ألتفكير — موضوع مستورد

**صحيح أن الأفراد العباقرة، هم أناس عاديون مثلهم مثل باقي الناس لا يتميزون بإنسانيتهم عن أي إنسان عادي. والناس ينظرون إلى هؤلاء الأفراد نظرة عادية فإن عبقريتهم لا تشاهد ولا تلمس ولا يحس بها. ولذلك فإنهم حين تتحرك عبقريتهم وينتجون لا يرى فيهم في أول الأمر أية ميزة، ولا يدرك في إنتاجهم أي تفوق ولا أية عبقرية، فهم إن كانوا مثقفين فإن مثلهم كثيرون مثقفون وإن كانوا أذكياء فإن مثلهم الكثير من الأذكياء. فإذا لفت النظر إلى أفكارهم فإنما يلفت النظر من قبل أفراد آخرين، يقبلون على إنتاجهم ليكونوا مثلهم أو ليساعدهم هذا التفكير على الارتفاع في مجتمعهم وفي وسطهم، أو لاتخاذه وسيلة لتحقيق مآرب شخصية أو غايات أنانية، وإذا ظل كذلك ولم ينتقل إلى جماعات فإنه يبقى فردياً مهما كثر الأفراد المفكرون هذا التفكير ولو كان تفكيراً فريداً يقبله كل من ذاقه أو عرفه. ولذلك فحتى ينفع هذا التفكير السياسي، ويصبح قادراً على الوقوف في وجه الأعداء لا بد أن يتحول إلى تفكير جماعي ويخرج من قوقعة الفردية ومن شرنقة العزلة. فإذا تحول إلى تفكير جماعي وانتقل إلى الشعب أو الأمة فقد وجدت القوة التي تقف في وجه الأعداء ووجدت البذرة القوية التي تنبت شجرة النهضة.

هذا هو التفكير السياسي الذي ينفع وهو التفكير الجماعي لا التفكير الفردي، أي هو تفكير الشعب والأمة، وليس تفكير الأفراد حتى لو كانوا من العبقريين. لذلك يجب تثقيف الأمة التثقيف السياسي ويجب تمرين الأمة وتعليمها على التفكير السياسي، حتى يكون التفكير السياسي هو تفكير الأمة وليس تفكير الأفراد.

هذا هو التفكير السياسي فهو تفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية، وتفكير بالحوادث السياسية والوقائع السياسية. وتفكير الأول لا قيمة له ولا يزيد عن مجرد المعرفة للأفكار. أما التفكير السياسي فإنه هو الذي ينفع ويفيد، وهو الذي يكون له أثر باهر وتأثير عظيم. ولذلك فإنه إن جاز التفكير السياسي في العلوم السياسية والأبحاث السياسية وكانت منه فوائد للأفراد من العلماء في السياسة فإن التفكير في الوقائع والحوادث هو واجب على الكفاية للأمة، يجب أن يعمل لإيجاده بالأمة لا سيما على الذين لديهم مثل هذا التفكير سواء أكانوا من المتعلمين أو غير المتعلمين.

وبعد:

فهذه لمحة موجزة عن موضوع التفكير من حيث هو تفكير، نقدمها للأمة الإسلامية لعل دراستها توجد التفكير في هذه الأمة حتى ينقلها هذا التفكير إلى أن تعود خير أمة أخرجت للناس. لا سيما بعد أن مضى على هذه الأمة عشرة قرون وهي بعيدة عن التفكير، وإن حاولت هذا التفكير عدة مرات. إن الأمة الإسلامية قد بليت في القرن الرابع الهجري بعلماء عملوا على تعطيل التفكير في الأمة ونادوا بخطر التفكير على الأمة، وضرره على الإسلام والمسلمين. وذلك حين قام رهط من علماء مثل العالم المشهور باسم القفال ونادوا بإقفال باب الاجتهاد وعملوا على منع الاجتهاد وأقنعوا الناس بخطر الاجتهاد فصدق المسلمون هذه الدعوة وعملوا بها، وتحرج العلماء من الاجتهاد، وخاف المفكرون من الاجتهاد، وكره الناس أن يكون هناك مجتهدون. وقد تبنى الرأي العام في جميع أقطار الإسلام هذا الرأي، وبذلك تعطل التفكير ووقف الناس عند حد التقليد وألغوا عقولهم ولم يعودوا يجرؤن على الاجتهاد. فكان هذا المنع للاجتهاد والتفكير أعلاه إنما يكون في الإسلام، فأدى ذلك إلى وقف التفكير لدى الناس واستمرؤا هذا التعطيل للتفكير، والإنسان بطبعه حيوان كسول، لذلك وقفت الأمة عن التفكير حتى هذا القرن، القرن الرابع عشر هجري. فسلخت عشرة قرون وهي معطلة التفكير. ولذلك ليس من السهل على أمة سلخت عشرة قرون من عمرها وهي معطلة التفكير، أن يتحرك فيها التفكير وأن تفهم عن وعي قيمة التفكير، وقيمة المفكرين. ولذلك فإن ملايين الكتب مثل هذا الكتاب لا تضمن أن تحرك الأمة للتفكير وأن تسوقها لأن تجعل التفكير سجية من سجاياها. ولكن الأحداث الوجعة التي تسحق الأمة سحقاً وتمعسها معساً، فإنها صارت تبعث الأمل في أن يجد التفكير سبيله للأمة. لا سيما بعد أن وجد فيها جماعات تفكر وجماعات تحاول التفكير. بعد أن تحقق فيها آلاف تجسد لديهم حب التفكير، وصاروا مفكرين لا يستمرئون غير التفكير، حتى غدوا تفكيراً يحيا ويتحرك وينمو. لذلك فإن ضخامة الأحداث وفظاعتها، وكون التفكير تجسد في أشخاص حتى غدا تفكيراً يمشي في الأسواق بين الناس، فإن هذين الأمرين: يوجدان أملاً مشرقاً، في أن ينتقل التفكير من الأفراد إلى الجماعات وأن يصبح تفكيراً جماعياً لا تفكيراً فردياً وأن يكون تفكير الأمة لا تفكير الأفراد، فتصبح الأمة الإسلامية أمة مفكرة، وتعود كما كانت خير أمة أخرجت للناس.

8 من صفر سنة 1393 هـ**

**ولقد عانت الأمة الإسلامية من سوء التفكير السياسي الكثير من المصائب والويلات. فالدولة العثمانية مثلاً، حين كانت أروبا تحاربها في القرن التاسع عشر، إنما كانت تحاربها في الأعمال السياسية أكثر منها في الأعمال العسكرية، وإنه وإن وقعت أعمال عسكرية ولكنها كانت مساعدة للأعمال السياسية. فمثلاً ما كانوا يسمونه بمشكلة البلقان هي مشكلة خلقتها الدول الغربية بالتصريحات، فأعلنوا أن دول البلقان يجب أن تحرر من العثمانيين، أي من المسلمين. ولكن لم يكونوا يعنون انهم سيحاربون الدولة العثمانية، وإنما كانوا يعتمدون على إيجاد القلاقل والاضطرابات في البلقان، فجاءوا بفكرة القومية والتحرر، فأخذها البلقانيون وأخذوا يقومون بالثورات، فكانت الدولة العثمانية تقوم بعمليات عسكرية ضد هذه الثورات مراعية وضع الدول الأخرى، وتحاول استرضاء الدول الأخرى، مع أن هذه الدول الأخرى هي التي كانت تسند الثورات، وهي التي كانت توهم العثمانيين، وهي التي كانت تجعلهم يشتغلون ضد الثورات، من أجل أن يكون عملهم إنهاكا لقواهم لا قضاء على الثورات، وهكذا كان من نتيجة خطأ الدولة العثمانية وضلالها في التفكير السياسي أن خسرت البلقان، ثم لاحقتها فكرة القومية في عقر دارها حتى قضت عليها القضاء المبرم.

وهذا بخلاف روسيا أو الاتحاد السوفياتي، فإنها قد وقعت في نفس المشكلة في أروبا الشرقية في الخمسينات، فإن أمريكا نادت بتحرير أروبا الشرقية من الشيوعية، وأخذت تنادي بالتحرير، وأخذت تسند هذه الدول والشعوب سراً وعلناً. ولكن روسيا لم تقف موقف العثمانيين وعرفت أن فكرة التحرير هذه هي حرب ضد روسيا أو الاتحاد السوفياتي، ولذلك لم تهادن أمريكا، وإنما اتخذتها العدو الأول، ولما قامت ثورة بولونيا سحقتها، ولم تجعل لها أي منفذ للنجاح ،ولما ثارت بلغاريا سحقتها دون أية رحمة، وشددت قبضتها الحديدية على أروبا الشرقية، واستعدت لحرب أمريكا إذا هي تحركت لإسناد أروبا الشرقية سراً وعلناً، مما أدى إلى إخفاق أمريكا إخفاقاً ذريعاً، حتى اضطرت أمريكا بعد إخفاقها وإدراكها موقف روسيا السياسي وفهمها السياسي، أن تتنازل عن فكرة محاربة الشيوعية وإضعاف روسيا، إلى عقد اتفاقيات مع روسيا والتعايش معها، كل ذلك ليس ناتجاً عن قوة روسيا، وإنما ناتج عن التفكير السياسي الصحيح لدى الاتحاد السوفياتي.

ومثلاً حين رأت أمريكا أن اسرائيل التي أقامتها دولة تكاد تفلت من يدها، وتكاد إنجلترا تسترجع هذه البلاد بتحويل ما يسمى بدولة اسرائيل إلى كيان آخر يسمى فلسطين، حين رأت أمريكا ذلك في اواخر الستينات أطلقت على مشكلة فلسطين اسم مشكلة الشرق الأوسط وصارت تقوم بالأعمال السياسية التي تمكنها من أن تتولى المشكلة وحدها. وصارت تتخذ كلمة السلام، وفكرة حل المشكلة وسيلة لتعقيد المشكلة وهكذا، استمرت في التضليل السياسي، حتى ارتمى كل من العرب واليهود في أحضانها، وصارت تتبع أسلوب المغالطة وأسلوب التضليل حتى أنهكت قوى كل من العرب واليهود، فاتجهت لا إلى حل المشكلة، بل إلى نقل المنطقة من حالة اضطراب وتسميه حالة حرب، إلى حالة هدوء نسبي وتسمية حالة سلام، وذلك لكي تتمكن على مهل وبهدوء من تركيز المنطقة على الوضع الذي رسمته لها، حتى تطرد الإنجليز نهائيا من المنطقة وتنفرد وحدها في السيطرة وبسط النفوذ على المنطقة كلها، عن طريق تقوية ما يسمى بدولة اسرائيل. وبذلك كان ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط مثل مشكلة البلقان سواء بسواء، وكما وقع العثمانيون وأهل دول أروبا الجنوبية في الشَّرَك من جراء التضليل السياسي، وقع العرب واليهود في الشرَك نفسه. وإذا لم يوجد التفكير السياسي لدى المسلمين اليوم لإدراك مشكلة الشرق الأوسط، كما أدركت روسيا مشكلة أروبا الشرقية فإن مصير الشرق الأوسط سيكون مثل مصير البلقان سواء بسواء.

فسوء التفكير السياسي هو الذي يدمر الشعوب والأمم، وهو الذي يهدم الدول أو يضعفها، وهو الذي يحول بين الشعوب المستضعفة وبين الانعتاق من ربقة الاستعمار، وهو الذي يحول بين الأمم المنحطة وبين النهوض. ولذلك فإن التفكير في النصوص السياسية أمر بالغ الأهمية، ونتائجه فظيعة أو عظيمة. وأخطار الخطأ أو الضلال فيه أخطار مدمرة. ومن هنا كان لا بد من العناية الفائقة بالتفكير السياسي عناية تفوق العناية بأي تفكير. ذلك أنه ضروري للشعوب ضرورة الحياة.

إلا أن التفكير السياسي، وإن كان أصعب أنواع التفكير وأعلاها، فإنه لا يكفي فيه أن يكون تفكير أفراد فقط، فإن الأفراد لا قيمة لهم مهما كثر عددهم، ومهما كان تفكيرهم سليماً أو عبقرياً. فإن التضليل في التفكير السياسي إذا تمكن من الشعب أو الأمة لا تنفع تجاهه عبقريات الأفراد ولا قيمة للعبقريين في التفكير السياسي، مهما كان عددهم ومهما كانت عبقرية تفكيرهم. فإن الضلال إذا تمكن من الشعب أو الأمة جرف تياره كل شيء، ووقعت الأمة أو الشعب فريسة سهلة لهذا التضليل، وكانت هي ومعها العبقريون لقمة سائغة يلتهمها الأعداء. وما نجاح مصطفى كمال في هدم الدولة الإسلامية وإزالة الخلافة في أوائل القرن العشرين الميلادي ونجاح جمال عبد الناصر في الخمسينات والستينات من هذا القرن في الحيلولة دون تحرير العرب وقد كانوا عقب الحرب العالمية الثانية متحفزين للتحرير، إلا أمثلة حية على أن سوء التفكير السياسي إذا اجتاح الشعوب والأمم فإنه لا تنفع تجاهه عبقرية العبقريين ما داموا أفراداً ولو بلغ عددهم الآلاف. لذلك فإن سوء التفكير السياسي لا يشكل خطراً على الأفراد، وإنما يشكل خطراً على الشعوب والأمم. ومن هنا لا بد من العناية بالتفكير السياسي لدى الشعوب والأمم، عناية تفوق كل شيء. صحيح أن التفكير السياسي، إذا وجد عند الأفراد وسار لديهم في الطريق المستقيم يمكن بهم أن يوجد التفكير السياسي الذي يقف في وجه الأعداء ويكشف تضليلهم، ولكن هذا إنما يتأتى إذا انتقل تفكير هؤلاء الأفراد إلى الشعب أو الأمة وإذا أصبح عند الأمة كما هو عند الأفراد، وإذا انتقل إلى أن يكون تفكير الأمة لا تفكير الأفراد فيصبح هؤلاء الأفراد جزءاً من الأمة لا أفراداً وتكون الأمة كلها أمة مفكرة وليس أفراداً منها. وإذا لم يتحول التفكير الفردي إلى تفكير جماعي ولم يصبح تفكير الأفراد تفكير أمة لا تفكير أفراد، فإنه لا قيمة لهذا التفكير ولا قيمة لهؤلاء الأفراد، فتفكير الأفراد السياسي لا يقوى على الوقوف في وجه الأعداء وفي وجه تضليلهم، مهما كثر عددهم وسمت عبقرياتهم ،وإنما الذي يقف في وجههم هو تفكير الشعوب والأمم، أي هو التفكير السياسي الذي يكون عند الشعوب والأمم.**

**هذه الأمور الخمسة لا بد من تحققها جميعاً حتى يتأتى التفكير بالنصوص السياسية، أي حتى يتأتى التفكير السياسي. ولا يقال إن هذه الأمور كثيرة وصعبة ومن العسير تحقيقها. لا يقال ذلك، لأن وجود هذه الأمور ليس بالأمر الصعب، لأن المقصود بها هو مجرد الإلمام وليس المعرفة الواسعة، وهي تأتي مع الزمن وليس دفعة واحدة، وتأتي عن طريق التتبع وليس عن طريق الدراسة والبحث العلمي. صحيح أن الدراسة والبحث العلمي تكون أكثر مساعدة على القدرة، ولكنها لا تلزم في التفكير السياسي، ولا تلزم للسياسي، فهي كمالية وثانوية. والمهم في كل ذلك هو التتبع، ومتى حصل التتبع وجدت الأربعة الباقية طبيعياً. فالأصل في التفكير السياسي هو التتبع، ومتى وجد التتبع وجد التفكير السياسي طبيعياً.

وعلى ذلك، فإن التفكير السياسي _ على صعوبته وعلوه _ فإنه في مقدور كل إنسان، مهما كان تفكيره ومهما كان عقله، فالعادي والنابغة والعبقري، كل منهم في مقدوره أن يفكر تفكيراً سياسياً، وفي مقدوره أن يكون سياسياً، لأنه لا يتطلب درجة معينة من العقل ولا درجة معينة من المعرفة، بل يتطلب تتبع الوقائع والحوادث الجارية أي تتبع الأخبار، ومتى وجد هذا التتبع وجد التفكير السياسي. إلا أن التتبع لا يصح أن يكون منقطعاً بل يجب أن يكون متصلاً، لأن الحوادث والوقائع الجارية تشكل حلقة مترابطة الأطراف فإذا فقدت حلقة منها انقطعت السلسلة، أي انفكت الحلقة، ويصبح في غير مقدور الشخص أن يربط الأخبار وأن يفهمها. ولذلك كان بقاء الحلقة حلقة أمراً ضرورياً في التفكير السياسي، أي أن التتبع المتصل شرط أساسي في التفكير السياسي.

والتفكير السياسي ليس خاصاً بالأفراد، بل هو كما يكون في الأفراد يكون في الجماعات، أي يكون في الشعوب والأمم، فهو ليس كالتفكير الأدبي ولا كالتفكير التشريعي، إنما يتحقق بالأفراد فحسب، ولا يتأتى أن يكون في الجماعات، فهو فردي. بل التفكير السياسي تفكير فردي وتفكير جماعي، وكما يكون في الأفراد يكون في الجماعات. فيكون في الشعوب والأمم، كما يكون في الأفراد من حكام وسياسيين. بل إنه لا يكفي أن يكون في الأفراد، بل يجب أن يكون في الشعوب والأمم، وبدون وجوده في الشعوب والأمم لا يوجد الحكم الصالح، ولا يتأتى وجود النهضة، ولا تصلح الشعوب والأمم لحمل الرسالات. ومن هنا كان لا بد أن يوجد التفكير السياسي في الشعب والأمة. ذلك أن الحكم إنما هو للشعب أو الأمة، وكامن في الشعب والأمة. ولا تستطيع قوة أن تأخذه إلا إذا أعطاه الشعب والأمة، وإذا حصل اغتصابه منها فإنه إنما يغتصب لفترة، فإما أن تعطيه فيستمر أو تصر على استرجاعه فيطاح بالحكم. وما دام الحكم هو للشعب والأمة أو كامن فيها، فإنه لا بد لهذا الشعب وهذه الأمة من أن يكون لديه أو لديها التفكير السياسي. ولذلك فإن التفكير السياسي هو ضروري للأمة قبل الحكام، وضروري لاستقامة الحكم أكثر من ضرورته لإيجاد الحكم. ومن هنا كان لا بد أن تثقف الأمة أو الشعب ثقافة سياسية، وأن يكون لديها التفكير السياسي. أي لا بد أن تزود الأمة بالمعلومات السياسية والأخبار السياسية، وأن ينمى لديها سماع الأخبار السياسية، ولكن بشكل طبيعي لا بشكل مصطنع، وبإعطائها الصحيح من الثقافة السياسية، والصادق من الأخبار، حتى لا تقع فريسة للتضليل. ومن هنا كانت السياسة والتفكير السياسي، هي التي تُوجِد في الشعب أو الأمة الحياة، أي كانت السياسة هي التي تحيا بها الأمة، وبدون ذلك تكون جثة هامدة لا حركة فيها ولا نمو.

إلا أن الخطأ في فهم السياسة والضلال الذي يحصل من فهم السياسة إنما يأتي من التفكير بالنصوص السياسية على غرار التفكير بالنصوص الأخرى من أدبية وفكرية وتشريعية. فيفكر بالألفاظ والتراكيب مثلاً، وتفهم هذه الألفاظ والتراكيب كما هي، أو يفكر بالمعاني التي تحويها هذه الألفاظ والتراكيب، فتفهم هذه المعاني كما هي، أو يفكر في دلالات هذه الألفاظ والتراكيب فتفهم هذه الدلالات. وهنا يقع الخطأ والضلال. لأن التفكير بالنصوص السياسية يختلف كل الاختلاف عن التفكير بأي نص آخر. لأن الخطأ والخطر في التفكير السياسي إنما يأتي من عدم التمييز بين النصوص السياسية وبين غيرها من النصوص. فالنصوص السياسية، قد تكون معانيها موجودة في النصوص، وقد تكون موجودة في غير النصوص، وقد تكون موجودة في صياغة الألفاظ والتراكيب كالمعاهدات مثلاً والتصريحات المسؤولة، وقد يكون في المعاني لا بالصياغة، وقد يكون بالدلالات لا بالمعاني ولا بالألفاظ، وقد يكون ما وراء هذه المعاني والألفاظ والدلالات، بل قد يكون مخالفا لها أو مغايراً للنصوص مغايرة كلية. فإذا لم يدرك ما يعنيه النص السياسي مما هو متضمن للنص، أو خارجاً عنه فإنه لا يدرك النص ولا بحال من الأحوال فيقع الخطأ أو الضلال في التفكير بالنص السياسي.

ثم انه من أخطر الأمور على التفكير السياسي، تجريده وتعميمه ودخول القياس الشمولي فيه. فإن النص السياسي لا يفصل عن ظروفه ولا بحال من الأحوال فهي جزء منه، ولا يصح أن يعمم ولا بوجه من الوجوه. ولا يدخله القياس الشمولي حتى ولا القياس. فإنه علاوة على أن الظروف جزء من النص فإنه نص في حادثة معينة، فيؤخذ لتلك الحادثة ليس غير، فلا يعمم على غيرها ولا يقاس عليها. لا قياساً شمولياً ولا قياساً حقيقياً، بل يجب أن يؤخذ لتلك الحادثة وحدها. لذلك كان التجريد والتعميم والقياس مطلقاً شمولياً كان أو حقيقياً، تشكل خطر الخطأ وخطر الضلال على التفكير السياسي، فقد يعطي مسؤول تصريحاً فيفهم منه شيء، ثم يعطي نفس التصريح أو تصريحاً آخر فيفهم منه شيء آخر قد يكون مخالفاً له بل قد يكون مناقضاً له. ويعطي مسؤول تصريحاً عن أمر حقيقي، أي تصريحاً صادقاً فيفهم منه أنه تصريح كاذب يراد منه التضليل، وقد يعطي تصريحاً كاذباً فيفهم منه أنه تصريح صادق، وأن المقصود منه هو ما عناه والكذب فيه هو انه أعطي للإخفاء بالكذب. وقد يقام بعمل حسب التصريح، وقد يقام بعمل على خلاف التصريح وهكذا. فالظروف والملابسات هي التي تلقي الضوء على التصريح فتكشف ما يراد منه، وليس نفس النص السياسي. ولذلك فإن التفكير السياسي لا يتأتى أن يكون قريباً من الصواب إلا على هذا الوجه. أي إلا إذا جعلت الظروف جزءاً لا يتجزأ من النص أو العمل، وإلا إذا أخذت كل حادثة بمفردها. وأبعد عنها التعميم والقياس.**

**وعند الغرب جعلت السيادة للشعب، فالشعب هو الذي يشرع والشعب هو الذي يحكم والشعب هو الذي يملك الإرادة ويملك التنفيذ. وهذا مخالف للواقع ومبني على الحل الوسط. لأن الملوك المستبدين كانت لهم الإرادة، وكان لهم التقرير. فكانوا هم الذين يشرعون وهم الذين يحكمون. وضج الناس من استبداد هؤلاء الملوك. واعتبروا سبب ذلك كونهم يملكون الإرادة ويملكون التقرير، فيملكون التشريع ويملكون الحكم. فقالوا إن السيادة للشعب، فهو الذي يشرع وهو الذي يحكم. فجعلوا التشريع لمجلس منتخب من الشعب، وجعلوا التنفيذ لمجلس الوزراء ورئيس الوزراء أو لرئيس الدولة وهذا حل وسط. لأن مجلس النواب وإن كان منتخباً من الشعب ولكنه لا يشرع، وإنما الذي يشرع هو الحاكم. ومجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية هو الذي يحكم. وهو وإن كان منتخباً من الشعب أو وافق عليه ممثلو الشعب، فإنه ليس في ذلك أن الشعب يحكم، وإنما فيه فقط أن الشعب يختار الحاكم. فكان هذا حلاً وسطاً. وفوق ذلك فإنهم يصرحون بأن السيادة للقانون، ويعتبرون الحكم الصالح هو الذي فيه السيادة للقانون. فكان هذا النظام حلاً وسطاً، ومغالطة للنفس. وفوق ذلك فإن واقع الحكم هو غير هذا. فواقع الحكم الصالح هو أن يختار الشعب حاكمه، وأن تكون السيادة للقانون، فلا سيادة للشعب مطلقاً ولا حكم للشعب ولا بحال من الأحوال.

وعند الغرب أن الحكم شيء وأن الأمور العاطفية والدينية شيء آخر، فعندهم أن سلطة الكنيسة غير سلطة الدولة، وأن الأعمال العاطفية من فعل الخيرات والعطف على الفقراء، ومؤاساة الجرحى وما شاكل ذلك، لا شأن للدولة فيها. وهذا مبني على فكرة فصل الدين عن الدولة وعلى الحل الوسط ومخالفة للواقع. لأن الملوك المستبدين كانوا يتحكمون في الكنيسة، وكانوا لا يقومون بمؤاساة الناس من جرحى ومرضى وفقراء ونحوهم. ولذلك ضج الناس. فكان الحل الوسط في فصل الكنيسة عن الدولة، وفي فصل الأعمال العاطفية عن الدولة. فنشأت عندهم سلطة للكنيسة غير سلطة الدولة، ونشأت عندهم الجمعيات الخيرية، وجمعيات الصليب الأحمر وما شاكل ذلك. ولكن لما واقع الحكم هو رعاية شؤون الناس كل الناس، والدين من الشؤونأ والأعمال العاطفية من الشؤون، ولذلك كانت الدولة تشرف على الكنائس، ولكن بأسلوب غير ظاهر، وتشرف على الجمعيات الخيرية وجمعيات الصليب الأحمر، ولكن بأساليب خفية. ولذلك كانت هذه النظرية مخالفة للواقع حقيقة، وإن كان ظاهراً وجود الفصل بين الحكم وغيره.

هذه ثلاثة أفكار كنموذج لخطأ الأفكار السياسية التي تضمنتها الأبحاث السياسية لدى الغرب. وإذا قيل هذا في الأفكار السياسية المتعلقة بالأنظمة فإنه يقال كذلك في الأبحاث السياسية المتعلقة بالأشياء والوقائع، وهذه وإن كان فيها بعض الحقائق التي لا يملك العقل مغالطة فيها، فإنها مملوءة بما يخالف الحقيقة ومملوءة بالمغالطات. فمثلاً حين يتحدثون عن السياسة الإنجليزية من أنها مبنية على ثلاثة أمور: هي علاقة إنجلترا بأمريكا وعلاقة إنجلترا بأروبا، وعلاقة إنجلترا بالدول التي كانت مستعمرات لها واستقلت، أو ما يسمى بالكومنولث، فإن حديثهم هذا صحيح، لأنه وصف لواقع لا يمكن أن تقع المغالطة فيه، ولكنهم حين يتحدثون عن السياسة الإنجليزية من حيث سلوكها في المحالفات، وموقفها من الأصدقاء أو الأعداء ونظرتها للشعوب والأمم، فإنهم فوق ما يكون في حديثهم من مغالطات وتضليل، فإنه يكون كذلك مخالفاً للواقع وجناية على الأحداث والوقائع، وقل مثل ذلك في حديثهم عن أية دولة من الدول، سواء أكانت دولة غربية أو دولة غير غربية، وسواء أكان حديثاً تاريخياً لأمور مضت أو كان حديثاً عن وقائع جارية، وحوادث تقع أمام الأعين. فإن لهم من المهارة في التضليل وتزييف الحقائق ما يخفى حتى على بعض المبصرين. ولذلك كان التفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية، أياً كانت لا يصح أن يكون إلا مع اليقظة والحذر.

أما التفكير السياسي بالوقائع والحوادث الجارية، فهو التفكير الذي يصح أن يكون تفكيراً سياسياً بما تعنيه هذه الكلمة، وهو الذي يجعل المفكر سياسياً. وهذا التفكير يحتاج إلى خمسة أمور رئيسية مجتمعة:

فأولاً: يحتاج إلى تتبع جميع الوقائع والحوادث التي تقع في العالم، أي يحتاج إلى تتبع جميع الأخبار، ونظراً لاختلاف الأخبار من حيث الأهمية وعدم الأهمية، ومن حيث الصدفة والقصد في الواقعة والحادثة أو في سوق الخبر عنها، ومن حيث الاقتضاب والإسهاب، فإنه مع المران ومع الزمن يصبح تتبع الأخبار لا لجميع الأخبار بل لما هو لا بد من معرفته في حلقات المعرفة.

ثانياً: يحتاج إلى معلومات ولو أولية ولو مقتضبة، عن ماهية الوقائع والحوادث، أي عن مدلولات الأخبار، سواء أكانت معلومات جغرافية أو معلومات تاريخية، أو معلومات فكرية، أو معلومات سياسية، أو شاكل ذلك مما يستطيع معه الوقوف على واقع الواقعة أو الحادثة، أي على حقيقة مدلولات الأخبار.

ثالثا: عدم تجريد الوقائع من ظروفها وعدم تعميمها. فالتجريد والتعميم والقياس الشمولي، هي آفة فهم الوقائع والحوادث، أي آفة معرفة الأخبار. فلا بد من أن تؤخذ الواقعة والحادثة مع ظروفها أخذاً واحداً بحيث لا يفصل بين الحادثة وبين ظروفها ولا بحال من الأحوال. إلى جانب حصر هذه الحادثة بما حصلت فيه، فلا تعمم على كل حادثة مثلها ولا يقاس عليها قياساً شمولياً بل تؤخذ حادثة فردية ويصدر الحكم عليها بوصفها حادثة فردية، أي لهذه الحادثة ليس غير.

رابعاً: تمييز الحادثة والواقعة، أي تمييز الخبر من طريق تمحيصه تمحيصاً تاماً، فيعرف مصدر الخبر، وموقع وقوع الواقعة والحادثة وزمانها، والوضع الذي حصلت فيه، والقصد من وجودها أو من سوق الخبر عنها ومدى إيجاز الخبر والإسهاب فيه وصدقه أم كذبه، إلى غير ذلك مما يتناوله التمحيص. لأن هذا التمحيص هو الذي يوجد التمييز، وبقدر ما يكون شاملاً وعميقاً بقدر ما يوجد تمييز له. وبدون التمييز لا يمكن أن يأخذ هذه الحادثة أو الواقعة، لأنه يصبح فريسة للتضليل أو الخطأ. ولذلك فإن التمييز عامل هام في أخذ الخبر، بل مجرد سماعه.

خامساً: ربط الخبر بالمعلومات ولا سيما ربطه بغيره من الأخبار. وهذا الربط هو الذي يؤدي إلى الحكم الأقرب للصواب على الخبر. فالخبر إذا كان متعلقاً بالسياسة الدولية، وربط بالسياسة المحلية، أو كان متعلقاً بالسياسة المحلية وربط بالسياسة الدولية. أو كان خبراً اقتصادياً وربط بالاقتصاد، مع أنه من الأمور السياسية ولو كان اقتصادياً. أو كان خبراً يتعلق بألمانيا وربط بالسياسة الألمانية مع أنه من الأمور المتعلقة بأمريكا. فالخبر إذا ربط بغير ما يجب أن يربط به فإن الخطأ يقع حتماً، إذا لم يقع التضليل والخداع. لذلك فإن ربط الخبر بما يتعلق به أمر بالغ الأهمية. وأن يكون هذا الربط على وجهه الصحيح أي بأن يكون ربطاً للفهم والإدراك، لا ربطاً لمجرد المعرفة. أي ربطاً للعمل لا للعلم.**

**هذا هو التفكير التشريعي، أما التفكير السياسي فإنه يختلف كل الاختلاف عن التفكير التشريعي وإن كان من نوعه. لأن التفكير التشريعي هو لمعالجة مشاكل الناس، والتفكير السياسي هو لرعاية شؤون الناس. إلا أن هناك فرقاً بين التفكيرين. وكذلك هو يناقض التفكير الأدبي كل المناقضة، لأن التفكير الأدبي إنما يعنى باللذة والنشوة بالألفاظ والتراكيب، ويطرب للمعاني وهي في قوالب الألفاظ تساق بالأسلوب الأدبي. أما بالنسبة للتفكير الفكري فإن فيه تفصيلاً. فإذا كان التفكير السياسي تفكيراً بنصوص العلوم السياسية والأبحاث السياسية فإن التفكير السياسي والتفكير الفكري يكادان يكونان نوعاً واحداً. فهما متماثلان ومتشابهان إلى حد كبير. إلا أن التفكير الفكري يشترط فيه أن تكون المعلومات السابقة في مستوى الفكر الذي يبحث، حتى وإن كانت ليست من نوعه ولكن متعلقة به، أما التفكير السياسي فإنه وإن احتاج إلى معلومات سابقة في مستوى الفكر، ولكنه يحتاج إلى معلومات سابقة في نفس الموضوع ولا يكفي أن تكون متعلقة به أو مشابهة له أو مما تصلح لتفسير التفكير. لذلك فإن التفكير بالنصوص السياسية هو من نوع التفكير بالنصوص الفكرية.

أما إذا كان التفكير السياسي، تفكيراً بالأخبار والوقائع وربطاً للحوادث فإنه يخالف جميع أنواع التفكير. ولا تنطبق عليه ولا قاعدة من قواعده. بل لا تكاد تربطه قاعدة، ولذلك هو أعلى أنواع التفكير وأصعب أنواع التفكير. أما كونه أعلى أنواع التفكير فلأنه هو التفكير بالأشياء والحوادث، والتفكير بكل نوع من أنواع التفكير، ولذلك هو أعلاها جميعاً. صحيح أن القاعدة الفكرية التي تبنى عليها الأفكار وتنبثق عنها المعالجات هي أعلى أنواع التفكير، ولكن هذه القاعدة هي نفسها فكر سياسي، وفكرة سياسية، وإذا لم تكن فكرة سياسية وتفكيراً سياسياً، لا تكون قاعدة صحيحة، ولا تصلح لأن تكون قاعدة ولذلك فإنا حين نقول إن التفكير السياسي هو أعلى أنواع التفكير، فإن ذلك يشمل القاعدة الفكرية، أي التي تصلح لأن تكون قاعدة فكرية. وأما كونه أصعب أنواع التفكير، فإنه لعدم وجود قاعدة له يبنى عليها ويقاس عليها، ولذلك فإنه يحير المفكر ويجعله في أول الأمر معرضا للخطأ الكثير، وفريسة للأوهام والأخطاء. وما لم يمر بالتجربة السياسية وبدوام اليقظة والتتبع لجميع الحوادث اليومية، فإنه من الصعب عليه أن يتمكن من التفكير السياسي. ولذلك فإن التفكير السياسي بالأخبار والوقائع يتميز عن جميع أنواع التفكير ويمتاز عليها امتيازاً ظاهراً.

فالتفكير بالنصوص السياسية، وإن كان يشمل التفكير بنصوص العلوم السياسية ونصوص الأبحاث السياسية، ولكن التفكير السياسي الحق، هو التفكير بنصوص الأخبار والوقائع، ولذلك كانت صياغة الأخبار هي التي تعتبر نصوصاً سياسية حقة. وإذا كان المرء يريد التفكير السياسي، فإن عليه التفكير بنصوص الأخبار ولا سيما صياغتها وكيفية فهم هذه الصياغة. لأن هذا هو الذي يعتبر تفكيراً سياسياً، وليس التفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية. لأن التفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية يعطي معلومات، تماما كالتفكير بالنصوص الفكرية ويعطي فكراً عميقاً أو مستنيراً، ولكنه لا يجعل المفكر سياسياً، وإنما يجعله عالماً بالسياسة، أي عالماً بالأبحاث السياسية والعلوم السياسية، ومثل هذا يصلح لأن يكون معلماً، ولا يصلح أن يكون سياسياً. لأن السياسي هو الذي يفهم الأخبار والوقائع ومدلولاتها، ويصل إلى المعرفة التي تمكنه من العمل. سواء أكان له إلمام بالعلوم والأبحاث السياسية، أو لم يكن له إلمام أن كانت العلوم السياسية والأبحاث السياسية تساعد على فهم الأخبار والوقائع، ولكن مساعدتها هذه إنما تقف عند حد المساعدة في جلب نوع المعلومات عند الربط، ولا تساعد في غير ذلك. ولهذا فإنه ليس شرطاً في التفكير السياسي.

إلا انه مع الأسف الشديد فإنه منذ أن وجدت فكرة فصل الدين عن الدولة، وتغلب على أصحابها موضوع الحل الوسط انفرد الغرب، نعني أروبا وأمريكا بإصدار المؤلفات والكتب في العلوم السياسية والأبحاث السياسية، على أساس فكرته عن الحياة وعلى أساس الحل الوسط، وعلى أساس الشكليات التي تعطي الفكر الوسط، الذي وجد للتوفيق والمصالحة. وحين جاءت الفكرة الشيوعية واعتنقتها روسيا الدولة الشيوعية، فإنه كان يؤمل أن تخرج أبحاث سياسية على أساس فكر ثابت لا على أساس الحل الوسط ولكن مع الأسف فإن روسيا ظلت ملحقة بالغرب، ولذلك فإن العلوم السياسية والأبحاث السياسية ظلت سائرة في نفس الطريق، مع اختلاف في الشكل لا في المضمون ولذلك فإنه يمكننا أن نقول إن الأبحاث السياسية والعلوم السياسية التي خرجت حتى الآن هي أبحاث سياسية لا يطمئن العقل إلى صحتها، وعلوم سياسية أشبه بما يسمى علم النفس مبنية على الحدس والتخمين فوق كون أساسها هو الحل الوسط. لذلك فإنه حين يجري التفكير في نصوص هذه العلوم والأبحاث، لا بد أن يكون المرء في حالة يقظة على الأفكار، وفي حالة حذر من الانزلاق مع أخطائها. لأنها تتضمن أفكاراً مخالفة للواقع وأبحاثاً هي غاية الخطأ. وإنا مع كوننا نفضل أن تعامل معاملة التشريع الغربي فلا تقرأ ولا تدرس لأن فيها ما هو متعلق بالتشريع وليس بالسياسة مثل أنظمة الحكم، ولكن نظراً لأنها من نوع الأبحاث الفكرية وفيها أبحاث سياسية، فإنه من هذه الجهة لا بأس من قراءتها ودراستها ولكن مع اليقظة والحذر.

ولنأخذ بعض الأفكار كنموذج لما تتضمنه الأبحاث السياسية لدى الغرب. فالقيادة في الغرب جماعية تتمثل في مجلس الوزراء، وأخذها الشرق فجعل لها شكلاً آخر، وقال بالقيادة الجماعية. وهذا مخالف للواقع وبني على الحل الوسط. لأن الملوك المستبدين في أروبا كانوا أفراداً وضج الناس من استبداد الملوك، واعتبروا سبب ذلك هو فردية القيادة، فقالوا إن القيادة للشعب لا للفرد وجعلوها في مجلس الوزراء. وهذا حل وسط، لأن مجلس الوزراء ليس الشعب ولا منتخباً من الشعب، ولأن رئيس الوزراء هو الذي يتولى قيادة الوزراء، وبذلك كانت القيادة ليست للشعب ولا للفرد بل لرئيس الوزراء ومجلس الوزراء، فكان هذا النظام حلاً وسطاً بين أن تكون القيادة للفرد وبين أن تكون للشعب. فهو ليس حلاً لموضوع القيادة، بل هو مراضاة للفريقين. وفوق ذلك فإن واقع السير أن القيادة ظلت فردية في جميع أنواع الأنظمة الديمقراطية. فهي في الواقع إما أن يتولاها رئيس الدولة كرئيس الجمهورية مثلاً، أو يباشرها رئيس الوزراء نفسه. فواقع القيادة أنها فردية ليس غير، ولا يمكن أن تكون جماعية ولا بحال من الأحوال. وحتى لو جعلت جماعية، أو سميت جماعية، فإن سير الحكم نفسه يحول القيادة إلى قيادة فردية لأنه لا يمكن أن تكون إلا فردية.**

**أما التفكير لاستنباط الحكم الشرعي فإنه لا يكفي فيه مجرد القراءة حتى يستنبط، وإنما يحتاج إلى معرفة بالأمور الثلاثة، وهي الألفاظ والتراكيب، والأفكار الشرعية، والواقع للفكر أي للحكم، معرفة تمكنه من الاستنباط لا مجرد معرفته. فلا بد أن يكون عالماً باللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة الخ، وأن يكون عالماً بالتفسير والحديث وأصول الفقه، ولا بد أن يكون عالماً بالواقع الذي يريد استنباط الحكم له. وليس معنى كونه عالماً أن يكون مجتهداً في هذه المواضيع، بل يكفي أن يكون ملماً مجرد إلمام. فهو يستطيع أن يسأل عن معنى كلمة وأن يرجع إليها في القاموس، ويستطيع أن يسأل مجتهداً في النحو والصرف أو يرجع إلى كتاب في النحو والصرف ليعرف اعراب جملة أو تصريف كلمة، ويستطيع أن يرجع لعالم من علماء الحديث أو يرجع إلى كتاب من كتب الحديث ليعرف الحديث ويستطيع أن يسأل عالماً بالواقع الذي يريد فهمه ولو كان غير مسلم، أو أن يرجع إلى كتاب يبحث هذا الواقع. فلا يعني كونه عالماً أن يكون مجتهداً أو متبحراً، بل يكفي أن يكون ملماً إلماماً يمكنه من الاستنباط. وهذا معنى كونه أنه لا بد أن تكون لديه معلومات معينة، أي معلومات كافية لتمكينه من الاستنباط. ولذلك فإن الاستنباط وأن كان يحتاج إلى معلومات أكثر من المعلومات اللازمة لمعرفة الحكم الشرعي، ولكنه لا يعني أن يكون مجتهداً في كل واحد من الأمور الثلاثة اللازمة للاستنباط، بل أن يكون ملماً بمعلومات كافية عن هذه الأمور الثلاثة تمكنه من الاستنباط ومتى أصبح قادراً على الاستنباط فإنه حينئذ يكون مجتهداً، ولذلك فإن الاستنباط أو الاجتهاد ممكن لجميع الناس وميسر لجميع الناس، ولا سيما بعد أن أصبح بين يدي الناس كتب في اللغة العربية والشرع الإسلامي ووقائع الحياة ميسرة لجميع الناس يمكن الرجوع إليها والاستعانة بها للاستنباط. ولذلك فإن معرفة الأحكام الشرعية وإن كانت ميسورة لكل فرد، فإن استنباط الحكم الشرعي كذلك ميسور لكل فرد، وإن كان يحتاج إلى معرفة أكثر، أي إلى معلومات سابقة أكثر وأوسع.

وإذا كان من قبلنا قد ضيقوا على أنفسهم سبيل الاجتهاد والاستنباط، واكتفوا بمجرد المعرفة فكانوا في جمهرتهم مقلدين، وتجددت الحوادث والوقائع ولم يوجد لها حكم، فإن تصميمنا على أن نتقيد بالأحكام الشرعية ونخوض معترك الحياة على أعلى مستوى وبشكل واسع ومنفتح، يحتم علينا، وقد يسرت لنا كتب المعرفة والعلم أن نرتفع من التقليد إلى مرتبة الاستنباط، وأن نعالج جميع شؤون الحياة بالأحكام الشرعية وحدها وذلك لا يكلفنا إلا الحصول على المعرفة اللازمة للاستنباط.

صحيح أن معرفة الحكم الشرعي فرض عين، واستنباط الحكم الشرعي فرض كفاية، ولكن ضرورة تجدد الوقائع والحوادث، وتحريم الإسلام علينا أن نأخذ أي حكم غير الحكم الشرعي، يجعل فرض الكفاية هذا لا يقل لزوماً عن فرض العين. ولذلك لا بد أن يوجد في الأمة الحشد العظيم من المستنبطين والمجتهدين.

ومن هذا يتبين أن التفكير بالتشريع مع كونه أصعب أنواع التفكير، ولكنه ألزم أنواع التفكير للأمة الإسلامية، سواء التفكير لمعرفة الحكم الشرعي أو التفكير لاستنباط الحكم الشرعي. إلا أن التفكير باستنباط الحكم الشرعي، لا يصح أن يؤخذ بخفة، ولا أن يؤخذ بهذه البساطة. بل يجب أن يؤخذ بعناية واهتمام، وأن لا يقدم أحد عليه إلا إذا توفرت لديه المعلومات اللازمة له. وأن يكون ملاحظاً دائماً ما يحتاج إليه التفكير بالنصوص التشريعية من وجود معلومات كافية، في الأمور الثلاثة اللازمة له، وهي اللغة العربية والأمور الشرعية ومعرفة حقيقة الواقع، وانطباق الحكم الشرعي على ذلك الواقع. وإنه وإن كان الانطباق ليس من المعارف اللازمة للاستنباط، ولكنه نتيجة لصحة المعرفة للأمور الثلاثة.

هذا هو التفكير بالتشريع، وهو أن تكون المعلومات التي تربط بالواقع معلومات معينة ومعلومات كافية لمعرفة حكم الواقع أو لاستنباط الحكم له. وإذا كان أعداؤنا قد نجحوا في المغالطات وجعلونا نرى أن العسل خرء الذباب فنشمئز منه ونعرض عنه، أي جعلوا الفقه مبغضاً إلينا ومحتقراً لدينا حتى أعرضنا عنه، فإنه قد آن الأوان لكشف هذه المغالطة، وأن نرى أن سعادتنا وحياتنا لا تتحقق إلا بالأحكام الشرعية، أي لا نصل إليها إلا بالفقه، أي إلا بمعرفة الأحكام الشرعية واستنباطها. لا سيما وأن غير الإسلام من تشريع كالقانون المدني وغيره إنما هي شرع الطاغوت، وإنها مما نهانا عنه صريح القرآن.

ومهما يكن من أمر فإن التفكير بالنصوص التشريعية، أي التفكير بالتشريع الإسلامي يختلف كل الاختلاف عن التفكير بأية نصوص أخرى، فإنه إذا كان التفكير بالنصوص الأدبية يحتاج إلى معرفة الألفاظ والتراكيب، وبالتالي إلى ذوق يتكون من هذه المعرفة، وإذا كان التفكير بالنصوص الفكرية يحتاج إلى معرفة في مستوى الفكر الذي يراد إدراكه، وإذا كانت النصوص السياسية تحتاج إلى معرفة بالوقائع والحوادث؛ فإن التفكير بالنصوص التشريعية يحتاج إلى جميع ما تحتاج إليه جميع أنواع التفكير. لأنه يحتاج إلى معرفة بالألفاظ والتراكيب، ويحتاج إلى معرفة شرعية في مستوى الواقع الشرعي، ويحتاج إلى معرفة بالواقع والحوادث التي يطبق عليها الحكم الشرعي، سواء لمعرفة الحكم أو لاستنباطه. ومن هنا يمكن القول بان التفكير بالتشريع أكثر صعوبة من أي تفكير، وأكثر لزوماً للمسلمين.**

**واما النصوص التشريعية فإن الوقوف على ما تحتويه من أفكار، والوصول إلى استنباط الأفكار لا يكفي فيه أن يفهم الألفاظ والتراكيب وما تدل عليه، ولا يحتاج إلى معلومات سابقة أية معلومات، وإنما يحتاج إلى أمرين اثنين معاً. يحتاج أولاً إلى معرفة دلالة الألفاظ والتراكيب ثم المعاني التي تدل عليها هذه الألفاظ والتراكيب، ثم استعمال معلومات معينة للوقوف على الفكر أو استنباط الفكر. أما معرفة معاني الألفاظ والتراكيب فإنه يحتاج إلى معرفة باللغة، ألفاظاً وتراكيب، ويحتاج إلى معرفة اصطلاحات معينة، ثم بعد ذلك يأتي الوقوف على الأفكار والأحكام. وهذا وإن كان يمكن أن يطبق على كل تفكير تشريعي. ولكننا حين نتحدث عن التفكير بالتشريع لا نعني أي تشريع، وإنما نعني التشريع الإسلامي ليس غير. وذلك أنا بوصفنا مسلمين لا يحق لنا أن نبحث إلا في التشريع الإسلامي. لأن الأمر الجازم الذي تحتمه عقيدتنا يحصر تفكيرنا بالتشريع الإسلامي وحده. وأما غير التشريع الإسلامي فلا يحق لنا أن نبحثه حتى ولا أن نقرأه. فإن التشريع حين يقرأ إنما يقرأ من أجل الأخذ بما جاء فيه وليس قراءة متعة ولذة. وحين يبحث ويجري التفكير فيه إنما يفعل ذلك من أجل أخذه، ويحرم علينا أخذ شيء من غير الإسلام، ويحرم علينا أن نأخذ غير الحكم الشرعي. وإذا جاز لنا أن نقرأ وأن نبحث في النصوص غير التشريعية، كالنصوص الأدبية والنصوص الفكرية والنصوص السياسية، فإنه لا يحق لنا أن نقرأ أو نبحث غير النصوص التشريعية الإسلامية. فالنصوص الأدبية إنما تقرأ وتبحث للمتعة واللذة، والنصوص الفكرية حين تقرأ نكون قد اتخذنا القاعدة الفكرية مقياساً لما فيها من أفكار، والنصوص السياسية إنما تقرأ لمعرفة كيفية رعاية الشؤون الخارجية. فكلها لا يوجد ما يمنع من قراءتها وبحثها ودرسها والتفكير فيها. أما النصوص التشريعية فإنها تقرأ وتبحث للأخذ منها. وبما أنه لا يحل لنا أن نأخذ غير الحكم الشرعي، فإنه تبعاً لذلك، لا يحق لنا أن نقرأ أو نبحث أو نفكر بغير التشريع الإسلامي. وإذا كانت الأفكار تبنى على العقيدة فتكون مقياساً لصحة هذه الأفكار وعدم صحتها، أي لتعين الموقف منها للأخذ أو الرفض، فإن الأحكام الشرعية تنبثق انبثاقاً من العقيدة، أي تستنبط وتؤخذ من العقيدة، فما انبثق عن هذه العقيدة وكان حكماً شرعياً كان وحده هو الذي يؤخذ وما لا ينبثق عنها يرفض كله، سواء وافق العقيدة أو خالفها. لذلك فإنا لا نأخذ ما يوافق الإسلام وإنما نأخذ فقط ما هو إسلام ليس غير. لأن الحكم الشرعي ينبثق عن العقيدة انبثاقاً ويؤخذ منها ولا يبنى عليها، بخلاف الفكر فإنه يبنى على العقيدة بناء. فالله تعالى حين قال " اقرأ " أباح لنا القراءة إباحة مطلقة، ولكنه حين أمر بأخذ معالجات الحياة أي الأحكام الشرعية، حصر الأخذ بها وقرنه بالإيمان وجعل الأخذ من غيره أخذاً من الطاغوت، فتكون النصوص التي جاءت بموضوع التشريع مخصصة للقراءة، فتكون إباحة القراءة خاصة بغير ما هو متعلق بالتشريع، أما التشريع أي الأحكام والمعالجات، فإن الإباحة لا تشملها لوجود النصوص الدالة على عدم جواز الأخذ من غيرها. ولذلك فإنا لا نقرأ غير التشريع الإسلامي، ولا نبحثه ولا نفكر فيه. ومن هنا فإنا حين نبحث التفكير بالتشريع إنما نبحث التشريع الإسلامي ليس غير.

والتفكير بالتشريع وإن كان يحتاج إلى معرفة اللغة العربية والأفكار الإسلامية، ولكنه يحتاج قبل ذلك، وبعد ذلك إلى معرفة الواقع والفقه فيه، ثم معرفة الحكم الشرعي ثم تطبيق هذا الحكم الشرعي على الواقع، فإن انطبق عليه كان حكمه، وإن لم ينطبق عليه لم يكن حكمه، فيبحث عن حكم آخر ينطبق عليه. لذلك فإن التفكير بالتشريع لا يتأتى لكل الناس، لأنه يحتاج إلى أمور كثيرة تتعلق بالألفاظ والتراكيب، وتتعلق بالأفكار التشريعية أي بمعلومات معينة هي المعلومات التشريعية ويحتاج إلى فهم الواقع، أي واقع الحكم الذي يؤخذ أو الذي يستنبط. فالتفكير بالنصوص التشريعية لا يكفي فيه العناية بالألفاظ والتراكيب كالتفكير بالنصوص الأدبية، ولا العناية بالمعاني والأفكار كالتفكير بالنصوص الفكرية، ولا العناية بالحوادث والوقائع والظروف كالتفكير بالنصوص السياسية. وإنما لا بد أن توجه العناية للألفاظ والتراكيب والمعاني والأفكار والوقائع والحوادث التي يراد أخذ الحكم لها دفعة واحدة، أي يحتاج إلى كل ما تحتاج إليه سائر النصوص. لذلك كان التفكير به أكثر صعوبة من التفكير بأي نص آخر، وكان في حاجة إلى عمق واستنارة في وقت واحد، فلا يكفي فيه العمق، وإن كانت تكفي فيه الاستنارة، لأنها لا تكون إلا عن عمق.

والنصوص التشريعية يختلف التفكير بها باختلاف الغاية من هذا التفكير، لأن الغاية من التفكير بالنصوص التشريعية، إما أن تكون لأخذ الحكم الشرعي وإما أن تكون لاستنباط الحكم الشرعي، وفرق بين الاثنين. فالتفكير لمعرفة الحكم الشرعي فقط وإن كانت تحتاج إلى معرفة معاني الألفاظ والتراكيب، ولكنها لا تحتاج إلى معرفة النحو والصرف، ولا متن اللغة أو علوم البلاغة، وإنما يكفي فيها معرفة القراءة باللغة العربية ولو لم يعرف الكتابة. فقراءة النص باللغة العربية وفهم ما يقرأ كافية في طلب معرفة الأحكام الشرعية من النصوص، وهي وإن احتاجت إلى معرفة الأفكار الشرعية أي معلومات سابقة عن الشرع، ولكنها يكفي فيها معرفة المعلومات الأولية. التي تلزم للمعرفة فلا تحتاج إلى معرفة علم أصول الفقه، ولا معرفة الآيات والأحاديث، فيكفي فيها أن يفهم الحكم الشرعي من غيره، من مجرد القراءة. وكذلك لا يلزم فيها معرفة الواقع ما هو، بل يكفي أن يعرف أن هذا الحكم لهذا الواقع. فحين يقرأ ليعرف حكم لحم العلب ما هو فإنه يكفي أن يعرف أن لحم الميتة حرام، وأن يعرف أن لحم العلب لحم ميتة لأنه لم يذبح ذبحاً شرعياً. وحين يقرأ ليعرف حكم الكلنيا، أي ما يسمى بالكولونيا يكفي أن يعرف أن المسكر حرام، وأن الكلنيا مسكر وهكذا. فإن التفكير في معرفة الحكم الشرعي من النصوص الشرعية فإنه يكفي فيه وجود معلومات سابقة كافية لتفسير واقع الحكم الذي يبحث عنه.**

**ولنأخذ الفلسفة اليونانية، فإنها كانت موجودة لدى نصارى الشام والعراق. وكان المسلمون يحملون الدعوة إلى الإسلام لهؤلاء النصارى، ولا سيما بعد أن أصبحوا تحت حكم الإسلام وتحت سيطرته. فكان النصارى في نقاشهم للمسلمين يستعملون الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني، فاستعمل المسلمون هذه الفلسفة وهذا المنطق ليردوا على هؤلاء النصارى، دون أن يدركوا الأفكار التي تحويها هذه الفلسفة، ودون أن يروا المغالطات التي تدخل في مقدمات المنطق. فأدت هذه الدراسة التي كانت من أجل نشر الإسلام إلى أن انصرف لها بعض علماء المسلمين من أجل اللذة التي يجدونها في دراستها، وانصرف إليها علماء مسلمون آخرون من أجل الرد على النصارى، والبرهنة على صحة أفكار الإسلام. أما الفريق الأول من العلماء فإنهم صاروا يسيرون في طريق فلاسفة اليونان، وأخذوا الفلسفة اليونانية وصارت ثقافتهم واعتنقوا آراءها مع مراعاة للإسلام حسب ما تراه هذه الأفكار الفلسفية، وبذلك نشأ الفلاسفة المسلمون، فمنهم من زل وانحرف، ومنهم من ضل ضلالاً كبيراً. وكلا الفريقين: المنحرفون والضالون قد تركوا الإسلام وأصبحوا كفاراً، ولذلك فإن جميع من يسمون بفلاسفة المسلمين أو فلاسفة الإسلام كفار، لا فرق بين ابن سيناء والفارابي، ولا بين ابن رشد والكندي.

وأما الفريق الثاني من علماء المسلمين، الذين درسوا الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني، فإنهم انقسموا فريقين: فريق يتخذ الفلسفة اليونانية أساساً، ويؤول أفكار الإسلام بما يتفق وأفكار هذه الفلسفة، ويطبق الأفكار الفلسفية على أفكار الإسلام وهؤلاء هم المعتزلة. وفريق قد وقف من هذه الأفكار موقف المعارض والناقد، وصار يحاول تصحيحها ويرد عليها، وهؤلاء من يسمون بأهل السنة، فكان الجدال بين هذين الفريقين. وشغلوا بهذا الجدال عن حمل الدعوة الإسلامية، وصرفوا عن العمل الأساسي الذي فرضه الله عليهم، ألا وهو حمل دعوة الإسلام إلى غير المسلمين، بمحاولة تصحيح عقائد المسلمين، إما باستخدام أفكار الفلسفة اليونانية للبرهنة على صحة أفكار الإسلام، ولبلورتها، وإما بالرد على هذه الأفكار. وشغلوا الناس بهذا أجيالاً وقروناً. وهؤلاء، وإن كانوا جميعاً مسلمين، ولكنهم بسبب الفلسفة اليونانية، صرفوا عن حمل الدعوة إلى الإسلام، لغير المسلمين.

ثم لم يقتصر الأمر على ذلك، بل وجدت من جراء ذلك جماعات أخرى من أمثال الجبرية، والمرجئة، والقدرية، وغيرها. وأدى ذلك إلى وجود ملل ونحل وأفكار وجماعات بين المسلمين، فكانت بلبلة أي بلبلة، حتى صار المسلمون عشرات الفرق، وعشرات المذاهب الفكرية. كل ذلك من جراء دخول الفلسفة اليونانية لبلاد الإسلام، وإقبال الكثير من المسلمين على دراستها دون إدراك يحدد أفكارها ويميزها، ودون تصور صحيح لمدلول تلك الأفكار. ولولا قوة الإسلام نفسه ووقوف اهل السنة والجماعة بصدق وإخلاص في الوقوف في وجه الأفكار ببيان الواقع الذي تدل عليه، وتصوير مدلولاتها تصويراً صحيحاً، وامتشاق الحسام في وجه الكفرة من هذه الفرق والمذاهب، لولا ذلك لذهب الإسلام ولضاع من جراء الفلسفة اليونانية وما أوجدته من أفكار وآراء.

أما الأفكار الرأسمالية والاشتراكية فإن خطرها أمر مشاهد محسوس، وضلال أفكارها قد شمل الكثير من أبناء المسلمين وخطأ مفاهيمها قد تفشى حتى لدى جماهير المسلمين. ولسنا بحاجة لإقامة الدليل، وذكر أمثلة من الأفكار الضالة والأفكار الخاطئة فإن الواقع المشاهد في بلاد الإسلام، ولا سيما الذين وعوا على الحياة بعد الحرب العالمية الثانية، يُرينا ما أحدثته هذه الأفكار من تخريب في عقول المسلمين ومن صرف للمسلمين عن العمل من أجل الإسلام.

لذلك فإن التفكير بالنصوص الفكرية يجب أن يعرف تمام المعرفة وأنه لا يكفي فيها مجرد وجود المعلومات السابقة، بل لا بد أن تكون هذه المعلومات في مستوى الفكر، وأن يكون إدراك واقعها موجوداً بشكل يحدده ويميزه، وأن يكون تصور مدلولها تصوراً صحيحاً يعطي الصورة الحقيقية عن ذلك المدلول.

نعم إن الإسلام لم ينه عن الدراسة الفكرية بل أباحها، ولم ينه عن أخذ الأفكار بل أباح أخذها، ولكن الإسلام قد جعل العقيدة الإسلامية قاعدة للأفكار ومقياساً لأخذها أو رفضها، فإنه لا يجيز أخذ فكر يتناقض مع هذه القاعدة، وإن جاز قراءة النصوص التي تحويه، ولا يبيح أخذ فكر إلا إذا كانت القاعدة الفكرية تبيح أخذه. فحتى يدرك أن الفكر يناقض القاعدة الفكرية أو يوافقها، فإنه لا يمكن اتخاذ الموقف منه إلا بعد إدراك واقع الفكر إدراكاً يحدده ويميزه، وتصور مدلوله تصوراً صحيحاً، وبدون هذا لا يمكن قياس هذا الفكر بالقاعدة الفكرية، وبالتالي لا يمكن اتخاذ الموقف الصحيح منه. ولذلك فإن التفكير في النصوص الفكرية، أياً كانت لا بد أن تكون لدى من يريد التفكير بالنص الفكري، أن تكون لديه معلومات سابقة في مستوى هذا الفكر، وأن يكون لديه علاوة على ذلك إدراك لواقعه إدراكاً يحدده ويميزه وتصور لمدلوله تصوراً صحيحاً يعطي الصورة الحقيقية له.**

**هذه هي كيفية التفكير في فهم النصوص الأدبية. وهي أن فهمها يحتاج إلى وجود ذوق سابق، أي معرفة بطبيعة النصوص ينتج عنها تكون الذوق. فمعلوماتها السابقة هي وجود الذوق، والطريق إليه هو الإكثار من قراءة النصوص الأدبية حتى يتكون هذا الذوق. وإذا لم يوجد الذوق فإنه لا يمكن فهم النصوص الأدبية، أي لا يكون التفكير بها منتجاً. صحيح أنه قد يخرج بإدراك للفكر الذي تحويه، وقد يخرج برؤية لما تهدف إليه، ولكنه لا يخرج بفهم لها، ولا بالوقوف عليها. لأنه لم يتذوقها ولم يعرف طعمها، وإذا لم يتذوقها ويعرف طعمها، فإنه لم يفهمها. فالنص الأدبي فهمه أن تهتز إليه، وأن يثيرك ويؤثر فيك. وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كان هناك ذوق لدى من يقرأ هذه النصوص. ومن هنا كان ما يلزم لفهم النصوص هو وجود الذوق.

أما النصوص الفكرية فإن المعارف العقلية هي الأساس في بناء النص، والعناية فيه موجهة إلى المعاني أولاً ثم إلى الألفاظ والتراكيب. وهو لغة العقل لا لغة العاطفة. والغرض منه أداء الأفكار لا سيما الحقائق، قصد خدمة المعرفة وإثارة العقول. والكلمات والتراكيب فيه تتميز بالدقة والتحديد والاستقصاء. وهو يقوم على العقل بغض النظر عن العواطف، وعلى نشر الحقائق الفكرية والمعارف التي يحتاج الوصول إليها إلى جهد وتعمق. ولذلك فإن النصوص الفكرية تخالف النصوص الأدبية تمام المخالفة. ذلك أن النص الأدبي لا يقف عند الحقائق والمعارف، ولا يقصد منه تغذية العقل بالأفكار. وإنما يحاول تقريب هذه الحقائق إلى الأذهان، ولكنه يختار أبرزها وأهمها، أي يختار ما يستطيع أن يجد فيه مظهراً لجمال ظاهر أو خفي، أي يختار ما يوجد التأثر والانفعال، وتكون الألفاظ والتراكيب التي تؤدي هذه الأفكار على وجه يثير القراء ويثير السامعين، فيهز مشاعرهم، ويبعث فيهم ما يقتضيه هذا الانفعال من غبطة ورضا، أو سخط وغضب. وهذا بخلاف النص الفكري، فإنه يقصد به تغذية العقل بالأفكار، فهو يقف عند حد الحقائق والمعارف بغض النظر عن كونها تهز المشاعر أو لا تهزها. فهو يتقصد اجتلاء الأفكار وليس تقريبها. وحسن إبرازها، وليس ما فيها من جمال. وما يوجد قناعة العقل ودقة الأداء. ولا يعنى أبداً بما يثيره هذا من سخط أو رضا، من سرور أو غضب. بل يعنى بأداء الفكر كما هو، ويجعل صورة الفكر واضحة وليس صورة التركيب. ومن هنا كان فهم النصوص الفكرية يخالف كل المخالفة فهم النصوص الأدبية.

والتفكير في النصوص الفكرية، أي فهمها لا يتأتى إلا بوجود معلومات سابقة عن موضوع النص، فإذا لم توجد هذه المعلومات السابقة المذكورة، لا يمكن أن يفهم النص لأنه يعبر عن واقع معين فإذا لم توجد لديه معلومات سابقة يفسر بها هذا الواقع، فإنه لا يمكن أن يفهمه ولا بحال من الأحوال. والأسلوب الفكري، لا بد أن تكون المعلومات السابقة لفهمه مما يكون مدلولها مدركاً، فإذا كانت المعلومات السابقة قد عرفت مجرد معرفة دون أن يكون مدلولها مدركاً واقعه، فإنه لا يمكن فهم النص الفكري. لأن النص الفكري يعبر عن فكر، له واقع وله مدلول، وليس مجرد فكر فإذا فهم الفكر فهماً لما يدل عليه، لا إدراكاً لواقعه، ولا رؤية لمدلوله فإنه لا يكون معلومات سابقة يمكن أن يفسر الواقع بها. وإنما تكون مجرد معلومات ولا تنفع في التفكير، أي لا تنفع في الفهم للنص الفكري. فشرط التفكير بالنص الفكري ليس وجود معلومات سابقة فقط، بل وجود إدراك لواقعها وتصور حقيقي لمدلولها. فأنت حين تقرأ في كتاب فكري سواء كان بحثاً في فكر أو بحثاً في موضوع أو بحثاً في مسألة فإن نصوص هذا الكتاب نصوص عربية، وألفاظه ألفاظ عربية، وتراكيبه تراكيب عربية. وأنت عالم باللغة العربية. ولكن علمك بالعربية وإن ساعدك على فهم معاني الألفاظ والتراكيب، ولكنه لا يساعدك على فهم مدلولات الأفكار التي صيغت بهذه الألفاظ والتراكيب. فلأجل فهم هذه الأفكار لا بد أن تكون لديك معلومات عنها، ولا بد أن تكون هذه المعلومات مدركاً واقعها ومنصوراً مدلولها. وإلا فهمت الكلام فهماً لغوياً، وقد يكون فهمك مطابقاً لما تدل عليه الأفكار، وقد يكون معاكساً له، ولكنه على كل حال ليس فهماً للفكر، وإنما هو فهم لغوي.

فمثلاً حين تقرأ هذا النص " والواعي سياسياً يتحتم عليه أن يخوض النضال ضد جميع الاتجاهات التي تناقض اتجاهه، وضد جميع المفاهيم التي تناقض مفاهيمه. في الوقت الذي يخوض فيه النضال لتركيز مفاهيمه وغرس اتجاهاته " وهو من النصوص الفكرية، فإنه لا يكفي أن تفهم معناه في اللغة العربية حتى تفهمه، ولا يكفي الوقوف على مدلولات ألفاظه وتراكيبه حتى تقف على معناه بل لا بد أن يكون واقع التدبر السياسي من زاوية خاصة، واضحاً لديك ومتصوراً مدلوله عندك.

ولا بد أن يكون واقع الاتجاهات وما تدل عليه مدركاً ومتصوراً لديك. وواقع نضال هذه الاتجاهات باتجاهاتك، وواقع غرس اتجاهاتك في الناس مدركاً ومتصوراً لديك الخ، أي لا بد من أن تكون المعلومات السابقة عن الوعي السياسي وعن النضال وعن الاتجاهات وعن المفاهيم متصوراً واقعها ومدركاً مدلولها. حتى يتأتى فهم هذا النص. وإذا لم يحصل ذلك، وظلت المعلومات معلومات مجردة أو ملاحظاً فيها مدلولها كمعان لا كواقع فإنه لا يمكن فهم هذا النص. وإذا لم يفهم لا يستفاد منه ولو حفظ عن ظهر قلب. ولذلك فإن النصوص الفكرية، كالبناء لا يمكن إزالة حجر منه وتبقى صورة البناء كما هي. فلا يمكن نقل حرف منه من مكان إلى مكان، ولا يمكن استبدال كلمة بكلمة أخرى، بل لا بد من المحافظة الكاملة على النص كما هو. لأن الواقع الذي يراد منه أي مدلول الفكر الذي يراد أداؤه واقع معين وصورة معينة، فإذا تغير شيء من الواقع ومن الصورة يتغير الفهم كلياً أو جزئياً. ففهم النص الفكري يقضي بإدراك مدلوله وإدراك مدلوله يقضي بالمحافظة على ألفاظه وتراكيبه.**

**هذا هو واقع النصوص الأدبية، وما دام هذا واقعها فإن المعلومات السابقة التي تلزم لربط الإحساس الذي يحصل من قراءة النصوص الأدبية، يجب أن تكون معلومات متعلقة بالتصوير متعلقة بالصور الأدبية حتى يدرك معنى النص، وحتى تشاهد الصورة التي أخرجت، على الوجه الذي أخرجت عليه، بمعنى أن فهم النص الأدبي يستلزم معارف سابقة عن الألفاظ وعن التراكيب، أي عن عملية التصوير وما يلزمها من أدوات ووسائل ويستلزم مِراناً على مشاهدة الصور والتمييز بينها، أي يستلزم سبق قراءة النصوص الأدبية بشكل يتربى معه الذوق والتمييز والإدراك. ولهذا فإن من لم تكن لديه معرفة سابقة بالنصوص الأدبية فإنه لا يتأتى له فهم النصوص الأدبية حتى وإن أظهر التأثر بها والتقدير لها. فالمسألة مسألة ذوق وهذا الذوق لا يتأتى إلا بعد المران وكثرة التذوق واختلاف أنواع ما يتذوق. أي إلا بعد قراءة النصوص الأدبية، والإكثار من قراءتها على مختلف أنواعها وصورها. ومتى وجد هذا الذوق وجد الفهم للنص، لأن الفهم للنص الأدبي ليس فهما لمعانيه، بل هو تذوق التركيب، ويأتي من هذا التذوق فهم المعاني.

فمثلاً قول الشاعر:

خلقان لا أرضاهما لفتى =فإذا غَنِيتَ فلا تكنْ بَطِراً

تِيْهُ الغِنى ومَذَلَّةُ الفقرِ =وإذا فَقِرْتَ فَتِهْ على الدهرِ

وقول الشاعر:

إن التي زعمتْ فؤادك ملَّها =فَبِكَ الذي زعمتَ بها وكِلاكُما

خُلِقَتْ هَواكَ كما خُلِقْتَ هَوًى لها =يُبْدِي لصاحِبِهِ الصَّبابةَ كُلَّها

هو غير قول الشاعر:

وكنا إذا ما استكْرَهَ الضيفُ بالقِرى=ولا نستجمُّ الخيلَ حتى نُعِيْدَها

وغير قول الشاعر:

إذا ما غضبنا غضبةً مُضَرِيَّةً=إذا ما أعَرْنَا سيداً من قبيلةٍ

أتَتْهُ العَوالي وهْيَ بالسُّمِّ تَرْعَفُ=غوانمَ من أعدائِنا وهْيَ زُحَّفُ

هتكْنا حِجابَ الشمسِ أو قَطَرَتْ دَمَا=ذُرَى مِنْبَرٍ صَلَّى علينا وسَلَّمَا

وهذه الغيرية ليست باختلاف المعاني بل بالصورة التي أخرجها الشاعر، وبالتصوير الذي أوجده، فإنه وإن كان واحد من هؤلاء الشعراء قد هز القارىء والسامع، ولكن الهزة التي أحدثها الشاعران الأولاًن هي غير الهزة التي أحدثها الشاعران الآخران. ومثلاً قول الأديب: " يا مولاي وسيدي الذي ودادي له، واعتمادي عليه، وامتدادي منه، ومَن أبقاه الله ماضيَ حَدِّ العزم، وَارِيَ زَنْدِ الأمل. إن كنت سلبتني _ أعزك الله _ لباسَ نعمائك، أو نفضت عني كَفَّ حِياطَتِك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأملي لك، وسمع ثنائي عليك. وأحس الجماد باستنادي اليك، لا غَرْوَ قد يَغُصُّ الماءُ شاربَهُ، ويقتلُ الدواءُ المستشفِيَ به، ويُؤتى الحَذِرُ من مأمَنه وتكون مَنِيّة المتمني في أمنيته، والحَيْنُ قد سبق جهد الحريص ".

وقول الأديب " الكتاب وِعاءٌ مُلىء علماً، وظرْفٌ حُشي ظَرَفاً، وإناء شُحِنَ مِزاحاً وجِدّاً. وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت ضحكت من بوادره، وإن شئت عجبت من غرائب فوائده ".

هو غير قول الأديب: " والعلم لا يعرف الكلمة الأخيرة في مسألة من مسائله، وإنما حقائقه كلها إضافية موقوتة، لها قيمتها حتى يكشف البحث عما يزيل هذه القيمة أو يغيرها ".

وغير قول الأديب: " فالأفكار متنوعة والآراء متعددة، وقضايا كل عصر تخالف ما قبلها، ويراها الباحث فيظنها أول وهلة جديدة لم ترتبط بما قبلها برباط، ولم تتصل به أية صلة فيعمل فكره فيما عسى أن يكون بينهما من قرابة أو نسب، وما قد يصل بينهما من سبب ".

وهذه الغيرية ليست باختلاف المعاني بل بالكيفية التي أُدّيت بها هذه المعاني وبالصور التي يحاول كل منهما أداءها. فالأديبان الأولاًن: أحدهما يستعطف، والآخر يصف كتاباً. وكل منهما قد أدى المعنى الذي يريده بكيفية خاصة وأعطى صورة خاصة. والأديبان الآخران: أحدهما يتحدث عن العلم والثاني يتحدث عن الأفكار. وكل منهما يؤدي المعنى بكيفية غير الكيفية التي أدى بها الأديبان الأولاًن.

ولكنْ كل منهم جميعاً لم يكن يبحث عن المعاني، وإنما كان يهتم بالتركيب والألفاظ وكانت المعاني وسائل لأداء الصورة التي يريد إبرازها. فحين يريد المرء أن يفهم هذه النصوص، شعرية كانت أو نثرية. لا يصح أولاً أن يجهد نفسه بالمعاني، بل يجب أن يوجه الجهد إلى فهم الألفاظ والتراكيب، ويأتي فهم المعاني تبعا لذلك، ومن هنا لا بد أن تكون معلوماته السابقة متعلقة بالألفاظ والتراكيب لا بالمعاني. ولأجل أن تتكون لديه معلومات في ذلك، لا بد من أن يقرأ النصوص الأدبية كثيراً، وأن يحاول نقدها وأن يجهد في الوقوف على أسرار تراكيبها إلى أن يتكون عنده الذوق، ومن وجود الذوق تتكون المعلومات. ولذلك فإن فهم النصوص الأدبية، لا يحتاج إلى درس وتحصيل ولا إلى معلومات عن المعاني التي تحويها النصوص، وإنما يحتاج إلى تكوين ذوق في الدرجة الأولى، وهذا الذوق إنما يتكون بكثرة قراءة النصوص الأدبية، حتى توجد النشوة من قراءتها، فيكون الذوق قد تكون لدى الإنسان. وفهم النصوص الأدبية لا يحتاج إلى معرفة بالنحو والصرف ولا معرفة بعلوم البلاغة من معاني وبيان وبديع، ولا يحتاج إلى فقه اللغة وعلم الوضع، فإن هذه وأن استحسن الإلمام بها ولكن لا يستحسن التبحر فيها. وإنما يحتاج إلى شيء واحد هو كثرة قراءة النصوص، حتى يتكون لديه الذوق.**

**والتفكير بالتغيير لا يعني أنه موجود عند الذين يشعرون بضرورة تغيير أحوالهم أو أفكارهم، بل هو موجود ما دام في الكون حالة تقتضي التغيير، ولذلك فإن التفكير بالتغيير لا يقتصر على تغيير المرء لحاله ولا تغييره لمجتمعه ولا تغييره لشعبه وأمته، بل هو موجود لتغيير الغير، لتغيير الناس الآخرين والمجتمعات الأخرى والأوضاع الأجنبية. فإن الإنسان فيه خاصية الإنسانية وهي تقضي بالنظر للإنسان أينما كان، سواء أكان في بلده أو في غير بلده، وسواء كان في دولته أو في غير دولته، وسواء كان في أمته أو في غير أمته. فالتغيير يحاول الإنسان إحداثه في كل مكان يحتاج إلى التغيير.

والتفكير بالتغيير ينبع من قرارة النفس وتدفع إليه وقائع الحياة، بل يوجده مجرد الشعور بالحياة، وهو وإن كانت تقاومه القوى التي تشعر أن التغيير خطر عليها، فإنه موجود حتى لدى هذه القوى. فوجوده في الإنسان أمر حتمي. إلا أن جعل الناس يفكرون بالتغيير، إما أن يأتي بالإقناع وإما أن يأتي بالقوة القاهرة. ومتى حصل التغيير بالفعل أو إدراك قيمة التغيير فإنه يصبح التفكير بالتغيير سهلاً ميسوراً. لأنه يعيد إلى الناس شعورهم بضرورة التغيير، وبالتالي يوجد لديهم التفكير بالتغيير. ولذلك كان لزاماً على كل مسلم أن يكون لديه التفكير بالتغيير.

هذه عشرة أنواع من التفكير، أو عشرة نماذج للتفكير وهي كافية لإعطاء صورة عن التفكير. وهي وإن كانت تشمل التفكير ابتداء، والتفكير الذاتي والتفكير عن طريق الحس، والتفكير عن طريق السماع، إلا أنها تشمل كذلك التفكير في فهم النصوص، التفكير فيما يقرأ. ولكن التفكير بما يقرأ يحتاج إلى بحث خاص، ولفت نظر معين. ذلك أن القراءة وحدها لا توجد التفكير، بل لا بد من معرفة كيف يجري التفكير في النصوص إذا قرأها الإنسان. ذلك أن القراءة والكتابة هي وسيلة للتفكير وليست هي التفكير. فكثير من الذين يقرأون لا يفكرون، وكثير من الذين يقرأون ويفكرون لا يستقيم لديهم تفكير، ولا يصلون إلى الأفكار التي عبر عنها الكلام. ومن هنا كان من الخطأ أن يظن أحد أن تعلُّم القراءة والكتابة يعلم الناس أو ينهض الأمم. فكان من الخطأ أن توجد عناية بإزالة الأمية من أجل تعليم الناس وأن يوجه الجهد لمحو الأمية من أجل إنهاض الشعب أو الأمة. لأن القراءة والكتابة لا تغذي العقل بشيء، ولا تبعث لا في النفس ولا في العقل أي دافع للتفكير، لأن التفكير يوجده الواقع والمعلومات السابقة. والقراءة ليست واقعاً يفكر فيه، ولا معلومات يفسر بها الواقع فلا قيمة لها في التفكير، وإنما هي تعبير عن الأفكار فمجرد قراءتها لا توجد الأفكار في الذهن ولا تبعث على التفكير. وما هي إلا تعبير عن الأفكار، فإذا كان القارىء يحسن فهم هذا التعبير وجدت لديه الأفكار من إحسان فهمه لا من القراءة وإذا كان لا يحسن الفهم، لا توجد لديه أفكار ولو قرأ ساعات أو سنين. ولذلك لا بد من بحث التفكير بالنصوص وكيف تفهم هذه النصوص.

إن أهم النصوص التي تسطر أربعة نصوص هي: النصوص الأدبية، والنصوص الفكرية، والنصوص التشريعية، والنصوص السياسية. والتفكير في كل منها أي فهمه يختلف عن الآخر، وإن كان فهم جميعها يسير على طريقة واحدة هي الطريقة العقلية. ولم تذكر النصوص العلمية لأنها تكاد تكون نصوصا خاصة بالعلماء في العلوم التجريبية، ولا يكاد يعنى بها غيرهم. أما النصوص الأربعة فهي مطروحة لجميع الناس وفي إمكان كل واحد أن يفهمها إذا تيسرت له وسائل الفهم.

أما النصوص الأدبية، فإنها نصوص موضوعة للذة وهز المشاعر وإن حوت معارف يستفيد منها العقل، ولذلك هي تعنى بالألفاظ والتراكيب أكثر من عنايتها بالمعاني. والمعاني وإن كانت لا بد أن تكون مقصودة للشاعر والأديب، ولكن القصد الأول هو الألفاظ والتراكيب. صحيح أن الألفاظ تدل على معان والتراكيب تدل على معان، ولكن الشاعر والأديب يصب جهده على الألفاظ والتراكيب لأداء هذه المعاني. صحيح أنهم يقولون إن البلاغة هي المعنى الجميل في اللفظ الجميل والتركيب الجميل، ولكن الشاعر والأديب وإن عنى نفسه بتصيّد المعاني، ولكنه يتصيّدها من أجل أن يصوغها في لفظ جميل وتركيب جميل. فاللفظ والتركيب أو صياغة المعاني إنما هي في الصورة التي يخرج بها هذا المعنى، في ذلك اللفظ أو التركيب.

فالصياغة للألفاظ والتراكيب هي التي تعتمد عليها صياغة المعاني. وصحيح أيضاً أن المراد من النصوص هو أداء المعاني، ولكن هذا في النصوص عامة. أما النصوص الأدبية فإنه ليس الغاية منها أداء المعاني فحسب، بل الغاية منها في الأصل هو إثارة القارىء والسامع، وليس إعطاءه المعنى فحسب. فالإثارة هي المقصود في الدرجة الأولى. ولذلك يختار الشاعر والأديب الألفاظ والتراكيب اختياراً، ويقصد فيها أن تتصف عبارته بالتفخيم والتعميم، والوقوف عند مواطن الجمال والتأثير، وإثارة العواطف وإيجاد الانفعالات. ولذلك تجد النصوص الأدبية تتميز بالعبارات التي تصاغ بها الأفكار وتخرج الصور، ثم العناية بالصور ثم باختيار الأفكار. فهمّه من الأفكار أن يستطيع صوغها وإخراجها في صورة مثيرة ومؤثرة. فالأصل هو التعبير وهو التصوير أو إخراج الصورة، والأفكار أداة أو وسيلة. فالتصوير والصورة هما ما يعني الشاعر والأديب نفسه بهما، ويعني نفسه بالأفكار، من حيث صلاحيتها للتصوير والصورة التي تخرج بها. لا من حيث صحتها وصدقها، بل من حيث صلاحيتها للتصوير. لأن الغاية من النص ليس تعليم الناس للأفكار بل إثارة مشاعرهم. ولذلك تصب فيها العناية على التصوير أي على التعبير، ولهذا فإن عنايتها بما يجري فيه هذا التعبير وهو الألفاظ والتراكيب، لا بما يحويه هذا التعبير إلا من حيث صلاحيته للتصوير، أي لإخراج الصورة الرائعة المثيرة.**

**والجدية في التفكير لا تستلزم قصر المسافة بين الفكر والعمل ولا تقتضي طولها. لأن العمل هو نتيجة للفكر، فقد يفكر المرء بالذهاب إلى القمر وقد تطول المسافة بين هذا التفكير وبين الوصول. وقد يفكر بالأكل وقد تطول المسافة بين التفكير وبين القيام بالأكل. وقد يفكر بإنهاض أمته وقد تقصر المسافة بين تفكيره وبين وجود النهضة. فالمسألة ليست بطول المسافة أو قصرها، لأن المسافة بين التفكير والعمل، لا ضرورة لأن تكون قصيرة أو طويلة، بل قد تكون قصيرة وقد تكون طويلة. بل المهم هو أن يوجد عمل من جراء التفكير، سواء أوجده نفس المفكر أو أوجده سواه. فالتفكير يجب أن ينتج عملاً سواء أكان كلاماً كالشعراء والأدباء أو كان أعمالاً كالعلماء في العلوم التجريبية، أو كان خططاً كعلماء السياسة وعلماء الحرب. أو كان فعلاً مادياً كالحرب والأكل والتعليم وغير ذلك من الأفعال.

وعليه فإن التفكير. حتى ينتج النتيجة التي فكر بها، لا بد أن يكون جدياً سواء أنتج بالفعل ام أخفق في الإنتاج. فالجدية أمر ضروري في التفكير. وبدون الجدية يكون التفكير عبثاً في عبث أو لهواً ولعباً، أو رتيباً يسير على وتيرة واحدة بحكم العادة وبحكم التقليد. والتفكير الرتيب يستمرىء الحياة التي عليها المفكر والحياة التي عليها الناس، ويبعد عن الأذهان فكرة التغيير والتفكير بالتغيير.

والتفكير بالتغيير ضروري للحياة لأن ركود الحياة والاستسلام للأقدار هو من أخطر الآفات التي تجعل الشعوب والأمم تنقرض وتندثر مع الأحداث والأيام. ولذلك كان التفكير بالتغيير من أهم أنواع التفكير. والتفكير بالتغيير لا يستسيغه الخاملون ولا يقبله الكسالى، لأن التغير ثمنه باهظ. ولأن من تتحكم فيهم العادات يرون في التفكير بالتغيير ضرراً عليهم ونقلاً لهم من حال إلى حال، ولذلك يحاربه المنحطون والكسالى، ويقف في وجهه من يسمون بالمحافظين، ومن يتحكمون في رقاب العباد وأرزاقهم. لذلك كان التفكير بالتغيير خطراً على صاحبه، وكان من أشد ما يحارب حرباً لا هوادة فيها، بين جميع أنواع التفكير.

والتفكير بالتغيير، سواء أكان تغييراً لنفوس الأفراد أو حالهم أو تغييرا للمجتمعات أو تغييراً لأوضاع الشعوب والأمم أو غير ذلك مما يحتاج إلى تغيير، يجب أن يبدأ بالأساس الذي يعيش عليه الإنسان وبالمجتمعات التي لا أساس لها أو تقوم على أساس خاطىء، أو الأوضاع التي تسير على طريق غير مستقيم. هذا الأساس الذي تقوم عليه الحياة هو الذي يرفع الحياة أو يخفضها، وهو الذي يسعد الإنسان أو يشقيه، وهو الذي يوجد وجهة النظر في الحياة وبحسب وجهة النظر هذه يخوض الإنسان معترك الحياة.

فأولاً ينظر إلى هذا الأساس، فإن كان عقيدة عقلية تتجاوب مع فطرة الإنسان فإنه حينئذ لا يحتاج إلى تغيير ولا يطرأ على قلب أي بشر ولا في ذهن أي إنسان فكرة التغيير في هذا الأساس، لأنه هو الأساس الذي يجب أن تقوم عليه الحياة. لأن التغيير إنما يوجد حيث لا تكون الأشياء صحيحة، وحيث لا تكون الأمور مستقيمة، وحيث يكون الخطأ ماثلاً للعقل، أو بارزاً لمشاعر طاقة الإنسان الحيوية. فإذا ما كان العقل موقناً بشكل جازم بصحة الشيء واستقامة الأمر وكانت مشاعر الطاقة الحيوية مشبعة ومرتاحة فإن فكرة التغيير تنعدم كلياً. ولذلك فإنه لا يتأتى التفكير بالتغيير، إذا كان أساس الحياة عقيدة عقلية تتجاوب مع فطرة الإنسان. أما إذا كان الأساس الذي يعيش عليه الإنسان، ويقوم عليه المجتمع وتسير بحسبه الأوضاع، غير موجود أصلا أو موجوداً بشكل خاطىء، فإنه من العبث أن يجري التفكير بالتغيير لأي شيء قبل التغيير في الأساس، أي قبل التغيير في العقيدة التي يعتقدها الناس. ولذلك فإن المسلمين وقد نعموا بالعقيدة العقلية التي تتجاوب مع فطرة الإنسان، كان واجباً عليهم أن يحدثوا التغير في الناس الذين لا عقائد لهم، أو لهم عقائد فاسدة يمجها العقل ولا تتجاوب مع فطرة الإنسان، ومن هنا كان فرضاً عليهم أن يحملوا الدعوة الإسلامية إلى جميع الناس غير المسلمين ولو أدى ذلك إلى القتال وإلى خوض المعارك مع الكفار أي مع الذين لا توجد لديهم العقيدة العقلية المتجاوبة مع فطرة الإنسان.

فالتغيير يجب أن يبدأ بالأساس. فإذا غير هذا الأساس وحل محله الأساس المقطوع بصحته وصدقه، فحينئذ يفكر بالتغيير بالمجتمعات والأوضاع. وتغيير المجتمعات والأوضاع، إنما يكون بتغيير المقاييس والمفاهيم والقناعات. ذلك أنه إذا وجد الأساس الصحيح الصادق، فإنه يكون المقياس الأساسي لجميع المقاييس، والمفهوم الأساسي لجميع المفاهيم، والقناعة الأساسية لجميع القناعات. فمتى وجد هذا الأساس أمكن حينئذ تغيير المقاييس والمفاهيم والقناعات، وبالتالي أمكن التغيير بالمجتمعات والأوضاع لأنه تتغير به القيم كلها، قيم الأشياء، وقيم الأفكار وبالتالي تتغير مقومات الحياة. فالتفكير بالتغيير لا بد أن يكون عند الإنسان، أو لا بد أن يوجد عند الإنسان. وكل من يملك عقيدة عقلية متجاوبة مع فطرة الإنسان، يوجد لديه التفكير بالتغيير إما بالقوة بان يكون كامناً فيه، وإما بالتغيير كأن يباشر التفكير بالتغيير فعلاً أثناء خوضه معترك الحياة.

**والمفكر سواء أكان سطحياً أو عميقاً أو مستنيراً، لا بد أن يكون جاداً في تفكيره. صحيح أن المفكر السطحي لا تساعد سطحية تفكيرة على الجدية، ولكنه في بعده عن العبث، وفي بعده عن العادة يمكن أن يكون جاداً. والجدية لا تحتاج إلى عمق وإن كان العمق يدفع إليها، ولا تحتاج إلى استنارة، وإن كانت الاستنارة تقتضيها لأن الجدية هي وجود القصد، والسعي لتحقيق هذا القصد، إلى جانب حسن التصور لواقع ما يفكر به. فالتفكير بالخطر ليس بحثاً فيه وإنما هو لاتقائه، والتفكير بالأكل ليس بحثاً فيه، وإنما هو للحصول عليه. والتفكير باللعب ليس بحثاً في اللعب، وإنما هو من أجل أن يلعب، والتفكير بالنزهة ليس بحثاً في النزهة وإنما هو من أجل أن يتمتع بالنزهة، والتفكير بالسير إلى غير هدف ليس تفكيراً بهذا السير، وإنما هو من أجل طرد السأم والملل، والتفكير بوضع القانون ليس بحثاً في القانون نفسه بل هو من أجل وضع هذا القانون. وهكذا كل تفكير مهما كان نوعه، هو تفكير بالشيء أو تفكير بالعمل بذلك الشيء. فالتفكير بالشيء لا بد أن يكون من أجل معرفته والتفكير بالعمل بذلك الشيء إنما يكون من أجل العمل به وفي كلتا الحالتين لا يصح أن يدخل العبث في أي واحد منهما ولا تتحكم عادة التفكير بالشيء أو بالعمل به، في ذلك التفكير، فإذا أبعد العبث وأبعدت العادة فإنه يوجد التفكير الجاد، لأنه حينئذ من السهل إن لم يكن من المحتم أن يوجد القصد والسعي لتحقيق هذا القصد ومن السهل بل من المحتم أن يوجد التصور لواقع ما يقصده، أي لواقع ما يفكر فيه.

وعليه فإن الجدية ممكن أن تكون في التفكير السطحي، كما توجد في التفكير العميق والتفكير المستنير، وإن كان الأصل في التفكير العميق والتفكير المستنير أن تحصل فيه الجدية. إلا أن الجدية ليست لازمة للتفكير، بل أن أكثر تفكير الناس خال من الجدية. فهم يقومون بأعمالهم عن طريق العادة وبحكم الاستمرار والعبث في تفكيرهم موجود بشكل بارز. ولذلك فإن الجدية لا بد أن تصطنع اصطناعاً، والقصد أساس لها، والاصطناع هو نفس القصد، ومن هنا يجب أن يقال إن الجدية غير طبيعية حتى لو لوحظ على بعض الناس أنه جدي طبيعياً.

إلا أن الجدية التي نعني ليس مطلق الجدية، بل الجدية التي تكون في مستوى ما يفكر به. فإن كانت دون مستواه لا تعتبر جدية. فالشخص الذي يفكر بالزواج ثم لا يعنى بما يحقق الزواج لا يكون جاداً في تفكيره بالزواج، والشخص الذي يفكر بالتجارة ثم ينفق كل ما يربحه من البيع ليس جاداً في تفكيره بالتجارة، والشخص الذي يفكر بأن يكون قاضياً ثم لا يعمل إلا بالسعي لأن يوظف في منصب القضاء ليس جاداً بأن يكون قاضياً، وإنما هو جاد بأن يكون موظفاً، والشخص الذي يفكر بإطعام عياله ثم يتلهى باللعب والدوران في الأسواق ليس جاداً بالتفكير بإطعام عياله، وهكذا.

فإن الجدية تقضي بأن يعمل لتحقيق ما يقصد إليه، وأن يكون عمله في مستوى ما يقصد إليه. فإذا لم يعمل لتحقيق ما يقصد إليه ولو الوصول إلى فكر معين أو يعمل أعمالاً هي دون ما يقصد إليه، فإنه ليس جاداً في تفكيره. فقول المرء إنه جاد في تفكيره لا يكفي لأن يكون جاداً، واصطناعه أحوالاً أو مظاهر أو حركات فكرية كانت أو مادية لا يكفي لأن يكون جاداً، ولا يكفي للدلالة على الجدية بل لا بد من القيام بأعمال مادية، وأن تكون هذه الأعمال في مستوى ما يفكر به حتى يكون جاداً، أو حتى يستدل على أنه جاد في تفكيره. فالقيام بالأعمال المادية، وأن تكون هذه الأعمال في مستوى ما يفكر به أمر ضروري حتى توجد الجدية في التفكير، أو حتى يستدل على وجود هذه الجدية في التفكير.

والأمم والشعوب المنحطة، والأفراد الكسالى أو الذين يتجنبون الأخطار أو الذين يتملكهم الحياء أو الخوف أو الاعتماد على الغير، فإن هؤلاء جميعاً غير جادين فيما يفكرون به. لأن الانحطاط يجعل المرء يستهوي الأسهل، فلا يعني نفسه بالأشق الأصعب، والكسل يتنافى مع الجدية، واتقاء الأخطار يصرف عن الجدية، والحياء والخوف والاعتماد على الغير يحول دون الجدية. ولذلك لا بد من رفع الفكر والقضاء على الكسل وحب اقتحام الأخطار، والتفريق بين الحياء وبين ما يجب أن يستحيى منه، والشجاعة وجعل الاعتماد على النفس سجية من السجايا، حتى توجد الجدية في الأفراد والشعوب والأمم. لأن الجدية لا توجد بشكل عفوي بل لا بد من اصطناع إيجادها.

أما ضرورة وجود الجدية في التفكير، فهو أنه ليس القصد من التفكير هو إيجاد الفكر فحسب، بل يجب أن يكون التفكير من أجل الانتفاع بهذا الفكر أي انتفاع. وبالتالي لا بد أن يكون التفكير من أجل العمل. فالأفكار التي ينتجها العلماء والمفكرون والمعارف التي يجري التوصل إليها، ليست للمتعة فقط ولا للتمتع واللذة بهذه الأفكار، وإنما هي من أجل الحياة ومن أجل العمل في هذه الحياة. ولذلك يخطىء من يقول: إن العلم يطلب لذات العلم، ولذلك لا قيمة للفلسفة اليونانية لأنها مجرد أفكار يتلذذ بها. ولا قيمة لأي علم لا يمكن الانتفاع به. لأن العلم لا يطلب للتلذذ به، وإنما تطلب المعرفة للعمل بها في هذه الحياة. ولذلك لا نستطيع أن نقول إن الفلاسفة اليونان ومن قلدهم من العلماء كانوا جادين في تفكيرهم، ولا نستطيع أن نقول إن العلماء المتأخرين عند المسلمين الذين جعلوا علوم البلاغة كالفلسفة، كحواشي السعد في علوم البلاغة، كانوا جادين في تفكيرهم، لأن هذا التفكير لا يستفاد منه في الحياة بشيء ما، وليس فيه إلا الاستمتاع بالدراسة والبحث. صحيح أن الشعراء والأدباء لا ينتفع بتفكيرهم في الحياة، ولكن لا ينتفع به من حيث القيام بالأعمال وإن كان قد ينتفع به، ولكن إنتاجهم هو نفسه منفعة، فإن قراءة القصيدة وقراءة النصوص الأدبية كالنثر بأنواعه، توجد لذة وتوجد انتعاشاً، فهم قد عملوا النصوص وإن كانت هي نفسها نتيجة تفكير، ولذلك لا يصح أن يقال إنهم ليسوا جادين. بل منهم الجادون المجيدون وإن كان فيهم من ليس جاداً ولا مجيداً. وهذا بخلاف الفلسفة فإن التفكير بها إنما جاء للوصول إلى الحقائق، وما ورد فيها ليس حقائق ولا يمت إلى الحقائق بصلة. وبخلاف علماء البلاغة الذين ألفوها على طراز الفلسفة فإن تفكيرهم إنما كان لمعرفة البلاغة في القول وليكون الناس بلغاء في القول، وما ورد فيها لا يوجد بلاغة ولا يمت إلى البلاغة بصلة. ولم يكن إنتاجهم سوى مدعاة للبحث ولذة البحث دون الوصول إلى الغاية التي أنتجوا من أجلها. لأنهم لم ينتجوا من أجل لذة البحث بل أنتجوا لشيء آخر، ولذلك لم يكونوا جادين في التفكير، لا لأنهم لم يصلوا إلى ما يريدون، بل لأن طبيعة ما أنتجوه يستحيل أن يوصل إلى ما يريدون. ولو كانوا جادين في التفكير لما أنتجوا هذه الفلسفة ولما أنتجوا هذا النوع من علوم البلاغة. لأن الجدية تقتضي القصد، والقصد من شأنه أن يوصل إلى الغاية فهم لم يقصدوا سوى البحث مجرد البحث. فهم بالتأكيد غير جادين في التفكير.**

**أما الفكر العميق فهو التعمق في التفكير أي التعمق في الإحساس بالواقع والتعمق في المعلومات التي تربط بهذا الإحساس لإدراك الواقع. فهو لا يكتفي بمجرد الإحساس وبمجرد المعلومات الأولية لربط الإحساس، كما هي الحال في التفكير السطحي بل يعاود الإحساس بالواقع ويحاول أن يحس فيه بأكثر مما أحس إما عن طريق التجربة، وإما بإعادة الإحساس، ويعاود البحث عن معلومات أخرى مع المعلومات الأولية، ويعاود ربط المعلومات بالواقع أكثر مما جرى ربطه، إما بالملاحظات وتكرارها وإما بإعادة الربط مرة أخرى. فيخرج من هذا النوع من الإحساس وهذا النوع من الربط، أو هذا النوع من المعلومات بأفكار عميقة سواء أكانت حقائق أو لم تكن حقائق وبتكرار ذلك وتعوده يوجد التفكير العميق. فالتفكير العميق هو عدم الاكتفاء بالإحساس الأولي وعدم الاكتفاء بالمعلومات الأولية وعدم الاكتفاء بالربط الأولي. فهو الخطوة الثانية بعد التفكير السطحي. وهذا هو تفكير العلماء والمفكرين وإن كان لا ضرورة لأن يكون تفكير المتعلمين. فالتفكير العميق هو التعمق في الحس والمعلومات والربط.

أما التفكير المستنير فهو التفكير العميق نفسه مضافاً إليه التفكير بما حول الواقع وما يتعلق به للوصول إلى النتائج الصادقة. أي أن التفكير العميق هو التعمق بالفكر نفسه ولكن التفكير المستنير هو أن يكون إلى جانب التعمق بالفكر، والتفكير بما حوله وما يتعلق به، من أجل غاية مقصودة وهي الوصول إلى النتائج الصادقة. ولذلك فإن كل فكر مستنير هو تفكير عميق، ولا يتأتى أن يأتي التفكير المستنير من التفكير السطحي. إلا أنه ليس كل تفكير عميق تفكيراً مستنيراً. فمثلاً عالم الذرة حين يبحث في شطر الذرة وعالم الكيمياء حين يبحث في تركيب الأشياء والفقيه حين يبحث في استنباط الأحكام ووضع القوانين. فإنهم هم وأمثالهم حين يبحثون الأشياء والأمور، إنما يبحثونها بعمق ولولا العمق لما توصلوا إلى تلك النتائج الباهرة. ولكنهم ليسوا مفكرين تفكيراً مستنيراً، ولا يعتبر تفكيرهم تفكيراً مستنيراً. ولذلك لا تعجب حين تجد عالم الذرة يصلي للخشبة أي للصليب. مع أن أبسط استنارة ترى أن هذه الخشبة لا تنفع ولا تضر وأنها ليست مما يعبد، ولا تعجب حين تجد القانوني الضليع يصدق بوجود القديسين ويسلم نفسه لرجل مثله من أجل أن يغفر له ذنوبه. لأن عالم الذرة والقانوني وأمثالهما يفكرون تفكيراً عميقاً وليس تفكيراً مستنيراً، ولو كان تفكيرهم مستنيراً لما وصلوا للخشبة، ولما صدقوا بوجود القديسين، ولما طلبوا الغفران من رجال أمثالهم. صحيح أن المفكر تفكيراً عميقاً إنما هو عميق فيما فكر فيه وليس بسواه، فقد يكون عميقاً عند تفكيره بشطر الذرة أو وضع القانون ولكنه يكون سخيفاً في غيره إذا فكر فيه. هذا صحيح. ولكن اعتياد المفكر على التفكير العميق يجعله يتعمق في أكثر ما يفكر، ولا سيما الأمور التي تتعلق بالعقدة الكبرى أو وجهة النظر في الحياة. ولكن عدم وجود الاستنارة في تفكيره يجعله يعتاد التفكير العميق، ويعتاد التفكير السطحي وحتى التفكير السخيف. ولذلك فإن التفكير العميق وحده لا يكفي لإنهاض الإنسان ورفع مستواه الفكري، بل لا بد حتى يحصل ذلك من الاستنارة في الفكر حتى يوجد الارتفاع في الفكر.

والاستنارة وإن كانت ليست ضرورية في الوصول إلى نتائج صحيحة في الفكر، كالعلم التجريبي والقانون والطب ونحو ذلك، ولكنها ضرورية لرفع مستوى الفكر، وجعل التفكير ينتج مفكرين. ولذلك فإن الأمة لا يمكن أن تنهض من جراء وجود العلماء في العلم التجريبي ولا من وجود الفقهاء والقانونيين، ولا من وجود الأطباء والمهندسين؛ لا تنهض من جراء وجود هؤلاء وأمثالهم وإنما تنهض إذا وجد لديها استنارة في التفكير، أي إذا وجد لديها المفكرون المستنيرون.

والاستنارة في التفكير لا تقتضي وجود التعليم، أي أن المفكرين المستنيرين لا ضرورة لأن يكونوا متعلمين، فالأعرابي الذي قال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، هو مفكر مستنير، والخطيب الذي قال: إن الحذر لا ينجي من القدر وإن الصبر من أسباب الظفر؛ هو مفكر مستنير، ولكن الشاعر الذي قال:

مات الخليفة أيها الثقلان فكأنني أفطرت في رمضان

ليس مفكراً مستنيراً ولو كان فقيهاً متعلماً. والحكيم الذي قال: رأس الحكمة مخافة الله، ليس مفكراً مستنيراً، فإن رأس الحكمة إدراك وجود الله، وليس مخافة الله. فالتفكير المستنير لا يحتاج إلى علم ولا يحتاج إلى حكمة، وإنما يحتاج لأن يفكر بعمق وأن يجول فيها حول الشيء وما يتعلق به بقصد الوصول إلى النتائج الصادقة، ولذلك قد يكون أميا لا يقرأ ولا يكتب، كما قد يكون متعلماً أو عالماً. والمفكر المستنير لا يكوّن فكراً مستنيراً، إلا إذا وجدت فيه الاستنارة عند التفكير. فالسياسي مفكر مستنير، والقائد مفكر مستنير، ولكن كلاً منهما يحتاج لوجود الاستنارة عند التفكير في كل شيء حتى يكون ذلك التفكير مستنيراً. ولذلك لا نعجب إذا رأينا عظماء القادة وعظماء السياسيين يصلون للخشبة ويطلبون الغفران من رجال هم أقل منهم استنارة، فإن تفكيرهم هذا ليس فيه عمق ولا استنارة، بل هو من طريق العادة أو التقليد أو من طريق الدجل والنفاق. وكل هذا ليس عمقاً ولا استنارة لأن المفكر المستنير، لا يتصل بالدجل والنفاق، ولا تتحكم فيه العادات والتقاليد.**

**أما ما يقال عن التخطيط للأمة وجعل الأجيال الآتية تمشي لتحقيق هذه المخططات كما تفعل الشعوب والأمم الحية. فإن هذا النوع من التخطيط ليس غاية حتى ولا أفكاراً محددة، بل هو خطوط عريضة وأفكار عامة. ترسم على سبيل الفرض لا على أنها غاية، ولذلك لا يعتبر مثل هذا غاية، وإنما يعتبر أفكاراً عامة بفرض وجودها. ولكن الغاية هي فقط الأمر الذي يحققه الساعون إليه. هذه هي الغاية وهذا هو التفكير بالغاية. وما عدا ذلك فإنه مجرد فروض ونظريات وليس تفكيراً بالغايات.

والتفكير إما أن يكون سطحياً وإما عميقاً وإما مستنيراً. فالتفكير السطحي هو تفكير عامة الناس. والتفكير العميق يكون عند العلماء أما التفكير المستنير فغالباً ما يكون تفكير القادة والمستنيرين من العلماء وعامة الناس. فالتفكير السطحي هو نقل الواقع فقط إلى الدماغ دون البحث في سواه ودون محاولة إحساس ما يتصل به. وربط هذا الإحساس بالمعلومات المتعلقة به دون محاولة البحث عن معلومات أخرى تتعلق به. ثم الخروج بالحكم السطحي وهذا ما يغلب على الجماعات وما يغلب على منخفضي الفكر، وما يغلب على غير المتعلمين وغير المثقفين من الأذكياء.

والتفكير السطحي هو آفة الشعوب والأمم، فإنه لا يمكنها من النهضة بل لا يمكنها من العيش الرغيد، وإن كان قد يمكنها من العيش الهنيء. وسبب التفكير السطحي هو ضعف الإحساس أو ضعف المعلومات أو ضعف خاصية الربط الموجودة في دماغ الإنسان. وهو ليس التفكير الطبيعي عند الإنسان، وإن كان هو التفكير البدائي. فبني الإنسان يختلفون في قوة الإحساس وضعفه، ويختلفون في قوة خاصية الربط وضعفها، ويختلفون في كمية أو نوع المعلومات التي لديهم سواء أكانت معلومات أخذت بالتلقي أو بالمطالعة، أو أخذت من تجارب الحياة. فإن اختلافها يعني أن التفكير يكون بحسبها. والأصل في جمهرة الناس أن يكونوا أقوياء في الدماغ وخاصية الربط، إلا القليل وهم الذين خلقوا ضعفاء أو طرأ الضعف عليهم. والأصل في جمهرة الناس أن تتجدد لديهم المعلومات يومياً، حتى ولو كانوا أميين، اللهم إلا الشواذ وهم الذين لا يلفت نظرهم شيء ولا يقيمون وزناً لما يتلقونه أو يطالعونه من المعلومات. ولذلك فإن التفكير السطحي ليس طبيعياً بل هو شاذ. إلا أن تعوّد الأفراد على التفكير السطحي ورضاهم بنتائجه، وعدم حاجتهم للأمور الأعلى مما لديهم يجعل التفكير السطحي عادة فيستمرون على هذا النمط من التفكير ويستمرئونه، ويتبلور ذوقهم عليه. أما الجماعات فإنه لنقصان قدرتهم على التفكير من جراء كونهم جماعة فإنه يغلب عليهم التفكير السطحي حتى لو كانت جماعة من المفكرين المبدعين. لذلك كان التفكير السطحي هو الغالب في الحياة، ولولا أن أفراداً من الشعب أو الأمة يوهبون قدرة خارقة من الإحساس والربط فإنه لا يتصور وجود نهضة ولا يتصور تقدم مادي في الحياة.

والتفكير السطحي ليس له علاج في الجماعات، إلا أنه يمكن رفع مستوى الواقع والوقائع، ويمكن تزويد الجماعات بأفكار سامية ومعلومات ثرّة أي كثيرة، فيمكن أن يرفع مستوى تفكيرهم، ولكنه يظل على كل حال سطحياً وإن كان مستواه عاليا. يعني أنه يمكن أن يتصرف الشعب والأمة، تصرفات التفكير المستنير، ولكن تفكيرهم على كل حال يظل تفكيراً سطحياً ولا تستطيع الجماعات أن تفكر التفكير العميق أو التفكير المستنير مهما بلغت من الارتفاع والرقي. لأنها لا تستطيع بوصفها جماعة أن تتعمق في البحث، أو يكون لديها فكر مستنير، فلأجل رفع مستوى تفكيرها لا يحاول معالجة تفكير الجماعة، وإنما يحاول معالجة الواقع والوقائع التي يقع إحساس الجماعة عليها ويمكن معالجة الأفكار والمعلومات التي توضع فيها. فترتفع السطحية، ولكنها لا تزول فيرتفع بذلك مستوى تصرفاتها.

أما الأفراد، فإنه يمكن إزالة السطحية أو تخفيفها أو جعلها نادرة لديهم. وذلك أولاً بإزالة العادة في التفكير الموجودة لديهم. وذلك بتعليمهم أو تثقيفهم ولفت نظرهم إلى سخافة تفكيرهم وإلى سطحية أفكارهم، وثانياً بإكثار التجارب لديهم أو أمامهم ويجعلهم يعيشون في وقائع كثيرة ويحسون بواقع متعدد ومتجدد ومتغير، وثالثاً بجعلهم يعيشون مع الحياة ويسايرون الحياة. وبهذا يتركون السطحية أو تتركهم السطحية ويصبحون غير سطحيين. وهؤلاء الأفراد كلما كثروا في الأمة، كلما كان الأخذ بيدها نحو النهوض أسهل وأقرب للتحقيق. وهؤلاء الأفراد وإن كانوا يعيشون في الأمة ويتلقون المعلومات الموجودة ويحسون بالواقع والوقائع الموجودة ولا يستطيعون سبق زمانهم، ولا من نوع يخالف نوع أمتهم. ولكنهم يستطيعون سبق أمتهم ويستطيعون نقلها من وضع إلى وضع آخر. لأنهم يتصورون وقائع الحياة الراقية تصوراً واقعياً وذلك عن طريق تقبل الأفكار الصادقة وقبول الآراء الصحيحة واعتناق الأفكار القطعية، والتمييز بين مختلف الآراء وإبصار واقع الآراء. فيوجد لديهم الإحساس الفكري أي الإحساس الناجم عن معرفة وإدراك، ومنطق الإحساس أي الفهم الناتج عن الإحساس مجرد الإحساس. فهم وإن كانوا يملكون حواس كما يملك سائر الناس ولديهم دماغ كما لدى سائر الناس، ولكن قوة خاصية الربط الموجودة في دماغهم يتفوقون بها عن سائر الناس، وكونهم يعنون أنفسهم بربط الإحساس بالمعلومات السابقة ربطاً صحيحاً، يكونون أكثر إدراكاً للأمور أي يكون تفكيرهم تفكيراً متميزاً عن غيرهم. فيتكون لديهم الإحساس الفكري وبه يعلو منطق الإحساس. ولذلك فإن الأفراد في ترك السطحية هم أقدر من الجماعات وإن كان لا قيمة لقدرتهم إلا إذا أخذتها الجماعات وتبنتها.

هذا هو علاج السطحية وهو معالجة الأفراد وجعل الأمة تأخذ ما وصلوا إليه من فكر وتتبناه، إلى جانب تجديد الوقائع في الأمة ووضع الأفكار السامية بينها وفي متناول يدها. وأن يجري ذلك في وقت واحد فإن العمل لترك السطحية في الأمة، لا قيمة له إذا لم يصحبه معالجة الأفراد، وعلاج الأفراد لا قيمة له إذا لم يكن سائراً مع العمل في الأمة لترك السطحية الموجودة لديها. لأن الأفراد جزء من الأمة غير قابل للتجزئة والانفصال. والأمة مكونة من مجموعة الناس الذين تربطهم طريقة معينة في العيش، والشعب مكون من مجموعة الناس الذين من أصل واحد يعيشون معاً. فالأفراد هم من جملة هؤلاء الناس سواء في الشعب أو الأمة. فلا يمكن انفصالهم عنها، ولا يمكن عزلها عنهم. لذلك لا بد أن يسير ترك السطحية ولا بد من العمل في الأفراد والأمة في وقت واحد حتى يمكن ترك السطحية من الجميع.**

**والأفراد أقدر على الصبر من الجماعات أي من الشعوب والأمم. لأن الرؤية عندهم أكثر وضوحاً وأقوى من الجماعات، لأن تجمع الناس يضعف لديهم التفكير، ويضعف لديهم الرؤية، ولذلك كانت رؤية الواحد أقوى من رؤية الاثنين، وكلما كبر العدد قلت الرؤية. ولذلك لا يصح أن توضع للشعوب غايات بعيدة فإنهم لا يسيرون لتحقيقها، وإن ساروا، فإنهم لا يسيرون بجدية ولا يبلغون الغاية. ومن هنا كان لا بد أن تكون الغاية التي توضع للشعوب غاية قريبة ممكنة التحقيق، ولو أدى إلى وضع غايات قريبة كمرحلة من المراحل، حتى إذا جرى تحقيقها انطلقوا إلى غاية أخرى وهكذا. لأن الجماعة أقرب من الفرد لرؤية الممكن وأقل احتمالاً للمصاعب الكبيرة. فالممكن عقلاً لا تستطيع الشعوب أن تجعله غاية، بل الممكن فعلاً هو الذي يمكن أن تراه وتسعى لتحقيقه. أما الأفراد فإنهم بشكل عام قادرون على رؤية أن الممكن عقلاً ممكن فعلاً، وقادرون على الرؤية البعيدة، وهم أكثر صبراً على المشقات وأكثر احتمالاً للمصاعب، وأقدر على السير في المرحلة البعيدة.

إلا أن الغايات والأهداف سواء وضعت للأمم والشعوب أو للأفراد، فلا يصح أن يكون تحقيقها يحتاج إلى أجيال، ولا إلى جهد فوق طاقة البشر، ولا إلى وسائل غير موجودة أو غير ممكنة الإيجاد. بل لا بد أن تكون غاية يمكن للجيل الذي يعمل لتحقيقها أن يحققها، ويمكن بالجهد العادي للإنسان أن يحققها، وأن تكون وسائلها موجودة أو ممكنة الإيجاد. وذلك أن الغاية هدف يسعى إليه نفس الساعي، ولا يسعى إليه إذا كان مُسَلَّماً لديه أنه لن يحققه. وما دام يريد أن يسعى إليه فإنه يحتاج إلى الوسائل التي يحققه بواسطتها، فإذا لم توجد لديه الوسائل التي يسعى بها فإنه لن يسعى إليه حتى لو تظاهر بالسعي، أو لو خدع نفسه بأنه يسعى. وهو يسعى بطاقته البشرية فإذا كانت طاقته البشرية لا تكفي للسعي فإنه لن يسعى مطلقاً، لأنه لا يكلف الإنسان فوق طاقته، بل لا يستطيع أن يعمل فوق طاقته. ولذلك لا بد أن تكون الغايات مهما بعدت، من الممكن أن يحققها نفس الساعي، بجهده العادي، بالوسائل التي لديه.

فالغاية من التفكير يجب أن تحدد، والغاية من العمل يجب أن تحدد، وأن تكون غاية مرئية للبصر أو مرئية للبصيرة. وأن تكون ممكنة التحقيق عقلاً وفعلاً وإلا فقدت كونها غاية. وإذا كان الأفراد لا بد أن يكون لتفكيرهم وعملهم غاية، فإن الشعوب والأمم لا بد أن تكون لديها غاية أو غايات. إلا أن غاية الشعوب والأمم لا يصح أن تكون بعيدة بل لا بد أن تكون قريبة، وكلما كانت أقرب، وأكثر تحقيقاً كلما كانت أحسن وأقرب للإثمار، وأكثر إمكانية للتفكير والعمل. صحيح أن الشعوب والأمم لا يتصور أن تضع لنفسها غايات، ولا أن ترسم بمجموعها أهدافاً. ولكن هذه الشعوب والأمم تشيع بينها أفكار وتتخذ آراء وتعتنق عقائد فتكون هذه الأفكار هي أفكارها وهذه الآراء هي آراءها، وهذه المعتقدات هي معتقداتها. وكذلك تطغى عليها غايات إما من جراء أفكار وآراء ومعتقدات، وإما من جراء تجارب الحياة، وإما من جراء ما تكون فيه من حرمان أو إشباع. فتتكون لديها غايات: إما القضاء على الحرمان، وإما تحسين الإشباع. فالشعوب والأمم تكون لها غايات، وإن كانت هي بمجموعها لا تستطيع أن ترسم غايات. إلا أن غاياتها كلها هي من النوع الممكن التحقيق فعلاً، ولا تكون من النوع الممكن عقلاً، وغير مشاهد بالفعل أنه ممكن فعلاً.

ومما يجب أن يلفت النظر إليه هو التفريق بين الغاية والمثل الأعلى. فالمثل الأعلى هو غاية الغايات، ولا يشترط فيه إلا السعي لنواله وتحقيقه فلا يشترط فيه أن يكون ممكن التحقيق فعلاً، ولكن يشترط فيه أن يكون ممكن التحقيق عقلاً. فالمثل الأعلى هو غير الغاية، وإن كان هو نفسه غاية. إلا أن الفرق بينه وبين الغاية هو أن الغاية لا بد من معرفتها قبل القيام بالعمل، ودوام معرفتها أثناء القيام بالعمل والسعي الحثيث لتحقيقها، والدأب حتى تحقق فعلاً. أما المثل الأعلى فإنه يلاحظ مجرد ملاحظة أثناء التفكير وأثناء الأعمال وتكون جميع الأفكار والأعمال من أجل تحقيقه. فمثلاً رضوان الله هو المثل الأعلى للمسلمين ولكل مسلم. وقد يتخذ بعضهم دخول الجنة مثلاً أعلى وقد يتخذ بعضهم اتقاء دخول النار مثلاً أعلى، ولكن هذين الأمرين وما شاكلهما وإن كان يصح أن تكون غاية الغايات، ولكنها لا يطلق عليها المثل الأعلى، فهي غايات لغايات قبلها، ولكن توجد غاية بعدها. والمثل الأعلى وإن كان غاية الغايات ولكنه لا تكون غاية بعده. وغاية الغايات التي لا غاية بعدها، هي رضوان الله. ومن أجل ذلك كان المثل الأعلى للمسلم هو نوال رضوان الله. ولهذا قيل في حق بعض الأتقياء الأبرار " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " لأن غايته من عدم العصيان ليست خوف الله من أن يعذبه على المعصية، بل غايته أن ينال رضا الله. فهو لو لم يوجد لديه الخوف من الله فإنه لا يقدم على المعصية. لأن عدم إقدامه على المعصية هو لطلب رضوان الله لا خوفاً من عذابه. فالمثل الأعلى عند المسلمين هو رضوان الله، وليس دخول الجنة ولا اتقاء دخول النار.

فالمثل الأعلى وإن كان غاية، باعتباره غاية الغايات، ولكنه غير الغاية والهدف فما يقال في شأن التفكير أو العمل من أنه لا بد أن تحدد الغاية منه، لا يقصد به المثل الأعلى وإنما يقصد به الغاية التي تحقق فعلاً وإن كان وراءها غاية أخرى أو غايات. فالغاية يجب أن تكون محددة وأن تكون ممكنة التحقيق على يد من يسعى إليها لا على يد الأجيال الآتية، وأن تكون وسائلها متيسرة أو يمكن أن تيسر إمكاناً عملياً واقعياً. فهي ليست المثل الأعلى بل هي الهدف الذي يقصد تحقيقه. ولذلك يتحتم أن يكون التفكير بالغاية تفكيراً واقعياً عملياً. أي أن تكون ممكنة التحقيق على يد من يسعون إليها.

وهنا قد يرد سؤال وهو أن عمر الأمم لا يقاس بالجيل الواحد بل بالأجيال وأن التخطيط لمستقبل الأمة يجب أن يكون بعيد المدى بحيث تحققه الأجيال الآتية فكيف يقال إن الغاية لا بد أن يحققها نفس الذين يسعون إليها؟

والجواب على ذلك أن عمر الأمم لا يقاس بالأجيال. ولا بمئات السنين كما يتوهم، بل هو يقاس بالعقود فالعقد الواحد من ألزمن تتحول فيه الأمة وتنتقل من حال إلى حال، والفكرة العملية يمكن أن تعطى للأمة وتعلق بها في جيل واحد مهما وجدت من مقاومة على شرط جدية التفكير وجدية العمل. ولذلك لا تحتاج الأمة إلى أجيال ولا إلى مئات السنين، بل تحتاج كل فكرة وكل عمل لأن يثمر في الأمة إلى ما لا يقل عن عقد، فإن في العقد الواحد يجري تحويل الأمة، وإذا كانت خاضعة لعدوها فإنها تحتاج إلى أكثر من عقد، ولكنها لا تحتاج لأكثر من ثلاثة عقود مع المقاومة. ولذلك لا بد أن تثمر الحركة أو العمل أو الفكرة في الأمة على يد الناس الذين يسعون إلى تحقيق هذه الفكرة أو هذا العمل لا على يد الأجيال التي تأتي بعدهم. فالغاية يجب أن تكون من النوع الذي يحققه الساعون إليها، هذا شرط التفكير في الغاية ولا تكون غاية إذا كان الساعون إليها لا يحققونها بأنفسهم.**

**إلا انه وإن كانت الأساليب قد تخفى على المفكر، ولكن الوسائل أشد خفاء على كل مفكر، وذلك لأن الأساليب يكفي أن يجري التفكير بها حتى تقرر، ولكن الوسائل لا بد أن يجري التفكير بها، وأن تجري تجربتها لتقرر هذه التجربة صحتها وعدم صحتها وصلاحها لنوع الأسلوب وعدم صلاحها. فمثلاً تقوم الدول غير الصناعية بشراء الاسلحة من الدول الصناعية وتقوم بتدريب جيوشها على هذه الأسلحة بمعرفة خبراء الدول الصناعية. ولكنها لم تجر تجارب على هذه الأسلحة. ولم تختبر تدريب الجنود ولذلك فإنها مهما وضعت من خطط، لا تكون قد اختارت الوسائل التي هي من نوع هذه الخطط. صحيح انها تتلقى التعليم العسكري من الدول العسكرية، ومن الدول الصناعية ولكن التعليم العسكري، ورسم الخطط وما شابهه من العلوم العسكرية هو أسلوب، ويكفي فيه التفكير، ولكن الوسائل لا يكفي فيها التفكير، فلا بد من التجربة إلى جانب التفكير حتى يجري التفكير بالوسائل.

ومثلاً، تشكيل كتلة أو حزب على فكرة من أجل نشر هذه الفكرة في الشعب أو الأمة واتخاذ تسلّم الحكم طريقة لتنفيذ هذه الفكرة. فإن هذه الكتلة أو الحزب إذا جرى تقصّد العلماء في هذه الفكرة ليكونوا أعضاء في الحزب، وتقصّد من لهم ثقل في وسطهم أو في المجتمع لكسبهم لعضوية الحزب، فإن هذه الكتلة أو هذا الحزب سيخفق في تحقيق غايته فهو إذا نجح بالعلماء في نشر الفكرة فلن ينجح بهم في تسلم الحكم، وإذا نجح بالذين لهم ثقل في تسلم الحكم فلن يقوم الحكم على الفكرة ولن تنشر الفكرة. وتشكيل غالبية الحزب من أحد الفريقين أو الفريقين معاً سوف يقصر عمر الحزب، ويخفق في تحقيق غايته ويظل سائراً في طريق الفناء حتى يفنى. فإن هذه الوسائل وهي الأشخاص من هذا النوع، إنما جاء التفكير بها عن طريق العقل وحده، ولم يجر عن طريق التجربة إلى جانب العقل، ولكن إذا أخذت حقائق التاريخ في هذا النوع من تشكيل الأحزاب فإنه يكون قد جرى التفكير بالوسيلة عن طريق العقل، وعن طريق التجربة. فأخذ حقائق التاريخ في هذا الأمر واستعمال الوسائل حسب هذه الحقائق التاريخية يكون تفكيراً منتجاً بالوسائل، واختبارها من نوع الأساليب. وحقائق التاريخ تحتم على الكتلة التي تقوم على فكرة، لنشر الفكرة وجعل الحكم طريقة لتنفيذها، أن تقصد الشعب أو الأمة بغض النظر عن الأفراد، فتقبل أي شخص يقبل هذه الفكرة ويقبل الانخراط في الكتلة باعتباره فرداً من الشعب أو فرداً من الأمة، بغض النظر عن درجة تعلمه وبغض النظر عن مكانته. وأن هذا وحده الذي يضمن نجاح الحزب أو الكتلة، وتحقيق غايته التي يهدف إليها.

وعليه فإن الوسائل قد تخفى وقد يضلل عنها إذا جرى التفكير بها في معزل عن التفكير بالأسلوب الذي تنفذه، وقد تخفى ويضلل عنها إذا لم تجر تجربتها. ولذلك لا بد من التفكير بالوسائل، وأن يكون هذا التفكير عند التفكير بالأساليب ولا بد أن تجري تجربة هذه الوسائل إلى جانب التفكير بها، حتى يضمن نجاح الوسائل وتحقق بها الأهداف. أي حتى تثمر الأساليب التي تستعمل الوسائل.

واما التفكير في الغايات والأهداف فإنه أولاً تحديد ما يريده، أي تحديد ما يهدف إليه. وهذا التحديد ضروري للوصول إلى التفكير المثمر. وتحديد ما يريده ليس بالأمر السهل، فإن الأمم والشعوب المنحطة لا تعرف ما تريد، وقلما تستطيع معرفة ما تريد. والأفراد المنخفضو التفكير، وحتى الكثيرون من مرتفعي التفكير لا يحددون ما يريدون ومنهم من لا يستطيع تحديد ما يريد. أما الشعوب والأمم فإنها لوجود مظهر القطيع، أو على حد تعبيرهم غريزة القطيع بشكل بارز ومكون للتجمع، فإنه يتحكم فيهم التقليد، ويغلب عليهم عدم تمحيص الأفكار، ولذلك تتكون عندهم أفكار مغلوطة، فتوجد لديهم معلومات غير صادقة، ويندفعون دون تحديد غاية، أو دون أن يقصدوا تحديد غاية. ولهذا يغلب عليهم عدم تحديد الغايات. أما الأفراد، فإنه لعدم وجود القصد لديهم فإنهم لا يعنون أنفسهم بالغايات والأهداف، ولذلك يسيرون في تفكيرهم إلى غير غاية، فلا يكون لتفكيرهم ثمرة ولا يسيرون نحو غاية محددة. مع أن تحديد الغايات والأهداف في التفكير أمر لازم لجعل التفكير مثمراً. وذلك أن التفكير أو العمل إنما يوجد من أجل شيء معين، أي من أجل غاية معينة، ومن أجل ذلك ترى أن كل إنسان مفكر، ولكن ليس كل إنسان قادراً على تحقيق الأهداف.

والغايات والأهداف تختلف باختلاف الناس. فالأمة المنحطة غايتها أن تنهض والأمة المتقدمة غايتها أن تحقق جميع أنواع الإشباع. والشعب البدائي غايته أن يظل محتفظاً بأوضاعه التي هو عليها والشعب المتقدم غايته أن يحس حاله وأن يحدث التغيير، والفرد المنخفض التفكير، غايته أن يشبع طاقته الحيوية والشعب المرتفع التفكير غايته أن يحسن نوع الإشباع لديه. وهكذا تختلف الغايات والأهداف باختلاف الناس ومستواهم في التفكير. إلا أنه مهما تكن الغايات والأهداف لدى الشعوب والأفراد فإن الصبر على تحقيق الأهداف، والجد في ملاحقتها إنما يكون في الغايات القريبة، والأهداف السهلة فإشباع الجوعات، من حيث هو إشباع غاية سهلة، حتى لو كانت غير قريبة ولذلك فإن طاقة الصبر عليها تكاد تكون موجودة عند كل إنسان وإن كانت تتفاوت لدى الناس. فأن تسعى لتأكل أو تسعى لإطعام عيالك، أو تسعى لتملك أو تسعى في طلب الأمان وما شاكل ذلك، فإن تحقيق هذه الغايات موجود لدى جمهرة الناس. أما أن تسعى لتنهض أو لإنهاض شعبك أو تسعى لرفع منزلتك أو لرفع منزلة شعبك أو أمتك، فإنها غايات يحتاج تحقيقها إلى صبر وإلى ملاحقة جادة، وهذا ليس في مقدور كل إنسان. فقد تبدأ الطريق، ولكن قد تقصر دون تحقيق الغاية لما ينالك من تعب ولفقدان الصبر. وقد تبدأ السعي ولكن تبدؤه غير جاد وتسير به غير جاد، فتظل تسير ولكن لن تحقق غاية، مع أنه لم ينلْك التعب ولم تفقد الصبر. ولكنك غير جاد في السير، وتحقيق الغايات البعيدة يحتاج أول ما يحتاج إلى جدية ثم إلى الصبر والملاحقة.**

**وأما التفكير بالأساليب فهو التفكير بالكيفية غير الدائمة التي بها يقام بالعمل، والأسلوب يقرره نوع العمل، ولذلك يختلف الأسلوب باختلاف نوع العمل، صحيح أن الأساليب قد تتشابه، وأن الأسلوب الواحد قد ينفع في عدة أعمال، ولكن عند التفكير بالأسلوب يجب أن يفكر في نوع العمل الذي يراد استخدام الأسلوب للقيام به، حتى لو تشابهت الأساليب وحتى لو كان الأسلوب المعروف ينفع في هذا العمل الجديد، فلا بد من التفكير في نوع العمل عند التفكير بالأسلوب الذي يراد له بغض النظر عن تشابه الأساليب وعن وجود أساليب تنفع لهذا العمل. لأن التشابه قد يضلل عن الأسلوب الفعال، ولأن كون هناك أسلوب ينفع في هذا العمل قد يسبب عرقلة القيام بالعمل فمثلاً أسلوب الدعاية لفكرة يتشابه مع أسلوب الدعوة لهذه الفكرة كل منهما يعتمد على عرض الفكرة على الناس ولكن هذا التشابه قد يضلل حملة الدعوة وقد يضلل اصحاب الدعاية لفكرة، فأسلوب الدعاية إذا استعمل في أسلوب الدعوة يخفق على المدى الطويل، وأسلوب الدعوة إذا استعمل في الدعاية يجعل الدعاية تخفق. فأسلوب الدعوة يعتمد على شرح الحقائق كما هي، أما أسلوب الدعاية فإنه يعتمد على تزيين الفكرة وبهرجتها. وإن كان كل منهما لا بد فيه من حسن العرض. ومثلاً أسلوب نصب الحاكم في النظام الديمقراطي وهو جعل الشعب ينتخب الحاكم، ينفع في نصب الحاكم في النظام الإسلامي، فيجعل الشعب ينتخب الحاكم. ولكن حين يراد اتخاذ أسلوب لنصب خليفة للمسلمين يجب أن يفكر في واقع الحكم في نظام الإسلام بأنه نصب حاكم دائم وليس حاكماً لفترة زمنية محددة، ولذلك لا بد من التفكير في نوع الحكم في الإسلام عند التفكير في رسم أسلوب لنصب الخليفة فيجعل مثلاً حصر المرشحين الذين هم أهل للخلافة من قبل ممثلي الأمة ومنع ترشيح من عداهم. ثم جعل الشعب ينتخب من يريد من هؤلاء المرشحين فقط، ثم الطلب من الشعب كله أن يبايع الذي ارتضاه أكثر المسلمين خليفة للمسلمين. صحيح أن البيعة هي طريقة لنصب الخليفة وليست أسلوباً، ولكن كيفية أداء البيعة، هو أسلوب. ولذلك لا يكفي أن يكون الأسلوب نافعاً في العمل الجديد كما نفع في غيره من الأعمال، ولكن حتى يقرر هذا الأسلوب لهذا العمل لا بد من التفكير في العمل حين التفكير في الأسلوب: فإن التفكير في نوع العمل ضروري عند التفكير في وضع أسلوب للقيام به.

إن الأسلوب هو كيفية معينة للقيام بالعمل وهو كيفية غير دائمة بعكس الطريقة فإنها كيفية دائمة للقيام بالعمل. والطريقة لا تختلف مطلقاً ولا تتغير، ولا تحتاج إلى عقلية مبدعة حتى تقوم بها. لأنها يقينية فهي إما أن تكون هي يقينية وإما أن يكون أصلها يقينياً. أما الأسلوب فإنه قد يخفق عند استعماله للقيام بالعمل وقد يتغير ويحتاج إلى عقلية مبدعة للقيام به. ومن هنا كان التفكير بالأساليب أعلى من التفكير بالطرق. فالطريقة قد يستنتجها عقل مبدع، ولكن قد يستعملها عقل عادي. أما الأسلوب فإن الوصول إليه يحتاج إلى عقل مبدع، أو عقل عبقري، وإن كان استعماله قد ينتج بالعقل العادي.

فالطريقة ليس من الضروري أن ينتجها العقل المبدع، ولكن الأسلوب من الضروري أن ينتجه العقل المبدع أو العقل العبقري، سواء أكان متعلماً أو غير متعلم. لأن الوصول إلى الأسلوب لا يتعلق بالعلم والمعرفة بل هو يتعلق بالعملية الفكرية التي تجري من أجل الوصول إليه. ومن هنا يتفاوت الناس في حل المشاكل. لأنهم يحلونها بأساليب، فقد يحاول شخص حل مشكلة ما، فتستعصي عليه فيهرب منها أو يعلن عجزه عن حلها أو يظن انها مشكلة لا حل لها، ولكن من يملك عقلية حل المشاكل إذا عالج مشكلة لحلها واستعصت عليه، فإنه يغير الأسلوب الذي يستعمله أو يقوم بعدة أساليب، وإذا استعصت عليه رغم مختلف الأساليب، فإنه لا يهرب منها ولا يعلن عجزه عن حلها، ولا ييأس من حلها، وإنما يصبر عليها، ويتركها فترة من الوقت، أي يتركها للزمن على حد قولهم، ثم يعاود التفكير بحلها فترة بعد أخرى حتى يحلها. ولذلك فإن من لديه عقلية حل المشاكل لا توجد لديه مشكلة لا حل لها، بل إن كل مشكلة لها حل والسبب في ذلك اعتماده على قدرته في إيجاد الأساليب التي تحل هذه المشكلة المستعصية. ومن هنا كان التفكير بالأساليب من ميزات العقول المبدعة أو العبقرية فإن حل المشاكل متوقف على التفكير بالأساليب.

وأما التفكير بالوسائل فإنه صنو التفكير بالأساليب ومقارن له، وهو التفكير بالأدوات المادية التي تستعمل للقيام بالأعمال، فإذا كان التفكير بالأساليب هو الذي يحل المشاكل، فإن هذه الأساليب لا قيمة لها إذا استعملت وسائل لا توصل إلى حل. إلا أن إدراك الوسائل وإن أتى عن طريق التفكير، ولكن التجربة للوسيلة عنصر هام في معرفتها. ولذلك يتحتم على المفكر بالأساليب أن يكون مفكراً بالوسائل، وإلا فإن جميع الأساليب لا يمكن أن تنتج إذا استعملت وسائل لا تقوى على استعمال الأساليب، ولا سيما وأن الوسائل جزء جوهري في إنتاج الأساليب. فمثلاً رسم خطة لقتال العدو هو رسم لأسلوب وإن كان خطة، لأن الخطة نفسها أسلوب، فإذا رسم الخطة رسماً صحيحاً مائة بالمائة، ولكنه استعمل السلاح الذي لا يقوى على مواجهة سلاح العدو، فإن الخطة مخفقة قطعاً، ولو كان الرجال الذين يحاربون أقوى من رجال العدو، ولو حارب برجال يقوون على مقاتلة العدو ولو كان ضعفي قوته، فإن الخطة مخفقة حتماً، فالخطة الموضوعة للحرب أسلوب، والرجال والأسلحة وسائل لتنفيذ هذا الأسلوب، فإذا لم يكن التفكير بالوسائل موجوداً عند التفكير بالأسلوب أو كانت الوسائل ليست من النوع الذي ينفذ به هذا الأسلوب فإنه لا قيمة للتفكير بالأساليب، ولا قيمة للأساليب التي فكر فيها، لأنها لا تثمر إلا إذا جرى التفكير بها عند التفكير بالأسلوب، وكانت من النوع الذي يستعمل في هذا الأسلوب. وعليه فإنه لا يصح أن يجري التفكير بالوسائل خارج التفكير بالأساليب، ولا يصح أن يجري التفكير بالوسائل إلا على ضوء الأسلوب الذي يجري التفكير به.**

**وهنا لا بد من لفت النظر إلى أمرين: أحدهما المغالطات التي تحصل في الحقائق، والثاني المغالطات التي تصرف عن الوصول إلى الحقائق. أما المغالطات التي تحصل عن الحقائق، فإنها تحصل من جراء التشابه الذي يحصل بين الحقائق أو الأفكار فيتخذ هذا التشابه أداة لطمس الحقائق، أو يكون باستعمال حقيقة من الحقائق لطمس حقيقة أخرى، أو يكون بالتشكيك في حقيقة من الحقائق، من أنها ليست حقيقة أو كانت حقيقة في ظرف وتغير هذا الظرف، إلى غير ذلك من الأساليب. فمثلاً كون اليهود أعداء للمسلمين حقيقة وكون اليهود أعداء لأهل ما يسمى فلسطين حقيقة، وهاتان حقيقتان متشابهتان أو متداخلتان ولكن المغالطة جعلت حقيقة العداء بين اليهود وأهل فلسطين هي البارزة بل هي الملاحظة فاتخذ هذا التشابه أو التداخل أداة لطمس حقيقة العداء بين اليهود والمسلمين. وكون فكر أن الحرية موجودة عند أمريكا حقيقة وكون فكر أن أمريكا إنما يختار رؤساءها، الرأسماليون حقيقة وهما فكران متشابهان من حيث إن كلاً منهما يدل على واقع أمريكا. ولكن اتخذت حقيقة الحرية أداة لطمس حقيقة كون الرأسماليين هم الذين يختارون رؤساء أمريكا. فطمست هذه الحقيقة وصار المعروف أن الذي ينجح رئيساً في أمريكا هو من له شعبية أكثر. ومثلاً كون إنجلترا ضد الوحدة الأروبية حقيقة وكون إنجلترا تريد تقوية نفسها بأروبا الموحدة حقيقة. فاتخذت الحقيقة الثانية أداة لطمس الحقيقة الأولى، وبذلك دخلت إنجلترا السوق المشتركة. ومثلاً كون الإسلام قوة لا تغلب حقيقة ولكن جرى التشكيك في هذه الحقيقة حتى أصبح الرأي بأن هذا ليس حقيقة أو كان حقيقة في أول الإسلام ثم تغير الزمن فلم تعد حقيقة. وهكذا تجري المغالطات في الحقائق فتطمس إما بحقائق أخرى أو بالتشكيك في تلك الحقائق. وهذا ما حذق فعله الغرب في الحقائق الموجودة عند المسلمين.

وأما المغالطات التي تصرف عن الحقائق فإنها تحصل بإيجاد أعمال تصرف عن الحقائق أو إيجاد أفكار تصرف عن الحقائق. فمثلاً كون الأمة لا تنهض إلا بالفكر حقيقة، ولكن لصرف المسلمين عن الفكر شجعت الأعمال المادية من مظاهرات واضطرابات وثورات لصرف الناس عن الفكر، وانشغالهم بالعمل، فطمست حقيقة أن الأمة لا تنهض إلا بالفكر وحل محلها أن الأمة لا تنهض إلا بالثورة. وكذلك لصرف المسلمين عن حقيقة النهضة وجدت أفكار أن النهضة تكون بالأخلاق وأن النهضة تكون بالعبادات وأن النهضة تكون بالاقتصاد إلى غير ذلك من الأفكار. وهكذا تجري المغالطات لصرف الناس عن الوصول إلى الحقائق.

ولذلك لا بد من الانتباه للمغالطات ولا بد من التمسك بالحقائق والقبض على الحقيقة بيد من حديد، ولا بد من العمق في الفكر والإخلاص في التفكير للوصول إلى الحقائق. ومن أخطر ما يحصل لعدم الانتفاع بالحقائق هو إهمال حقائق التاريخ، ولا سيما الحقائق الأساسية فيه، وذلك أن التاريخ فيه حقائق ثابتة لا تتغير وفيه آراء وليدة ظروف، فالآراء التي هي وليدة ظروف ليست حقائق وإنما هي حوادث فلا يصح أن ينتفع بها ولا يصح أن تطبق في ظروف مختلفة عن ظروفها. ولكن الواقع أنه قد جعل النظر إلى التاريخ كله نظرة واحدة وأهملت حقائق التاريخ. ولم يميز بين الحقائق والوقائع، ولذلك لم يلتفت للحقائق. فمثلاً كون الغربيين اتخذوا الساحل الشرقي وخاصة سواحل مصر وبلاد الشام لغزو الدولة الإسلامية حقيقة ولكن انتصار الغربيين على المسلمين حادث تاريخي وليس حقيقة. فاختلطت الحوادث بالحقائق، وأهملت فيه الحقائق حتى تنوسي كون الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ثغرة منها ينفذ العدو إلى داخل بلاد الإسلام. ومثلاً كون فكرة القومية هي التي زعزعت كيان الدولة العثمانية وكون المسلمين حاربوا الغرب كعثمانيين مسلمين، لا كمسلمين فحسب حقيقة. ولكن انهزام العثمانيين في أروبا ثم انهزامهم في الحرب العالمية الثانية حدث من أحداث التاريخ، ولكن جعل النظر إلى تاريخ الحروب بين العثمانيين والأروبيين، وتاريخ الحرب العالمية الأولى كله نظرة واحدة وأهملت الحقائق في هذه الحروب أي أهملت حقائق التاريخ. فاختلطت الحقائق بالحوادث، واهملت الحقائق حتى تنوسي كون الفكرة القومية هي سبب الانهزام للعثمانيين في أروبا وفي الحرب العالمية الأولى. وهكذا جميع حوادث التاريخ قد جرى فيها إهمال الحقائق، فلم ينتفع بحقائق التاريخ، مع أن حقائق التاريخ هي أغلى ما لدى الإنسان، وأعلى أنواع الأفكار.

فالتفكير بالحقائق سواء بالوصول إليها أو بتميزها من غير الحقائق، أو بالقبض عليها بيد من حديد والانتفاع بهذه الحقائق هو التفكير المجدي والتفكير الذي يكون له آثار هائلة في حياة الأفراد والشعوب والأمم. وما فائدة التفكير إذا لم يؤخذ للعمل به وإذا لم يقبض على الحقائق ويتمسك بها وإذا لم يميز بين الحقيقة وغير الحقيقة؟

على أن الحقائق هي أمر قطعي وهي ثابتة لا تتغير وهي يقينية قطعية، لا يؤثر فيها اختلاف الظروف ولا تغير الأحوال. صحيح أن الفكر لا يصح تجريده من ظروفه ومن الأحوال التي تكتنفه ولا يقاس عليه قياساً شمولياً، ولكن هذا هو الفكر من حيث هو فكر إذا لم يكن حقيقة. أما إذا كان الفكر حقيقة، فإنه لا يصح أن ينظر فيه إلى الظروف والأحوال مهما تغيرت أو تبدلت. بل يجب أن يؤخذ كما هو بغض النظر عن الظروف والأحوال. لا سيما وأن الحقائق لا تؤخذ بالطريقة العلمية التي هي طريقة ظنية، بل تؤخذ بالطريقة العقلية وبالجانب اليقيني منها. لأنها أي الحقائق تتعلق بالوجود، لا بالكنه ولا بالصفات. فإن انطباق الفكر على الواقع الذي يدل عليه يجب أن يكون انطباقاً يقينياً حتى يكون حقيقة. لذلك لا بد من التفكير بالحقائق ولا بد من القبض على الحقائق بيد من حديد.**

**والفكرة الاشتراكية وإن جاءت لتوجد المسؤولية في التفكير بالعيش، لتوجدها مسؤولية عن الفقراء والكادحين، ولكنها وقد عجزت عن الصمود أمام الحياة، انحرفت مع الزمن، حتى غدت اسماً أو شبحاً، وأخذت تخلو تدريجياً من المسؤولية عن الغير، حتى صارت فعلاً تفكيراً بالعيش، لا يختلف عن التفكير الرأسمالي، في الخلو من المسؤولية عن الغير، وصارت في واقعها فكرة قومية أكثر منها فكرة إنسانية.

وعلى هذا فإن العالم، وإن كان فيه التفكير في العيش مبنياً على نظرة للحياة لدى كل من أروبا وأمريكا وروسيا وهي الدول التي تصوغ الحياة في العالم. فإن التفكير في العيش الموجود في العالم يعتبر حقيقة أنه خال من المسؤولية عن الغير. إن المرء قد يفهم أن خلو التفكير بالعيش من المسؤولية عن الغير، قد يوجد طبيعياً في الإنسان المنحط ولكنه لا يفهم كيف يجعل استعباد الغير واستغلاله لإشباع حاجات الذات يحل محل المسؤولية عن الغير. ولهذا فإنه رغم مظاهر النهضة والتقدم الموجودة في العالم اليوم ولكن خلو التفكير بالعيش لدى الناس ولا سيما الأقوياء القادرين على تحصيل العيش، من المسؤولية عن الغير يجعل العاقل المبصر يدرك أن العالم في تفكيره بالعيش منحط وليس متقدماً، وقلق وليس بمطمئن ويعتبر أن بقاء هذا التفكير بالعيش الخالي من المسؤولية عن الغير أمر مضر بالحياة. ومجلبة للشقاء للإنسان. ولذلك لا بد من القضاء على هذا التفكير والعمل لأن يحل محله تفكير بالعيش تكون المسؤولية عن الغير جزءاً لا يتجزأ منه.

صحيح أن الرغيف هو العلاقة بين الإنسان والإنسان، وصحيح أن التفكير بالعيش هو التفكير بالحصول على هذا الرغيف لإشباع الطاقة الحيوية التي تدفع الإنسان للإشباع. ولكن بدل أن تكون العلاقة بالرغيف بين الإنسان والإنسان، هي أن آكله انا أو تأكله أنت تكون، هذه العلاقة بالرغيف تأكله أنت لا أنا، فأنا احصل الرغيف لأطعمك أياه وأنت تحصل الرغيف لتطعمني إياه، لا أن اخاصمك لأخذه وتخاصمني لأخذه، أي أن تكون علاقة إيثار لا علاقة أثرة. أي أن تفرح بالعطاء لا بالاستغلال، وأن أفرح بالعطاء لا بالاستغلال. ولله در الشاعرالعربي حين يقول:

تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله

أي إن الإنسان وإن كان يفرح بأن يأخذ، استجابة لغريزة البقاء ولكنه حين يرتقي يصبح يفرح لأن يعطي كما يفرح حين يأخذ وكذلك استجابة لغريزة البقاء، وهو مظهر الكرم والإعطاء، فإنه كمظهر الملكية والأخذ كل منهما مظهر من مظاهر غريزة البقاء.

فالموضوع ليس فيه جعل التفكير بالعيش تفكيراً بالغير، لأن التفكير بالعيش هو تفكير بإشباع الطاقة الحيوية للإنسان الذي يفكر فلا بد أن يكون متجاوباً مع الإشباع حتى يكون تفكيراً صحيحاً، وإنما الموضوع هو أن تكون في هذا التفكير المسؤولية عن الغير، لا أن يكون تفكيراً بإشباع الغير. فهو لا يفكر بالعيش ليشبع الطاقة الحيوية لدى الغير، بل يفكر بالعيش لإشباع الطاقة الحيوية لديه، ولكنه حين يفكر تفكيراً مسؤولاً، أي حين يكون تفكيره متصفاً بصفة المسؤولية عن الغير؛ فإنه بدل أن يشبع مظهر الملكية، يشبع مظهر الكرم، وبدل أن يشبع مظهر الخوف يشبع مظهر الثناء. وفي كلتا الحالتين هو يشبع الطاقة الحيوية لديه في إشباع غريزة البقاء، ولكنه اختار إشباع المظهر الأرقى على المظهر المنحط. هذا هو الموضوع في جعل التفكير بالعيش تفكيراً مسؤولاً. فإن المسؤولية عن الغير في التفكير بالعيش هي التي تجعله تفكيراً بالعيش يعطي العيش الراقي والعيش الهنيء.

أما التفكير في الحقائق فإنه وإن كان لا يختلف عن التفكير في أي شيء، لأن الحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع، ولكن لما كان للحقائق وزن ولا سيما الحقائق غير المادية، فإنه لا بد من بيان هذا النوع من التفكير باعتباره يختلف عن التفكير في أي شيء غيره. والتفكير بالحقائق هو جعل الحكم الذي يصدر منطبقاً تمام الانطباق على الواقع الذي نقل إلى الدماغ بواسطة الإحساس، وهذه المطابقة هي التي تجعل ما يدل عليه الفكر حقيقة، وهي إذا كانت حقيقة تتجاوب مع الفطرة تجاوباً طبيعياً. فمثلاً: كون المجتمع هو عبارة عن علاقات وناس فيكون هذا واقعه. فحين يجري الحكم على المجتمع ما هو، فإن كل الأحكام على واقعه قد جرت على الطريقة العقلية، وهي فكر ولكن كون هذا الفكر حقيقة أو ليس بحقيقة راجع إلى انطباق هذا الفكر حقيقة. فالذين قالوا إن المجتمع عبارة عن مجموعة أفراد، فإنهم رأوا أن الجماعة مكونة من أفراد وأن المجتمع لا يتأتى أن يكون إلا إذا وجد مجموعة أفراد فنقل هذا الواقع إلى دماغهم بواسطة الحواس وفسروه بواسطة المعلومات السابقة فأصدروا حكمهم بأن المجتمع هو مجموعة أفراد. فهذا الحكم فكر ولكن مطابقته للواقع وعدم مطابقته هو الذي يدل على أنه حقيقة أم لا. فعند تطبيقه على الواقع يشاهد أن الجماعة في باخرة مهما بلغ عددهم لا يكونون مجتمعاً وإنما يكونون جماعة مع أنهم مجموعة أفراد في حين أن الجماعة الذين يعيشون في قرية مهما بلغ عددهم يكونون مجتمعاً. فالذي جعل القرية مجتمعاً ولم يجعل الباخرة مجتمعاً، إنما هو وجود العلاقات الدائمة بين سكان القرية وعدم وجود العلاقات الدائمة بين ركاب الباخرة. فإذن، فالذي يكون المجتمع هو العلاقات بين الناس وليس مجموعة الناس. وبذلك يتبين أن هذا التعريف للمجتمع وإن كان فكراً ولكنه ليس حقيقة، وهذا يعني أنه ليس كل فكر حقيقة بل لا بد أن يكون هذا الفكر منطبقاً على الواقع الذي صدر الحكم عليه.**