعضها البعض.
لقد ظهر في العقود الأخيرة مفهوم الزراعة المستدامة التي لها شروطها، وتتوفر في أسلوب الزراعة العضوية شروط الزراعة المستدامة، والمتمثلة في الحفاظ على البيئة، وإمكانية التطبيق من الناحية الفنية، والجدوى الاقتصادية، والقبول من الناحية الاجتماعية. وتعتبر الزراعة المستدامة طريقا جيدا للعبور نحو الزراعة العضوية، غير أن الزراعة المستدامة ليست محددة بقوانين، وليس لها تعريف ثابت وواحد، وانما هي نهج وتوجهات عمل. كما انه لا يوجد تحديد لما هو منتج مستدام.
ألمصدر : 
جمعية المهندسين الزراعيين العرب
عمارة الإغاثة الزراعية ط 3
شارع النهضة - رام الله - فلسطين
هاتف: 2966317- 2- 00970
فاكس: 2966318- 2- 00970
بريد إلكتروني:info@aaa-arc.org
موقع إلكتروني:www.aaa-arc.org





.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
















