
حكم التوسل بالأولياء والصالحين (2)
-
فينبغي على الإنسان العاقل ألا يصدق مثل هذه الخرافات، وأن يعلق قلبه بالله وينزل حاجته به حتى تقضي ولا يلتفت إلى الخلق لأن الخلق ضعفاء مساكين فيهم الجهل والعجز، وكيف يطلب الإنسان حاجته من مخلوق مثله؟ وقد يكون ذلك المخلوق ميتا أيضا لا يسمع ولا يرى ولا يملك شيئا، ولكن الشيطان يزين للناس ما كانوا يعملون.
-
لقد اختلطت الأمور على كثير من الناس اختلاطا عجيبا جعلهم يجهلون حقيقة المعجزات والكرامات، فلم يفهموها على وجهها الصحيح، ليفرقوا بين المعجزات والكرامات الحقيقية التي تأتي من الله وحده إتماما لرسالته إلى الناس وتأييدا لرسله أو إكراما لبعض أوليائه الصالحين الحقيقيين، لم يفرقوا بينها وبين الخرافات والأباطيل التي يخترعها الدجالون ويسمونها معجزات وكرامات ليضحكوا بها على عقول الناس وليأكلوا أموالهم بالباطل .
-
ولقد ظن الجهلة من الناس أن المعجزات والكرامات من الأمور الكسبية والأفعال الاختيارية التي تدخل في استطاعة البشر، بحيث يفعلونها من تلقاء أنفسهم وبمحض إرادتهم، وبهذا الجهل اعتقدوا أن الأولياء والصالحين يملكون القدرة على فعل المعجزات والكرامات في أي وقت يشاءون، وما ذلك إلا بجهل الناس بربهم وبحقيقة دينهم.
-
ونقول لهؤلاء : إن تصوير ما يحدث من هؤلاء الدجالين على أنها معجزة أو كرامة لهذا الولي أو ذلك كذب، وإنما هذه الحوادث كلها من عبث الشياطين أو من اختراع عقلية ماكرة اصطنعت تلك الحوادث الوهمية وسمتها كرامات ومعجزات لتضفي على أصحاب هذه القبور مهابة وإجلالا فتجعل لهم بركات ليعظمهم الناس.
-
ولا يمكن لأي عاقل يحتفظ بفطرته السليمة أن يصدق أن الميت يمكنه القيام بأي عمل بعد أن خرجت روحه من بدنه وبطلت حركته وأكل الدود جسمه وأصبح عظاما بالية، من الذي يصدق مثل هذه المزاعم المفضوحة إلا إنسان جاهل ساذج!! لأن هذه المزاعم التي يزعمونها مما يستحيل أن يفعلها الأحياء فضلا عن الأموات! فهل نلغي عقولنا التي منحنا الله لنصدق مثل هذه الخرافات؟
-
إن العقول المستنيرة والفطرة السليمة ترفض بشدة تصديق مثل هذه الخرافات لما في ذلك من مخالفة لسنن الله الشرعية والكونية. قال تعالى: ( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) آل عمران: 79،80
-
إن مجرد انصراف القلب والمشاعر كلها إلى مخلوق بالحب والتعظيم فيما لا يجوز إلا الله يعتبر عبادة له، فالذين يزعمون أنهم يحبون الموتى من الأولياء والصالحين لكنهم يعظمونهم ويقدسونهم بما يزيد عن الحد الشرعي هم في الحقيقة يعبدونهم لأنهم من فرط حبهم له انصرفوا إليهم فجعلوا لهم الموالد والنذور وطافوا حول قبورهم كما يطوفون حول الكعبة واستغاثوا بهم وطلبوا المدد والعون منهم، ولولا التقديس والغلو فيهم ما فعلوا كل ذلك من أجل الموتى.
-
ومن غلوهم يهم أيضا أنهم يحرصون على أن يحلفوا بهم صادقين بينما لا يتحرجون من أن يحلفوا بالله كاذبين هازلين، والبعض منهم قد يسمع من يسب الله تعالى فلا يغضب لذلك ولا يتأثر بينما لو سمع أحدا يسب شيخه لغضب لذلك غضبا شديدا أليس في ذلك غلو في أوليائهم ومشايخهم أكثر من تعظيمهم لله؟ وأن محبتهم لهم غلبت محبة الله، قال تعالى: ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ) البقرة:165
-
إن الله تعالى قريب من عباده( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقر: 186 فليس بين الله وبين عباده ما يمنع من مناجاته واللجوء إليه وطلب الحاجة منه مباشرة حتى يلجأ الإنسان إلى قبور الموتى يتوسل بهم ويدعوهم ليشفعوا له عند الله ويسألهم مالا يملكون ويطلب منهم ما لا يقدرون عليه.
-
يجب على الإنسان أن يلجأ إلى ربه مباشرة، ويتوسل إليه التوسل المشروع وذلك بالتقرب إليه بالطاعات والأعمال الصالحة ودعائه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وأن يكون معتقدا تمام الاعتقاد أن الله تعالى هو المعز المذل المحيي المميت الرازق النافع المدبر لشؤون الحياة كلها وأن بيده وحده النفع والضر، قال صلى الله عليه وسلم (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) فالفرد سواء كان حيا أو ميتا من باب أولى لن ينفع ولن يضر أحد إلا بشيء قد كتبه الله.
منقول عن الناشر : الصحافة للدعاية والإعلان والعلاقات العامة
حكم التوسل بالأولياء والصالحين

السؤال :
ماهو حكم التوسل بالأولياء والصالحين؟
الجواب : قال الأستاذ الدكتور عبدالكريم العقل :
-
فإنه نتيجة لبعد كثير من المسلمين عن ربهم وجهلهم بدينهم في هذا الزمن فقد كثرت فيهم الشركيات والبدع والخرافات، ومن ضمن هذه الشركيات التي انتشرت بشكل كبير تعظيم بعض المسلمين لمن يسمونهم بالأولياء والصالحين ودعاؤهم من دون الله واعتقادهم أنهم ينفعون ويضرون، فعظموهم وطافوا حول قبورهم.
-
ويزعمون أنهم بذلك يتوسلون بهم إلى الله لقضاء الحاجات وتفريج الكربات، ولو أن هؤلاء الناس الجهلة رجعوا إلى القرآن والسنة وفقهوا ما جاء فيهما بشأن الدعاء والتوسل لعرفوا ما هو التوسل الحقيقي المشروع ؟
-
إن التوسل الحقيقي المشروع هو الذي يكون عن طريق طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بفعل الطاعات واجتناب المحرمات، وعن طريق التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة وسؤاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فهذا هو الطريق الموصل إلى رحمة الله ومرضاته.
-
أما التوسل إلى الله عن طريق : الفزع إلى قبور الموتى والطواف حولها، والترامي على أعتابها وتقديم النذور لأصحابها، لقضاء الحاجات وتفريج الكربات فليس توسلا مشروعا بل هذا هو الشرك والكفر بعينه والعياذ بالله .
-
فكل من غلا في حيٍ ، أو رجل صالح، أو نحوه، وجعل له نوعا من أنواع العبادة مثل أن يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو يدعوه من دون الله تعالى مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني، أو نحو ذلك من الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الرب والتي لا تصلح إلا الله تعالى، فقد أشرك بالله شركا أكبر، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له ولا نجعل مع الله إلها آخر.
-
والذين كانوا يدعون مع الله آلهةً أخرى مثل اللات والعزى وغيرها لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو أنها تنزل المطر، وإنما كانوا يعبدونها ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله.
-
فأرسل الله رسله تنهى أن يُدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، وقال تعالى: ( قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً ) الإسراء: 56 وقال تعالى: ( قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) سبأ :22 فأخبر سبحانه: أن ما يُدعى من دون الله ليس له مثقال ذرة في الملك وأنه ليس له من الخلق عون يستعين به.
-
ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، فقال في مرض موته: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا) وكان ذلك سدا لذريعة الوقوع في الشرك فإن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان بسبب تعظيم القبور بالعبادة ونحوها.
-
وأما ما جاء في توسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما، الذي قد يحتج به البعض، فإن عمر توسل بدعاء العباس لا بشخصه، والتوسل بدعاء الأشخاص غير التوسل بشخصهم بشرط أن يكونوا أحياء؛ لأن التوسل بدعاء الحي نوع من التوسل المشروع بشرط أن يكون المتوسل بدعائه رجلا صالحا. وهذا من جنس أن يطلب رجل الدعاء من رجل صالح حي ثم يطلب من الله أن يقبل دعاء هذا الرجال الصالح الحي له.
-
أما الميت الذي يذهب إليه السائل ليسأل الله ببركته ويطلب منه العون قد أصبح بعد موته لا يملك لنفسه شيئا ولا يستطيع أن ينفع نفسه بعد موته فكيف ينفع غيره؟! ولا يمكن لأي إنسان يتمتع بذرة من العقل السليم يستطيع أن يقرر أن الذي مات وفقد حركته وتعطلت جوارحه يستطيع أن ينفع نفسه بعد موته فضلا عن أن ينفع غيره، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم قدرة الإنسان على فعل أي شيء بعد موته فقال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) فتبين من الحديث أن الميت هو الذي بحاجة إلى من يدعو له ويستغفره له، وليس الحي هو الذي بحاجة إلى دعاء الميت، وإذا كان الحديث يقرر انقطاع عمل ابن آدم بعد موته، فكيف نعتقد أن الميت حي في قبره حياة تمكنه من الاتصال بغيره وإمداده بأي نوع من الإمدادات؟ كيف نعتقد ذلك؟! وفاقد الشيء لا يعطيه والميت لا يمكنه سماع من يدعوه مهما أطال في الدعاء قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمٍْ ) فاطر:13،14 فنفى الله عنهم الملك وسماع الدعاء ومعلوم أن الذي لا يملك لا يعطي، وأن الذي لا يسمع لا يستجيب ولا يدري، وبينت الآية أن كل مدعو من دون الله كائنا من كان فإنه لا يستطيع أن يحقق لداعيه شيئا .
-
وكل معبود من دون الله فعبادته باطلة، قال تعالى( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ) الآية يونس: 106،107 ويتبين من هذه الآية أن كل مدعو من دون الله لا ينفع ولا يضر، فإذا ما الفائدة من عبادته ودعائه، وهذا فيه تكذيب لأهل الخرافة الذين يقولون ذهبنا للقبر الفلاني أو دعونا الولي الفلاني وتحصل لنا ما نريد، فمن قال ذلك فقد كذب على الله، ولو فرض أن حصل شيء مما يقولون فإنه حصل بأحد سببين:
1- إن كان الأمر مما يقدر عليه الخلق عادة فهذا حصل من الشياطين لأنهم دائما يحضرون عند القبور، لأنه ما من قبر أو صنم يعبد من دون الله إلا تحضره الشياطين لتعبث في عقول الناس. -
وهؤلاء المتوسلون بالأولياء لما كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأوثان قديما فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان وقد يكون بعض ذلك صدقاً، ولكن أكثره كذب، وقد تقضي بعض حاجاتهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهون مما يقدر عليه البشر عادة، فيظن هؤلاء السذج أن الشيخ، أو الولي هو الذي خرج من قبره وفعل ذلك، وإنما هو في الحقيقة الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك المستغيث به، كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم.
2- أما إن كان الأمر مما لا يقدر عليه إلا الله كالحياة والصحة والغنى والفقر، وغير ذلك مما هو من خصائص الله، فهذا انقضى بقدر سابق قد كتبه الله ولم يحصل ذلك ببركة دعاء صاحب القبر كما يزعمون.
حكم التلفظ بألفاظ فيها استعانة بالجن أو حلف بغير الله
ألسؤال :
هناك من يتلفظ بألفاظ فيها الاستعانة بالجن، والدعاء أو الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، عندما ينبه يقول اعتاد عليها لساني، فما الحكم في ذلك؟
ألإجابة :
يجب أن يعود لسانه الكلام الطيب، ويحذر الكلام المنكر، وليس هذا بعذر، يجب أن يحفظ لسانه عما حرم الله، والاستغاثة بالجن ودعاء الجن من الشرك بالله جل وعلا، قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا. كان كثير من العرب في جاهليتها تعبد الجن، وتستعيذ بهم وتخافهم، فالواجب على المؤمن أن يحذر ذلك وأن يثق بالله، ويعتمد على الله ويستعيذ بكلمات الله التامات، ليلاً ونهاراً من شر ما خلق، ويقيه الله شرهم يقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، في ليله ونهاره في أي منـزل وفي أي مكان، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، يكررها ثلاثاً أو أكثر دائماً: صباحاً ومساء، وينجيه الله من شرهم، وهكذا إذا قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم ثلاث مرات، صباحاً ومساء، هذا من أسباب العافية من كل شيء وهكذا قراءة قل هو الله أحد والمعوذتين صباحاً ومساء: ثلاث مرات، بعد الفجر وبعد المغرب من أسباب السلامة من كل شر، المقصود أن الواجب عليه أن يحفظ لسانه عما حرم الله من فعل الكلام الرديء، لا من دعائه للجن ولا من الحلف بغير الله، ولا بغير هذا من سائر الكلام المنكر، وليس له عذر بقوله اعتاد لسانه بل يحذر، ويحفظ لسانه عما حرم الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليـقل خيراً أو ليصمت)). والله يقول في كتابه العظيم: مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ.
فهو مسئول عن كلامه، فعليه أن يحفظ لسانه، عن كل ما حرم الله، من الغيبة والنميمة والسب، دعاء الجن، التوسل بالمخلوقات إلى الله، كأن يتوسل بالنبي أو بجاه النبي، أو بحق النبي كل هذا لا يجوز؛ التوسل يكون بدعاء الله وتوحيده، التوسل بالإيـمان به سبحانه، واتباع الشريعة التوسل بأعمالك الصالحة، كل هذا طيب. اللهم إني أسألك بإيـماني بك، بمحبتي لك، باتباعي نبيك صلى الله عليه وسلم ببري والدي، بصلتي للرحم، بأدائي للأمانة، يتوسل بأعماله مثل أصحاب الغار، توسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة، فأنجاهم الله وفرج كربتهم، أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة من الذين قبلنا، آواهم المبيت والمطر إلى غار، فدخلوا فيه من أجل المطر والليل، ليبيتوا فيه، فأنزل الله صخرة تدحرجت من أعلى الجبل، حتى سدت عليهم الغار، ولم يستطيعوا لها دفعاً، فقالوا فيما بينهم: لن يخلصكم من هذه الصخرة، إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، فأنجاهم الله منها، قال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، الغبوق يعني الحليب في أول الليل، من عادة البادية شرب الغبوق في الليل، إذا حلبوا الإبل، فكان يأتي بالحليب ليسقي والديه، قبل أهله، فنأى به طلب الشجر ذات ليلة، فتأخر فجاءهما ووجدهما نائمين، فكره أن يوقظهما، وبقي واقفاً بالقدح ينتظر إيقاظهما، والصبية عنده يتضاغون يريدون الحليب، من شدة حبه لوالديه وبره لهما، بقي واقفاً حتى طلع الفجر، فاستيقظا فسقاهما، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة بعض الشيء، لكن لا يستطيعون الخروج،
ثم قال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي، فراودتها عن نفسها ? يعني بالزنى ? فأبت علي، فألمت بها سنة شديدة ? يعني حاجة ? فجاءت إلي تطلب الرفد وسد الحاجة، فقال لا، حتى تمكنينني من نفسك ? يعني حتى تسمح له بالزنا ? فعند الضرورة سمحت، فلما جلس بين رجليها، قالت: يا عبد الله اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، وقد أعطاها مائة دينار أو عشرين ديناراً، مائة جنيه أو عشرين جنيهاً، فلما قالت له: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، خاف من الله وقام وتركها، وترك الذهب لها، ثم قال في هذا الحادثة: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، يعني ترك الزنى وترك الذهب خوفاً منه، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة قليلاً أيضاً، لكن لا يستطيعون الخروج، ثم قام الثالث، فقال: اللهم إنه كان لي أجراء ? عمال عنده ? فأعطيتهم حقوقهم إلا واحداً، بقي له الحق عندي، فنميته وثمرته في إبل وبقر وغنم وعبيد، أنتظر مجيئه ليأخذ حقه، صار يتصرف فيه يتجر فيه، اشترى منه إبلاً ونعماً، في جعله والباقي آصع من شعير، أو من ذرة أو من أرز، فنمى هذا المال، نماه، تاجر فيه، واشترى منه الإبل والبقر والغنم والرقيق، فجاءه بعد مدة، قال: يا عبد الله أعطني حقي الذي خليت عندك. قال: يا فلان كل ما ترى من حقك، كله لك، هذه الإبل والبقر والغنم والعبيد، كلها من حقك، ثمرته لك، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، قال: إني لا أستهزئ بك هو من حقك خذه، فاستاقه كله، استاق الإبل والبقر والغنم والعبيد، ثم قال: الرجل اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، وخرجوا، بأسباب أعمالهم الصالحة التي توسلوا بها إلى الله عز وجل، فنفعتهم عند الشدة، وأنجاهم الله بها عند الشدة، فتوسل إلى الله بإيـمانك وتقواك، وبر والديك وأدائك الحقوق، وسيلة صالحة، وهكذا التوسل بتوحيد الله والإخلاص له، والإيـمان به كله وسيلة صالحة، توسل إلى الله بأنك تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنك تؤمن بالله ورسوله، وأنك تؤمن باليوم الآخر، كله وسيلة شرعية، اللهم إني أسألك بأسمائك وصفاتك، وسيلة شرعية، أما التوسل بمخلوقات فلا، جاه النبي، أو بحق النبي أو بجاه فلان، أو شرف فلان، وسيلة باطلة ما تنفع، ليست وسيلة شرعية.
سورة الجن، الآية 6.
أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، برقم 6018.
سورة ق، الآية 18.
منقول عن الموقع الرسمي للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحلف بغير الله
الحلف : هو اليمين ? وهي توكيد الحكم بذكر معظم على وجه مخصوص
وهو تعظيم للمحلوف به ، وهذا التعظيم حق لله تعالى فلا يجوز الحلف بغيره ، فقد أجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله أو بأسمائه و صفاته ، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره
**حكم الحلف بغير الله تعالى :
الحلف بغير الله إشراك بالله :**
والحلف بغير الله تعالى شرك لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما : أن رسول الله e قال { من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك }
عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولمن حلف بغير الله فقد أشرك).
عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله e قال: (إن الله ينهاكم |أن تحلفوا بآبائكم ،من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت).
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قالمن حلف فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله).
وقد دلت هذه الأحاديث على أن الحلف يضر بالإيمان والعقيدة، فإذا صدر هذا من مسلم، فليقل لا إله إلا الله .
..وهو شرك أصغر ، إلا إذا كان المحلوف به معظماً عند الحالف الى درجة عبادته له فهذا شرك أكبر كما هو الحال اليوم عند عباد القبور فإنهم يخافون ممن يعظمونه من أصحاب القبور أكثر من خوفهم من الله تعالى وتعظيمه بحيث إذا طلب من أحدهم أن يحلف بالولي الذي يعظمه لم يحلف به إلا إذا كان صادقاً ، وإذا طلب منه أن يحلف بالله تعالى حلف به وإن كان كاذباً
والخلاصة : فالحلف تعظيم للمحلوف به ولذلك فهو لا يليق إلا بالله تعالى ، غير أن هذا لا يعني أن الشارع يرغب في الإكثار من الحلف بالله بسبب وبغير سبب بل أمرنا بتوقير الحلف بالله تعالى وعدم الإكثار منه قال تعالى ( ولا تطع كل حلاف مهين ) ، وقال تعالى ( واحفظوا أيمانكم ) ، أي لا تحلفوا إلا عند الحاجة وفي حالة الصدق والبر ، لأن كثرة الحلف والكذب فيها يدلان على الاستخفاف بالله تعالى وعدم التعظيم له وهذا ينافي كمال التوحيد ، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :{ ثلاثة لايكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ? وجاء فيه ? ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه }
ففيه شدة الوعيد على كثرة الحلف مما يدل على تحريمه حفاظاً على حرمة اسم الله تعالى وتعظيماً له سبحانه وكذلك يحرم الحلف بالله تعالى كاذباً وقد وصف الله تعالى المنافقين بأنهم يحلفون على الكذب وهم يعلمون
فتلخص من ذلك :
تحريم الحلف بغير الله تعالى كالحلف بالأمانة أو الكعبة أو النبي e أوالولي وأن ذلك شرك
تحريم الحلف بالله تعالى كاذباً
تحريم كثرة الحلف بالله تعالى ولو كان صادقاً إذا لم تدع إليه حاجة لأن هذا استخفاف بالله سبحانه .
جواز الحلف بالله تعالى إذا كان صادقاً وعند الحاجة..
التوسل بالمخلوق الى الله تعالى :
التوسل : هو التقرب الى الشيء والتوصل إليه ، والوسيلة القربة ، قال الله تعالى ( وابتغوا إليه الوسيلة ) 1 ، أي القربة إليه سبحانه بطاعته واتباع مرضاته
التوسل قسمان :
القسم الأول ? توسل مشروع وهو أنواع :
النوع الأول : التوسل الى الله تعالى بأسمائه وصفاته كما أمر الله تعالى بذلك في قوله ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون )
النوع الثاني: التوسل الى الله بتوحيده كما توسل يونس عليه السلام ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) ..لنوع الثالث : التوسل الى الله تعالى بإظهار الضعف والحاجة والافتقار الى الله تعالى كما قال أيوب عليه السلام ( أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين )
النوع الرابع : التوسل الى الله تعالى بدعاء الصالحين الأحياء ، وكما كان الصحابة يفعلون إذا أجدبوا طلبوا من النبي e أن يدعوا لهم ولما توفي صاروا يطلبون من عمه العباس رضي الله عنه فيدعوا لهم
النوع الخامس : التوسل الى الله تعالى بالاعتراف بالذنب ، قال تعالى ( قال ربِ إني ظلمت نفسي فاغفر لي ) ، وقال تعالى حكاية عن آدم وزوجته ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين )
النوع السادس : التوسل الى الله تعالى بالإيمان والأعمال الصالحة التي قام بها المتوسل كما قال تعالى عن أهل الإيمان ( ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن أمنوا بربكم فأمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار )
وكما في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فسدت عليهم باب الغار فلم يستطيعوا الخروج فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم ففرج الله تعالى عنهم
القسم الثاني ? توسل غير مشروع :
. وهو التوسل بما عدا الأنواع المذكورة في التوسل المشروع كالتوسل بطلب الدعاء والشفاعة من الأموات ، والتوسل بجاه أحدٍ من الخلق حتى لو كان من ذوي الجاه والقدر عند الله كالأنبياء والملائكة ، وكذلك التوسل بذوات المخلوقين أو حقهم ، وتفصيل ذلك كما يلي :
1- طلب الدعاء من الأموات : وهذا لا يجوز لأن الميت لا يقدر على الدعاء كما كان يقدر عليه في الحياة ، وطلب الشفاعة من الأموات لا يجوز لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان رض الله عنه ومن بحضرتهما من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حياً كالعباس ويزيد بن الأسود رضي الله عنهما ، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم لا عند قبره ولا عند غيره ، بل عدلوا الى البدل كالعباس ويزيد ، وقد قال عمر رضي الله عنه " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا وإنا نتوسل بعم نبينا فاسقنا " فجعلوا هذا بدلاً عن ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلون
وقد كان من الممكن أن يأتوا الى قبره فيتوسلوا به لو كان جائزاً ، فتركهم لذلك دليل على عدم جواز التوسل بالأموات لا بدعائهم ولا بشفاعتهم ,وإلا فلو كان طلب الدعاء منه والاستشفاع به حياً وميتاً سواء ، لما عدلوا عنه الى غيره ممن هو دونه 2-التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بجاه غيره : وهذا أيضاً لا يجوز لا لأنه لا مكانة ولا جاه للنبي e عند ربه حاشا فجاهه معروف ومكانته معلومة ولكن سؤالاً بهذا الشكل وهذه الصيغة لم يثبت ولم يصح فيه دليل ، وبما أن السؤال والتوسل من الدعاء ، والدعاء مخ العبادة ، والعبادة توقيفية ولا تثبت إلا بدليل صحيح صريح كان هذا النوع من التوسل غير مشروع
وأما الحديث الذي فيه { إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم } فهو حديث مكذوب ليس في شئ من كتب المسلمين التي يعتمد عليها ، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث ، وإذا كان هذا في حق النبي e وهو أشرف الخلق فغيره من باب أولى
3- التوسل بذات المخلوقات : وهذا أيضاً لا يجوز لعدم ورود ما يدل على ذلك ، والتوسل عبادة والعبادة يتوقف فيها عند النص ، تم إن المتوسل بذات المخلوق إن كان يقصد بالباء في قوله : أسألك بذات فلان القسم فهو إقسام به على الله تعالى ، وإذا كان الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز وهو شرك كما في حديث { من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك } ، فكيف بالإقسام بالمخلوق على الخالق جل وعلا ، وإن كانت الباء للسببية فالله سبحانه لم يجعل السؤال بالمخلوق سبباً للإجابة ولم يشرعه لعباده
كل كلمة تدل على الجهل بالله وإساءة الأدب معه لا يحل السكوت عليها :عن جبير بن مطعم قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال : جهدت الأنفس ، وجاع العيال ، وهلكت الأموال ، فاستسق الله لنا ، فإنا نستشفع بك على الله ، ونستشفع بالله عليك ، فقال النبي صلى الله عليهه وسلم { سبحان الله سبحان الله } فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ، ثم قال : { ويحك ، إنه لا يستشفع بالله على أحد ، شأن الله أعظم من ذلك ، ويحك أتدري ما الله ، إن عرشه على سماواته هكذا ، وقال بأصابعه مثل القبة عليه ، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب }
وقد علمنا من هذا الحديث شدة انكار النبي صلى الله عليه وسلم على الإعرابي الذي قال : إنا نستشفع بك على الله ، ونستشفع بالله عليك ، وكيف فزع لذلك ، واستشعر الخشية من الله ، وجعل يسبح الله ، ويكثر من التسبيح والتنـزيه ، وتغيرت وجوه الناس من الهيبة والدهشة ، و أوضح أن من يستشفع به على أحد يكون في الغالب أحط شأناً من الذي يستشفع عنده ، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، فلا يستشفع به عند أحد ، وقد جرت العادة أن يستشفع عند من يملك الأمر ، ببعض خاصته ، وأهل المنـزلة عنده ، فيحقق الرغبة ويعطي السؤال إرضاءاً لهذا الشفيع ، وتشريفاً لقدره ، والله هو الذي يملك زمام الأمور ، وغيره ضعيف عاجز ، مفتقر الى الله ، فكيف يستشفع به على أحد من خلقه ، فجميع الأنبياء والأولياء إذا قيسوا بعظمة الله وجبروته ، كانوا أقل من ذرة ، وإن العرش الذي أحاط بالسموات والأرضين كالقبة ، ليئط به اطيط الرحل بالراكب ، وليس في طاقة مخلوق أن يشرح عظمته أو أن يتخيلها ، فمن يجرؤ على أن يتدخل في مملكته ، وينفذ فيها أمره ، إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا يحتاج في ذلك الى وزير أو مشير ، يصرف أموراً لا يأتي عليها الإحصاء ، ولا يبلغها الاستقصاء ، في أقل من طرفة عين ، فكيف يشفع عنده غيره ، ومن الذي يستبد بالأمور دونه ؟ يا للعجب إن سيدنامحمداً الذي شرفه الله على جميع خلقه لا يكاد يسمع من اعرابي كلمة تدل على سذاجته وجهله بالله حتى يملأه الخوف و المهابة ، فيفيض في بيان عظمة الله تعالى التي ملأت العالم من العرش الى الفرش ، فما بال أقوام طالت ألسنتهم ، وحملهم الطيش والجرأة ، فتشدقوا بكلام تكاد السموات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هداً ، وبدأوا يتكلمون عن الله جلت عظمته ، كأن بينه وبينهم دالة أو قرابة
أعاذنا الله عن الشطحات ، والافتراءات ، وقد احسن شاعر فارسي إذ قال
أزْخُدَا خُـاهيمُ و تَوْفيقِ أدبْ بي أدبْ مَحْرومِ كَشْتْ أزْ لُطْفِ رَبْ
و ترجمته :
نسأل الله التوفيق للأدب فإن عديم الأدب بعيد عن لطف الله
وقد اعتاد بعض الناس إذا عرضت لهم حاجة ، أو ألمت بهم ملمة ، أن يقرأوا ورد ( يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئاً لله ) في عدد مخصوص ، ومدة مخصوصة ، ودل هذا الحديث على كراهة هذا التعبير وشناعته ، فإنه سؤال للشيخ عبد القادر الجيلاني ، وتوسل بالله تعالى إليه ، والعكس أصح ، فيجوز التوسل بالشيخ الى الله ليدعوا الله ، لا التوسل بالله إليه
وقد ذهب أكثر فقهاء المذاهب ومحققوا الصوفية الى عدم إباحة هذا الورد ولهم في ذلك مقالات وفتاوى ، نقتصر هنا على ما كتبه فخر المتأخرين العلامة الشيخ عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة ، جواباً على استفتاء ورده عن هذا الورد ، يقول رحمه الله : إن الاحتراز عن مثل هذا الورد لازم ، أولاً لأن هذا الورد متضمن كلمة ( شيئاً لله ) وقد حكم بعض الفقهاء بكفر من قالها ، وثانياً : لأن هذا الورد يتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة ، ولم يثبت شرعاً أن الأولياء لهم قدرة على سماع النداء من أمكنة بعيدة ، إنما ثبت سماع الأموات لتحية من يزور قبورهم ، ومن اعتقد أن غير الله سبحانه وتعالى حاضر وناظر ، وعالم بالخفي والجلي في كل وقت وفي كل آن ، فقد أشرك ، والشيخ عبد القادر رحمه الله وإن كانت مناقبه وفضائله قد جاوزت العد والإحصاء ، إلا أنه لم يثبت أنه كان قادراُ على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة ، ولاعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين ، واعتقاد أنه رحمه الله كان يعلم أحوال مريديه في كل وقت ، ويسمع ندائهم ، من عقائد الشرك ، والله أعلم
وليت شعري ما ألجأ الناس الى ذلك والله أقرب من كل قريب ، وأرحم من كل رحيم وهو القائل : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ، أجيب دعوة الداع إذا دعان ) والقائل : ( أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) وقد جاء في وصية الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني نفسه لابنه الشيخ عبد الوهاب [ وكِّل الحوائج كلها الى الله عز وجل واطلبها منه ، ولا تثق بأحد سوى الله عز وجل ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه ، التوحيد ، التوحيد ، التوحيد ] وخطبتة في فتوح الغيب وفي الفتح الرباني ، مليئة بهذه الوصايا والزجر والتوبيخ على من إستعان بغير الله كما مر ذكربعض النقول والحاصل : أنه لا يجوز التلفظ بكلمة تشم منها رائحة الشرك ، أو إساءة الأدب مع الله تعالى ، فإن الله هو المتعالي ، الغني ، القادر ، الملك الجبار ، لا يبالي بأحد ، إذا شاء بطش على شئ مهما دق أوصغر ، وإذا شاء عفى عن كبير ولو كان مثل جبل ، ولا يصح أن يتكلم الإنسان بلفظ ظاهره إساءة الأدب ، وباطنه الإجلال والتعظيم ، ويقول المتكلم تكلمت بالكلمة الفلانية وإنما أقصد غيرها ، فإن الألغاز والمعميات لها مجالات كثيرة ، وهي لا تليق بالله تعالى ، ولا نعرف عاقلاً يهزأ بملكه أو بأبيه ، أو يستعمل معهما الصنائع البديعية ، والكنايات الأدبية ، التي اخترعها الأدباء ، بل يكون كلامه واضحاً صريحاً يصدر عن وعي ويدل على أدب ، أما مجال هذه الأساليب الأدبية فهي مجالس الإخوان والخلان والنوادي الأدبية
4_التوسل بحق المخلوق : لا يجوز لأمرين :
الأول : أن الله سبحانه لا يجب عليه حق لأحد ، وإنما هو الذي يتفضل سبحانه على المخلوق بذلك كما قال تعالى ( وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ) ، فكون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق فضل وإنعام وليس هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق
الثاني : أن هذا الحق الذي تفضل الله تعالى به على عبده هو حق خاص به لا علاقة لغيره به فإذا توسل به غير مستحقه كان متوسلاً بأمر أجنبي لا علاقة له به وهذا لا يجديه شيئاً
وأما الحديث الذي فيه { أسألك بحق السائلين } فهو حديث لم يثبت لأن في إسناده عطية العوفي وهو ضعيف مجمع على ضعفه كما قال بعض المحدثين ، وما كان كذلك لا يحتج به في هذه المسألة المهمة من أمور العقيدة ثم إنه ليس فيه توسل بحق شخص معين وإنما بحق السائلين عموماً وحق السائلين الإجابة كما وعدهم الله تعالى بذلك ، وهو حق أوجبه على نفسه لهم تفضلاً منه على عباده ولم يوجبه عليه أحد فهو توسل إليه بوعده الصادق لا بحق المخلوق
كم الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق :
الاستعانة : طلب العون والمؤازرة في الأمر.
والاستغاثة : طلب الغوث لإزالة الشدة .
وهما من أنواع الدعاء وإن اختلف محل كل واحد منهما أو دواعيهما
هذا والاستعانة والاستغاثة بالمخلوق على نوعين :
النوع الأول : الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه وهذا جائز كدعائه حياً وكما قال تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ) ، وقال تعالى في قصة موسى عليه السلام : ( فاستغاثة الذي من شيعته على الذي من عدوه ) ، وكما يستغيث الرجل بأصحابه في الحرب وغيرها مما يقدر عليه المخلوق ومما ليس فيه تعلق بغير الله تعالى أو ذريعة الى التعلق بغيره …لنوع الثاني : الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى كالاستعانة والاستغاثة بالأموات أوالاستغاثة بالأحياء والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى من شفاء المرضى وتفريج الكربات ودفع الضر
فهذا النوع غير جائز وهو شرك أكبر وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه العباس رضي الله عنهما في وصيته له أن يتجه بالسؤال والاستعانة وطلب دفع الضر الى الله وحده فقال صلى الله عليه وسلم { إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله} وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رجل يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله ؟ قال : {أن تدعو لله نداً وهو خلقك } وقد دل هذا الحديث على أن إشراك العبد أحداً بالله تعالى في علمه المحيط ، وقربه من كل أحد ، وقدرته على كل شئ ، فيستغيث به ويستصرخه هو أكبر الكبائر ، لأنه ليس في إمكان أحد أن يسعفه بحاجته مثله أو أن يحيط مثله بعلم كل شئ فلا يغيب عنه شئ في أي زمان أو مكان
ثم إذا كان الواقع أن الله تعالى هو الذي خلقنا وهو ربنا ونحن نقر له بذلك ? وجب علينا أن لا ننادي إلا إياه ، ولا نستعين إلا به ، وما لنا ولغيره ؟ فمن كان من جملةخدم ملك وصنائعه ، انقطع إليه كلياً ، وأطبق عينه عن كل ملك ورئيس ، فضلاً عن وضيع أو خسيس ، أيجمل بنا أن نكون أقل غيرة ، وأضعف وفاءاً من المملوك لمولاه المجازي.وقد شنع الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله على من يشرك بالله غيره ، ويعتقد فيه النفع والضرر والعطاء والمنع ، في بلاغة وقوة ، فقال : يا معرضاً عن الحق عزوجل ، مقبلاً على الخلق ، مشركاً بهم ، إلى متى إقبالك عليهم ؟ إيش ينفعونك ؟ ليس بأيديهم ضرر ولا نفع ، ولا عطاء ولا منع ، لا فرق بينهم وبين سائر الجمادات فيما يرجع الى الضر والنفع ، الملك واحد ، الضار واحد ، النافع واحد ، المحرك والمسكن واحد ، المسلط واحد ، المسخر واحد ، المعطي والمانع واحد ، الخالق والرزاق هو الله عز وجل
وقال أيضاً : سلوا الله ولا تسألوا غيره ، استعينوا بالله ولا تستعينوا بغيره ، ويحك بأي وجه تلقاه ، وأنت تنازعه في الدنيا ، معرض عنه ، مقبل على خلقه ، مشرك به ، تُنزل حوائجك بهم ، وتتكل بالمهمات عليهم ، ارفعوا الوسائط بينكم وبين الله فإن وقوفكم معها هوس ، لا مُلك ولا سلطان ، ولا غنى ، ولا عِزَّ إلا للحق عزوجل كن مع الحق ، بلا خلق
وأخيراً تعال معي أخي المسلم لنستمع إلى نداء القرآن حيث يقول الله تعالى فيه ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له الى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون ) فقد دلت الآية على أن المشركين قد أمعنوا في السفاهة ، حتى عدلوا عن الله القادر العليم ، الى أناس لا يسمعون دعاءهم ، وإن سمعوا ما استجابوا لهم ، وهم لا يقدرون على شئ ، فظهر من ذلك أن الذين يستغيثون ويظنون أنهم ما أشركوا لأنهم ما طلبوا منهم قضاء الحاجة ، وإنما طلبوا منهم الدعاء فهؤلاء وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة على حسب زعمهم فإنهم أشركوا عن طريق النداء ، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد ، كما يسمعونهم عن قرب والله ينفي ذلك عنهم كما بينت الآية السابقة ذلك بوضوح
..www.al3malka.com
منقول عن : 
إذا كانوا عبادا أمثالكم فلا تدعوهم
قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
وقال تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) . والأنبياء والأولياء بشر وعباد أمثالنا فلا يجوز أن نسألهم بعد موتهم.
ـ قال الحافظ « وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح لهذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك». وذكر أنهم كانوا يتبركون بدعاء سواع وغيره من الصالحين ويتمسحون بصورته». (فتح الباري 8: 668 ? 669). فعبادة الأصنام منشؤها الغلو في الصالحين وقد بنوها لتذكرهم بالصالحين من أنبياء وأولياء..
وذكر التفتازاني أن شرك المشركين وقع حين « مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله اتخذوا تمثالاً على صورته وعظموه تشفعاً إلى الله تعالى وتوسلاً» (شرح المقاصد4/ 41).
وهذا ما نؤكده دائماً أن نوع شرك المشركين السابقين: هو شرك تشفع وتوسل بالصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى .
قال تعالى : (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ). وإنما يقع اليوم في نفس الفخ من لم يعرف نوع الفخ الذي نصبه الشيطان لمشركي الأمس.
لا يخلقون ولا ينقذون
قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج 73].
وقال تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) .
وقال تعالى : (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) .
تأملوا كل هذه الآيات تتحدث عن دعاء غير الله ومع كثرتها يجتنب المخالفون للتوحيد تذكرها أو تدبرها.
لا يغنون شيئا ولا يملكون كشف الضر ولا جلب النفع
قال تعالى : (فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلا) .
وقال تعالى : (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا) . وقال تعالى : (قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاء اللّهُ( . وقال:
وقال تعالى : (وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ) .
وقال تعالى : (وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ) .
وقال تعالى : (وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا) . وقال:
وقال تعالى : (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير) .
لا يغنون لا يسمعون
قال تعالى : (إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ). أي يتبرأ منهم الصالحون الذين بنيتم المقامات والأضرحة على قبورهم. وقد كانوا عن دعائهم إياهم غافلين كما قال تعالى:
وقال تعالى : (وهم عن دعائهم غافلون). وقال
وقال تعالى : (وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ ). فالآية واضحة في أنهم كانوا يدعون الصالحين من دون الله وليس الأحجار. وسيتبرءون من شرككم إياهم مع الله قال تعالى:
وقال تعالى : (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) . وقال:
وقال تعالى : (تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ).
لا ينفعون ولا يضرون
قال تعالى : (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ). وقال
وقال تعالى : (وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ). أي المشركين.
وقال تعالى : (قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاء اللّهُ).
وقال تعالى : (قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).
وقال تعالى : (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ)
وقال تعالى : (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لانفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا).
وقال تعالى : (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لا يَمْلِكُونَ لانفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا).
وقال تعالى : (قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ). فهم لا ينصرون، لا ينفعون، لا يضرون، فما الحاجة اليهم؟
لا يسمعون ولا ينفعون ولا يضرون
قال تعالى : (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء) [آل عمران38].
وقال تعالى : (إنَّ رَبِّي لَسَميعُ الدُّعَاء)
وقال تعالى : (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُون) . ثم عقب بعد ذلك بقوله : (أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ) فقال لهم أولا (تَدْعُونَ)ثم قال :(تَعْبُدُونَ).
وقال تعالى : (أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ) . وهل يمكن للنبي صلى الله عليه و سلم سماع أدعية الآلاف في وقت واحد؟ فلو قُدِّر أن هناك ألفاً في مصر يسألونه صلوات ربي و سلامه عليه وألفاً في أندونيسيا وألفاً في الصين، كلهم يستغيثون به: فهل يستطيع استيعاب كل أدعيتهم في وقت واحد مهما كثر عددهم واختلفت أمكنتهم ؟
إن قلتم نعم فقد زعمتم أن النبي صلى الله عليه و سلم لا يُشغِلُه سمعٌ عن سمع وأضفتم إليه العلم المطلق. وجعلتموه شريكاً مع الله في رقابته على الناس أينما كانوا كما قال تعالى : (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ) . وجعلتم كل مقبور مستحقاً صفات: سميع، بصير، مجيب، كاشف.
ويوم أن يحال بينه صلى الله عليه وسلم وبين أناس عند الحوض يقول « أصيحابي أصيحابي، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (متفق عليه)
فيدل على أنه لم يكن على علم بتفاصيل ما يجري لأمته.
لا يستجيبون بشيء
(ولو سمعوا ما استجابوا لكم) . فلو تحقق السمع فلن تتحقق الاستجابة.
و قال سبحانه : (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) .
وقال تعالى : (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ. فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ. لو أنهم كانوا يهتدون) .
وقال تعالى : (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) . فالشرك خطره الحرمان من الجنة.
لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون
قال تعالى : (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) [الاعراف 197].
منقول عن : 
**الرد على شبهة التوسل والوسيل
**
﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:35]، هذه الآية هي دليل الرافضة على جواز التوسل بالأولياء.
دائماً ما يتشدق الروافض بشركياتهم والتي تتمثل بدعاء سيدنا علي رضي الله عنه وسيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأبناؤهما الطيبين الأطهار بأنها هي الدعاء السليم، وهم يتوجهون لهم بما لهم من فضل عند الله عز وجل، فيجعلون آل البيت واسطة بينهم وبين الله، وهذا ما فعله كفار قريش عندما قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:3]، وكذلك توجههم للقبور وطلب الحاجات من صاحب القبر؛ فعليهم من الله ما يستحقون!
المشكلة أن في كتبهم ما يناقض ادعاءاتهم في هذه الشركيات، ومن أهم كتبهم كتاب نهج البلاغة، وهو خطب ورسائل لعلي رضي الله عنه وفي الصفحة 163 ما يلي:
110- و من خطبة له (عليه السلام) في أركان الدين:
الإسلام
“إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْإِيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الْإِسْلَامِ، وَكَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ وَاعْتِمَارُهُ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، وَمَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ، وَصَدَقَةُ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ، وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ، أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ، وَارْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ الْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ، وَاقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ، وَاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ”.
فأين الروافض عن اتباع هذا الكلام الرباني العدل والذي لا يوجد فيه أي ذكر لطلب التوسل بآل البيت، أو من في القبور والأضرحة، ولم نجد فيه إلا وحدانية الله بالعبادة، والتوسل لله التوسل المشروع، وهو الأعمال الصالحة التي يرضاها منا المولى عز وجل.
فرضي الله عنكم يا آل بيت رسول الله، فبحكم نتقرب إلى الله، ولم نجعلكم لله شركاء كما فعل أعداءكم من الروافض المجوس.
إن الوسيلة تعني العمل الصالح, يقول المجلسي: “أي ما تتوسلون به إلى ثوابه والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي” [بحار الأنوار جـ 67 ص (271)]، ويقول الطبرسي: “الوسيلة كل ما يتوسل به إليه من الطاعات وترك المقبحات” [جوامع الجامع جـ 1 ص (496) وكذا في تفسير الصافي للكاشاني جـ 2 ص (33)].
بل إن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:186]، ولم يقل كما في كل الآيات الأخرى: فقل إني قريب!! كما أننا نقرأ في كتب سير عن خلفاء كأمثال عمر الفاروق الذي كان متواضعاً ولا يتكبر ولا يتجبر, وكان يتمكن أضعف الناس من مخاطبته!! فهل عمر الفاروق وغيره من الخلفاء أفضل من إلهكم الذي تزعمون أنه لا يمكن الوصول إليه إلا بالواسطة؟؟!
وما الفرق بينكم وبين المشركين الذين قالوا عن أصنامهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:3]؟ وصدق الله تعالى إذ قال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ:37].
منقول عن : مــوقع البــرهـان دليل الباحثين عن الحقيقة
الآيات الناهية عن الأستغاثة و التوسل بغير الله عز وجل
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلاهادي له … وأشهد أن لا إله إلاالله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ارجو من الجميع عدم الوقوع بالشرك والكفر بالاستغاثه بغير الله
أما بعدُ:
هذا الموضوع أخواني من المواضيع المهمة و سأختصر لكم معنى الأستغاثة بغير الله و هي منتشرة بمجتمعنا الإسلامي بكثرة و هي الشرك بعينه وهوأعظم المحرمات على الإطلاق لحديث أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثا) قالوا قلنا بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ).. متفق عليه , وكل ذنب يمكن أن يغفره الله إلا الشرك فلا بد له من توبة مخصوصة قال الله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )النساء 48
والشرك منه ما هو أكبر مخرج عن ملة الإسلام ، صاحبه مخلد في النار إن مات على ذلك . و من مظاهر الأستغاثة بغير الله وفي آية أخرى : (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). وهذه الآيات أمرنا بالإخلاص لله في الدعاء. وتبين التلازم بين الدعاء والعبادة. وتفيد وجوب الإخلاص في العبادة وفي الدعاء. فمن دعا غير الله فيما يختص به اللله من الدعاء فقد أشرك بالله وإن قال لا اله الا الله. قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ). وفي هذه الآية يصف الله من لم يخلصوا لله في دعائهم بأنهم يشركون.
دعاء غير الله قمة الضلال
قال تعالى :(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) .
وقال تعالى : (يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد) {الحج13}
دعاء الاستغاثة باطل
قال ابن قتيبة في قوله تعالى : (وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) . « أي ادعوهم ليعاونوكم على سورة مثله، ومعنى الدعاء ههنا الاستغاثة، ومنه دعاء الجاهلية وهو قولهم: يا آل فلان، إنما هو استغاثتهم» (غريب القرآن43).
النهي عن دعاء غير الله نهي قرآني لا عبرة بغيره
قال تعالى : (فلا تدعوا مع الله أحدا) . فهذا نهي يفيد العموم.
وقال تعالى : (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) . هذه الآية تدل على أن الدعاء عبادة. وهي نص على أن دعاء غير الله مناف للإسلام لرب العالمين.
دعاء غير الله شرك
قال تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا) . وقال تعالى : (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .
وقال تعالى : (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا) . وقال:
(فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) .
وقال تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ( .
فهذه الآيات تدل على أن دعاء غير الله شرك.
قال تعالى : ( وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَـؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ)[ [النحل 86]. فهؤلاء المشركون كانوا يدعون بشرا مثلهم كما قال تعالى:(إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) . وهؤلاء البشر يتبرءون منهم. فتأمل كيف وصف الله دعاء غيره بالشرك. وموضوع الآيات كان الدعاء وليس الصلاة أو السجود.
دعاء غير الله كفر
قال تعالى : (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولو كره الكافرون) . فالكافرون يكرهون أن يدعى الله وحده , وقال تعالى :
(حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ). قارنها بهذه الآية :(ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ 73 مِن دُونِ اللَّهِ قالوا ضلوا عنا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِين)إلى أن قال: . الآية الأولى: ( أين ما كنتم تدعون من دون الله) والآية الثانية: أين ما كنتم تشركون.
وقال تعالى : (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ) إلى أن قال سبحانه : (وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ) [الرعد 14].
مرتكب الشرك مشبه لله بخلقه
قال تعالى : (فَلا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون) . سئل عليه الصلاة و السلام أي الذنب أعظم؟ قال « أن تجعل لله نداً وهو خلقك» قال الشيخ ملا علي قاري « أي تجعل نظيراً لله في دعائك وعبادتك» (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 1/218. محققة). فالشرك تشبيه لله بخلقه، قال تعالى:(تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ 97 إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ). يحلف الذين كانوا يدعون الأولياء أنهم كانوا يشبهونهم برب العالمين . وقال تعالى :(وَإِذَا مَسَّ الإنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار) . قال الطبري « كانت العرب تقر بوحدانية الله غير أنها كانت تشرك به في عبادته» (تفسير الطبري 1/128).
دعاء غير الله تأليه لغير الله
قال تعالى : (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ) . لأنهم يدعون مريم مع الله فهو تأليه لها وإن لم يصرحوا بأنها إلهة مع الله.
وقال تعالى : (فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ) .
الدعاء في لغة القرآن والحديث هو العبادة
قال تعالى : (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). فدعاء غير الله مناف للإسلام لرب العالمين.
وقال تعالى : (يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ). فوصف الله دعاء غير الله بأنه ضلال بعيد. وقال:
قال تعالى : (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ). وقال : (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي).قال السدي: أي دعائي (تفسير الطبري 16/51 الجزء 24 ص51). قال الحافظ « وضع عبادتي موضع دعائي» (فتح الباري 11/95) وهذا دليل على أن الدعاء مستلزم للعبادة.
أليس الله بكافيكم حتى تلتجئوا إلى غيره؟
قال تعالى : (أليس الله بكاف عبده). قال الزبيدي « وقبيح بذوي الإيمان أن ينزلوا حاجتهم بغير الله تعالى مع علمهم بوحدانيته وانفراده بربوبيته وهم يسمعون قوله تعالى (أليس الله بكاف عبده). (إتحاف السادة المتقين 9/498 و5/119).
لا يكشف الضر إلا الله
قال تعالى : (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ). وهؤلاء يقولون لك: هناك مخلوقون: يجيبون المضطر إذا دعاهم ويكشفون السوء. ثم يزينون لك هذا الشرك بعبارة بإذن الله. مع أن الله يجعل ذلك خاصا به وحده فيقول:(وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ). وأما غيره فلا يكشفون ولا يستجيبون. قال تعالى : (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ). نعم، السارق يسرق بإذن الله الكوني لا الشرعي وكذلك المشرك فإنه يشرك بالله، وما أصاب الصحابة يوم التقى الجمعان
فبإذن الله. ولكن أين الإذن الشرعي الدال على جواز الاستغاثة بغير الله؟
لا أقرب ولا أرحم ولا أعلم من الله
قال تعالى : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ). وفي هذه الآية لفتة كريمة إلى نفي أي وساطة بين العبد وربه، حتى إن الله لم يقل: فقل لهم إني قريب. وإنما قال: فإني قريب.
وقال تعالى : (قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ). فهؤلاء لا يتوكلون على الله لأنهم يدعونهم من دون الله.
>>>>>>>2
ألمراجع
هذا بحث منقول عن حولية كلية الدعوة التي تصدرها كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف - العدد الخامس 1409هـ/1989م.
المائدة: 35.
الإسراء: 57.
الإسراء: 56.
المفردات في غريب القرآن: الراغب الأصفهاني، ص523.
تفسير الكشاف: جار الله محمود بن عمر الزمخشري، ج1، ص610.
تفسير النسفي: عبدالله بن أحمد محمود النسفي، ج1، ص282.
تفسير القرطبي: محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، ص2156.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (تفسير أبو السعود)، ج1، ص371.
الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين بن عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، ج2، ص280.
تفسير البيضاوي، ج2، ص148.
تفسير القرآن العظيم: الحافظ ابن كثير، المجلد الثالث، ص96.
مفاتيح الغيب (التفسير الكبير): فخر الدين محمد الرازي، ج3، ص396.
تفسير المنار: رشيد رضا، ج6، ص369.
النهاية في غريب الحديث والأثر: ابن الأثير، ج5، ص185.
رسالة تطهير الاعتقاد: محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، ص14.
الأعراف: 180.
المؤمنون: 118.
الأنبياء: 83 -84.
آل عمران: 193.
الصافات: 143- 144.
الفاتحة: 5.
النساء: 64.
التوبة: 102.
الحديث ضعيف وانظر ضعيف الجامع، 6278.
البقرة: 89.
السيرة النبوية، ابن كثير، ج2، ص176.
آل عمران: 169.
البقرة: 54.
آل عمران: 185.
الرحمن: 26.
آل عمران: 144.
البقرة: 37.
الأعراف: 23.
صيانة الإنسان: محمد بشير السهسواني الهندي، ص131 باختصار.
الروم: 47.
صيانة الإنسان: محمد بشير السهسواني الهندي، ص207.
منقول عن شبكة ألألوكة :
أما الحكاية المنسوبة إلى الإمام مالك فقد قال ابن عبدالهادي الحنبلي في الصارم المنكي: وهذه الحكاية التي ذكرها القاضي عياض ورواها بإسناده عن مالك ليست بصحيحه عنه، وإسنادها ليس بجيد بل إسناد مظلم منقطع، وهو مشتمل على من يتهم بالكذب، وعلى من يجهل حاله.
أما تعليقهم مغفرة الله لآدم على توسله فينقضه قول الله تعالى: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾، قال القرطبي عن هذه الكلمات، قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد: هي قوله تعالى:﴿ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾، وكذلك جاء في تفسير النسفي، وابن كثير والمنار.
احتجوا بما رواه الترمذي والنسائي والبيهقي والطبراني وابن ماجه والحاكم عن سهل بن حنيف: أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ادع الله أن يعافيني فقال: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت وهو خير» فقال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء «اللهم إني أسألك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إن قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه في» فلما دعا عاد وقد أبصر.
قالوا: وليس لمنكر التوسل أن يقول: إن هذا كان في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن هذا الدعاء استعمله الصحابة والتابعون بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - في قضاء حوائجهم، فقد روى الطبراني والبيهقي: أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في زمن خلافته في حاجة فكان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فشكا ذلك لابن حنيف فقال: إيت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل ثم قل: اللهم إني أتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة - يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك لتقضى حاجتي- فانطلق الرجل فصنع ذلك، ثم أتى باب عثمان بن عفان، فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه، وقال له: اذكر حاجتك فذكر حاجته فقضاها ثم قال له: ما كان لك من حاجة فاذكرها ثم خرج من عنده، فلقى ابن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً، ما كان ينظر لحاجتي حتى كلمته لي، فقال ابن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره… إلى آخر الحديث.
ونقول لهم: في سند هذا الحديث -أبو جعفر- فإن كان هو عيسى بن أبي عيسى ماهان أبو جعفر الرازي التميمي ?كما ظنه الحافظ ابن حجر في التقريب، فالأكثرون على ضعفه، قال عنه أحمد النسائي: ليس بالقوي وقال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن المديني: ثقة كان يخلط، وقال مرة: يكتب حديثه إلا أنه يخطئ وقال الفلاس: سيئ الحفظ، وقال ابن حبان ينفرد بالمناكير، وقال أبو زرعة: كثيراً… وإن كان - أبا جعفر المدني- كما في سنن ابن ماجه- فهو مجهول، لأن الذهبي قال في الميزان في ترجمته: روى عنه يحيى بن أبي كثير وحده. والراوي عنه في الحديث المتنازع فيه هو شعبة لا يحيى بن أبي كثير ولو تغاضينا عما قيل في سند الحديث، فليس هناك ما منع من التوسل بدعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو حي، بل هو منة من الله ونعمة، وسعيد من حظي بدعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشرف بصحبته. أما أن يدعي الخصم استعمال الصحابة والتابعين لهذا الدعاء بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القصة التي رواها الطبراني والبيهقي عن الرجل الذي كان يختلف إلى عثمان ويهمل شأنه، وما التفت إليه إلا بعد أن دعا بهذا الدعاء، فإننا ننكر ذلك، لأن القصة غير موثوقة السند، ففي سندها ?روح بن صلاح قال عنه الذهبي في الميزان: روح بن صلاح يقال له ابن سبابة، ضعفه ابن عدي، والقصة تنافي ما عرف عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان من السلف الصالح، وما اشتهر من مسلكهم في التوسل إلى الله.
يحتجون بما روي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب، وكانت ربت النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل عليها وجلس عند رأسها وقال: «رحمك الله يا أمي» كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعيني، وتعرين وتكسيني، وتمنعين نفسك طيباً وتعطيني، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة" ثم أمر أن تغسل ثلاثاً، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور، سكبه رسول الله بيده، ثم خلع قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه، ثم دعا رسول الله أسلمة بن زيد، وأبا أيوب الأنصاري، وعمر بن الخطاب، وغلاماً أسود، يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله بيده، وأخرج ترابة بيده، فلما فرغ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاضطجع فيه، فقال: «الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين».
ونقول لهم: جاء الحديث في -مجمع الزوائد- باب مناقب فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح -و ثقه ابن حبان والحاكم- وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح وذكر الهيثمي في نفس الباب الحديث برواية أخرى عن ابن عباس وقال عنه: رواه الطبراني في الأوسط وفيه ?سعدان بن الوليد- ولم أعرفه- وبقية رجاله ثقات.
ومع وهن سند الحديث، فإن غاية ما يتعلقون به فيه قوله، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي، مع أن هذا الحق صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، وهو نصرته لأنبيائه وإعلاؤه لشأنهم على عدوهم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، والتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته مشروع مرغوب.
وإن كان العلماء على منع سؤال الله بحق أحد، فعند الحنابلة في أصح القولين أنه مكروه كراهة تحريم، ونقل القدوري وغيره من الحنفية عن أبي يوسف أنه قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله به، وذكر العلائي في شريح التنوير عن التتارخانية عن أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله سبحانه به، وفي جميع متونهم أن قول الداعي المتوسل: بحق الأنبياء والأولياء وبحق البيت والمعشر الحرام مكروه كراهة تحريم وهي كالحرام في العقوبة بالنار عند محمد، وعللوا ذلك كلهم بقولهم: لأنه لا حق للمخلوق على الخالق.
جاء في الصحيح عن معاذ بن جبل قال: كنت ردف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا معاذ قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله ثلاث مرات. قال: «أتدري ما حق الله على العباد، وحق العباد على الله»؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذبهم إذا فعلوا ذلك، بل يثيبهم ويدخلهم الجنة».
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ووفقنا إلى توحيدك مخلصين لك الدين، واجعل وسيلتنا إليك صدق إيماننا - وكمال يقيننا، واتباع نبينا…
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً.
يحتجون بقول الله تعالى: ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾، على أساس أن اليهود كانوا إذا قاتلهم المشركون يقولون (اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة… فينصرون).
وردنا عليهم: أن الآية بتمامها تقول: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾، فلماذا لا يكون استفتاحهم بالكتاب الذي ينزل على النبي، وهو كلام الله، فهم يتوسلون به إليه؟ وعلى فرض أنهم يتوصلون بذات الرسول، فشرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، وهل توسلهم كذلك مأخوذ من شرع إلهي أو هو من بدع أحبارهم ورهبانهم وضلالاتهم؟ ثم إن القصة التي جاءت في كتب السيرة، أنه إذا كان بين المشركين واليهود شيء قالوا: إن نبياً مبعوث الآن، قد أظل زمانه نتبعه نقتلكم معه قتل عاد وإرم.
وعليه فاليهود يهددون المشركون باتباعهم للرسول وجهادهم معه وانتصارهم عليهم لأنه قد سبقت كلمة الله لعباده المرسلين، أنهم هم المنصورون.
ولذلك قالت الأوس والخزرج بعضهم لبعض لما عرض الرسول عليهم الإسلام، يا قوم: تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه.
يحتجون بقوله تعالى: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾، وبقوله تعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ﴾، وما دام يجوز التوسل بالحي، فالأنبياء والأولياء أحياء في قبورهم، فيتوسل بهم.
نقول لهم: من الثابت القطعي أن الموت نهاية كل حي، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾، ويقول:﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾، ورسول الله قد مات، وتقول عائشة: مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين سحري ونحري، وخطب أبو بكر الناس يوم موت رسول الله فقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا قول الله تعالى:﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾، وكما مات رسول الله مات الأنبياء من قبله، ومات الشهداء تحت لوائه ومن بعده في سبيل الله دفاعاً عن دينه، ولا يماري أحد في أنهم قد انتقلوا من عالمنا إلى عالم آخر يختلف عن هذا العالم الدنيوي في كل شيء، وتختلف حياتهم فيه عن حياتهم التي كانوا يحيونها قبل الموت والشهادة، وإكباراً لقدرهم نهى الله عن القول عنهم إنهم أموات فهم شهداء أحياء بثناء الله عليهم وثناء الملائكة عليهم، واستمرار أجرهم وثوابهم فلا ينقطع بموتهم كغيرهم من الأموات.
روى مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«من قتل في سبيل الله أمن عذاب القبر وأجري عليه عمله الذي كان يعمل في الدنيا حتى يبعث».
وعن حقيقة حياتهم عند ربهم وصفتها.
روى مسلم عن مسروق قال: سألنا عبدالله عن هذه الآية ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169] قال: أما إنا قد سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث شئنا ? ففعل بهم ذلك ثلاث مرات- فلما رأوا أن لا يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا».
وعليه فلا يتأتى قياس حياتهم الأخرى بحياتهم الدنيا، فيتوسل بهم بعد موتهم، ويطلب عونهم وغوثهم، ولقد قال عمر -رضي الله عنه- ثلاث وددت أني سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم: - الجد والكلالة وأبواب من الربا - فيبدي عمر أسفه على ما فاته من سؤال رسول الله قبل وفاته، ولم يأتي القبر ليسأل الرسول، وهو يعلم أنه حي في قبره.
ومن الأدلة الحديثية التي يحتجون بها ما رواه الحاكم في المستدرك، والبيهقي في دلائل النبوة، والطبراني في الأوسط والصغير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي، ادعني بحقه، فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك».
قالوا: فقد توسل بنبينا أبوه آدم حتى قبل أن يوجد، وقالوا: وإلى هذا التوسل أشار الإمام مالك للخليفة المنصور، وذلك أنه لما حج المنصور وزار قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل الإمام مالكاً وهو بالمسجد النبوي فقال لمالك: يا أبا عبدالله، استقبل القبلة فأدعو أم أستقبل رسول الله وأدعو؟ فقال له الإمام مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله تعالى؟
ونقول لهم عن سند هذا الحديث: قال الذهبي في الميزان: عبدالله بن مسلم أبو الحارث الفهري، روى عن إسماعيل ابن مسلمة بن قعنب عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً فيه - يا آدم لولا محمد ما خلقتك - رواه البيهقي في دلائل النبوة، وقال الذهبي أيضاً في تعليقه على مستدرك الحاكم: إنه حديث موضوع.
وجاء في مجمع الزوائد - عن هذا لحديث: رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه من لم أعرفهم.
وفي تفسير ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ يقول: الفخر الرازي: اعلم أن مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما. أحدهما: ترك المنهيات وإليه الإشارة بقوله -اتقوا الله- وثانيهما: فعل المأمورات وإليه الإشارة بقوله -وابتغوا إليه الوسيلة- ولما كان ترك المنهيات مقدماً على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدمه عليه في الذكر.
والرازي بذلك يرى أن التوسل كما يكون بفعل الطاعات يكون بترك المنهيات - أو كما يكون التوسل بالتحلية يكون بالتخلية.
وفي تفسير المنار يقول رشيد رضا اتقاء الله هو اتقاء سخطه وعقابه، وسخطه وعقابه أثر لازم لمخالفة سننه في الأنفس والآفاق ومخالفة دينه وشرعه الذي يعرج بالأرواح إلى سماء الكمال. والوسيلة إليه هي ما يتوسل به إليه أي ما يرجى أن يتوصل به إلى مرضاته والقرب منه واستحقاق المثوبة في دار كرامته، ولا يعرف ذلك على الوجه الصحيح إلا بتعريفه تعالى، وقد تفضل علينا بهذا التعريف بوحيه إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم.
وجاء في النهاية لابن الأثير:(وسل) في حديث الأذان (اللهم آت محمداً الوسيلة) هي في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل، يقال: وسل إليه وسيلة وتوسل، والمراد به في الحديث القرب من الله تعالى، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: منزلة في الجنة كما جاء في الحديث.
فهذه هي الوسيلة في اللسان العربي وفي الفهم الشرعي، ولم نجد من العلماء من قال بأقوال المتأخرين من الضالين: بأنها التقرب إلى الله بواسطة الأنبياء والأولياء والصالحين.
بل يقول شيخ الإسلام العز بن عبدالسلام في رسالته - الوساطة: ومن أثبت الأنبياء وسواهم من مشايخ العلم والدين وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله تعالى حوائج خلقه، وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملك حوائج الناس لقربهم منه، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك ولأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب.
فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أنداداً.
ويرد - الأمير الصنعاني - ادعاء المتخذين الوسائط بأنهم لا يشركون بالله، وليس معنى الالتجاء إلى الأنبياء والأولياء يجعلونهم أنداداً لله إنما يتقربون إلى الله تعالى بأحب خلقه إليه، فيقول: هذا جهل بمعنى الشرك فإن تعظيمهم الأولياء، ونحرهم النحائر لهم -شرك- والله تعالى يقول ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ أي لا لغيره، ويقول تعالى:﴿ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾… فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين، ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئاً، لأن فعلهم أكذب قولهم. والقرآن الكريم قد طلب منا ابتغاء الوسيلة إلى الله علمنا كيف تكون الوسيلة إليه تعالى.
فيتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾، وقال تعالى:﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾، وروى أبو داود، وابن ماجه، وأحمد، والترمذي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد فقال: «لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعا به أجاب».
ويتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾، وقال تعالى في قصة يونس عليه السلام:﴿ فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾، وفي قوله تعالى:﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، إشارة إلى أن كل قربة تكون وسيلة، فقد قدمت العبادة على الاستعانة لأن العبادة وسيلة إلى الاستعانة وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المقاصد، وما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قصة الثلاثة أصحاب الغار الذين دهمتهم الصخرة فنظروا أعمالهم الصالحة فتوسلوا بها إلى الله، ففرج عنهم، يشهد لتوسل الإنسان بعمله الصالح.
ويتوسل بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - كفاحا - وكذلك بدعاء الأولياء والصالحين، قال تعالى في شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -:﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ﴾، وقال تعالى:﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾، ولما أجدبوا طلبوا منه - صلى الله عليه وسلم - وهو قائم على المنبر أن يدعو الله لهم، فرفع يديه ثم قال:«اللهم أغثنا. اللهم أغثنا» فسقوا. وجاء عمر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستأذنه في العمرة، فأذن له ثم قال:«ولا تنسنا يا أخي من صالح دعائك»، وكان الأسود بن يزيد من صالح التابعين، فقدمه معاوية بن أبي سفيان لصلاة الاستسقاء وقال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا، يا يزيد ارفع يديك إلى الله.
فلا يجوز التوسل إلى الله بأهل القبور أياً كانت منزلتهم ولا دعاؤهم والالتجاء إليهم في أي شأن، فقد عد كثير من علماء الإسلام هذا من الأمور الشركية، لأنه دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
والموحد من اجتمع قلبه ولسانه على الله مخلصاً له تعالى الألوهية، وكل من غلا في نبي أو ولي أو صالح فقد جعل فيه نوعاً من الألوهية وما أنزل الله الكتب وأرسل الرسل إلا ليُعبد وحده، ولا يدعى معه غيره، والمشركون الذين عبدوا الشمس والقمر والملائكة والجن والأصنام لم ينفعهم قولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فقد افتروا إثماً عظيماً وضلوا ضلالاً بعيداً.
ويحتج المارقون بالآية التي معنا ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ… ﴾ زاعمين أنه ليس هناك ما يمنع أن تكون وسيلتنا إلى الله من مات من أنبيائه وأوليائه، إذ أنهم أحياء في قبورهم كالشهداء بل أعلى منهم، ويمكنهم دعاء الله للمستغيث بهم، بل يمكنهم أن يعاونوه بأنفسهم كما تعاون الملائكة بن آدم.
ونرد زعمهم: بأن دعوة الأنبياء والأولياء والصالحين لا تسمى وسيلة، فقد أجمع المفسرون على أن الوسيلة في الآية هي التقرب إلى الله بفعل الطاعات وترك المنهيات، ولم ينقل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه ولا التابعين دليل صحيح على التوسل بالأموات، ولم يعرف أن أحداً من الصحابة استغاث برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد موته، ولا استنصر به، ولما استسقوا بعد موته توسلوا بالعباس بن عبدالمطلب، وقال عمر وهو يقدمه في صلاة الاستسقاء:(اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا). ولقد كان في قبول أصحاب رسول الله الشهداء في الأمصار عدد كثير، ولم نسمع عن أهل القرون الثلاثة الأولى أنهم قصدوها أو تمسحوا بها، أو دعوا عندها أو سألوا أصحابها جلب الفوائد وكشف الشدائد، ومحال أن يكون ذلك مشروعاً ويصرف عنه السلف، ثم يوفق إليه الخلف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.
حكم التوسل بغير الله (2)
عبدالفتاح آدم المقدشي
لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف رُسل العالمين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فالتوسل بغير الله يناقض التوحيد للأسباب الآتية:
أولاً: يرجو المتوسلُ بغير الله خيرًا مِمَّن لا يملِك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلاً عن غيرِه؛ وقد قال - تعالى -: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [يونس: 18].
وقد جعل الله اللجوءَ إلى ما لا يضرُّ ولا ينفع، واتخاذَهم شفعاءَ من دون الله - عبادةً كما ترى، كما أنكر اللهُ على الصانعين بمثل هذه الأفعال بقولِه: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [يونس: 18]، ونزَّه اللهُ نفسَه أن يُعبد بمثل ذلك، وجعله كذلك شركًا بقولِه: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [يونس: 18].
وعليه جرى ذلك الحُكم في آيات القرآن كلِّها التي وردت في اتخاذ الشفعاءِ من دون الله؛ إذ حكم اللهُ عليهم أنهم عبدوا من دون الله آلهةً، وأشركوا في عبادته - سبحانه - كما قال - تعالى -: ﴿ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ﴾ [يس: 23]، وقال - تعالى -: ﴿ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [الأحقاف: 28]، وقال - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: 3].
ثانيًا: فيه صرفُ المتوسلِ بغير الله رجاءَه وتوكُّلَه واستعانتَه لغيرِ الله، وربما صرَف - كذلك - الخوفَ والإنابة وسائرَ الأعمال التعبدية؛ سواءٌ كانت قلبية أم قولية أم فعلية، وهذا هو الشركُ الواضح الذي لا غبارَ عليه؛ وقد قال - تعالى -: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وقال: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 13- 14].
وقال - سبحانه -: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾ [الرعد: 14].
ثالثًا: فيه تشبيه المتوسِّل بغير اللهِ الخالقِ بمخلوقٍ يحتاج إلى مُعينٍ ووزير، وقد نفى اللهُ عن نفسه ذلك، وقال: ﴿ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾ [سبأ: 22]؛ أي: مِن مُعين، والله - سبحانه - غنيٌّ عن ذلك كلِّه، وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: قال الله - تبارك وتعالى -: ((أنا أغنى الشُّركاءِ عن الشرك، من عمِل عملاً أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِرْكَه))؛ رواه مسلم، وفي رواية ابن ماجه: ((فأنا منه بريءٌ، وهو لِلَّذي أشرك)).
وهذا إذًا يُعتبر أقبحَ ما وقع فيه المتوسِّل بغيرِ الله، وإن لم يكن سببٌ آخر يُنهى عن التوسَّل بغير الله بسببه غير هذا لكفى.
فالله - سبحانه - قال لك في القرآن يا عبدَ الله: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60]، وقال - سبحانه -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [البقرة: 186]، فلماذا تريد أن يكونَ اللهُ بعيدًا عنك وهو يقول لك ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾؟! ثم الله - سبحانه وتعالى - سهَّل لك إجابةَ دعوتك؛ فلماذا تُصعِّب على نفسك، وتكلِّف نفسك ما لم يكلِّفك الله؟!
وهذا التشبيه وإن لم يصرِّح المتوسِّل بغير الله به بلسانه، أو حتى لو لم يدُرْ بنفسه ذلك - فإن لسان حاله وواقعه يقول ذلك؛ إذ إن الله - سبحانه - كريمٌ، وهو أكرم الأكرمين، ولم يحتجب عنَّا، بل هو أقربُ من أحدنا مِن راحلته، فلماذا نُبعِّده عن أنفسنا، ونكلِّف أنفسنا العناءَ والشقاءَ لا نحتاجه، بل نوقعها في البدعة والشرك والعياذ بالله؟!
وما أحسنَ قولَ القائل:
واللهُ يغضِبُ إن تركتَ سؤالَه =وبُنَيُّ آدمَ حين يُسأَلُ يغضبُ
ولَمَّا سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعضًا من أصحابه يدعو اللهَ بصوت مرتفع، نهاهم عن ذلك وقال لهم: ((أيها الناس، اربَعُوا على أنفسِكم؛ فإنكم لا تدعونَ أصمَّ ولا غائبًا))، وأنزل الله في إثرها: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186].
وقد قال - تعالى -: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [الأعراف: 55].
فإذا كان اللهُ لا يحب مَن يرفع صوتَه بالدعاء، وجعله مُعتَدِيًا بذلك، فما ظنُّك بمن لا يدعو ربَّه إلا أن يتحوَّلَ إلى مَن يتقرَّبُ به إلى الله، ويَنسب له الفضلَ والجاه عند الله؛ ليجيب اللهُ دعاءَه - حسب زعمه - لا شك أن هذا أبغضُ عند الله مِن هذا المعتدي المشارِ إليه في الآيةِ.
فيا عبدَ الله:
إذا كان ربُّك وحده هو الذي يجيب دعوةَ المضطر، وهو وحده يرفع عنك الضَّرر، ووحده يكشف السوءَ عن المشتكي البلايا وحده، إذًا فلماذا تلجأُ إلى غيره، أو تدور هنا وهناك، وقد قال ربك - سبحانه وتعالى -: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: 62]؟!
قال صاحب التسهيل لعلوم التنزيل:
﴿ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [النمل: 59] على وجه الردِّ على المشركين، فدخلت “خير” التي يرادُ بها التفضيل لتبكيتهم وتعنيفهم، مع أنه معلوم أنه لا خير فيما أشركوا أصلاً، ثم أقام عليهم الحجة بأن الله هو الذي خلق السمواتِ والأرض، وبغير ذلك مما ذكره إلى تمام هذه الآيات، وأعقب كلَّ برهان منها بقوله: ﴿ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ﴾ [النمل: 61] على وجه التقريرِ لهم، على أنه لم يفعل ذلك كله إلا اللهُ وحده، فقامت عليهم الحجةُ بذلك، وفيها أيضًا نِعم يجب شكرُها، فقامت بذلك أيضًا".
رابعًا: التوسل بجاهِ وفضل ذوات الأشخاص المكرَّمة - كالأنبياء والملائكة - إلى الله، بدعةٌ، ما أنزل الله بها من سلطان، ووسيلة إلى الغلو والشرك بالله، لم يشرعْه النبي - صلى الله عليه وسلم - بل كان يقول - بأبي هو وأمي -: ((إذا سألتَ فاسأل اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعن بالله)).
وهذا من توجيهات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في مثلِ هذه المسألة، وما يقال في مسألةِ التوسل هذه يقالُ في مسألة الاستغاثة؛ بل هي أشدُّ وأصرح في الشرك بالله، والعياذ بالله.
ولو كانت طريقةُ التوسل بذات النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أجدرَ بالإجابة عند الله، لحرَص عليها الصحابةُ - رضوان الله عليهم - ولنُقلت إلينا أخبارُهم في ذلك, ولَمَّا لم يُنقَلْ إلينا شيءٌ من ذلك؛ بل جاء عكس ذلك، علِمنا أن ذلك بدعةٌ في دين الله لا تجوز، بل هي وسيلةٌ إلى الشِّرك والغلو في دين الله.
ولكنَّ التحقيق في هذه المسألة هو أن نفصِّلَ ونبيّن الضابطَ في مسألة التوسل البدعي هذه، التي اعتبرناها وسيلة إلى الشرك، فأقول: إذا كان المتوسِّل بغير الله يتوسل بجاهِ وفضل ذوات الأشخاص المكرمة - كالأنبياء والملائكة ? إلى الله، فهي بدعةٌ ووسيلة إلى الشرك، على ألا يتخذَ المتوسل ذلك طريقه وديدنَه التي يدعو بها ربه، أما إذا اتخذ ذلك طريقَه، ودندن بها صباحًا ومساءً، فقد وقع في الشرك المحذور، وصرَف توكُّلَه ورجاءَه واستعانتَه إلى غير الله، واعتقد أن الضرَّ والنفع الذي كان لا يجلبُه إلا اللهُ في هذا المَلَكِ والنبيِّ الذي توسَّل به.
والضابط في هذه المسألة هو هذا الذي بينتُه لك آنفًا، وكل ما ذكرته لك في هذا المقال من الأسباب ضوابطُ لذلك؛ فتأمل!
والدليل على ما قلته لك آنفًا هو أننا نستشفُّ من كلمة: “اتخذ” التي ترِد في آيات القرآن كثيرًا - خصوصًا في هذه المسألة - بمعنى: استمرُّوا بهذا الفعل - أنها كانت لهم طريقةً ومنهجًا متّبعًا حتى عبدوهم بسائر أنواعِ العبادات المختلفة، والتي كان أخطرها أن يرجوا من مخلوق جَلْبَ نفعٍ أو دَفْع ضرٍّ، ويتوكلوا عليهم، ويستعينوا بهم …إلخ، والله أعلم.
وخذ قاعدة مهمة في العقيدة، وهي:
“كلُّ من أشرك شركًا أصغر، واعتقد صاحبُه في الذي أشرك فيه أنه يجلبُ له نفعًا أو يدفع عنه ضرًّا، فقد انقلب شركُه شركًا أكبرَ يُخرج عن الملة”.
فعلى سبيل المثال لا الحصر: رجُل كان يُكثر الحلف بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وجرى على لسانه ذلك؛ فهذا شركٌ أصغرُ، ولكن إذا اعتقد أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ينفعُ كما ينفع ربُّه، ويضرُّ كما يضر ربُّه، فقد أشرك شركًا أكبر.
**مثال آخر:**رجُل يكثر من قوله: ما شاء اللهُ وشئتَ، أو لولا الملاَّحُ حاذقًا لغرقنا، ونحو ذلك من الأقوال - فهذا شركٌ أصغرُ، ولكن إذا اعتقد صاحبُ هذه المقولة في المخلوق أنه ينفعُ كما ينفع الرحمنُ، ويضر كما يضرُّ - فهو مشركٌ شركًا أكبرَ، وقِسْ على ذلك.
أما المتوسلون بجاه وفضل ذوات الأشخاص بمن يسمونهم أولياء، فهذا هو ما يأباه العقلُ السليم والنقلُ الصحيح، وإنما هذا جهل وغباء؛ إذ هؤلاء الذين يتوسَّلون بهم ليسوا بمعصومين، ولسنا ندري سرائرَهم وقلوبهم وإخلاصَهم، فكيف يُتعلَّق بهم؟! ثم لماذا تميز هؤلاء عن غيرهم من سائر الأمة؟ ولِم لَم يتوسلوا بأبي بكر وعمرَ، وهما المشهود لهما بالجنة وأفضلُ هذه الأمة على الإطلاق؟!
وقد نتج عن هذا التوسل بهؤلاء الميتين المساكين - الذين هم بأمسِّ الحاجة إلى دعائهم لهم بالرحمة والمغفرة إن كانوا موحِّدين أصلاً - الغلوُّ والإطراء، والعبادة، والتمسح بالقبور، والطواف بها كما يطاف بالكعبة، والعكوف على القبور، والنذر لأصحابها حتى ألَّف أحدُهم كتابًا أسماه: “مناسك حج المشاهد”، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: “الرد على البكري والإخنائي”، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
خامسًا: التوسل - بحدِّ ذاته - عبادةٌ من العبادات، شرعها اللهُ لنا لنتقرب به إلى الله بما شرَعه، فمَن صرفها لغير الله فقد أحدث في الدِّين، وابتدع أو شرع شرعًا جديدًا مما لم ينزلِ الله به سلطانًا، فأشرك بذلك أو صار طاغوتًا - والعياذ بالله - بحسب عمله بهذه البدعة ودعائه إليها، وقهرِه على الناس؛ إذ قد تتحوَّل البدعةُ الصغيرة إلى بدعة مكفِّرة بل طاغوت، نسأل الله السلامةَ والعافية؛ قال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 35].
قال ابن جرير الطبري - رحمه الله -: وحقِّقُوا إيمانكُمْ وتصديقَكم ربَّكُم ونَبِيَّكم بالصَّالحِ مِن أعمالِكم، “وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ”، يقول: واطلبوا القُربةَ إليه بالعملِ بما يُرضيه.
و"الوسيلة": هي “الفعيلة”، من قول القائل: “توسَّلت إلى فلانٍ بكذا”، بمعنى: تقرَّبت إليه، ومنه قول عنترة:
إنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ
إِنْ يَأْخُذُوكِ، تكَحَّلِي وتَخَضَّبي
يعني بـ: “الوسيلة”، القُرْبة، ومنه قول الآخر:
إِذَا غَفَلَ الوَاشُونَ عُدْنَا لِوَصْلِنَا
وَعَادَ التَّصَافِي بَيْنَنَا وَالوَسَائِلُ
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: “وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ”، قال: المحبَّة، تحبَّبوا إلى الله، وقرأ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ﴾ [الإسراء: 57].
وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبدالله بن كثير قوله : “وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ”، قال: القُربة؛ اهـ.
وذكر - رحمه الله - أحاديثَ كثيرة لهذا المتن الأخير بأسانيدَ مختلفة.
قلت - الكاتب -: وهذه القربةُ عامة، فلا نحصرها بعدد معين، وإنما هي تشمل الإيمانَ كله، وكلمةَ التوحيد بصفة خاصة، وما اشتملت عليه هذه الكلمة؛ من التوسل بأسماء الله الحسنى، وغيره، بل وتشمل جميعَ العبادات والطاعات، وفِعْل الخيرات.
والله - سبحانه وتعالى - أعلمُ، وهو المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
منقول عن شبكة الألوكة :
حكم التوسل بغير الله (1)
عبدالفتاح آدم المقدشي
بسم الله، والحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسلام على أشرف المرْسَلين وآله وصحْبِه وأتباعه إلى يوم الدِّين.
أما بعد:
فيَجْدُر بنا أن نُعرِّف التوسُّل، ونوضِّح الفرق بينه وبين الاستغاثة، ونَشْرح مفهومه قبل أن نخوضَ في خباياه ومقتضياته؛ حتىَّ تتَّضِح لنا الصُّورةُ، ونكونَ على بيِّنة من أمرنا.
فالتوسُّل: هو طلب المَعُونة من الله بطريقة غير مباشرة، يتَّكِئ بها الدَّاعي تقرُّبًا، كأن يقول: اللَّهم فرِّجْ كربي بجاه نبيِّك، أو بجاه فلان من الصَّالحين.
والاستغاثة: طلَب الغَوْث مِن مَخْلوقٍ كائنًا مَن كان وبطريقة مباشِرة، كأنْ يقول: يا فلان، نجِّني من الكُربات، ارزُقني أولادًا، ونحو ذلك.
وهو على قسْمَيْن؛ توسُّل غير مشْروع، وتوسُّل مشْروع، أمَّا التوسُّل غير المشروع فكَما جاء في التَّعريف.
أمَّا التَّوسُّل المشروع: فكالتوسُّل بأسماء الله الحُسْنى وصفاتِه العُلا، وبالإيمان بالله وبالعمل الصَّالح، وكدعاء ولي حيٍّ منَ الأولياء في مصائب عامَّة، كما توسَّلَت الصحابة بالعبَّاس عمِّ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلم - وتوسَّل مَن بعدهم بأسود بن يزيد.
فمفهوم التوسُّل الممنوع: إنما هو التقرُّب والتزَلُّف بما يَعتقِده المُتوسِّل أنه مبارك ومقبول عند الله، وهو منْهِي عنه، بل هو شرك بالله كما سنبيِّنه قريبًا، فنقول: إذا كان التوسُّل بالنبي المرْسَل والملَكِ المقرَّب منْهيًّا عنه، فكيف بِمَن دونهما؟ لا شكَّ أن النَّهْي عن التوسُّل بغيرهما من بابِ أَوْلى وأحرى.
ثُمَّ إنه إذا توسَّل متوسِّلٌ بغير الله، فهو بذلك يعبد غير الله؛ كطَلَبِه منهم كشْف الضَّرر أو جَلْبهم له مصلحة، مع أنهم لا يَملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفْعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نُشورًا، كما قال تعالى في أوَّل سورة الفرقان: ï´؟ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ ï´¾ [الفرقان: 1] إلى قوله ï´؟ وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ï´¾ [الفرقان: 3]، وكما قال تعالى: ï´؟ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ï´¾ [يس: 23]، وقال تعالى: ï´؟ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ï´¾ [الأحقاف: 28]، وقد قال تعالى بعدَما تكَلَّم الله في أوَّل سورة الزُّمر عن الإخلاص، وأنَّ لله الدِّينَ الخالِص: ï´؟ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ï´¾ [الزمر: 3].
فعُلِم بذلك أنَّ مَن اتَّخذ من دون الله أولياء للتقرُّب أو للتزلُّف؛ سواء كانوا أصنامًا أو أشخاصًا، فقد خالَف التَّوحيد والإخلاص، وأشرَكَ بالله العظيم، وانحَرَف عن الصِّراط المستقيم والدِّين الخالص لله، واتَّبَع خطوات الشيطان، ووقَع في الضَّلال المُبِين، وقد حَكَم الله - سبحانه وتعالى - على مَن كان أمرُه كذلك بالكذب والكفر كما ترى.
إذًا ظهر لك جليًّا أن مفهوم التوسُّل: التقرُّب واتِّخاذ شفعاء ووسائط من دون الله، وهو عَيْن الشِّرك الذي منَعه الله في كتابه العزيز، كما جاء في الآيات القرآنية الكثيرة، ولِتَشبيه المتوسِّل خالقه بالمخلوق الضَّعيف الذي يحتاج إلى وزير يُعِينه، كما أفاده شيخ الإسلام ابن تيميَّة في بحوثه.
والغريبُ في الأَمر أنَّ الصُّوفية تجهل الأدلَّة الواضحة الجليَّة في القرآن، بل إنَّك تجد سورة الفاتحة - وهي التي تُقرأ سبعَ عشرةَ مرَّة في الفرائض، ومع الرَّواتب والنَّوافل تقريبًا خمسين مرة - تأمر بعبادة الله وحْدَه، والاستعانة بالله وحْدَه، فإذا كان الله يَأْمرك ألاَّ تستعين إلاَّ به، فلماذا تذهب إلى غيره لتستعين به وتسأله، أو تتوسَّل به فيما لم يأمرك الله أن تتوسَّل به؟!
وقد قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ï´¾ [المائدة: 35].
فهنا قال الله تعالى: ï´؟ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ï´¾ ولم يقل: وابتغوا إلى الأولياءِ الوسيلة، أو: وابتغوا إلى الله الوسيلة بالأولياء، وقوله تعالى: ï´؟ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ï´¾ إشارةٌ إلى التوسُّل بالأعمال الصَّالحات كالجهاد في سبيل الله؛ إذْ هو أدعى للإجابة لا التوسُّل بالأولياء كما تزعم الصُّوفية؛ ولِذَلك ختم الله الآية بقوله: ï´؟ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ï´¾ دليلاً على أنَّ مَن سلك غير هذه السبيل، فقد ضلَّ عن سواء السَّبيل، وخسر خسرانًا مبينًا.
وإن كانت الصُّوفية قد تقول جدَلاً وبهتانًا: قوله تعالى: ï´؟ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ï´¾ عامٌّ، ولكننا نقول لهم: هو تمسُّك بظاهر اللَّفظ بدون مستَنَد، وتكَلُّف بلا مسوِّغ، ولو كان استدلالكم صحيحًا لمَا عارضه مجْمَلُ آيات القرآن البيِّنات، والقرآن يؤيِّد بعضه بعضًا.
وقال تعالى في سورة الإسراء: ï´؟ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ï´¾ [الإسراء: 56 - 57].
وهنا أيضًا قد بيَّن الله أنَّ هؤلاء يبتغون إلى ربِّهم الوسيلة، ولم يَقُل: يتوسَّلون بالأولياء، وسبب نُزول الآيتين هو أن نفَرًا من الجِنِّ كانوا يُعبَدون، فأسلَمُوا، فبقيَ الذين كانوا يعبدونهم على حالهم، والحديثُ في صحيح البُخاري في كتاب التفْسير.
وأيضًا في هذه الآية إشارات:
الأولى: خطأ التوسُّل بغَيْر الله؛ حيث صار الذين كان يُتَوسَّل بهم إلى الله يَتوسَّلون ويدعون يبتغون إلى ربِّهم الوسيلةَ - أي: التوسُّل المشروع - مما يدلُّ على ضَلال الفِرْقةِ الأُولى، وخطَئِهم الفادح؛ لتوسُّلهم بالمخلوق الضعيف.
الثانية: يأمر الله سبحانه أن يَدْعُوَ المشركون الذين زعَمُوا مِن دون الله، وأخبر أنهم إنْ فعَلوا ذلك فإنَّهم لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا، وهذا أسلوب بليغ تعجيزي، لا على حقيقته؛ إذْ أخبرَ الله أنهم سيَخْسرون في ذلك فعلاً؛ لأنَّ المدْعُوِّين لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا، وإنما الواجب الذي عليهم هو أن يفعلوا كما فعلوا، ويوجِّهوا دعاءهم ووسيلتهم إلى ربِّهم وحْدَه، ويَرجو رحمة الله، ويخافوا مِن عذاب الله، لا أن يكونَ رجاؤُهم وخوفهم واستعانتهم وتوكُّلهم مرتبطًا بعبادٍ ضعفاء مثْلِهم لا يملكون لأنفسِهم ضرًّا ولا نفعًا، فضْلاً عن غيرهم، وهذا هو الضلال المُبين.
والثالثة: عبَّر الله سبحانه بتصرُّفاتهم بالزَّعم، وهو ما يَزِيد في توبيخهم وتهكُّمهم بما كابروا وعاندوا فيه، وأنهم مع ذلك لا يَجْنون مِن وراء ذلك كشْفَ الضرِّ عنهم ولا تحويلاً؛ وذلك لأنهم لا يتَّبعون إلاَّ الظن.
وأيضًا قال تعالى في سورة سبأ: ï´؟ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ï´¾ [سبأ: 22 - 23].
وفيه دروس:
الدَّرس الأول: أخبر الله سبحانه أنَّ الذين يزْعُمون من دون الله لا يملكون مِثْقال ذَرَّة في السَّماوات ولا في الأرض، وهذا غاية في التَّيئِيس عنهم لمن له أدْنَى مسكة من العقل.
الدرس الثاني: قوله تعالى: ï´؟ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ ï´¾؛ أيْ: هؤلاء المدعوُّون لا يشتركون مع الله في شيء من مُلكه أبدًا، حتى يُسألوا أو يُتوسَّل بهم، وليس لهم أيُّ صلاحية في شيءٍ أبدًا؛ وذلك لأنَّ الله غنيٌّ عن الشركة والاستِعانة بمخلوق، كائنًا مَن كان، كما قال تعالى في آخر سورة الإسراء: ï´؟ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ï´¾ [الإسراء: 111].
فوالله الذي لا إله إلاَّ هو، إنَّ هذا التوحيد مِن أجَلِّ النِّعم التي تستحقُّ الحَمْد والشُّكر؛ إذْ لم يُحْوِجْنا الله إلاَّ إلى مَلِكٍ غنيٍّ عزيزٍ واحدٍ؛ لأنَّ مِن كمالِ غِنى الله ألاَّ يَحتاج إلى ولدٍ، ومِن كمال مُلكه ألاَّ يحتاج إلى شريكٍ، ومن كمال عِزَّته ألاَّ يتَّخذ وليًّا من الذُّل، وكلُّ هذه المعاني متضمِّنة ما جاء في أوَّل سورة الفاتحة: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الفاتحة: 2 - 4]، وقد ختَم الله السورةَ بتكبير ذاته العظيمة؛ لأنَّ التحوُّل إلى غيره يوجب تنقيصه؛ لذلك يوجِّهنا الله أن نَشْكره أوَّلاً بالتوحيد، ثم نُكبِّره؛ لأنَّ الله وحْدَه هو المستحقُّ للتَّكبير، لا أن يُكبَّر معه أحد، فنقعَ في الشِّرك المحذور.
ثم لو احْتَجنا - على سبيل الفرض والتَّقدير - أن نسأل ونَعبد إلهين لَكَثُر تعَبُنا وشقاؤُنا بينهما فقد يأمر هذا بالقيام مثلاً، ويأمر الآخَرُ بالقعود، فكيف نُطِيعهما في آنٍ واحد؟! قال تعالى مخْبِرًا عن هذه الحقيقة ومُمْتنًّا علينا: ï´؟ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ï´¾ [الزمر: 29].
ثم اعْلَم أن الَّذين يُدْعَون في هذه العصور المتأخِّرة أولياءَ لا يَخْلو منهم ادِّعاء القُدْرة والعِلْم والمُلْك على مُرِيديهم؛ حتىَّ يلتزموا طاعتهم، وينفعوهم بالأموال والتَّبجيل والتكبير بغير حقٍّ، وهو شِركٌ بالله واضح.
فالله - سبحانه وتعالى - يُريد أن يُريحنا ويُخلِّصنا مِن هذه المتاعب، وهذا الشَّقاء كلِّه، ويوجِّهنا إلى عبادته وحده؛ لأنَّه هو المَلِك الوحيد، وله مُطْلَق التصرُّف في ملْكِه، وهو العزيز وحْده، لا يُمكن أن يعتزَّ بشركة أحد ولا بمعاونة ولي؛ لذلك فهو المستحِقُّ وحده التكبير والتبجيل، بل والاستعانة والتوسُّل به وحده، والشُّكر والامتنان، فسبحانه لا إله إلا هو، الفرد الصَّمد، الكبير المتعال.
**الدرس الثالث:**ï´؟ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ï´¾ [سبأ: 22]:
فكأنَّ الذي يطلب الشفاعة من دون الله، يَظُن أنَّ الشافع ظهير، أو معاوِن لله، كما هو حال ملوك الأرض، فنَفى الله عن نفْسِه ذلك، وبيَّن أنَّ هؤلاءِ الشُّركاء ليس لهم أيُّ مساعدة؛ إذْ كيف لهم ذلك، وهم لا يملكون مِثْقال ذرَّة في السَّماوات ولا في الأرض، ولا أي شركة، بل هم عبادٌ فُقراءُ لا يملكون لأنفسِهم ضرًّا ولا نفعًا، فكيف يملكون لغيرهم؟!
الدرس الرابع:
وهذا أيضًا بيان من الله تعالى في عدم تمكُّن أيِّ أحدٍ كائنًا مَن كان أن يتجرَّأ بالشفاعة، مهما بلغ منَ الفَضْل والشَّرف عند الله، ولو كان ملَكًا مقرَّبًا، أو نبيًّا مرسَلاً، إلاَّ بعد أن يَأذن الله لمن يشاء ويرضى.
ثُمَّ إنَّ هؤلاءِ المشْرِكينَ قد جَعَلوا شُركاءَهم وكأنَّ لهم سُلْطة مطْلَقة، بحيث يقدرون أن يشفعوا لِمَن يريدون، ومتى ما يريدون وكيفما يريدون، وهو باطل مردودٌ بصريح المعقول وصريح المنقول، وقد ثبت عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن أحْدَث في أمْرِنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ))، وفي رواية: ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمْرُنا فهو ردٌّ)).
والله المستعان، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم.
منقول عن :
حكم التوسل بالقرآن والملائكة والأنبياء والصحابة .
السؤال:
هل الدعاء التالي فيه ما لا يرضي الله ورسوله ؟ هل فيه حرام ؟ وما هو الحرام ؟ وما هو الدليل من الكتاب والسنة ؟ " أسألك بالقرآن وحروفه ، أسألك بجبرائيل ورسالته ، بميكائيل وأمانته ، بإسرافيل ونفخته ، بسيدنا نوح عليه السلام وذريته ، بسيدنا إبراهيم وخلته ، بسيدنا موسى وتكليمه ، بسيدنا محمد وشفاعته ، بالصديق وخلافته ، بعمر وفاروقيته ، بعثمان وحيائه ، بعلي وشجاعته " .
الجواب :
الحمد لله
أورد السائل أنواعا من التوسل يمكن تقسيمها إلى أربعة أنواع : أولها التوسل بالقرآن ، والثاني التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والثالث توسلٌ بالصالحين من ملائكة وأنبياء وغيرهم ، والرابع توسل لا يفهم معناه .
فأما الأول :
فإن سؤال الداعي ربه بالقرآن جائز ؛ لأنه من باب التوسل إلى الله بصفة من صفاته ؛ والتوسل إلى الله بصفة من صفاته أمر جائز جاءت به الشريعة ، فمن ذلك الحديث الذي رواه مسلم (2202) ، والترمذي (2080) عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أن يقول إذا شكا : ( أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ) رواه أحمد في " المسند " (30/265) وصححه محققو طبعة مؤسسة الرسالة ، والأدلة على مشروعية التوسل إلى الله بصفاته كثيرة .
ومن صفات الله تعالى كلامه ، والقرآن من كلامه سبحانه ، فيجوز التوسل به ؛ ولهذا احتج السلف -كأحمد وغيره- على أن كلام الله غير مخلوق فيما احتجوا به ، بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعوذ بكلمات الله التامات ) قالوا : فقد استعاذ بها ، ولا يستعاذ بمخلوق . ينظر كتاب " قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة " (1/297) .
قال الشيخ ابن عثيمين : " الدعاء بالقرآن الكريم ، يعني أن يسأل الإنسان ربه بكلامه… والقرآن صفة من صفات الله عز وجل ، فإنه كلام الله تكلم به حقيقة لفظا ، وأراده معنى ، فهو كلامه عز وجل… وإذا كان صفة من صفاته ، فالتوسل به جائز " انتهى من “فتاوى نور على الدرب”.
ثانيا :
التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو التوسل الذي عرف في كثير من المتأخرين فيقول: اللهم إني أسألك بمحمد صلى الله عليه وسلم ، أو : أسألك بجاه محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا المعنى لم ترد به السنة ؛ وقد قال فيه أبو حنيفة وأصحابه : إنه لا يجوز ، ونهوا عنه ، حيث قالوا : لا يسأل بمخلوق ولا يقول أحد : أسألك بحق أنبيائك .
قال في " تبيين الحقائق " للزيلعي الحنفي (6/31) : " قال أبو يوسف : أَكْرَهُ بِحَقِّ فُلَانٍ ، وَبِحَقِّ أَنْبِيَائِك وَرُسُلِك " انتهى ، لأنه " لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ " ؛ كما قال الكاساني في " بدائع الصنائع " (5/126) .
قال الشيخ ابن عثيمين " الراجح من أقوال أهل العلم… أنه يحرم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فلا يجوز للإنسان أن يقول : اللهم أسألك بجاه نبيك كذا وكذا ؛ وذلك لأن الوسيلة لا تكون وسيلة ، إلا إذا كان لها أثر في حصول المقصود ، وجاه النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للداعي ليس له أثر في حصول المقصود ، وإذا لم يكن له أثر : لم يكن سببا صحيحا ، والله عز وجل لا يُدعى إلا بما يكون سببا صحيحا ، له أثر في حصول المطلوب ، فجاه النبي صلى الله عليه وسلم هو مما يختص به النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، وهو ما يكون منقبة له وحده ، أما نحن فلسنا ننتفع بذلك ، وإنما ننتفع بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم " . انتهى من " فتاوى نور على الدرب " .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله " لو قيل : يحمل قول القائل أسألك بنبيك محمد على أنه أراد : أني أسألك بإيماني به وبمحبته وأتوسل إليك بإيماني به ومحبته ونحو ذلك ؟ وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع ؟ قيل : من أراد هذا المعنى فهو مصيب في ذلك بلا نزاع ، وإذا حمل على هذا المعنى كلام من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته من السلف - كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين وعن الإمام أحمد وغيره - كان هذا حسنا ؛ وحينئذ : فلا يكون في المسألة نزاع.
ولكن كثير من العوام يطلقون هذا اللفظ ، ولا يريدون هذا المعنى ؛ فهؤلاء الذين أنكر عليهم من أنكر.
وهذا كما أن الصحابة كانوا يريدون بالتوسل به : التوسل بدعائه وشفاعته ، وهذا جائز بلا نزاع ؛ ثم إن أكثر الناس في زماننا لا يريدون هذا المعنى بهذا اللفظ " انتهى من " قاعدة جليلة " (ص119) .
ثالثا : التوسل بذوات المخلوقين .
وهذا من البدع المنكرة شرعا ، والمنكرة عرفا ولفظا ، وفيه من التقدم بين يدي الله ، والتصرف بما لم يأذن به ، والمخالفة لمقاصد الداعي والمتوسل والمستشفع ، ما يخل بمقام الأدب في الدعاء .
قال شيخ الإسلام " وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا يعلم بسؤاله، فليس هذا استشفاعا لا في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول.. " انتهى من " الفتاوى " (1/242) .
وقال أيضا " ولو قال الرجل لمطاع كبير : أسألك بطاعة فلان لك ، وبحبك له على طاعتك ، وبجاهه عندك الذي أوجبته طاعته لك ؛ لكان قد سأله بأمر أجنبي لا تعلق له به ، فكذلك إحسان الله إلى هؤلاء المقربين ، ومحبته لهم ، مع عبادتهم له ، وطاعتهم إياه ؛ ليس في ذلك ما يوجب إجابة دعاء من يسأل بهم .
وإنما يوجب إجابة دعائه : بسبب منه ، لطاعته لهم . أو سبب منهم ، لشفاعتهم له . فإذا انتفى هذا وهذا ، فلا سبب "
وقال " قول القائل : اللهم إني أسألك بحق فلان وفلان ، من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم ، أو بجاه فلان ، أو بحرمة فلان ، يقتضي أن هؤلاء لهم عند الله جاه ، وهذا صحيح ؛ فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه وحرمة ؛ يقتضي أن يرفع الله درجاتهم ، ويعظم أقدارهم ، ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا… فأما إذا لم يكن منهم دعاء ولا شفاعة.. فيكون قد سأل بأمر أجنبي عنه ليس سببا لنفعه "
وقال في موطن آخر " ليس في إكرام الله لذلك سبب يقتضي إجابة هذا . وإن قال : السبب هو شفاعته ودعاؤه ، فهذا حق ، إذا كان قد شفع له ودعا له .
وإن لم يشفع له ولم يدع له ، لم يكن هناك سبب "
وقد بسط الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه المسألة بسطا شافيا في كتابه المبارك " قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة " .
رابعا :
ما أورده السائل - من التوسل بالنفخة ، وذرية نوح ، وخلافة الصديق ، وشجاعة علي إلى آخره - مما اقتضاه سجع الداعي ، دون النظر إلى معناه ، فكلام لا معنى له ، ولا يصدر من داع مستجمع فكره فيما يدعو به .
فكيف تكون ذرية نوح سببا في إجابة الدعاء ، وفيهم المسلم والكافر والبر والفاجر ؟! وكيف تكون خلافة الصديق ، أو شجاعة علي ، أو فاروقية عمر ، أو حياء عثمان ، أو حتى خلة الله لإبراهيم ، سببا في إجابة الدعاء ؟!
وما شأن هذا الداعي بخلة إبراهيم ؟ وما حظه هو من هذا المقام السَّني العلي ؟!
وما هذا إلا من نتائج مخالفة السنة ، والميل إلى الأدعية المخترعة ، وتكلف السجع فيها ، وبهذا تظهر الحكمة من النهي الوارد عن تكلف السجع في الدعاء .
قال ابن بطال رحمه الله : " لأن طلب السجع فيه تكلف ومشقة ، وذلك مانع من الخشوع وإخلاص التضرع لله تعالى وقد جاء في الحديث : ( إن الله لا يقبل من قلب غافل لاه ) ، وطالب السجع في دعائه : همته في تزويج الكلام وسجعه ، ومَن شَغَل فكره وكَدَّ خاطره بتكلفه ، فقلبه عن الخشوع غافل لاه ". انتهى من " شرح صحيح البخاري " (10/97) .
والله أعلم .
منقول عن : 
التوسل الشرعي والبدعي
السؤال : أريد أن أسأل عن التوسل فإنني أعرف أن من يطلب التوسل من القبور أو يسأل الميت دعاء لغير الله وغير صحيح. لكن أحدهم يقول: ما الخطأ في أن أطلب الدعاء من رجل صالح وهو حي؟ وما الخطأ في أن أطلب الدعاء منه وهو ميت؟ فكيف أرد على هذا الأخ؟ وما هو التوسل المباح؟ وما هو التوسل غير المباح؟.
الجواب :
الحمد لله
التوسل لغة : هو التقرب ، ومنه قوله تعالى : ( يبتغون إلى ربهم الوسيلة ) أي : ما يقربهم إليه ، وينقسم إلى قسمين توسل مشروع وتوسل ممنوع :
فالتوسل المشروع :
هو التقرب إلى الله تعالى بما يحبه ويرضاه من العبادات الواجبة أو المستحبة سواء كانت أقوالاً أو أفعالاً أو اعتقادات وهذا أنواع :
الأول : التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته ، قال تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) فيقدّم العبد بين يدي دعاء الله تعالى الاسم المناسب لمطلوبه كتقدم اسم الرحمن حال طلب الرحمة ، والغفور حال طلب المغفرة ، ونحو ذلك .
الثاني : التوسل إلى الله تعالى بالإيمان والتوحيد ، قال تعالى : ( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) .
الثالث : التوسل بالأعمال الصالحة بأن يسأل العبد ربه بأزكى أعماله عنده وأرجاها لديه كالصلاة والصيام وقراءة القرآن ، والعفّة عن المحرّم ونحو ذلك ، ومن ذلك الحديث المتفق عليه في الصحيحين في قصة الثلاثة نفر الذين دخلوا الغار ، وانطبقت عليهم الصخرة ، فسألوا الله بأرجى أعمالهم ، ومن ذلك أن يتوسّل العبد بفقره إلى الله كما قال الله تعالى عن نبيه أيوب عليه السلام : ( أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) أو بظلم العبد نفسه ، وحاجته إلى الله كما قال تعالى عن نبيه يونس عليه السلام : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) .
وهذا التوسل المشروع يختلف حكمه من نوع إلى آخر ، فمنه ما هو واجب كالتوسل بالأسماء والصفات والتوحيد ، ومنه ما هو مستحب كالتوسل بسائر الأعمال الصالحة .
أما التوسل البدعي الممنوع :
فهو التقرب إلى الله تعالى بما لا يحبه ولا يرضاه من الأقوال والأفعال والاعتقادات ، ومن ذلك : التوسل إلى الله بدعاء الموتى أو الغائبين والاستغاثة بهم ونحو ذلك ، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة مناف للتوحيد ، فدعاء الله تعالى سواء كان دعاء مسألة كطلب النفع أو دفع الضر ، أو دعاء عبادة كالذل والانكسار بين يديه سبحانه لا يجوز أن يُتوجه به لغير الله ، وصرفه لغيره شرك في الدعاء ، قال تعالى : ( وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ) ، فبيّن الله تعالى في هذه الآية جزاء من يستكبر عن دعاء الله إما بأن يدعوا غيره أو بأن يترك دعائه جملة وتفصيلاً ، كبْراً وعُجْباً وإن لم يدع غيره ، وقال تعالى : ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ( فأمر الله العباد بدعائه دون غيره ، والله يقول عن أهل النار : ( تالله إن كنا في ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ) فكل ما اقتضى تسوية غير الله بالله في العبادة والطاعة فهو شرك به سبحانه ، وقال تعالى : ( ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) . وقال سبحانه : ( ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ) فجعل الله تعالى من دعا غيره معه متخذاً إلها من دونه ، وقال سبحانه : ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرن بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ) فبين الله تعالى في هذه الآية أنه هو المستحق للدعاء لأنه المالك المتصرف لا غيره ، وأن تلك المعبودات لا تسمع الدعاء ، فضلاً عن إجابتها للداعي ، ولو قُدِّر أنها سمعت لما استجابت ، لأنها لا تملك نفعا ولا ضرا ، ولا تقدر على شيء من ذلك .
وإنما كفر مشركوا العرب الذين بعث النبي صلى الله عليه وسلم لدعوتهم بسبب هذا الشرك في الدعاء إذ كانوا يدعون الله تعالى مخلصين له الدين في حال الشدة ، ثم يكفرون به في الرخاء والنعمة بدعوة غيره معه سبحانه قال تعالى : ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ) وقال : ( وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ) ، وقال جل وعلا : ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتهم ريح عاصف وجاءهم الموت من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ) .
وشرك بعض الناس اليوم قد زاد على شرك السابقين ، وذلك لأنهم يصرفون أنواعاً من العبادة لغير الله كالدعاء والاستغاثة حتى في وقت الشدة ولا حول ولا قوة إلا بالله ، نسأل الله السلامة والعافية .
والخلاصة في الردّ على ما ذكره صاحبك : أنّ سؤال الميت شرك ، وسؤال الحيّ ما لايقدر عليه إلا الله شرك أيضا والله أعلم .
منقول عن موقع : 
إرشادات في صحة التوكل على ألله





**التوسل والوسيلة
**
أ. د. حسن حسين الهواري
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ [المائدة: 35]
لم يأت لفظ - الوسيلة - في القرآن الكريم إلا في آيتين آية المائدة التي معنا، وآية أخرى في سورة الإسراء هي قول الله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ… ﴾.
وآية المائدة صريحة الأمر بابتغاء الوسيلة إلى الله، وآية الإسراء تنعى على المشركين اتخاذهم الشركاء وسيلة إلى الله، وابتغاء الوسيلة إلى الله لا يليق بالأصنام البتة ﴿ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً ﴾.
فما هي الوسيلة؟
جاء في - لسان العرب - الوسيلة: المنزلة عند الملك والدرجة والقربة، ووسل فلان إلى الله وسيلة: إذا عمل عملاً تقرب به إليه، والواسل كالراغب إلى الله.. قال الجوهري: الوسيلة ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسل والوسائل، والتوسيل والتوسل واحد. اهـ.
وجاء في القاموس: الوسيلة والواسلة: المنزلة عند الملك والدرجة والقربة، ووسل إلى الله توسيلاً: عمل عملاً تقرب به إلى الله تعالى كتوسل، والواسل: الواجب والراغب إلى الله. اهـ.
والمفسرون لكتاب الله يقولون في الوسيلة:
قال الراغب الأصفهاني: الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوسيلة لتضمنها لمعنى الرغبة، قال تعالى:﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة وتحري مكارم الشريعة وهي كالقربة والواسل الراغب إلى الله تعالى.
ويتفق قول الزمخشري والنسفي: في أن الوسيلة: هي كل ما يتوسل به أي يتقرب، من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك، فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي.
والمستفاد من -تفسير القرطبي- أن الوسيلة هي القربة: عن أبي وائل والحسن ومجاهد وقتادة وعطاء والسدي وابن زيد وعبدالله بن كثير، والوسيلة درجة في الجنة وهي التي جاء الحديث الصحيح بها في قوله عليه الصلاة والسلام: «فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة».
وجاء تفسير أبو السعود… ﴿وَابْتَغُوا﴾ أي اطلبوا لأنفسكم ﴿إِلَيْهِ﴾ أي إلى ثوابه والزلفى منه ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ هي فعلية بمعنى ما يتوسل به ويتقرب به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا أو تقرب إليه بشيء.. وقبل الجملة الأولى يعني ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمر بترك المعاصي، والثانية يعني ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أمر بفعل الطاعات.
وقال السيوطي: أخرج عبد بن حميد والغرباني وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: القربة، وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة في قوله ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: القربة، وأخرج عبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه.
ويقول البيضاوي: في قوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ أي ما تتوسلون به إلى ثوابه والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي، من وسل على كذا: إذا تقرب إليه، وفي الحديث: الوسيلة منزلة في الجنة.
وجاء عن ابن كثير ﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ قال سفيان الثوري حدثنا أبي عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس: أي القربة، وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن وقتادة وعبدالله بن كثير والسدي وابن زيد وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه.. والوسيلة هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضاً: علم على أعلى منزلة في الجنة وهي منزلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش وقد ثبت في صحيح البخاري من طريق محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:«من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة». وحديث آخر في صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة عن عبدالرحمن بن جبير عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة».
**الفهرس..
-
الفهرس
-
- الآيات الناهية عن الأستغاثة و التوسل بغير الله عز وجل
-الحلف بغير الله
-حكم التلفظ بألفاظ فيها استعانة بالجن أو حلف بغير الله
-
الرد على شبهة التوسل والوسيل
-
- حكم التوسل بالأولياء والصالحين
-
الحلف بغير الله تعالى
-
إرشادات في صحة التوكل على ألله
-
التوسل الشرعي والبدعي
-
حكم التوسل بالقرآن والملائكة والأنبياء والصحابة .
-
-حكم التوسل بغير الله
-
التوسل والوسيلة
-
الى - التوسل والوسيله
-**