**مسألة رابعة:
قال الشيرازي (في اللمع في أصول الفقه ص259 ): “فأما ما لا يسوغ فيه الاجتهاد فعلى ضربين: أحدهما، ما علم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة كالصلوات الخمس المفروضة والزكوات الواجبة وتحريم الزنى واللواط وشرب الخمر وغير ذلك، فمن خالف في شيء من ذلك بعد العلم به، فهو كافر؛ لأن ذلك معلوم من دين الله عزّ وجلّ ضرورة، فمن خالف فيه فقد كذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في خبرهما فحكم بكفره. والثاني، ما لم يعلم من دين الله عزّ وجلّ ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم ضرورة، كالأحكام التي بيّنت بإجماع الصحابة وفقهاء الأعصار، ولكنها لم تعلم من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورة، فالحق من ذلك في واحد، وهو ما أجمع الناس عليه، فمن خالف في شيء من ذلك بعد العلم به فهو فاسق”.
وقال الغزالي (في المستصفى من علم الأصول ص354 مع فواتح الرحموت): “والمجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، واحترزنا بالشرعي عن العقليات ومسائل الكلام فإن الحق فيها واحد والمصيب واحد والمخطئ آثم، وإنما نعني بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطئ فيه آثما، ووجوب الصلوات الخمس والزكوات وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع فيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف فليس ذلك محل الاجتهاد”.
مسألة خامسة:
التقليد هو إتباع الغير دون تأمل أو هو العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة، كأخذ العامي بقول مجتهد في مسألة من المسائل.
والمقلد منهي عن إتباع الهوى، بدليل قوله تعالى: {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى} وقوله: {…وَمَنْ أَضَلّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(القصص50). لذلك فلا يجوز للمقلّد أن يقلّد بدون ترجيح مشروع يبرئ ذمته أمام ربّ العالمين سبحانه وتعالى. فإن قيل: وكيف يرجّح المقلد العامي وهو لا يمتلك أدوات الترجيح؟ قلنا: تختلف المرجحات باختلاف أحوال المقلدين، من ذلك أن يأخذ المقلد الحكم ممن يثق في علمه وعدالته، فلا يأخذه ممن لا يثق في علمه أو عدالته. ومن ذلك أيضا أن يعرف الحكم الشرعي من خلال ملازمة الدروس العلمية في الفقه والحديث وغير ذلك، فيأخذ الحكم بناء على إطلاعه على الدليل، ويقلّد الحكم الذي يطلع على دليله إذا تعارض مع حكم لم يطّلع على دليله؛ لأنّ الحكم المقترن بالدليل أرجح وأولى من الحكم غير المقترن بالدليل. ومثال ذلك من أخذ أحكام الصلاة عن أبيه المالكي دون دليل، جاز له أن يترك هذه الأحكام ويعمل بغيرها إذا أخذها عن شافعي مثلا مقترنة بالدليل.
مسألة سادسة:
لم يأمرنا الله عزّ وجلّ بإتباع مجتهد أو مذهب، وإنما أمرنا سبحانه بإتباع الحكم الشرعي. قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)} (الحشر). لذلك وإن جاز تقليد الغير كمجتهد أو مذهب ما في حكم ما، إلا أنه لا بدّ من أن يفهم أن الإتباع ليس للمذهب أو المجتهد إنما هو للحكم الشرعي الذي استنبطه علماء المذهب أو المجتهد. فالإتباع إذن هو لما استنبطه المجتهد وليس لشخص المجتهد، ومن فهم أن الإتباع لشخص المجتهد أو لمذهب بعينه فقد ضلّ سواء السبيل؛ إذ الحكم لله لا لسواه.**