مباديء لا قوميات - سبق الإسلام
والعالم في شرقه وغربه متفق اليوم - بعد التجربة التي خابت فيها الوطنيات والقوميات، أو انقضى عصرها - على ضرورة توحيد العالم في مبدأ واحد. وهذا الأمر وصل إليه الإسلام قبل نحو أربعة عشر قرناً ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ) ولكنّ قوتي الشّرق والغرب تريد كلّ منهما أن يسود مبدؤها العالم. كلّ هذا والعالم الإسلامي ومنه العربي لا يكاد يعرف مكانه ولا يعي على وجوده، حتى هزته المصائب هزاً عنيفاً، فبدأ يصحو من سباته، ويتحسس وجوده.
الثلّة الواعية
وأخذت الثلة الواعية تبحث في الأسباب والنتائج لهذه الهزات، وتبحث في الوسائل التي تنفذ منها. وقد شمل البحث ماضي الأمّة وحاضرها ومستقبلها، وتاريخ النهضات والمقارنات والمفاضلات.
الفئة المختارة
وبينا أخذت كلّ جماعة من هذه الثلة المختارة تخوض في حديث، وتميل إلى رأي، وتسير في درب، برزت فئة مختارة من هذه الثلة الواعية، إهتدت إلى مبدأها واختارته بعد الدراسة العميقة والبحث المستقصي. وهذا المبدأ هو الاسلام في فكرته وطريقته. وإنّما اختارته لعدة أمور منها أمور عامة، ومها أمور خاصة.
أمّا الأمور العامّة فهي:
1- الإسلام من عند الله ، والمبادئ الأخرى من عند الناس، والله خالق الكون وأعلم بما يصلحه ويفسده. والناس مهما علت مداركهم قاصرون عن اختراق حجب الغيب ، ولذلك لا يصلون إلى ما يصلح أمور الناس.
2- إنّ المبدأين القائمين : الرأسمالية، والإشتراكية التي هي تدرج للشيوعية في رأيهم، مبدءآن تقوم فلسفتهما على المادة وحدها أو على اعتبار المادة مفصولة عن الروح. والكون - انساناً وغير انسان - وإن كان مادة ، إلا أنّه يجب أن يراعى فيه أنّه مخلوق للله تعالى، ففيه ناحية روحيّة. ولولا هذه الناحية لما كان موجوداً، ولذلك كان المبدأ الصحيح هو الذي يكون نهجاً من الحياة لا يختلف عنها.
والاسلام بنى فلسفته على مزج المادة بالروح، ولذلك كان هو الذي يوافق نهج الحياة.
3- لقد جُرّب الإسلام وطبق فكان عالمه مثالياً. وما دخل الاسلام في بلد إلا أقبل أهله على اعتناقه فصهر عقائد شعوب مختلفة ومذاهبها وتقاليدها ومشاعرها، من عرب وعجم وبربر: - صهرها في بوتقته، وأخرجها كلّها في وقت قصير أمّة واحدة ذات مشاعر واحدة وتقاليد ولغة واحدة، لأنها تجمعها عقيدة واحدة ينبثق عنها نظامها. ولما تُرك الإسلام ذل أهله. وجرب غيرالإسلام فلم يأدِ إلى شئ من سعادة العالم. وما دخل غير الإسلام بلداً إلا أورثها القلاقل ولم ينسجم مع أهلها، وكان حرباً عليهم، وكانوا حرباً عليه. وكفاح الاستعمار له تاريخ طويل لا يخفى على أحد.
وأمّا الأمور الخاصة فهي:
1- لا يمكن لأمّة أن تتخلى عمّا عندها من تراث إلا لإذا كان يؤخرها عن ركب المدنية. أمّا إذا كان ما عندها خيراً مما عند غيرها فمن الطبيعي أن تتمسك به دون سواه. وليس هذا وحسب، بل عليها أن تدعو له حتى حتى يكون مبدأ الانسانية كلّها، ليتفيأ العالم ظلال نظام واحد فيه الرّحمة والخير والسّعادة.
2- إنّ مبدأ الإسلام هو الذي يوافق عقيدتنا ويحفظ كياننا. وهذا فضلاً عن كون الإسلام من حيث كونه مبدءاً ونظاماً، خير من أي نظام آخر.
من هذه الأسباب التي دعت الفئة المختارة لإختيار مبدأ غلإسلام، ومن المؤكد أنه لو تصور المخالفون لنا من اتباع المذاهب الأجنبية أنّ المسلمين ومنهم العرب قادرون على أن يصبحوا دولة تمسك بذمام المبادرة،وتنتزع القيادة من المعسكرين القائمين، لمشوا في الرّكاب ولنبذوا الخلاف. ولكنّ هؤلاء لا يؤمنون بأنفسهم وإمكانتاتهم، ويؤمنون بالأجنبي ويعتمدون عليه. ولذلك يسلمون أنفسهم وأمتهم للإنتحار السياسي سلفاً. ومن المؤكد كذلك أنّ المسلمين ومنهم العرب - وهم في بقعة من أكبر بقاع الأ رض وأفضلها وأغناها - ليس بينمهم وبين أن يُكَونوا هذه الدّولة المنتظرة ، إلا أن يستأنفوا الحياة الإسلامية، ويحملوا الدّعوة الإسلامية.
الطريقة
أمّا طريقة ذلك اليوم، فهي طريقة الإسلام نفسها من قبل. وهي ايجاد كتلة تقوم على قيادة الدّعوة: تتفهم مبدأها ثمّ تتفاعل به مع الأمّة، وتكافح في سبيله، ثمّ تتولى الحكم عن طريق الأمّة فتنفذ الاسلام في جميع مناحي الحياة إنقلابياً . وبعد أن تحقق به السّعادة في مجتمعها، تحمل مشعل نوره إلى العالم.
داود حمدان**