**أما النتيجة الأولى: فهي ترجع إلى أن حدَّةَ الشهوة وقوتها سبيلٌ إلى تحسين النسل، وداعيةٌ إلى إبراز أحسن خصائصه وأفضل صفاته، كما أنَّ فُتُور الشهوة وبُرودها سبيلٌ إلى ضعف النسل، وداعية إلى تدهور خصائصه وانحِطاط صِفاتِه، وممَّا يتَّفق مع هذا المذهب في النتيجة ? وإن اختلف معه في التعليل ? ما يذهب إليه علماء الوِراثة من التنبيه إلى خطر زواج الأقارب ومضارِّه ، ويؤيده تأييدًا قويًّا تحريم الشريعة الإسلامية زواجَ أخوات الرضاعة، فمن الواضح أنه مبنيٌّ على اعتبار الغرباء، الذين لا تربطهم قرابة الدم ممن تجاوروا؛ حتى ازداد إلف أحدهما للآخر في حُكْم أقرباء الدم، هذه حقيقة معروفة تقطع بها المشاهدة وتجارب الأجيال المتعاقبة، وتؤيدها الشرائع الثابتة، وهي تشمل الإنسان والحيوان على السواء، ومن مظاهر تطبيقها على الحيوان إبعادُ الذكور عن الإناث، وعدم السماح باختلاطهما إلا عند اللقاح. ومن علامات صحتها - فيما أزعمه - انحطاطُ خصائص الجنس البشري في الهمج من العراة؛ الذين لا يزالون يعيشون في المتاهات والأدغال على حال تقرب من البهيميَّة، فإنهم لا يأخذون طريقهم في مدارج الحضارة إلا بعد أن يكتسوا، ويستطيع المراقب لحالهم في تطورهم أن يلاحظ أنهم كلما تقدموا في الحضارة زادتْ مساحة الأعضاء الكاسية من أجسادهم، كما يستطيع أن يلاحظ أن الحضارة الغربية في انتكاسها، تعود في هذا الطريق القهقرَى درجةً درجةً؛ حتى تنتهي إلى العري الكامل في مُدُن العراة، التي أخذت في الانتشار بعد الحرب العالمية الأولى، ثم استفحل داؤها في السنوات الأخيرة.
وقد أدرك قدماء العرب ذلك بالتجرِبة والملاحظة، فوصف أبو كبير الهُذَلِيُّ فارسًا عربيًّا مشهورًا من صعاليك العرب ? وهو تأبَّطَ شرًّا ? بأنَّ أُمَّه قد حملت به، وهي أشهى ما تكون إلى زوجها، حين لم تكن مُرْضِعًا، ولم تكن في أعقاب حيض، حتى لقد صوَّر أباه في هياج شهوته؛ وكأنه قد اغتصب أمه اغتصابًا وأخذها غِلابًا، وذلك حيث يقول :
مِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وَهُنَّ عَوَاقِدٌ حُبُكَ النِّطَاقِ فَجَاءَ غَيْرَ مُهَبَّلِ
وَمُبَرَّأً مِنْ كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُغْيِلِ
حَمَلَتْ بِهِ فِي لَيْلَةٍ مَزْؤُودَةٍ كَرْهًا وَعَقْدُ نِطَاقِهَا لَمْ يُحْلَلِ
فَأَتَتْ بِهِ حُوشَ الْفُؤَادِ مُبَطَّنًا سَهِدًا إِذَا مَا نَامَ لَيْلُ الْهَوْجَلِ
وأدرك ذلك أيضًا الإمام الجليل أبو حامد الغَزَالِيُّ، فجاء في كتابه “إحياء علوم الدين” من بين ما سَرَدَهُ في الخصال المطَيِّبَة لعيش الزوجينِ قوله :
“ثامنًا: أن لا تكون من القرابة القريبة؛ فإن ذلك يقلل الشهوة، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تنكحوا القرابة القريبة؛ فإن الولد يخلق ضاويًا)). وذلك لتأثيره في تضعيف الشهوة؛ فإن الشهوة إنما تنبعث بقوة الإحساس بالنظر واللمس، وإنما يقوى الإحساس بالأمر الغريب الجديد، فأما المعهود الذي دام النظر إليه مدة، فإنه يضعف الحس عن تمام إدراكه والتأثر به، ولا تنبعث به الشهوة”. إ هـ.
أما النتيجة الثانية الخطيرة لشيوع البرود الجنسي؛ وهي انتشار الشذوذ واستفحال دائه: فهي راجعة إلى أنَّ الرجل الذي أَلِفَ أن يقع نظرُه على مفاتن المرأة فلا يثور، يحتاج لكي يثور إلى مناظر وأوضاع تخالف ما أَلِفَ، ثم إنَّ إصابته بالبُرود تَحرِمه لذةً من أكبر اللذائذ، ومتعةً من أعظم ما ينطوي عليه الناموس منَ المتع، وهي متعةٌ تسكن عندها النفس، ويطمئنُّ القلب، ويستقر الاضطراب، ومصيبته هذه بالبرود الجنسيّ تَحرِمه من الإحساس بذكورته، فيعاني أشد الألم مما يُحِسُّهُ في أعماق نفسه منَ الذّلَّة والمهانة، ويدفعه ذلك إلى أن يحاول تحقيق متعة الاتصال الجنسيّ، وإثباتها من كل الوجوه، عن طريق التقلب بين الخليلات وبائعات الهوى، والتماس الشاذِّ الغريب منَ الأساليب والأوضاع، رجاء انبعاث ما ركد من ذكورته، وقد تدفعه مع ذلك إلى إغراق نفسه في المخدِّرات تعويضًا لما فقده من لذة، أو إلى الإجرام أو المغامرة؛ إثباتًا لذكورته من وجه آخر.
ومثل هذا الشذوذِ يشمل المرأة والرجل على السواء؛ لأن البرود الجنسي الذي يؤدي إليه هذا الاختلاط ? بل الذي يسعى إليه دعاة الاختلاط ? برودٌ ذو شِقِّينِ، لا يحقق ما يزعمونه من أهداف؛ إلا إذا شَمِلَ الذكر والأنثى، فانتفت الرغبة الجنسية الجسدية في الطرفين كليهما؛ عند اللقاء، وعند اللعب، وعند الممازحة والمراقصة. ويستطيع القارئ أن يتتبع هذه الظاهرة في المجتمع الغربي؛ ليتبيَّن آثارها المدمرة فيه، وهي آثار لا مفر معها من مثل مصير الذي خَلَوْا من البائدين {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43].
وأنا أعلم أنَّ كثيرًا من الناس لا يقع منهم الدليل موقع الإقناع؛ إلا إذا نسب إلى الغرب، وإلى هؤلاء أسوقُ بعض ما نَقَلَتْه صُحُفٌ - لا تُتهم عندهم بالرجعية - عن علماء الغرب وهيئاته؛ فمن ذلك ما نقله المصوِّر (العدد 1689 ص 4) عن الأستاذ بيتريم ساروكين، مدير مركز الأبحاث بجامعة هارفارد في كتاب له، صدر أخيرًا بعنوان “الثورة الجنسية”، حيث يقرِّر أن أمريكا سائرة بسرعة إلى كارثة في الفوضوية الجنسية، كما يقرّر أنَّها متَّجهة إلى الاتجاه نفسِهِ، الذي أدى إلى سقوط الإمبراطورية الإغريقية، ثم الإمبراطورية الرومانية في الزمان القديم، ويقول في ذلك الصدد: “إنَّنا محاصرون من جميع الجهات بتيار مطرَّد من الجنس، يُغرق كلَّ غرفة من بناء ثقافتنا، وكل قطاع من حياتنا العامة، وهذه الثورة التي تَعْبُر بنا آخذةً في تغيير حياة كل رجل وكل امرأة في أمريكا ـ: أكثرٌ من أي ثورة أخرى في هذا العصر”.
ومن ذلك ما جاء في صحيفة “الأخبار” (عدد 26 محرم 1377 ص 2 تحت عنوان: عالم أمريكي يقول: إن المرأة الأمريكية باردة) حيث نقلت ما صرح به الدكتور جون كيشلر، أحد علماء النفس الأمريكيين في شيكاغو، حين قال: “إن 90 في المائة من الأمريكيات مصابات بالبرود الجنسي، وأنَّ 40 في المائة من الرجال مصابون بالعقم، وقال الدكتور: إن الإعلانات التي تعتمد على صور الفتيات العارية، هي السبب في هبوط المستوي الجنسي للشعب الأمريكي”.
ومَن شاء المزيد فليرجع إلى تقرير لجنة الكونغرس الأمريكية لتحقيق الأحداث في أمريكا، الذي نقلته مجلة “التحرير” (العدد 234 تحت عنوان: أخلاق المجتمع الأمريكي منهارة). وهو يشير إلى ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات بين الأحداث، وانتشار الحانات التي تقدم الخمور، وكُتُب الجنس، وقصص الجنس، وأفلام الجنس، وانتشار نوادي العراة بكثرة مخيفة على الشواطئ الشرقية خاصة. ومَن شاء فليرجع كذلك إلى تقرير اللجنة، التي شكلها مجلس العموم البريطاني للتحقيق في مشكلة الشذوذ الجنسي، فانتهت من بحثها إلى اقتراح إباحته بعد الواحدة والعشرين، وقد نشرته صحيفة “الأخبار” أخيرًا.
وأحب أن أشير إشارة موجزة إلى بعض مزاعم، يؤيد بها دعاةُ الاختلاط مذهبهم الهدامَ:
من ذلك: ما يزعمه بعضهم من أن الريف العربي كله ? ومنه قُرَى مصر ? يمارس الاختلاط:
والواقع أنَّه ليس هناك اختلاط بين الرجال النساء في أيِّهما، ولم يوجد هذا الاختلاط في أيِّ عصر من العصور؛ فسُفور القَرَوِيَّةِ أو البَدَوِيَّةِ شيءٌ، والمجتمع المختلَط شيء آخر، وكل الناس يعرفون أنَّ الزّيَّ الذي رَسَمَهُ الإسلام للنساء؛ من إطالة الثياب وتوسيعها، إلى تغطية الرأس بالخمار، والضرب بفضوله على الصدر، لا يتوافر في امرأة، كما يتوافر في القَرَوِيَّةِ والبَدَوِيَّةِ، ومن المعروف كذلك أنَّ السُّفور في هذه البيئات، لا يتجاوز معاونة المرأة لزوجها في بعض الأعمال، وهي معاونة محدودة فيما تستطيعه، مثل نقل الحطب أو جَنْيِ الثمار، أو القيام على الدواب، أو نقل بعض المتاع والغذاء، على أنها لا تفعل شيئًا من ذلك إلا بدافع الفقر والحاجة، أما السُّراة فنساؤهن مصونات في البيوت؛ لذلك كان الشاعر العربي إذا وصف المرأة الكريمة قال إنَّها (نَؤُومُ الضُّحَى)، على أنَّ التي يُلجئها الفقْرُ إلى الخُرُوجِ، لا تُخَاطِبُ الغُرَبَاءَ إلا بقدر ما تدعو إليه الحاجة الماسَّة الضَّروريَّة، وهي تضع طَرْفَ خِمَارِها بين يدها وبين يد الرجل إذا سلَّمت عليه، ومن المؤكَّد على كل حال أنها لا تُجالس الرجال في أسمارهم أو عقودهم؛ بل ولا تشارك أهل بيتها من الرجال على المائدة في بعض الأحيان؛ فأين ذلك كله من المجتمع المختلط؟!
ومن هذه المزاعم كذلك: ما يُرَوِّجونه من أن الأخطاء التي نشاهدها الآن من آثار الاختلاط، سوف تَزُول كما زالت في الغرب حَسَبَ زعمهم، وواقع الأمر أن الأخطاء لم تَزُلْ في الغرب؛ ولكن حياء الغربِيّين والغربيَّات هو الذي زال، ونحن ناس خُلُقُ دينِنا الحياءُ، والحياء خيرٌ كله؛ كما قال سيدنا رسول الله، إن الذي يُدمِن الحياة بين نَتَنِ الجِيَفِ، وعَفَنِ الأقذار، يَفقِد الإحساس بالنَتَنِ والعَفَنِ؛ ولكن هذا لا يعني أن النَّتَنَ قد زال.
ومن أعجب ما يلجأُ إليه دعاةُ الاختلاط في بعض دَعاياتهم، أنهم يعارضون الإسلام بما جرى عليه العُرف عند بعض البائِدِين؛ كالفراعنة، أو بمذاهِبِ بعض الدراسات الاجتماعية والنفسية الحديثة:
ومعارضة الإسلام بهذه أو بتلك لا تَصدر إلا مِن جاحد بالله ورسالاته وكُتُبه؛ لأنَّ الفِرْعَوْنِيَّة ليستْ دِينًا، وليستْ مَذهبًا خُلُقيًّا؛ ولكنها عصر تاريخيٌّ، قد يكون فاسدًا، وقد يكون ضالاًّ، وقد يكون كافرًا بالله، وقد قطع الإسلام ما بين إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وبين أبيه، وقطع ما بين نوح - عليه السلام - وبين ابنه، وبين لوط - عليه السلام - وبين زوجته، فكيف لا يقطع الإسلام ما بيننا وبين الكفار من الفراعنة، والله سبحانه وتعالى يقول:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23]؟!!
وللبحث بقية تتبع**