ألإجتهاد والتقليد

**مسألة رابعة:

قال الشيرازي (في اللمع في أصول الفقه ص259 ): “فأما ما لا يسوغ فيه الاجتهاد فعلى ضربين: أحدهما، ما علم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة كالصلوات الخمس المفروضة والزكوات الواجبة وتحريم الزنى واللواط وشرب الخمر وغير ذلك، فمن خالف في شيء من ذلك بعد العلم به، فهو كافر؛ لأن ذلك معلوم من دين الله عزّ وجلّ ضرورة، فمن خالف فيه فقد كذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في خبرهما فحكم بكفره. والثاني، ما لم يعلم من دين الله عزّ وجلّ ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم ضرورة، كالأحكام التي بيّنت بإجماع الصحابة وفقهاء الأعصار، ولكنها لم تعلم من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورة، فالحق من ذلك في واحد، وهو ما أجمع الناس عليه، فمن خالف في شيء من ذلك بعد العلم به فهو فاسق”.

وقال الغزالي (في المستصفى من علم الأصول ص354 مع فواتح الرحموت): “والمجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، واحترزنا بالشرعي عن العقليات ومسائل الكلام فإن الحق فيها واحد والمصيب واحد والمخطئ آثم، وإنما نعني بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطئ فيه آثما، ووجوب الصلوات الخمس والزكوات وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع فيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف فليس ذلك محل الاجتهاد”.

مسألة خامسة:

التقليد هو إتباع الغير دون تأمل أو هو العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة، كأخذ العامي بقول مجتهد في مسألة من المسائل.

والمقلد منهي عن إتباع الهوى، بدليل قوله تعالى: {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى} وقوله: {…وَمَنْ أَضَلّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(القصص50). لذلك فلا يجوز للمقلّد أن يقلّد بدون ترجيح مشروع يبرئ ذمته أمام ربّ العالمين سبحانه وتعالى. فإن قيل: وكيف يرجّح المقلد العامي وهو لا يمتلك أدوات الترجيح؟ قلنا: تختلف المرجحات باختلاف أحوال المقلدين، من ذلك أن يأخذ المقلد الحكم ممن يثق في علمه وعدالته، فلا يأخذه ممن لا يثق في علمه أو عدالته. ومن ذلك أيضا أن يعرف الحكم الشرعي من خلال ملازمة الدروس العلمية في الفقه والحديث وغير ذلك، فيأخذ الحكم بناء على إطلاعه على الدليل، ويقلّد الحكم الذي يطلع على دليله إذا تعارض مع حكم لم يطّلع على دليله؛ لأنّ الحكم المقترن بالدليل أرجح وأولى من الحكم غير المقترن بالدليل. ومثال ذلك من أخذ أحكام الصلاة عن أبيه المالكي دون دليل، جاز له أن يترك هذه الأحكام ويعمل بغيرها إذا أخذها عن شافعي مثلا مقترنة بالدليل.

مسألة سادسة:

لم يأمرنا الله عزّ وجلّ بإتباع مجتهد أو مذهب، وإنما أمرنا سبحانه بإتباع الحكم الشرعي. قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)} (الحشر). لذلك وإن جاز تقليد الغير كمجتهد أو مذهب ما في حكم ما، إلا أنه لا بدّ من أن يفهم أن الإتباع ليس للمذهب أو المجتهد إنما هو للحكم الشرعي الذي استنبطه علماء المذهب أو المجتهد. فالإتباع إذن هو لما استنبطه المجتهد وليس لشخص المجتهد، ومن فهم أن الإتباع لشخص المجتهد أو لمذهب بعينه فقد ضلّ سواء السبيل؛ إذ الحكم لله لا لسواه.**

ب - عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال {صنعتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً ، فأتاني هو وأصحابُه ، فلما وُضع الطعام قال رجل من القوم : إني صائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعاكم أخوكم وتكلَّف لكم ، ثم قال له: أَفطرْ ، وصُم مكانه يوماً إن شئت} رواه البيهقي ( 4/279 ) والطبراني في المعجم الأوسط والدارَقُطني وأبو داود الطيالسي بسند حسَّنه ابن حجر .

ج - قال سبحانه وتعالى {يا أيها الذين آمنوا أَطيعوا اللهَ وأَطيعوا الرَّسولَ ولا تُبْطِلوا أَعمالَكم} الآية 33 من سورة محمد.

أما القائلون باستحباب القضاء وعدم وجوبه فقد استدلوا بما يلي:

أ - عن أم هانئ رضي الله عنها { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب شراباً ، فناولها لتشرب ، فقالت : إني صائمة ، ولكن كرهتُ أن أَرُدَّ سُؤْرَكَ ، فقال، يعني إن كان قضاءً من رمضان فاقضي يوماً مكانه ، وإن كان تطوُّعاً فإن شئتِ فاقضي ، وإن شئتِ فلا تقضي} رواه أحمد ( 27449 ) والدارمي والنَّسائي والترمذي والبيهقي والدارَقُطني. قال الترمذي [حديث أم هانئ في إسناده مقال] وفي رواية ثانية للترمذي ( 728 ) بلفظ { … فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصائمُ المتطوِّع أمينُ نفسه ، إن شاء صام وإن شاء أفطر} .

ب - حديث أبي سعيد الوارد في بند ب من أدلة القائلين بوجوب القضاء وفيه ( أَفْطِر وصُمْ مكانه يوماً إن شئت ) .

بالنظر في هذه النصوص نجد ما يلي: إن حديث عائشة الذي رواه الإمامُ أحمد وغيره وفيه ( اقضيا يوماً آخر ) ضعَّفه البخاري والنَّسائي وأحمد وضعَّفه الخلاَّل وقال: توارَد الحُفَّاظُ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا. وقال الترمذي [… رُوي عن ابن جُرَيج قال : سألتُ الزُّهري فقلت : أَحدَّثك عروةُ عن عائشة ؟ قال : لم أسمع من عروة شيئاً ، ولكن سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناسٍ عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث ] فالحديث منقطعٌ فلا يصلح للاحتجاج فيترك . وأما حديث أم هانئ الذي رواه أحمد وغيره وفيه ( وإن كان تطوعاً فإن شئتِ فاقضي، وإن شئتِ فلا تقضي ) فضعيفٌ هو الآخر ولا يصلح للاحتجاج ، وذلك أنَّ فيه سِماكَ بن حرب، وهو ضعيف عنه المحدِّثين، إِضافةً إلى أن فيه مجهولاً هو الراوي عن أم هانئ ، فمرة يقال هرون بن ابن أم هانئ ، ومرة يقال هرون بن بنت أم هانئ ، وهرون مجهول. قال يحيى بن القطان : لا يُعرَف. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: مجهول. فيُطرح هذا الحديث . وأما الآية الكريمة {… ولا تُبْطِلوا أَعمالَكم } فهي عامة لم تَرِد في موضوع الصوم، والعام يُعمل به ما لم يرد ما يخصِّصه فيُحْمَل العام على الخاص، وفي مسألتنا هذه جاء الإذن للصائم المتطوع أن يفطركما ورد في حديث أبي سعيد، بل وفي العديد من الأحاديث الصحيحة، وهي خاصة بالصوم فيُعمل بها وتُحمَل الآيةُ عليها. ولست في حاجة لإِيراد هذه الأحاديث كلها وحسبي أن أذكر حديثاً صحيحاً واحداً، هو ما رُوي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت {دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فقال : هل عندكم شيءٌ ؟ فقلنا : لا ، قال : فإني إذن صائم ، ثم أتانا يوماً آخر فقلنا : يا رسول الله أُهديَ لنا حَيْسٌ، فقال أرينيه فلقد أصبحت صائماً فأكل} رواه مسلم ( 2715 ) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة. والحَيْس هو طعام من سمن ولبن جامد وتمر.

وإذن فإن جواز قطع صيام التطوع جاءت أحادث كثيرة به، وجاءت به دون إيراد أي عذر… أما قضاء ما قُطع من صوم التطوع فهو غير واجب ولا يوجد نصٌّ صحيح أو حسن يأمر به على سبيل الإِلزام، فيبقى حكمه حكم صيام التطوُّع ابتداءً، دون أي فارق بينهما…" (عن الجامع لأحكام الصيام لمحمود عويضة، ص112-115 بتصرف).

وقد وضّح هذا المثال الفرق بين معرفة المتبع للدليل ومعرفة المجتهد للدليل؛ فمعرفة المتبع لا تعني أكثر من سماعه للدليل وحفظه له، بخلاف المجتهد الذي لديه القدرة على محاكمة الأدلة والنظر فيها والترجيح بينها بناء على ما توفّر لديه من معلومات شرعية ولغوية تمكنّه من استنباط الرأي بنفسه.
والحاصل:
ينقسم الناس في معرفة الحكم الشرعي إلى قسمين: مجتهد ومقلّد؛ لأن الواقع أنّ الشخص إما أن يتوصل إلى الحكم باجتهاده أو يتوصل إليه باجتهاد غيره أي يقلّده فيه. والتقليد يصدق على العامي كما يصدق على المتبع؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى سمى التقليد إتباعا. قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ} وقال: {وَإِذَا قِيل لَهم اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كان آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}.

فالشخص الذي يتبع رأي الآخر دون أن يحاكم الدليل الذي اعتمده يصدق عليه وصف المقلد وإن عرف الدليل؛ لأنه لم يستنبط الحكم بنفسه وإنما أخذ الحكم الذي استنبطه غيره. وعليه، فإن أخذ الحكم مع معرفة الدليل لا يعني الاجتهاد.

بقي أن نقول: إن حال المقلّد المتبع أفضل من حال المقلّد العامي، ومن لم يقدر على الاجتهاد فعليه على الأقل أن يبذل الجهد في إتباع الرأي المقرون بالدليل من خلال ملازمة دروس الفقه والحديث ونحوها حتى يحصّل ملكة الترجيح بين الأدلة.

**الفرق بين التقليد والإتباع:

ذهب بعض العلماء إلى التفريق بين التقليد والإتباع، ومنهم ابن خويز منداد المالكي القائل: “التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه وذلك ممنوع منه في الشريعة، والإتباع ما ثبت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل إتباع قوله فأنت متبعه، والإتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع” (عن جامع بيان العلم لابن عبد البر، ج2 ص117).

وقد قال هؤلاء العلماء الذين جوّزوا الإتباع ومنعوا التقليد: “إنّ الناس حولنا فيهم المجتهد نادرا، والمقلد كثيرا، ونلاحظ وجود قسم آخر وسط بين النوعين السابقين وهذا ما نسميه الإتباع، ونسمي أصحابه متبعين. وهؤلاء طائفة ليس عندهم القدرة على الاستقلال في البحث وفهم الأدلة واستنباط الأحكام منها، ولكنهم في نفس الوقت يفهمون الحجة ويعرفون الدليل، فتسميتهم مقلدين ظلم لمعرفتهم بالدليل، وليسوا مجتهدين لعدم استقلالهم بالنظر” (عن التقليد وأحكامه لسعد الشثري، ص32).

معنى معرفة الدليل:

قال الجلال المحلي: “وأخذ القول مع معرفة دليله فهو اجتهاد وافق اجتهاد القائل؛ لأن معرفة الدليل إنما تكون للمجتهد لتوقفها على معرفة سلامته عن المعارض بناء على وجوب البحث عنه وهي متوقفة على استقراء الأدلة كلها، ولا يقدر على ذلك إلا المجتهد” (حاشية البناني على شرح الجلال على السبكي، ج2 ص393).

وعليه، فإن معرفة الدليل عند بعض العلماء تعني الاجتهاد؛ لأنّها لا تكون إلا للمجتهد. ومن هنا وجب التفريق بين نوعي المعرفة المذكورة للمجتهد ولغير المجتهد وهو الذي أطلق عليه بعضهم اسم المتبع، فنقول:

معرفة المتبع للدليل تعني أخذه للحكم الشرعي مع دليله من عالم دون أن يعرف أدلة المخالف للمسألة ووجه الخلاف. كأنّ يسأل عن قضاء صوم التطوّع، فيقال له: هو واجب بدليل حديث عائشة رضي الله عنها قالت: “كنت أنا وحفصة صائمتين، فعُرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فبدرتني إليه حفصة، وكانت ابنةَ أبيها، قالت: يا رسول الله إنا كنا صائمتين اليوم، فعُرض لنا طعامٌ اشتهيناه فأكلنا منه، فقال: اقضيا يوماً آخر” رواه أحمد.

وأما معرفة المجتهد للدليل فتعني بذل وسعه للإلمام بأدلة المسألة كلها، والنظر فيها لاستنباط الحكم. كأن يقول في مسألة قضاء صوم التطوّع:

"ذهب أبو حنيفة إلى أن الصائم تطوُّعاً يلزمه إِتمام صومه وعدم قطعه إلا لعذر، فإن قَطَع صيامَه لعذر لزمه القضاء ولا إثم عليه، وإن قطعه لغير عذر لزمه أيضاً القضاء وعليه الإثم. وقد حكى الترمذي عن ناسٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا وجوب القضاء إذا أفطر، وهو قول مالك بن أنس. ورُويت عن مالك روايةٌ أخرى: أن لا قضاء عليه إذا كان الإفطار لعذر. وذهب سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهُويه والجمهور إلى جواز الإفطار، لا سيما إذا كان قد دُعي إلى طعام، وإلى استحباب القضاء، وقد رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن زيد رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين .

وقد استدل القائلون بوجوب القضاء بما يلي:

أ - عن عائشة رضي الله عنها قالت {كنت أنا وحفصة صائمتين ، فعُرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فبدرتني إليه حفصة ، وكانت ابنةَ أبيها ، قالت : يا رسول الله إنا كنا صائمتين اليوم ، فعُرض لنا طعامٌ اشتهيناه فأكلنا منه ، فقال : اقضيا يوماً آخر} رواه أحمد ( 26797 ) وأبو داود والنَّسائي والترمذي ومالك والطحاوي . ورواه ابن حِبَّان ( 3517 ) بلفظ {… أصبحتُ أنا وحفصة صائمتين متطوِّعتين ، فأُهدي لنا طعامٌ فأفطرنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صوما مكانه يوماً آخر} وفي رواية ثانية لأحمد ( 25607 ) بلفظ { … فقال : أَبدلا يوماً مكانه}.**

**معنى: لا اجتهاد مع النّص

تبيّن معنا أن كلمة النص تأتي بمعنى الدليل على الحكم كالآية والحديث، وتأتي أيضا بمعنى الدلالة على الحكم فتكون بمعنى اللفظ الواضح الصريح في الحكم. كما تبيّن معنا اختلاف العلماء في قطعية النّص؛ بمعنى هل يدلّ على معنى واحد ولا يحتمل غيره أم يحتمل غيره احتمالا مرجوحا.

والحقيقة، أنّ المراد هنا بالنّص الذي لا مساغ للاجتهاد مع وجوده هو النّص القطعي الدلالة. قال الشيخ أحمد الزرقا: “لا مساغ للاجتهاد في مورد النص؛ لأن الحكم الشرعي حاصل بالنص، فلا حاجة لبذل الوسع في تحصيله. ولأن الاجتهاد ظني والحكم الحاصل به حاصل بظني، بخلاف الحاصل بالنص فإنه يقيني، ولا يترك اليقيني للظني”.(10)

فالدلالة الظنية لا تفيد الحكم قطعا، فتحتمل الاجتهاد ولو نظريا، أما الدلالة القطعية فتفيد الحكم إفادة لا احتمال فيها فترفع النزاع وتمنع الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد لا يقع في القطعيات. قال الاسنوي: “والمجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي”.(11) وقال ابن النجار: “وينقض الحكم وجوبا بمخالفة نص الكتاب أي كتاب الله سبحانه وتعالى أو نص سنة ولو كانت السنة آحادا خلافا لقول القاضي أو مخالفة لإجماع قطعي لا ظني في الأصح…”.(12) وعليه، فلا اعتبار بحكم يخالف نصا قطعيا. عن الثوري قال: " إذا قضى القاضي بخلاف كتاب الله، أو سنة نبي الله، أو شيء مجتمع عليه، فإن القاضي بعده يرده، فإن كان شيئا برأي الناس، لم يرده، ويحمل ذلك ما تحمل" (مصنف عبد الرزاق).

واعلم، أن هذه القاعدة مهمة لأنها تحفظ الثوابت الإسلامية، وتحفظ القواعد التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي؛ فإذا فتحت الأمة باب الاجتهاد في كل شيء أي في القطعي والظني، فإنها تفتح باب تمييع الدين وتبديله وتحريفه، فلا يبقى لها من ثابت تتميّز به وتجتمع عليه. ولهذا نرى دعاة العلمانية، مع علمانيتهم وعدم إيمانهم بالدين كنظام حياة، يرفعون لواء الاجتهاد المطلق الذي لا يلتزم بنص ولا يقرّ بقطعي، وما ذلك إلا لتقويض دعائم هذا الدين وتمييع أحكامه لتوافق هواهم وغايتهم التي هي إبعاد الدين عن الحياة.

قال تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} (البقرة59).


(1) عن “شرح التنقيح”، للقرافي، ص36

(2) عن “إيضاح المحصول من برهان الأصول”، للمازري، ص305

(3) عن “شرح الورقات”، لابن الفركاح الشافعي، ص204

(4) عن “شرح التنقيح”، ص37-37

(5) عن “إيضاح المحصول من برهان الأصول”، ص305-306

(6) عن “شرح التنقيح”، ص36

(7) عن “العدة”، لأبي يعلى الفراء، ج1 ص138

(8) عن “شرح الورقات”، لابن الفركاح الشافعي، ص204

(9) عن الواضح في أصول الفقه"، لمحمد حسين عبد الله، ص282

(10) عن “شرح القواعد الفقهية”، لأحمد الزرقا، ص147

(11) عن “نهاية السول في شرح منهاج الأصول”، ج4 ص529

(12) عن “شرح الكوكب المنير”، ج4 ص505**

**بسم الله الرّحمن الرّحيم

ستّ مسائل متعلقة بالاجتهاد والتقليد

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

مسألة أولى:

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60)} (البقرة).

وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65)} (النساء).

وقال: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)} (الحشر).

وهذا يدل على حرمة الاحتكام إلى الطاغوت وهو ما عبد من دون الله تعالى، أو إلى القوانين الوضعية أو العادات أو الأعراف أو الهوى أو المصلحة العقلية أو غير ذلك؛ لأنّ الله سبحانه عين الجهة التي يجب أن يحكمها المسلم في سلوكه، وهي ما أتى به الرّسول صلى الله عليه وسلم، واعتبر التحكيم لغيره تحكيما الى الطاغوت.

لذا، فعلى المسلم أن يردّ كلّ أعماله وأقواله وتصرفاته إلى الله سبحانه وتعالى والرسول صلى الله عليه وسلم، أي يجب على المسلم أن يلتزم بالحكم الشرعي في جميع الأفعال والأقوال والأحوال.

مسألة ثانية:

قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النحل43).

وهذا يدل على أنّ الجهل بالشيء يقتضي السؤال عنه والعودة إلى أهل العلم لمعرفته. فإن تعلق الأمر بالشرعيات وجب عند الجهل العودة إلى أهل العلم الشرعي للسؤال عنه، وإن تعلق بغير الشرعيات وجب عند الجهل العودة إلى أهل العلم حسب الاختصاص للسؤال عنه، ومن ذلك فإن المريض يسأل الطبيب، ومن الخطأ أن يسأل غير الطبيب عن علته ودائه، ومن الخطأ أيضا أن يصف غير الطبيب دواء علة لمريض وهو لا يعلم الطب. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: “ومن تطبّب ولا يعلم منه طبٌّ فهو ضامنٌ” (رواه أبو داود)، وفي رواية عند ابن ماجه: “من تطبّب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن”.

بناء عليه فإن الفيصل فيما يتعلّق بالشرعيات إن جهلت العودة إلى أهل العلم الشرعي للسؤال عنها.

مسألة ثالثة:

عرّف الاجتهاد بأنه “استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه” (نقلا عن مختصر حصول المأمول من علم الأصول لصديق حسن خان ص115). والاجتهاد فرض كفاية، وبابه مفتوح لا يملك غلقه القفال الشاشي أو غيره من العلماء. إلا أنّ الاجتهاد مشروط بتحصيل أدواته وهي بصفة عامة: العلوم الشرعية واللغوية. فمن ملك أدوات الاجتهاد جاز له الاجتهاد ودخل ضمن قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر” (رواه البخاري عن عمرو بن العاص). وأما من لم يملك أدوات الاجتهاد فيحرم عليه الاجتهاد، ولا يجوز تقليده أو أخذ قوله، وسواء أصاب أم أخطأ فقد أثم؛ لأنه قال في دين الله بغير علم. وعن ابن عباس قال: “أصاب رجلاً جرحٌ في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثم احتلم، فأُمر بالاغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوه قتلهم اللّه، ألم يكن شفاء العيِّ السُّؤال؟” ( رواه أبو داود)، فقد ذمّ النبي صلى الله عليه وسلم فعل هؤلاء ودعا عليهم لأنهم أفتوا بغير علم.**

**معرفة الدليل لا تعني الاجتهاد

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

يظنّ بعض الناس أنّ أخذهم للحكم مع دليله اجتهاد منهم في المسألة، والصحيح أنّ معرفة دليل الحكم الشرعي لا تعني الاجتهاد. وللوقوف على هذا نحتاج إلى بيان بعض المسائل:

معنى التقليد والاجتهاد:

أمّا الاجتهاد فهو: استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من نفسه العجز عن المزيد فيه.

وعرّفه ابن الحاجب بقوله: “استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي” (رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ج4 ص528) وقال السبكي: “ومعنى استفراغ الوسع بذل تمام الطاقة بحيث تحس النفس بالعجز عن المزيد” (رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ج4 ص529).

وقال الزركشي: “هو لغة: افتعال من الجهد، وهو المشقة، وهو الطاقة. ويلزم من ذلك أن يختص هذا الاسم بما فيه مشقة، لتخرج عنه الأمور الضرورية التي تدرك ضرورة من الشرع، إذ لا مشقة في تحصيلها، ولا شك أن ذلك من الأحكام الشرعية. وفي الاصطلاح: بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط، فقولنا: “بذل” أي بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب حتى لا يقع لوم في التقصير… وإنما قلنا “بطريق الاستنباط” ليخرج بذلك بذل الوسع في نيل الاحكام من النصوص ظاهرا أو بحفظ المسائل واستعلامها من المعنى أو بالكشف عنها من الكتب، فإنه وإن سمي اجتهادا فهو لغة لا اصطلاحا” (البحر المحيط في أصول الفقه، ج6 ص197).

وأمّا التقليد فهو: “العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة. وهو مأخوذ من تقليده بالقلادة وجعلها في عنقه” (كما قال الآمدي، في الإحكام، ج4 ص445).

وقال ابن الحاجب: “فالتقليد: العمل بقول غيرك من غير حجة” (رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ج4 ص581).

وقال إمام الحرمين: " اختلف الأئمة في حقيقة التقليد وماهيته، فقال قائلون: التقليد هو قبول قول الغير من غير حجة… وقال قائلون: التقليد قبول قول الغير وأنت لا تدري من أين يقوله…" (البرهان، ج2 ص1357).

وقال السبكي: “التقليد أخذ القول من غير معرفة دليله” (حاشية البناني على شرح الجلال على السبكي، ج2 ص392).

وقال محمد أمين المرابط: “والتقليد (هو التزام) الأخذ ب(مذهب الغير بلا علم) أي: من غير معرفة (دليله) الخاص وهو (الذي تأصّلا) أي: صار أصلا ومستندا لمذهب ذلك الغير سواء عمل بمذهب الغير أو لم يعمل به لفسق أو غيره وسواء كان المذهب فعلا أو قولا أو تقريرا” (مراقي السعود إلى مراقي السعود، ص450).

صفة المجتهد والمقلد:

قال أبو الوليد الباجي: “صفة المجتهد أن يكون عارفا بموضع الأدلة، ومواضعها من جهة العقل، ويكون عارفا بطريق الإيجاب وبطريق المواضعة في اللغة والشرع. ويكون عالما بأصول الديانات، وأصول الفقه، عالما بأحكام الخطاب من العموم والأوامر والنواهي والمفسر والمجمل والنص والنسخ وحقيقة الإجماع، عالما بأحكام الكتاب والسنة والآثار والأخبار وطرقها والتمييز بين صحيحها وسقيمها، عالما بأقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وبما أجمعوا عليه وما اختلفوا عليه، عالما من النحو والعربية ما يفهم به معاني كلام العرب. ويكون مع ذلك مأمونا في دينه موثوقا به في فضله. فإذا كملت هذه الخصال كان من أهل الاجتهاد، وجاز له أن يفتي، وجاز للعامي تقليده فيما يفتيه فيه” (الإشارة في معرفة الأصول، ص 327-328).

وأما المقلّد فهو كل من لم يحصّل صفة المجتهد.**

**قاعدة لا اجتهاد مع النّص

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

جاء في القاموس المحيط للفيروزآبادي: “نصّ الحديث إليه: رفعه، وناقته: استخرج أقصى ما عندها من السير، والشيء: حرّكه… والمتاع: جعل بعضه فوق بعض، وفلانا: استقصى مسألته عن الشيء، والعروس: أقعدها على المنصة بالكسر، وهي ما ترفع عليه فانتصت، والشيء: أظهره…”.

وقيل النّص: “أصله في اللغة وصول الشيء إلى غايته”.(1) و"يقال نص في السير إذا ظهر فيه، ومنه ما جاء في الحديث أنه عليه السلام (كان يسير العنق، فإذا وجد فرجة نص)، ومعنى نص: ظهر في السير، ومنه سمي كرسي العروس منصة، لأنها تجلى عليه لتظهر على أعين النساء أو الزوج، وقال امرؤ القيس:

وجيد كجيد الريم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل

وقال غيلان:

إذا أودعته صفصفا أو صريمة تخت ونصت جيدها للمناظر

يصف الظبية إذا تركت ولدها بمكان، وتشوفت ومدت عنقها تنظر هل من صائد تخافه عليه إذا أسلمته".(2)

وأما اصطلاحا:

  1. فالمعنى الأوّل له هو: “ما دلّ على الحكم من كتاب أو سنة، كانت دلالته نصا كان أو ظاهرا أو مؤوّلا”.(3) أو “ما دل على معنى كيف ما كان وهو غالب استعمال الفقهاء… يقولون: نص مالك على كذا أو لنا في المسألة النص والمعنى، ويقولون: نصوص الشريعة متضافرة بذلك”.(4)

وعليه، فالنص هنا بمعنى الدليل أو مصدر الحكم، فإذا أخذنا بعين الاعتبار هذا المعنى، جاز لنا أن نقول: “لا اجتهاد إلا مع النص”، بمعنى أن بذل الوسع لاستنباط الحكم الشرعي يكون من المصدر الشرعي أو الدليل الشرعي من كتاب وسنة وإجماع وقياس.

  1. والمعنى الثاني: “وهو عند الأصوليين: اللفظ الكاشف للمعنى بنفسه، وبعضهم يذكر هذا المعنى بطريقة أخرى في العبارة فيقول: ما يفهم المراد منه على وجه لا احتمال فيه… وقد حدّه بعضهم بأنه: اللفظ الدال على الحكم بصريحه على وجه لا احتمال فيه، ولعل هذا ذكر الصريح احترازا من الاعتراض بفحوى الخطاب”.(5) و"قيل ما دل على معنى قطعا ولا يحتمل غيره قطعا كأسماء الأعداد، وقيل: ما دل على معنى قطعا وإن احتمل غيره كصيغ الجموع في العموم فإنها تدل على أقل الجمع قطعا وتحتمل الاستغراق".(6) "وقيل: كل لفظ لا يحتمل إلا معنى واحدا. وقيل: ما استوى ظاهره وباطنه. وقيل: ما عري لفظه عن الشركة وخلص معناه من الشبهة… والصحيح أن يقال: النص ما كان صريحا في حكم من الأحكام، وإن كان اللفظ محتملا في غيره. وليس من شرطه أن لا يحتمل إلا معنى واحدا؛ لأن هذا يعزّ وجوده… ".(7) وقيل: “نص كل شيء منتهاه، فإذا ظهرت دلالة اللفظ على المعنى بحيث لا يتطرق إليه احتمال، كان ذلك منتهى الدلالة وغايتها، فسمي نصا”.(8) وقيل: “النص هو اللفظ الذي يدل على معناه المقصود أصالة من سوقه مع احتمال التأويل، فالنص هو ما زاد وضوحا عن الظاهر”.(9)

2**

**ألإجتهاد والتقليد

.**