أسس النهضة الراشدة

وهكذا تبدأ الدعوة المبدئية بمواجهة المجتمع المتخلف بدعوتها، ويبدأ الصدام بين الفكر القديم البالي، والفكر الجديد الذي تحمله الدعوة المبدئية، وبين سياسة الأنظمة التي تحكم المجتمع من جهة والمعالجات التي يطرحها حَمَلَة الدعوة من جهة أخرى. الأمر الذي يجعل الحركة المبدئية تبدو لأول الأمر غريبة عن الواقع، ويُخيّل للناس وكأنها قد أتت من عالم آخر لا يمت إلى مجتمعهم بصلة. إلا أن هذا الواقع يكون في الحقيقة من البشائر التي تُطمئِن حملة الدعوة بأنهم على الطريق السوي، لأنهم يلاقون ما لاقاه حملة الدعوة دائماً عبر التاريخ حين واجهوا الشعوب المتخلفة المنحطة.
إلا أن هذا الواقع الذي تعيشه الحركات المبدئية بادىء الأمر، لا يلبث أن يتغير ويتبدل. فالدعاة المبدئيون حين ينطلقون بدعوتهم، يعُدّون أنفسهم قد دخلوا إلى ساحة معركة فكرية يجب أن يخرجوا منها منتصرين. ساحة المعركة هي هذا المجتمع الغارق في ظلام التخلف والانحطاط، هذا الظلام الذي يستر الحقائق عن أعين الناس، فلا يُدركون زيف الباطل ولا صدق الحق، لا يستطيعون في هذا الظلام التمييز بين الصحيح والخطأ، أو بين الصالح والفاسد، أو بين الصدق والكذب. ولكن حملة الدعوة الذين يتمتعون بحدة البصر ويدركون الأمور على حقيقتها يبدأون بمصادمة الأفكار والقناعات والأنظمة البالية. فعندما يصطدم الفكر الصحيح بالفكر السقيم، والمفاهيم الراقية بالمفاهيم المنحطة، ينقدح من جراء هذا الاصطدام شرر يضيء الساحة فينكشف للناس عوار الباطل ويلمع صدق الحق { كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض }(5). وهكذا تتكرر المصادمات ويتكرر الشرر، إلى أن يوجد الوعي العام على المبدأ الذي حمله الدعاة، ويتحول هذا الوعي إلى رأي عام، ومن ثَمَّ إلى حركة إيجابية في المجتمع، فتحتضن الأمة دعوة المبدئيين وتحمل قضيتهم وتسير وراءهم وتلبي نداءاتهم وتدافع عنهم، حتى تصل معهم إلى إعادة بناء المجتمع الإسلامي واستئناف الحياة الإسلامية.
وهذا ما حصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فهو عندما بدأ بالجهر بالدعوة، ومعه الصحابة القلة، واجه مجابهة عنيفة من مجتمع مكة الجاهلي. وواجه الاستهزاء والإيذاء والحصار، ووصل الأمر إلى حد قتل بعض أتباعه. وعُدّ المسلمون جسماً غريباً عن المجتمع القائم. ولكن قوة الفكر الذي يحمله عليه الصلاة والسلام وشدة إيمانه به وصبره ومن معه على تحمل الأهوال من أجل نشره وإعلائه، كل ذلك أدى إلى إيجاد الرأي العام على الإسلام، وأصبحت الأجواء مواتية لإقامة الدولة الإسلامية في المدينة وتطبيق الإسلام عملياً.
إلا أن حَمَلَة الدعوة لن يحققوا التغيير المنشود إذا اتبعوا الطرق الملتوية أو حاولوا مسايرة الواقع الفاسد، أو جربوا تملق الناس أو داهنوا حملة أفكار الكفر والضلال. فمن المتوقع - عندما ينطلق الدعاة ليخوضوا غمرات الدعوة إلى فكرتهم ويبدأون بالتفاعل مع المجتمع - أن يتعرضوا للإغراءات التي تدعوهم إلى مسايرة الأوضاع، أو مداهنة السوقة، أو كسب رضا الناس، كما قد تثنيهم المصاعب والأهوال عن الاستقامة على الطريق المرسوم، وتدفعهم إلى البحث عن وسائل وأساليب قد تؤدي بالدعوة إلى الانكفاء والتقهقر. وقد لفت القرآن الكريم النظر إلى هذه الحقيقة حين خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضِعف الحياة وضِعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً }( 6).
فعلى الدعاة المبدئيين أن يكونوا على حذر تام من هذه الامتحانات التي يتعرضون لها، وعليهم دائماً أن يدركوا أن طبيعة الاحتكاك بين الإسلام والكفر هي التصادم الكلي، التصادم الذي يعلي الحق ويزهق الباطل { وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً }( 7)، التصادم الذي يؤدي إلى الهزيمة الشنعاء للكفر وأهله { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون }( 8). فالفرق بين الإسلام والكفر هو الفرق بين الحق والباطل، وبين النور والظلام، وبين الهدى والضلال، وبين الخير والشر، وبين الجنة والنار، فلا مجال للتلاقي، ولا مجال للمساومة، ولا مجال للمفاوضة.
فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أول يوم بدأ فيه بنشر دعوته نراه يخاطب الناس بحزم وثقة، ويواجه الكفر والكفار بقوة وجرأة وصرامة تامة، ويطرح دعوته متحدية سافرة واضحة المعالم، محددة الألفاظ والمعاني،لا تبقي أي مجال للّبس أو الشك، وليس للتردد فيها أثر ولا للخوف فيها تأثير. فبدأ القرآن ينزل مسفهاً أحلام الكفار، يعيب عليهم آلهتهم ويشين طريقة عيشهم البالية، ويستهزىء بأعرافهم وتقاليدهم. فهو حين يتناول الأصنام نراه يقول: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون }( 9)، ويقول: { أفرأيتم الّلات والعزّى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذاً قسمة ضيزى * إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان * إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى }( 10)، وحين يتناول تقليدهم الأعمى لآبائهم وتقديسهم لما ورثوه عنهم تراه يقول: { وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون }(11 )، وحين يتناول الحكام الطغاة بالذم والنقد نراه يقول: { تبت يدا أبي لهب وتبّ * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب }( 12)، ويفضح الوليد بن المغيرة ويتوعده بالعقاب حين يقول: { ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشّاء بنميم * مّناع للخير معتد أثيم * عتلّ بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * سنسمه على الخرطوم }( 13)، وحين يتناول العلاقات الفاسدة نراه يتكلم عن تطفيف الكيل مثلاً فيقول: { ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم }( 14). وحين حاول الكفار مساومة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرضوا عليه أن يعبد آلهتهم سنة على أن يعبدوا إلهه سنة، جاء الرد من الوحي حازماً { قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دينِ }( 15)، فقررت هذه الآيات المفاصلة الكاملة بين الإسلام وبين الكفر بكل أنواعه، فليس بعد الحق إلا الضلال. وحين عرضوا العروض على نبي الله عليه الصلاة والسلام من أجل أن يتخلى عن دعوته جاء الرد منه حاسماً:" والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته"( 16).

دُعاةُ ألتَغيير بَيْنَ ألمَدَنِيَّة وَالواقِعِيَّة
من المعلوم أن الدعوة المبدئية - وهي حركة سياسية - إذا نشأت في مجتمع منحط، فإن مهمتها يجب أن تكون العمل على النهوض بهذا المجتمع. وبما أن المجتمع ينحط بانحطاط العرف العام السائد فيه والأنظمة المطبقة فيه، ويرتقي برقي العرف العام والأنظمة، فإن مهمة الدعوة المبدئية تكون حينئذ العمل على تغيير المجتمع عن طريق تغيير العرف العام والأنظمة، أي عن طريق مكافحة الأفكار والقناعات والمفاهيم والمشاعر السائدة والأنظمة القائمة - وهي مخالفة للمبدأ - من أجل أن تحل محلها أفكار وقناعات ومفاهيم ومشاعر وأنظمة راقية وصحيحة.
وهذا يعني أن على الدعوة المبدئية أن تصطدم بالواقع الفاسد منذ أول يوم لأنها أتت بشيء جديد غريب عن الواقع الذي يعيشه الناس. فمن طبيعة المجتمعات أنها تتمسك بما عندها من أعراف وتقاليد وقناعات ولا تتخلى عنها بسهولة، بل يحتاج الأمر إلى سنين من العمل الدؤوب والكفاح المتواصل والصراع المرير والمصابرة الجلود من قِبَل الدعاة حتى يبدأ الناس بالتخلي عن قناعاتهم وأفكارهم وحتى تبدأ مشاعرهم تصاغ على هيئة جديدة. لذلك فإن الحركات السياسية التي تريد تغيير المجتمع والنهوض به عليها أن تتوقع منذ أول يوم مجابهة الناس لها، ووقوفهم في وجهها وخذلانها. فحملة الدعوة يتكلمون بما يخالف أمزجة الناس، ويخالفون عاداتهم وتقاليدهم، وهذا ما يعُدّه المجتمع تحدياً للعرف وخروجاً على التقاليد التي اكتسبت مع الوقت ما يشبه القداسة.
وإذا راجعنا حوادث التاريخ، وجدنا أن كل دعوة جديدة كانت تجابه بالمحاربة والتعصب والجمود على القديم، وخاصة لدى الشعوب المنحطة. وأكثر ما تتجلى هذه الحقيقة في دعوات الرسل عليهم السلام. فلقد كانوا يبعثون غالباً إلى شعوب غارقة في ظلمات الانحطاط، فيدعونهم إلى اعتناق العقائد والأديان المبنية على العقل، أي يعملون على النهوض بهم فكرياً، فيواجهون بالاستهزاء والمحاربة والإيذاء والشتم. تأمل في قوله تعالى: { يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون }( 1)، وفي قوله تعالى: { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول الا قالوا ساحر أو مجنون }( 2)، وانظر إلى هذه الآيات التي تعدد الشعوب والأقوام التي كذبت رسلها، فيقول تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدُجِر * فدعا ربه أني مغلوب فانتصِر }(3 )، ويقول عز من قائل: { كذبت ثمود بالنُذُر * فقالوا أبشراً منا واحداً نتّبعه إنّا إذاً لفي ضلال وسعر * أءلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كَذابٌ أَشِر * سيعلمون غداً مَن الكذابُ الأشِر }( 4).
من هنا نقول، إن التفاف المجتمع حول دعوة سياسية من أول يوم تقوم به لا يدل على نجاحها، بل قد يدل على أن هذه الدعوة فاشلة مخفقة. لماذا؟
لأن من طبيعة الشعوب أن تلتف حول من يمثل أفكارها وقناعاتها وغاياتها، فعندما تلتف الشعوب المنحطة حول حركة سياسية ما من أول يوم، فهذا يعني أن هذه الحركة هي من جنس هذا المجتمع، وتحمل ما يحمل من أفكار وتصورات وقناعات، أي أنها منحطة شأنها شأن المجتمع.
إذا كانت مهمة الحركات السياسية في المجتمع المنحط هي النهوض به، فمن البدهي أن يكون فكرها مغايراً للعرف العام، ومشاعرها مخالفة للمشاعر الطاغية، أي أنها تتمتع بفكر لا يتمتع به المجتمع، تستطيع به تغيير هذا المجتمع، وإلا فإن وجودها لا معنى له، بل ربما كان عدم وجودها أفضل، لأن الذي يريد أن يرتقي بالناس عليه هو أولاً أن يكون راقياً، ومن البداهة أن فاقد الشيء لا يعطيه. وهذا ما يمّيز الدعوات المبدئية التي تلتزم بالمبدأ عن الدعوات الواقعية وهي التي تساير الواقع.
فالدعوات الواقعية هي الدعوات التي تشعر بفساد الواقع القائم الذي تعيشه الأمة، وتشعر بوجوب التغيير، ولكنها تنتقل من هذا الشعور فوراً إلى العمل، دون أن يسبق هذا العمل تفكير في حقيقة المشكلة التي يعاني منها المجتمع، ودون التفكير في الفكرة التي يراد النهوض بالمجتمع على أساسها، ولا في الطريقة التي ستسلكها من أجل الوصول إلى هدف محدد، فتقوم بأعمال مرتجلة عفوية غير مدروسة، وكثيراً ما تكون غير هادفة.
فيكون عملها في حقيقة الأمر مستمداً من الواقع الفاسد الذي تعيشه، أي إنها جعلت الواقع - رغم فساده - مصدر المعالجة بدل أن يكون موضع المعالجة. مما يجعل عملها تَكيّفاً مع الواقع الفاسد وتكريساً للأسس التي يقوم عليها هذا المجتمع.
وبذلك، تكون هذه الدعوات تعبيراً عما يسود المجتمع المنحط من أفكار وقناعات ومقاييس ومشاعر. وبما أن الشعوب تنقاد لمن يعبّر عن قناعاتها ومشاعرها وتوجهاتها، فإن الناس سوف تلتف حول هذه الدعوات منذ أول يوم. وبذلك تكون هذه الدعوات رجعية تساهم في تكريس الواقع الفاسد المتخلف الذي يعيشه المجتمع، وخاصة عندما تقوم بإضفاء ثوب الشرعية والعلم والفقه على الأفكار والقناعات الفاسدة، وإلصاق الأدلة الشرعية والشواهد الفقهية بها. إلا أن هذا المجتمع إذا قُدّر له أن ينهض بتأثير دعاة مبدئيين فإنه سرعان ما يتخلى عن تلك الدعوات التي لن تعود عند ذلك تمثل قناعاته وأهدافه.
أما الدعوات المبدئية، فهي التي تحس بفساد الواقع وتخلف المجتمع، فتنتقل من هذا الإحساس إلى دراسة الواقع والتعمق فيه لمعرفة حقيقة المشكلة، لأن الذي يجهل المشكلة لا يتصور منه أن يحلها. فتدرس المجتمع دراسة عميقة بما فيه من أفكار وقناعات ومقاييس ومشاعر وأنظمة دراسة عميقة تؤدي إلى معرفة الصحيح من الفاسد العقيم، وإلى معرفة ما يفتقر إليه المجتمع من أفكار ومشاعر، وما دخله من أفكار ومشاعر غريبة فاسدة، وتؤدي إلى فهم واقع الأنظمة التي ترعى بها شؤون الناس، ثم بعد ذلك تنتقل إلى مبدئها - وهو بالنسبة لنا الإسلام - لتبحث من خلاله عن العلاج الصحيح للمشكلة، وهو يتمثل في مجموعة المفاهيم والأنظمة التي على أساسها سيتم تغيير المجتمع.
والدعوة المبدئية حين تقوم بالبحث عن العلاج الذي به تريد تغيير المجتمع، لا تتأثر بالواقع الفاسد الذي يعيشه الناس. فالمعالجة يجب أن تكون بريئة كل البراءة من كل الأوضاع الفاسدة التي تلم بالمجتمع. ففي الوقت الذي تكون فيه الحركة الواقعية ملتصقة بالواقع الفاسد تستمد تصوراتها ومعالجاتها منه ولا تملك الخروج من تأثيره، تكون الحركة المبدئية قد حلّقت فوق الأجواء والأوضاع بما فيها من ظروف وملابسات، حلّقت فوق الواقع لتدركه على حقيقته على نحو أشمل وأدقّ، ولتستشرف النهضة المنشودة والغاية المرسومة التي تريد وضع الأمة على طريقها، ثم تعود بعد ذلك إلى المجتمع لتأخذ بيده في طرق الارتقاء والنهوض.

إلا أن ذلك الدين الذي تكفل الله تعالى بحفظه لم يفقد ثلة من المؤمنين المخلصين الذين بقوا على تمسكهم بالإسلام ديناً ونظاماً للحياة، ولم ينجرفوا مع تيارات العلمانية والإلحاد. فجاء دورهم ليصبحوا رواد الساحة الفكرية والثقافية حين سقطت كل الطروحات والشعارات الوافدة إلى العالم الإسلامي من الغرب أو من الشرق. فقد تضافرت جهودهم مع الأوضاع والظروف السياسية المستجدة لتدفع الأمة الإسلامية منذ السبعينيات من هذا القرن نحو التمسك من جديد بالإسلام ديناً ونظاماً للحياة والمجتمع والدولة ولترفض كل التوجهات والأفكار والطروحات المعادية للإسلام والمخالفة له.

إذن، إن أهم عامل في تحويل الأمة من جديد باتجاه الإسلام كان وجود دعاة من المسلمين بقوا يجذفون بعكس التيار الجارف حتى تحول التيار على نحو مواتٍ لهم إلى حد بعيد. إلا أن هذا التحول على ما فيه من بشائر الخير والفرج، عاد ليحمل معه الخطر المدمر الذي حاق بالأمة منذ أن بدأت الحضارة الغربية بغزوها، ألا وهو اختلاط الإسلام بما ليس إسلاماً. فإن المسلمين حين بدأوا يتحولون نحو الإسلام بوصفه الحل والخلاص من الأوضاع المتردية التي يعانون منها، لم يتخلصوا من تأثير الحضارة الغربية وثقافتها وأنظمتها. كما أن الأوضاع والأجواء التي فرضتها الأنظمة الحاكمة عليهم منذ عشرات السنين ضربت حول أذهان المسلمين جداراً سميكاً يحول بينهم وبين رؤية النظام الإسلامي وطراز عيشه ومجتمعه رؤية حقيقية واضحة ونقية. فلم يعودوا يستطيعون تصور شكل نظام الإسلام ونمط المجتمع الإسلامي بمعزل عن الأنظمة القائمة بما فيها من مؤسسات وما أفرزته من علاقات.

ومسايرة لهذا الواقع، قامت حركات وجماعات تتبنى الإسلام بوصفه نظاماً للحياة والمجتمع والدولة، إلا أنها تطرح الإسلام على نحو لا يتعارض مع الحضارة الغربية والقانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة، ولا تطرح بديلاً كاملاً عن الأوضاع القائمة في البلاد الإسلامية وفي سائر بلاد العالم. وإنما تقترح بعض الإصلاحات والتعديلات، وتفهم الإسلام على نحو يؤهلها للتعايش مع الأوضاع السياسية المحلية والإقليمية والدولية، وعلى نحو يرضي الرأي العام الذي يرتبط شعورياً بالإسلام ويتأثر فكرياً بالحضارة الغربية.

والكافر المستعمر الذي بقيت عينه ساهرة للحيلولة دون تحرر المسلمين من سيطرته ونفوذه، أدرك في السنوات الأخيرة أن الإسلام سيبقى يفرض نفسه على المسلمين، ولن يأتي يوم يندرس فيه هذا الدين بوصفه نظاماً للحياة. فعمد من جديد إلى تغذية الأطروحات التي تعرض إسلاماً يوافق الحضارة الغربية والقانون المدني وشرعة الأمم المتحدة، ويتساير مع الزمن ويبدل ثوبه من يوم إلى يوم. ذلك أنه إذا كان لابد من وصول الإسلام إلىالسلطة، فليصل أناس يعلنون الدولة دولة إسلامية بالقول ويطبقون ما طبقه سلفهم من الحكام العلمانيين بالفعل. فراح يفسح المجال أمام تلك الأطروحات وحركاتها ومفكريها وروادها، ويضرب طوقاً حديدياً وتعتيماً إعلامياً على من يدعون إلى الإسلام دعوة مبدئية، لأنه يعلم تمام العلم أن هذه الدعوة هي التي ستقطع دابر الكفر في بلاد المسلمين حين ينصهر المجتمع بأفكارها ويسلمها القيادة.

وهكذا تحول الصراع من صراع بين الدعوة الإسلامية والدعوات العلمانية والإلحادية، إلى صراع بين الفهم المبدئي النقي للإسلام والفهم الملّوث والمشوش، بل والمضلّل للإسلام.

**_________________________

(1) سورة الجمعة - الآية (2)

(2)سورة الغاشية - الآيات (17 - 18 - 19 - 20)

(3) سورة الحجر - الآية (9)

(4) سورة القلم - الآيتان (8 - 9)

(5) سورة الإسراء- الآيات (من 73 حتى 75)

(6) راجع: النبهاني - الشخصية الإسلامية، الجزء الأول - (ص 47 حتى 50).

(7) تلبيس إبليس - ص (107).

(8) جامع بيان العلم وفضله - ج 2 - ص (95).

(9) سورة البقرة - الآية (164).

(10) راجع: النبهاني - الشخصية الإسلامية، الجزء الأول - ص (122 حتى 125).

(11) راجع في هذا الكتاب: “الروح والناحية الروحية”.

( 12) سورة هود - الآية (61).

(13 ) ول ديورانت - قصة الحضارة - ج2 - ص (418).

(14 ) سورة الأنعام - الآية (57).

(15 ) سورة الأعراف - الآية (3).**

وأثناء تلك التساؤلات التي أربكت أذهان المسلمين وشوشتها، راح الغرب يرشق سهامه الفكرية يهاجم بها الإسلام وحضارته وأحكامه ومعالجاته وأنظمته ونمط عيشه. فأدى ذلك بطبيعة الحال إلى أن تكون الحضارة الغربية في حال الهجوم، والأمة الإسلامية في حال الدفاع، ويا ليته كان دفاعاً ناجحاً ذابّاً عن حمى الإسلام.

لقد هاجم الغرب نظام الخلافة وقال إنه نظام فردي دكتاتوري، وإن البديل هو النظام الديمقراطي. وهاجم الجهاد وقال إنه طغيان ونشر للإسلام بقوة السيف وحرمان للشعوب من حق تقرير المصير. هاجم تعدد الزوجات وقال إنه ظلم للمرأة وامتهان لكرامتها. وهاجم رابطة الأخوة الإسلامية وقال إنها تعصب وتزمت وإن الرابطة الصحيحة هي القومية أو الوطنية. هاجم الحكم بأحكام الدين وقال إنه رجعية فلابد من فصل الدين عن الدولة والسياسة.

فما هو الرد الدفاعي لدى المسلمين على ذلك الهجوم وتلك الاتهامات؟

إن حالة الانسلاب التي اعترت الأمة الإسلامية جعلتها تقبل بكونها متهمة، وأنه يجب أن تدفع عن نفسها التهم، مع أن ما يهاجمه الغرب هو فضائل وليس برذائل، وهو حسن وليس قبحاً. إلا أن المسلمين لمّا كانوا قد فقدوا حيوية التفكير وألمعية الذهن نتيجة قرون مضت، وباب الاجتهاد مقفل، لم ينتبهوا إلى تلك الحقائق. فبدل أن يدافعوا عن نظام الخلافة ويقولوا إنه النظام الصحيح وأن القيادة لا يمكن إلا أن تكون فردية، وأن يقولوا إن الديمقراطية نظام كفر لأنها تجعل حق التشريع للشعب بينما هو حق لله تعالى، وأنها فكرة خادعة كاذبة، بدل ذلك قالوا إن الديمقراطية هي من الإسلام وإن الحكم في الإسلام يقوم على الشورى وهي عين الديمقراطية. وبدل أن يفتخروا بأنهم يجاهدون الدول والحكام من أجل تحطيم الحواجز التي تقف أمام حمل الإسلام رسالة إلىالعالم، بينما غيرهم من الأمم والدول تقاتل وتسفك الدماء من أجل السيطرة على البلاد واستعباد أهلها وسلب ثرواتها، بدلاً من ذلك قالوا: إن الجهاد هو حرب دفاعية فقط ولا تجوز إلا لصد العدوان عن البلاد الإسلامية.

وبدل أن يثبتوا على أحكام الإسلام ويصّروا عليها فيقولوا إن السماح بتعدد الزوجات هو النظام الصحيح لأنه من عند الله تعالى الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلح له، وأن هذا السماح هو النظام الذي يحول دون تفشي الزنا والرذيلة وبوار النساء، بدلاً من ذلك قالوا إن الإسلام قيّد تعدد الزوجات ولم يسمح به إلا في حالات خاصة، وما شاكل ذلك.

وهكذا مضى المسلمون في التوفيق بين الحضارة الغربية والإسلام، حتى خلطوا أحكام الإسلام وأفكاره بأحكام الغرب وأفكاره وأنظمته. وإذا كانت مئات السنين مضت ولم يتأثر المسلمون إلا بالقليل القليل من أفكار الحضارات والثقافات التي احتكوا بها، فإن عشرات من السنين شن خلالها الغرب حربه الحضارية والفكرية على المسلمين، كانت كافية لأن تجعل من ثقافتهم مزيجاً سمجاً ممقوتاً من أفكار الإسلام وأفكار الحضارة الغربية.

في الماضي حين كان المسلمون لا يزالون يحتقرون الغرب ومجتمعه وحضارته رفضوا أن يأخذوا منه أي شيء، حتى المنجزات والإبداعات المدنية والتكنولوجية المادية، وحين حاول بعض الولاة تحديث الأساليب والوسائل والأشكال في البلاد الإسلامية، جابههم الفقهاء حتى إن بعضهم حرم استخدام المطابع والهاتف. أما حين تفوق الغرب بشكل واضح وهدد الدولة الإسلامية وانبهر المسلمون بالغرب وتفوقه المدني والصناعي فإن الأمر قد اختلف. فقد شرّعت الأبواب أمام كل ما يرد من الغرب دون تفريق بين الحضارة والمدنية، ودون تفريق بين الثقافة والعلم. وبدأت أفكار الغرب تغزونا الفكرة تلو الفكرة. فغزتنا فكرة الديمقراطية وغزتنا فكرة الحريات العامة وفكرة القومية وفكرة الوطنية، كل ذلك مع التظاهر بالتمسك بالإسلام، فتنسب تلك الأفكار إلى الإسلام وهو منها بريء. فيقول المسلمون إن الديمقراطية من الإسلام، والإسلام صان الحريات العامة، والإسلام يحفظ للقوميات خصوصيتها وكرامتها، والإسلام عزز الحس الوطني حين أمر بالدفاع عن “الأوطان”. وهكذا أصبحت كل فكرة تأتي من الغرب وتفرض نفسها على الرأي العام تقحم في الإسلام زوراً وبهتاناً، بواسطة قواعد “فقهية” جديدة لم نسمع بها لدى الفقهاء الأوائل، مثل قاعدة “لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان” وقاعدة “حيثما تكون المصلحة فثم شرع الله”، وبواسطة الكلام عن “مرونة الشريعة وتطورها” وما شاكل ذلك.


إلا أن ذلك الحرص على التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية أخذ يتلاشى بعد زوال سلطان الإسلام وهدم الخلافة الإسلامية، وخضوع البلاد الإسلامية في القرن العشرين لحكومات تحكم بغير ما أنزل الله، وتقيم المؤسسات الإعلامية والتعليمية التي تروج للحضارة الغربية بوصفها غاية ما وصلت إليه البشرية حتى الآن من تطور وتقدم ورقي، وعلى أن نظامها هو النظام الإنساني الصالح لهذا العصر. مما أدى إلى قناعةٍ مفادها أن نظام الإسلام ومعالجاته وأحكامه لم تعد صالحة لزماننا هذا. فأعرض معظم المثقفين عن محاولات التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية، وحملوا أفكاراً تتعارض بكل وضوح وصراحة مع الإسلام، فأصبحت فكرة فصل الدين عن الدولة رأياً عاماً، وأصبح التحاكم إلى الأنظمة الوضعية أمراً طبيعياً، وأصبح الانسياق وراء سياسات المستعمر وشعاراته شيئاً لا غضاضة فيه. والرابطة القومية ثم الوطنية حلت محل رابطة الإسلام. وانتشرت شعارات مناوئة للإسلام ونظامه ووجهة نظره، مثل شعار " دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر" وشعار “الدين لله والوطن للجميع” وشعار “الإسلام أطهر من تلويثه بالسياسة”. وحين ظهر عداء الدول الغربية الرأسمالية وطمعها ببلاد المسلمين اتجه كثير من المثقفين نحو الاشتراكية وفلسفتها ونظامها، حتى وصل كثير من الأفراد إلى التشدق بالإلحاد والافتخار باعتناق الديالكتيكية المادية. فلم يعد الإسلام السياسي والحضاري محل بحث، اللهم إلا تراثاً تاريخياً، ولم يعد المثقفون يكترثون إلى مدى موافقة أفكارهم للإسلام أو مخالفتها له. فالإسلام لا شأن له في نظرهم بالحياة والمجتمع والدولة والسياسة، وإنما هو علاقة بين الإنسان وخالقه فقط، ومجاله المسجد والبيت، لا الحياة والمجتمع ولا السياسة.


ولكن التاريخ جاء فيما بعد ليثبت أن الكيان الإسلامي كان ينتظر حضارة واحدة على قدر من الرقي والنهوض، تقف بمواجهته حتى تتزعزع أركانه وينهار بنيانه. فإذا كانت الأمة الإسلامية قد تغلبت في الماضي على جميع الأمم فكرياً بسبب المبدأ العظيم الذي تحمله وتحسن فهمه وتطبيقه، وانتصرت عسكرياً بسبب قوة إيمانها وطاقتها الروحية وحبها للجهاد والشهادة في سبيل الله، فقد جاء الوقت الذي يقوم فيه كيان جديد يواجه المسلمين حضارياً وفكرياً بما يحمله من مبدأ جديد، ويواجههم عسكرياً بما يتمتع به من قوة صناعية وتكنولوجية. ألا وهو كيان الحضارة الغربية المعاصرة الذي تكاملت صورته مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي. ولسنا هنا بصدد البحث في الصراع العسكري والمادي الذي نشب بين الدولة الإسلامية والدول الغربية، فبحثنا منصبّ على الاحتكاك الفكري والثقافي بين المسلمين وسائر الثقافات والحضارات. إلا أن ذلك الصراع العسكري والمادي يكتسب أهميته في البحث لما أسفر عنه من تفوق للغرب على الدولة الإسلامية ومن ثم انتصاره عليها، الأمر الذي أصاب المسلمين بصدمة عنيفة أفقدتهم ثقتهم بأنفسهم وحضارتهم وثقافتهم وتشريعهم، فكانت تلك أعظم صدمة وأبلغ إصابة أصيبت بها الأمة الإسلامية، ولولا أن تلك الأمة تحمل رسالة الله الخالدة إلى يوم القيامة، لحقّ للباحث المراقب أن يقول إن تلك الصدمة كانت هي الإصابة القاتلة للأمة الإسلامية والحضارة الإسلامية.

لقد واجهت الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل الكثير من الأعداء من كل حدب وصوب، إلا أن العدو اللدود الذي استمر الصراع معه منذ صدر التاريخ الإسلامي وحتى يومنا هذا هو الدول الأوربية، سواء تمثل هذا العدو التاريخي بالإمبراطورية البيزنطية التي حاربها المسلمون حتى أسقطوها عام 1453م، أم بممالك أوربا الغربية الكاثوليكية التي اقتحم المسلمون ديارها عبر الأندلس، أم تمثلت بالدول الغربية الاستعمارية الحديثة التي قامت على أساس حضاري جديد هو الرأسمالية اللبرالية.

ولما لم يكن للدول الأوربية من رسالة حضارية تحملها إلى العالم خلال العصور الوسطى، وتواجه بها المسلمين على الأخص، كان سلاحها الوحيد هو الحروب الصليبية. لذلك لم تكن تشكل آنذاك ذلك الخطر العظيم، ولا سيما على أمة تقوم على حضارة عريقة راقية كالأمة الإسلامية، بل إن تلك الحروب ذاتها لم تكن لتلاقي النجاح لولا الظروف التي لاقتها في العالم الإسلامي من تفكك وتشرذم ونزاع داخلي وتسابق على الولايات والإمارات. لذلك ما أن عاد المسلمون إلى توحيد صفوفهم حتى عاد الصليبيون يجرّون أذيال الخيبة إلى بلادهم. إلا أن الطامة الكبرى كانت حين بدأ المجتمع الغربي يتشكل على أسس جديدة جعلت منه كياناً حضارياً جديداً يملك من الأفكار والمفاهيم والأنظمة ما يستطيع أن يواجه به العالم بأسره، ولاسيما الأمة الإسلامية التي كانت المارد المخيف لأوربا على مر السنين.

لم تكن الحضارة الغربية المعاصرة لتنتصر يوماً من الأيام على الحضارة الإسلامية، ولم يكن الفكر الغربي ليتفوق على المبدأ الإسلامي، ذلك أن المبدأ الإسلامي هو وحده الذي يقوم على العقيدة الصحيحة دون غيرها، ونظامه هو النظام الذي أنزله الله تعالى، فهو النظام الوحيد الصالح للإنسان. فإذا انتصر الغرب في صراعه الفكري والحضاري مع الأمة الإسلامية فإنه لم ينتصر على الإسلام، فالإسلام دين الله الذي يعلو ولا يُعلى عليه، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وإنما انتصر الغرب على المسلمين أنفسهم، الذين لم يعودوا يأخذون الإسلام بقوة وفهم ووعي كما كان شأنهم في السابق.

مع بداية القرن التاسع عشر، ومع اندلاع ثورات التحرر في الغرب، والتي كانت فاتحتها الثورة الفرنسية عام 1789م، أخذت تتبلور معالم الحضارة الغربية المعاصرة ويتكامل بنيانها الفكري وقام المجتمع الغربي على أساس أفكار وأنظمة جديدة تتمثل في الرأسمالية اللبرالية بعد أن كانت تسوده الأنظمة الإقطاعية. وبما أن تلك الحضارة تقوم - كما أسلفنا - على أساس عقيدة عقلية سياسية تنبثق عنها أنظمة للحياة والمجتمع والدولة، فقد أحدثت في الغرب تلك النهضة التي لا نراها نحن المسلمين النهضة الصحيحة، إلا أنها كانت كافية لتقف في وجه أمة تبلد تفكيرها وتحجرت أفكارها وأساءت تطبيق نظامها وعاشت على “هامش” حضارتها العظيمة، هي الأمة الإسلامية.

ها هو الغرب في القرن التاسع عشر تزدهر حضارته وتتكون مؤسساته السياسية على أساس قوي، ويستقر مجتمعه إلى حد كبير ويمضي مرتقياً نحو النهضة، ويقوى اقتصادياً وعسكرياً، ويبدع مدنياً وعمرانياً وتكنولوجياً، في وقت تتصدع فيه الدولة الإسلامية وتفقد ثغورها الواحد تلو الآخر، وتتفاقم فيها المشاكل والأزمات السياسية والاقتصادية، وتضعف عسكرياً، وتتخلف على الصعيد المدني والتكنولوجي، وتهوي بسرعة نحو الانحطاط. بعبارة مختصرة أخذت الكِفة تميل بسرعة هائلة لصالح الحضارة الغربية.

كل تلك الأوضاع، مضافاً إليها الذهول الذي أصاب الأمة الإسلامية بعدما أيقنت بتفوق عدوها عليها على هذا النحو، جعلت الأرض مفتوحة ليشن الغرب حرباً من نوع جديد على الأمة الإسلامية، يستخدم فيها سلاحاً أمضى من أسلحة الحروب الصليبية. إنها حرب حضارية سلاحها الأفكار ووجهات النظر وأنظمة الحياة، وميدانها الثقافة والمعرفة والمناظرات. ولما كان العامل المعنوي هو العامل الأهم في الحروب حتى الفكرية منها، كانت الأجواء تنذر من البداية بانتصار الغرب على المسلمين. ذلك أن المسلمين بسبب ما لمسوا من تخلفهم وتفوق عدوهم عليهم، بدأوا يفقدون الثقة بمفاهيمهم وأنظمتهم الإسلامية، ما جعل معنوياتهم ضعيفة أمام عدو يتمتع بارتفاع المعنويات ويفتخر بحضارته وأفكاره وأنظمته “العصرية الحديثة”.

وهكذا تزاحمت التساؤلات في أذهان المسلمين: لماذا نهض الغرب؟ لماذا تخلفنا؟ هل أخذ الغرب بأسباب القوة وتركناها؟ هل يمكن أن تكون مفاهيمنا غير صحيحة؟ لعلنا فهمنا الإسلام على نحو خاطىء! لعل الغرب أخذ بمحاسن إسلامنا! ألا يجوز أن نأخذ من الغرب أسباب نهضته؟ ألم يأخذ هو منا أسباب النهضة بعد أن كنا روادها؟! ألا يمكن التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية؟ ألا يجوز أن نقتبس بعض الأنظمة من الغرب؟ هل الإسلام يحرّم الانتفاع بما عند الآخرين؟…


هكذا دخلت المؤثرات الحضارية والفكرية الواحدة تلو الأخرى إلى الميدان الثقافي في الأمة الإسلامية، ما أفقد المسلمين نقاء الفكر وصفاءه ووضوحه إلى حد من الحدود.
إلا أنه بأي حال من الأحوال، لم يصل الأمر إلى أن يفقد المسلمون هويتهم، أو تتغير حضارتهم وتُسلب شخصيتهم. فكل تلك المؤثرات لم تكن في يوم من الأيام لتقوى على إيمان المسلمين بعقيدتهم وثقتهم بتشريعهم ومفاهيمهم الإسلامية. فلا زالت العقيدة الإسلامية هي القاعدة الفكرية التي يبني المسلمون عليها أفكارهم، ولا زال القرآن والسنة وما أرشدا إليه مصادر التشريع لديهم. وعلماء الكلام إنما كانوا يبذلون طاقتهم وجهدهم في دراسة المنطق بغاية تثبيت العقيدة الإسلامية، وجعلوا العقيدة الإسلامية أساساً لأبحاثهم. والفلاسفة الذين ظهروا بين المسلمين بقوا أفراداً ولم يكن لهم شأن يذكر في الرأي العام.
والصوفية على خطرها وفسادها ومجانبتها للإسلام لم تكن تقوى على مزاحمة العقائد الأساسية لدى المسلمين. وفكرة “عصمة الأئمة والوصاية بالخلافة” لم تتعد أتباع بعض المذاهب التي عرفت بالإمامية، ولم تجد قبولاً لدى الغالبية العظمى من المسلمين، فضلاً عن كونها فكرة خيالية غير قابلة للتطبيق، بل لقد خالفها أتباعها وحملتها أنفسهم حين مارسوا السياسة والحكم بمعزل عنها، سواء على يد البويهيين أو الفاطميين أو الصفويين أو غيرهم.
والأهم من ذلك كله أن أصحاب السهم الأكبر والأعظم في تشكيل الرأي العام والتوجيه الثقافي في العالم الإسلامي كانوا “الفقهاء”. وهؤلاء كانوا بكل تأكيد بعيدين عن التأثر بالثقافات والأفكار غير الإسلامية. فلقد كانت أبحاثهم تنصبّ على دراسة اللغة العربية لغة القرآن والسنة، وعلى فهم المدلولات اللغوية والشرعية للقرآن والسنة من أجل استنباط الأحكام الشرعية وضبط سلوك المسلمين بها. فحياة المسلمين وعلاقاتهم في مجتمعهم ودولتهم كانت تسيّرها مجموعة الأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة، ولم يكن لحاكم أن يفكر في استبدال أنظمة وضعية بالأنظمة الإسلامية أو أن يتجرأ على ذلك.
وأما ما حاول بعض المستشرقين وأتباعهم من المثقفين المتغربين ترويجه من أن الفقه الإسلامي قد تأثر بغيره من التشريعات، ولاسيما التشريع الروماني، فلا أساس له من الصحة، بل هو حقاً خرافة لا حظّ لها من الحقيقة.
ذلك أنه لم يرو أحد أن واحداً من المسلمين، فقهاء أو غير فقهاء، قد أشار إشارة إلى الفقه الروماني لا على سبيل النقد ولا على سبيل التأييد، ولا على سبيل الاقتباس، ولم يذكره أحد لا بالقليل ولا بالكثير، مما يدل على أنه لم يكن موضع حديث، فضلاً عن أن يكون موضع بحث. وإن بعض المسلمين ترجموا الفلسفة اليونانية، ولكن الفقه الروماني لم تترجم منه أي كلمة أو جملة فضلاً عن كتاب، مما يبعث على الجزم أنه قد ألغي وطمس من البلاد بمجرد فتحها.
ثم إن المسلمين يعتقدون أن الله خاطب في الشريعة الإسلامية جميع البشر، وحرم عليهم وضع التشريعات حين قال: { إنِ الحُكمُ إلاّ لله }(12 )، وقال سبحانه:{ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء }( 13)، ويرون أن كل من لا يؤمن بالشريعة الإسلامية كافر، فهم يعتقدون أن أي حكم غير حكم الإسلام، هو حكم كفر يحرم عليهم أخذه. فمن يعتقد هذا الاعتقاد ويعمل به لا يمكن أن يأخذ غير حكم الإسلام. ولاسيما في العصر الأول عصر الفتوحات وهو العصر الذي استقر فيه الفقه الإسلامي وازدهر وتبلور لدى مذاهب فقهية عظيمة الشأن إلى يومنا هذا كالمذهب الشافعي والحنفي والمالكي وغيرها. فالمسلمون يفتحون البلاد لإنقاذ أهلها من حكم الكفر، فكيف يأخذون حكم الكفر الذي جاؤوا ليزيلوه ويضعوا مكانه حكم الإسلام؟! فالحقيقة والواقع المحسوس أن الفقه الإسلامي أحكام مستنبطة مستندة إلى الكتاب والسنة، أو إلى ما أرشدا إليه من أدلة. وإن الحكم إذا لم يكن مستنداً إلى دليل شرعي، لا يُعَدّ من أحكام الإسلام، ولا يُعَدّ من الفقه الإسلامي.
وهكذا كان وجود المجتهدين والفقهاء وما يُجْرونه من مناظرات ومناقشات فقهية وتنافس على درك الرأي الأصوب في المسائل الفقهية، كان كل ذلك صمام الأمان للمجتمع الإسلامي، والضمان لمعالجة أي خلل يمكن أن يطرأ على المجتمع الإسلامي. ولذلك كانت الطامة الكبرى حين انزلق المسلمون في قضية إقفال باب الاجتهاد. فقد كان ذلك يعني أن الحيوية الفكرية الأساسية لدى المسلمين والتي هي سبب ارتقائهم ونهضتهم قد حكم عليها بالإعدام. وربما كان ذلك الحكم هو أكثر الأحكام جوراً وظلماً في التاريخ الإسلامي. فقد أصبح واجباً على كل المسلمين بما في ذلك العلماء والفقهاء أن لا يخرجوا عن أطر المذاهب التي استقرت قبل إقفال باب الاجتهاد.
صحيح أنه ظهر مجموعة من المجتهدين الذين لم يأبهوا لفكرة إغلاق باب الاجتهاد وتابعوا أداء تلك الفريضة، إلا أن ذلك الإقفال لاقى من الاستجابة ما كان له أثر بالغ في جمود التفكير وشح العلم والعلماء. فإننا إذا شهدنا في عصر ازدهار الفقه ظهور مدارس فقهية عظيمة مثل الشافعية والحنفية والمالكية، فإننا لم نعد نعثر على تلك الظاهرة بعد إغلاق باب الاجتهاد، بل كان معظم الفقهاء والمجتهدين الذين ظهروا بعد ذلك ينتسبون إلى إحدى تلك المذاهب القديمة.
من الطبيعي أن يتوقع الباحث أن إغلاق باب الاجتهاد سيؤدي إلى تغلغل مزيد من الأفكار الوافدة إلى ثقافة المسلمين وإلى مزيد من التلوث الفكري في العالم الإسلامي. إلا أن الواقع كان غير ذلك. صحيح أن البنيان الفكري لدى المسلمين قد فقد مناعته بعد إغلاق باب الاجتهاد، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لتغلغل اللوثات الفكرية والثقافية إلى ذلك البنيان، ذلك أن تلك اللوثات لم يعد لها وجود آنذاك. فالحضارات التي احتك بها المسلمون في صـدر التاريخ الإسلامي مع اندفاع الفتوحات الإسـلامـيـــة - وعلى رأسها الحضارتان الرومانية والفارسية - لم يعد لها وجود يذكر على الساحة الدولية. فدولة فارس سقطت والإمبراطورية البيزنطية وريثة الحضارة الرومانية تلفظ أنفاسها الأخيرة. وأوربا الغربية الكاثوليكية كانت تعيش في دياجير العصور الوسطى وانحطاطها، وما من رسالة حضارية لديها تحملها إلى العالم. والمغول والتتار والتركمان الذين لم يعتنقوا الإسلام بعد، كانوا أشد منهم انحطاطاً وأكثر تخلفاً. أما حركة الترجمة والاطّلاع على المعارف والثقافات السابقة فقد توقفت عند حد معّين واستنفدت أغراضها. وهكذا بقيت الأمة الإسلامية سيدة المبادرة الحضارية والثقافية فضلاً عن السياسية في الساحة الدولية، وبقيت تعيش على التراث الفقهي السابق، وانصّبت جهود الفقهاء المتتابعين على شرح المصنفات الفقهية القديمة وكتابة الشروح على المتون وربما الشروح على الشروح، أو على تلخيص تلك المصنفات وربما تلخيص شروحها.
وخلال تلك الأجواء التي استمرت مئات السنين لم تجد الأمة الإسلامية من ينازعها فكرياً وحضارياً، وازدادت ثقتها بنفسها حين انتصرت على أعدائها عسكرياً بعد أن طردت الصليبيين والمغول والتتار، وعادت الخلافة الإسلامية في عهد العثمانيين لتوحد معظم العالم الإسلامي وتكون أقوى دولة في العالم وتملك الجيش الذي لا يقهر. فركن المسلمون إلى أوضاعهم الثقافية والفكرية والتشريعية والحضارية عموماً، إذ ما من ناقوس يدق حولهم وينبههم إلى الخطر المحدق بهم.

ولكن، مهما يكن شأن هؤلاء ضئيلاً في ذلك الوقت، إلا أن أبحاثهم كانت ممراً لبعض الأفكار الفلسفية التي لم يكن لها أن تنتشر وتتركز في أذهان المسلمين لولا أن أسدى لها بعض العلماء خدمة جليلة بإضفاء الصفة الشرعية عليها، وأبرز تلك الأفكار ما صنف تحت عنوان “التصوف”.


حين دخلت أفكار الصوفية والتصوف بادىء الأمر إلى الميدان الثقافي في العالم الإسلامي عبر ترجمات الكتب الهندية والفارسية وغيرها واعتنقها بعض الناس وأخذوا أفكارها، عاملها المسلمون - وفي مقدمتهم العلماء والفقهاء- كما عاملوا سائر الفلسفات والفلاسفة، بل كان موقفهم إزاءها أشد قسوة وأكثر وضوحاً، وذلك لبعد الشقة بينها وبين العقيدة الإسلامية من حيث الأساس. ذلك أن الفلسفة الصوفية الوافدة من الهند والصين والتي تأثر بها النصارى قبل المسلمين، بل وحتى قبل ظهور الإسلام، حوت من الأفكار والآراء ما يخالف الإسلام، بل ويعد كفراً صريحاً بنظره. ففيها أفكار الحلول والاتحاد، وارتقاء المتصوفة إلى سدة الذات الإلهية، أو تجسد الذات الإلهية في شخص المتصوفة، وفيها الاعتقاد بحدوث المعجزات على أيدي المتصوفة وما شاكل ذلك، مما لا يمكن بشكل من الأشكال أن يلقى قبولاً أو حتى تجاهلاً من قبل المسلمين. لذلك كان “الأفراد” الذين أخذوا الأفكار الصوفية واعتنقوها مثل محي الدين بن عربي والحلاّج وغيرهما من المنبوذين المغضوب عليهم في المجتمع الإسلامي، ومعدودين في عداد الزنادقة والكفار المرتدين.

إلى أن جاء الوقت الذي بدأت فيه الصوفية تلقى القبول، حين لقيت العناية من بعض العلماء المسلمين الذين تكفلوها بالرعاية وأخذوا على عاتقهم تهذيبها وتنقيتها مما يخالف العقيدة الإسلامية. وكان من أبرز هؤلاء الإمام “أبو حامد الغزالي” المتوفى سنة 505هـ. إلا أن هذا الأمر أدى للأسف إلى تبني الأساس الذي تقوم عليه الصوفية، فضلاً عن أن الصوفية هي جملة وتفصيلاً فكرة غريبة عن الإسلام وسابقة عليه زمناً.

فالأساس الذي تقوم عليه الصوفية، هو أن الوجود كله مكون من مادة وروح، أي أن فيه المادي المحسوس والغيبي الذي لا يُرى والذي سمّوه الروح. وكذلك الإنسان في نظرهم مكون من مادة - وهي الجسد - ومن الروح. وكانوا ينظرون إلى المادة على أنها الشر المطلق وإلى الروح على أنها الخير المطلق. وبالتالي فإن الإنسان مكون من ناحيتين متناقضتين تعمل كل منهما على أن تطغى على الأخرى. فإما أن يتغلب الجسد على الروح فينحط الإنسان إلى درك الدناءة والرذيلة والشر ووحل الأرض، وإما أن تتغلب الروح على الجسد فيرتقي إلى مصافّ الملائكة والأولياء وينسلخ عن مادة الأرض والتراب والجسد حتى يصل في ذروة ارتقائه إلى العلوم والمعرفة لا من طريق الاكتساب وتلمس الأسباب، وإنما من طريق الكشف والتجلي، وحتى تحصل المعجزات أو ا"الكرامات" على أيدي “الأولياء الصالحين”.

وهكذا، وبجهود علماء كالغزالي وغيره انتشرت فكرة الصوفية وشعائرها وطقوسها، فبدأت أفواج المتصوفين تسلك دروب “رياضة النفس والروح”، من خلال التقشف وتعذيب الجسد والبعد عن متاع الحياة الدنيا وزخرفها وهجر المجتمع وترك الأسباب واحتقار العمل والنضال السياسي والمكوث في الزوايا والتكايا. كل ذلك حتى تتغلب الروح على الجسد ويصل “الأتقياء” إلى مصافّ الملائكة والأولياء. مع أن تلك الفلسفة التي تقوم عليها “الصوفية” ليست من الإسلام في شيء، بل هي مخالفة له كل المخالفة( 10). وهكذا كانت تلك الفكرة من عوامل الهبوط في المجتمع الإسلامي، فهي تدفع الإنسان إلى هجر المجتمع وازدراء الحياة إلى حد يجعل من المتصوف إنساناً عديم الغاية فاقد الهدف، فلا نشاط لديه ولا عمل يؤدي إلى عمارة الدنيا على أساسٍ من تقوى الله سبحانه وتعالى الذي استخلف الإنسان في الأرض فقال له: { هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها }( 11). وكان ضغثاً على إبالة أن اندمجت فكرة الصوفية تلك مع القدرية الغيبية التي تؤمن بأن الإنسان كالريشة في مهب الريح أو كالخشبة التي تتلاطمها الأمواج، فلا قيمة لإرادة الإنسان ولا لقدرته ولا جهده، فكل ما في هذه الدنيا يحصل نتيجة خطة محكمة لا يملك الإنسان التأثير في شيء منها. ولا يخفى على واعٍ ما في تلك المفاهيم من خطر مدمر على أي مجتمع من المجتمعات.

وفي تلك المرحلة التي انتشرت فيها حركة الترجمة، وهي زمن الخلافة العباسية، انتشرت في بعض البلاد الإسلامية ولدى بعض المذاهب الإسلامية فكرة جديدة لا تقل خطراً عن الأفكار السابق ذكرها. هذه المرة أتت هذه الفكرة من ثقافة الفارسيين الذين فتح المسلمون بلادهم وأسقطوا دولتهم ودخلوا في الإسلام كسائر الشعوب التي دخلت تحت راية الدولة الإسلامية. لاشك أن تلك الشعوب دخلت في الإسلام مخلصة صادقة، إلا أن بعض الحاقدين على الإسلام وأهله تستروا بلباس الإسلام وسلكوا درب النفاق من أجل أن يطعنوا الإسلام من داخله، فحملوا معهم موروثاتهم الفكرية من ثقافاتهم وأديانهم البائدة السابقة محاولين دسها في الإسلام والثقافة الإسلامية. فكان من ثمرات ذلك الدس أن انتشرت بين صفوف قسم من المسلمين فكرة “عصمة الأئمة” وفكرة الوصاية بالخلافة للأئمة المعصومين. وملخص تلك الفكرة أن الله تعالى لم يترك المسلمين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ليختاروا خليفة له ينصبونه عن طريق البيعة، إذ لا يجوز أن تُترك رعاية شؤون المسلمين ومهمة حفظ الدين لأناس يخطئون ويصيبون. وإنما عيّن سبحانه أئمة بأسمائهم هم الخلفاء الشرعيون للرسول عليه الصلاة والسلام بنص الوحي، وهم من المعصومين عن المعصية ومخالفة الشرع، ولا يجوز لأحد غيرهم أن يتولى منصب الخلافة، وكل من تولى ذلك المنصب هو معتد على الشرع ومغتصب لحق الأئمة المعصومين في الخلافة.

والذي يُنعم النظر في التاريخ الفارسي وحضارته يدرك مدى الارتباط بين الثقافة الفارسية وفكرة “عصمة الأئمة”. فلقد كان الملك الفارسي يحكم الناس بصفته ممثلاً للإرادة الإلهية، بل كان الفارسيون يعتقدون “أن قرارات الملك وأحكامه إنما يوحيها إليه الإله نفسه، وعلى هذا الأساس كان قانون المملكة مستمداً من الإرادة الإلهية وكان كل خروج على هذا القانون يعد خروجاً على إرادة الإله”( 12). وليس من قبيل المصادفة على الأرجح أن فكرة عصمة الأئمة نشأت وترعرعت في بلاد فارس ولا زالت تتركز فيها إلى اليوم. وعلى كل حال، فإن فكرة الحكم بموجب التفويض الإلهي كانت منتشرة في تلك العصور، بحيث يندر أن تخلو منها دولة من الدول.


بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، تابع الصحابة الكرام المسيرة، فبايعوا خلفاء يحكمونهم بكتاب الله وسنة رسوله ويرعون شؤونهم بالأنظمة التي انبثقت عن العقيدة الإسلامية. وكان الخلفاء الراشدون حريصين أشد الحرص على الحفاظ على نقاء الإسلام وصفائه وبراءته من أي لوث أو دخل. حتى إن اتساع الدولة الإسلامية وترامي أطرافها لم يغرهم باقتباس الأفكار وأنظمة الحكم والاقتصاد. ففرقوا بين الحضارة والمدنية وكذلك بين الثقافة والعلوم. وفرقوا بين أنظمة الحكم والقوانين الإدارية. فرفضوا الحضارات والثقافات وأنظمة الحياة كلها ما دامت من غير الإسلام، وأخذوا ما يلزمهم من المدنية والعلوم والقوانين الإدارية، وذلك كما فعل عمر بن الخطاب حين أخذ نظام الدواوين الذي لم يكن أكثر من أسلوب إداري كالدوائر والإدارات والسجلات التي تضمن حسن تطبيق النظام الذي تبنته الدولة.

وقد حافظ الفكر الإسلامي على نقائه طوال عهد الخلفاء الراشدين. وكذلك من بعدهم، إلا أنه خلال العهد الأموي بدأت بعض اللوثات تتسرب إلى أذهان المسلمين فيخلطونها بالإسلام.

من أوائل المحاولات لاختراق الفكر الإسلامي كانت عمليات دس الأحاديث. فقد عمد أعداء الإسلام إلى الأحاديث النبوية يدسون فيها أحاديث مكذوبة لم يقلها الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنهم زوروها وضمّنوها معاني غير إسلامية ومفاهيم تناقض الإسلام، حتى يأخذها المسلمون ويعملوا بما فيها فيبعدوا عن الإسلام. وبالفعل كذبوا على الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة دسوها بين الأحاديث وأشاعوها بين الناس. غير أن المسلمين فطنوا لهؤلاء الزنادقة وقضوا على مؤامراتهم، فهب العلماء ورواة الحديث يجمعون الحديث ويضعون تاريخ رواته وأوصافهم ويبينون الحديث الصحيح من الضعيف من المكذوب، حتى حفظ الحديث فحصرت رواية الحديث في تابعي التابعين عن التابعين عن الصحابة، ولم تقبل بعدهم أي رواية. وحصر الرواة وعرف كل واحد منهم، وبُينت طبقات كتب الحديث، حتى أصبح بإمكان المسلم إذا تتبع الحديث أن يعرف صحته من ضعفه من كذبه، بمعرفة سنده ومتنه. وفوق ذلك فإن الدولة الإسلامية ضربت على يد هؤلاء الزنادقة بيد من حديد حتى كان جزاء الكثيرين منهم القتل جزاء على افترائهم الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك لم يكن لهذه المؤامرة على الإسلام ولا على ثقافته أثر يذكر. ولكن الخطر داهم الثقافة الإسلامية من طريق آخر.

حدث ذلك حين بدأ الاحتكاك الفكري بالشعوب التي فتح المسلمون بلادها، من رومية نصرانية وفارسية وهندية وقبطية وغيرها. وكانت تلك الشعوب تحمل قبل الفتح الإسلامي ثقافات وأفكاراً عميقة الأثر في نفوسهم. وكان على المسلمين أن يشمروا عن سواعدهم لخوض صراع فكري مع هؤلاء حتى يوصلوا إليهم الإسلام. فالفتوح الإسلامية إنما شرعت لهذا السبب، وكان كل فتح يعقبه انتشار للعلماء والدعاة حتى يدخل الناس في دين الله أفواجاً. فخاض بعضهم غمار مجادلة أهل الكتاب الذين كانوا ينتشرون في بلاد الشام وشمال إفريقية وبعض العراق، وخاض بعضهم غمار مجادلة المجوس الفارسيين وبعضهم جادل الوثنيين من هنود وصينيين وغيرهم.

لقد كان البدهي أن يحقق المسلمون انتصاراً ساحقاً على كل الثقافات والحضارات والأديان التي كان يعتنقها الكفار من الشعوب المفتوحة، ولم يستغرق الأمر سنين طوالاً، بل لقد دخلت شعوب تلك البلاد الإسلام بأسرع من لمح البصر في حساب تاريخ الشعوب والأمم، وهجرت حضاراتها وثقافاتها وانصهرت في حضارة الإسلام وتثقفت بثقافته.

إلا أن هذا الصراع الحضاري والفكري الذي انتصر فيه المسلمون على سائر الثقافات والحضارات، لم يمض دون أن يصابوا ببعض “الشظايا الفكرية” المتناثرة في ميدان المعركة، فقد كان الاصطدام الفكري جدّ عنيف. وكان أصحاب الأديان الأخرى يثيرون الشبهات ويجادلون المسلمين في العقائد، لأن أساس الدعوة مبني على العقيدة والأفكار المتعلقة بها. فكان حرص المسلمين على الدعوة الإسلامية، وحاجتهم للرد على خصومهم قد حمل الكثيرين منهم على تعلم بعض الأفكار الفلسفية لتكون بيدهم سلاحاً ضد خصومهم. فقد تسربت مسائل فلسفية لاهوتية من نصارى النساطرة وأمثالهم وعرف منطق أرسطو بين المسلمين، واطّلع بعض المسلمين على بعض كتب الفلسفة، وترجمت كتب كثيرة من اليونانية إلى السريانية ثم إلى العربية، ثم صارت الترجمة من اليونانية إلى العربية، فكان هذا مساعداً على وجود الأفكار الفلسفية. وكانت الأديان الأخرى وخاصة اليهودية والنصرانية قد تسلحت بالفلسفة اليونانية، وأدخلت للبلاد الأفكار الفلسفية، فكان ذلك كله موجداً أفكاراً فلسفية حملت المسلمين على دراستها.

إلا أن تلك الدراسة لم تكن دراسة فلسفية كاملة، وإنما دراسة أفكار فلسفية للرد على النصارى واليهود، لأنه ما كان يتسنى للمسلمين الرد إلا بعد الاطلاع على أقوال الفلاسفة اليونانيين، لاسيما ما يتعلق منها بالمنطق واللاهوت. ولذلك اندفعوا إلى الإحاطة بالفرق الأجنبية وأقوالها وحججها. وبذلك أصبحت البلاد الإسلامية ساحة تعرض فيها كل الآراء وكل الديانات ويُتجادل فيها. ولاشك أن الجدل يستدعي النظر والتفكير ويثير مسائل متعددة تستدعي التأمل، وتحمل كل فريق على الأخذ بما صح عنده، فكان هذا الجدل والتفكير مؤثراً إلى حد كبير في إيجاد أشخاص ينهجون نهجاً جديداً في البحث والجدل والنقاش. وقد أثرت عليهم الأفكار الفلسفية التي تعلموها تأثيراً كبيراً في طريقة استدلالهم، وفي بعض أفكارهم، فتكوّن جراءَ ذلك “علم الكلام” وصار فناً خاصاً، ونشأت في البلاد الإسلامية بين المسلمين جماعة “المتكلمين”.

المجتمع الإسلامي والاحتكاك الحضاري والفكري

حين نقول إن الحضارة الإسلامية هي مجموعة المفاهيم الإسلامية عن الحياة، فهذا يعني أن الحضارة الإسلامية هي العقيدة الإسلامية وما انبثق عنها من أنظمة وما نتج عنها وبني عليها من أفكار. وبالتالي فإنه بقدر ما يكون المجتمع متقيداً بأوامر الله ونواهيه، سائراً وفق نظام الله تعالى، ستتجلى فيه الحضارة الإسلامية. وبقدر ما يكون الفكر الإسلامي واضحاً في أذهان المسلمين سيحسنون تطبيقه، وبقدر ما يكون نقياً وصافياً ستكون حضارتهم إسلامية صرفة. ونعني بالنقاء والصفاء أن لا يداخل الفكر الإسلامي أي دخل أو فكر غريب. لأن أي فكر غير إسلامي يقحم في الفكر الإسلامي هو تلويث له وتشويه. ذلك أن الفكر الإسلامي - وهو وحي من الله - هو الحق وما سواه هو الباطل، ولا يمكن لهما أن يجتمعا. وهذا كما أسلفنا ما يميّز الحضارة الإسلامية عن غيرها، من حيث إنها لا تمتّ بصلة إلى أي حضارة أخرى.

فما مدى النقاء الذي اتّسم به الفكر الإسلامي في أذهان المسلمين وحياتهم خلال التاريخ الإسلامي وإلى عصرنا هذا؟

لقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن ينزل الوحي بالإسلام بين قوم أميّين بعيدين أشدّ البعد عن المدنية والحضارات المعقدة والمتشابكة التي شوّشت أذهان الشعوب والأمم، { هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين }(1 ).

إذا تلمسنا الفرق بين المجتمع الجاهلي في الجزيرة العربية وبين سائر المجتمعات، نجد أن هناك فروقاً مهمة تجعلنا نقف عند شيء ولو يسير من الحكمة في نزول الوحي بين هؤلاء العرب.

إذا تأملنا طبيعة الحياة والأجواء التي أحاطت بالعربي في الجزيرة العربية، وجدنا البساطة هي السمة الأبرز في حياته. فالأشياء التي يراها حوله في الصحراء قليلة، وربما استطاع الإنسان أن يعدها بالرمال والجبال والمياه والنخيل في الواحة والإبل والدواب والخيام وبعض البيوت الطينية البسيطة وبعض الماشية والشمس في النهار والقمر والنجوم في الليل، والقليل من الأشياء غيرها. وها هو القرآن الكريم حين يخاطبهم يراعي في ضرب الأمثلة ما يقع عليه نظرهم فيقول: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت }(2 ).

وكذلك إذا نظرنا إلى عقائدهم وأفكارهم سنجدها بسيطة تافهة، وهي تتلخص في عبادة الأوثان وتعظيم العشيرة والتفاخر بالأموال والبنين، مع التمسك ببعض القيم والشيم كالشهامة والشجاعة والمروءة والنجدة والكرم وما شابه ذلك. وتبعاً لبساطة تلك العقائد والأفكار، كانت عاداتهم وتقاليدهم وعلاقاتهم تتسم بالبساطة وبعيدة كل البعد عن التعقيد. وبالتالي كانت أذهانهم صافية بعيدة عن التشوش والتعقيد، ولعل ذلك كله يفسر تميّزهم بذاكرة قوية تجلت أكثر ما تجلت في حفظ الأنساب والأسماء والأشعار.

وأما سائر المجتمعات المحيطة التي انتشرت فيها الحضارات القديمة كالرومانية والفارسية والهندية والصينية، فإنها كانت مجتمعات مثقفة متمدنة، ازدحمت في أذهانها الأفكار والمعلومات التي أغدقتها الفلسفات والأديان والنظم والحضارات والثقافات والمعارف المتعددة والمختلفة والمتلونة. وكانت الحياة فيها تتسم بالتعقيد بما فيها من مدنية وعمران ووسائل مادية، مما جعل أذهان الناس فيها مشوشة تتسم بالتعقيد والتكلف.

وهكذا كان العرب الصحراويون مؤهلين أكثر من جميع هؤلاء لتكون فيهم النبوة والرسالة من الله تعالى، ذلك أن أذهانهم كانت مهيّأة لأن تتخلى بسهولة عن العقائد والأفكار التافهة السطحية إذا ما اقتنعت بالفكر الجديد الذي نزل وحياً من عند الله تعالى، فلا يخلطون بينه وبين غيره من الموروثات الفكرية السابقة، لأن ذلك قد يؤدي إلى وجود دين جديد وحضارة جديدة ليست هي الجاهلية الأولى ولا الإسلام، وإنما هي مزيج من الاثنين لا هوية له ولا لون ولا طعم.

ومع أنه فرد أعزل لا مُعين له ولا نصير من الناس، ولا عدة معه ولا سلاح، فإنه جاء سافراً متحدياً، يدعو لدين الله بقوة وإيمان، لا يتطرق إليه أي ضعف عن احتمال تكاليف الدعوة، والقيام بالأعباء الجسام من أجلها، فكان لذلك كله الأثر في التغلب على الصعوبات التي كانت تضعها قريش في وجهه لتحول بينه وبين الناس. وقد استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصل إلى الناس ويبلّغهم، فأقبلوا على دين الله، وأخذت قوة الحق تعلو علىالباطل، وأخذ نور الإسلام يزداد كل يوم انتشاراً بين العرب، فأسلم الكثير من عبّاد الأصنام ومن النصارى، بل أخذ زعماء قريش يسمعون للقرآن وتهفو قلوبهم له.
تجلى في هذه المرحلة الكفاح بين فكر وفكر، بين مسلمين وكافرين، بدأ ذلك من كتلة الصحابة حين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه في ترتيب لم تعهده العرب من قبل، وفي كتلة واحدة. ومنذ ذلك الحين صار الرسول صلى الله عليه وسلم ينشر الدعوة على الناس كافة جهاراً نهاراً سافراً متحدياً. فيكون لهذه الدعوة الجماعية والتثقيف الجماعي أثر على قريش، إذ ازداد حقدها وأحست بالخطر يقترب منها، وبدأت تتخذ الخطوات الجدية للمقاومة، بعد أن كانت بادىء الأمر لا تأبه لمحمد ولا لدعوته، فتجلّى الكفاح السياسي أكثر فأكثر، فلقد نزل القرآن الكريم يهاجم أبا لهب عم الرسول وأحد زعماء مكة، حيث قال تعالى: { تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب }( 4)، ونزل القرآن الكريم يهاجم الوليد بن المغيرة الذي تولى المحاربة الفكرية والإعلامية للدعوة فقال تعالى: { كلا إنه كان لآياتنا عنيداً * سأرهقه صعوداً * إنه فَكَّر وقدر * فقُتِل كيف قَدّر * ثم قُتِل كيف قَدّر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إنْ هذا إلاّ سِحرٌ يؤثر * إن هذا إلا قولُ البشر * سأُصْلِيه سقر}(5 ). فازداد الأذى والاضطهاد على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه.
لقد كان للدعوة الجماعية أثر نقلها إلى أفق أوسع، وإن كان نقل حَمَلتها إلى المشقة والعذاب وتحمل صنوف الأذى. وكان يزيد النار اشتعالاً في نفوس زعماء قريش، مهاجمة الرسول للظلم والقسوة والاستعباد الذي كان يسود مكة، وكشفه لأحوال الكفار وأعمالهم، فكانت هذه المرحلة من أشق المراحل، وكان هذا الدور من أعظم الأدوار.
منذ أن أنشأ الرسول صلى الله عليه وسلم تكتل الصحابة الذي صدع معه بالدعوة إلى الإسلام كان يستهدف تغيير العرف العام السائد في مكة، من عرف عام جاهلي إلى عرف عام إسلامي. ذلك أن تغيير ذلك العرف العام هو الخطوة الأهم في عملية تغيير المجتمع والانتقال به من الجاهلية إلى الإسلام، فإن ذلك العرف العام ما هو في حقيقة الأمر إلا مجموع ما لدى المجتمع من أفكار ومشاعر تكيّف سلوكه وعلاقاته ومواقفه. فإذا ما انتشر الإسلام واعتنقه الناس بغالبيتهم في مكة فإنهم يكونون قد حملوا أفكاره، واعتملت في نفوسهم مشاعره، وبذلك يكون العرف العام قد تشكل على أساس الإسلام - ولو علىنحو عمومي - مما يؤدي إلى وجود رأي عام يتلمس الإسلام في مواقفه وآرائه. عندها لن يعود بين المجتمع وبين أن يصبح إسلامياً إلا أن يوضع النظام الإسلامي موضع التطبيق من خلال السلطة والحكم، سواء أسلم أهل الحكم والسلطة وأوصلوا الإسلام إلى سدة الحكم بأنفسهم، أو أُطيحوا بالقوة بعد أن يصبح الرأي العام في مكة إسلامياً يريد أن يعيش حياة إسلامية. وبذلك يمكن لمكة أن تصبح النواة الأولى للمجتمع الإسلامي.
إلا أن ذلك لم يتحقق للرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، فرغم أن الذين دخلوا في الإسلام من المكيّين زاد عددهم في تلك المرحلة، إلا أنهم لم يصلوا إلى الحد الذي يمكن أن يقال معه إن العرف العام والرأي العام المكّي أصبح إسلامياً، فما زال العرف العام السائد هو العرف الجاهلي، والرأي العام هو رأي الجاهليين. وقد وصل الأمر مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة إلى أن تجمّد المجتمع في وجهه وتحجّر بحيث لم يعد هناك أي تفاعل بين الدعوة وبين الناس بسبب الإرهاب الذي مارسه صناديد قريش تجاه الإسلام وكل من تحدثه نفسه بالدخول في الدين الجديد. مما دفع الرسول عليه الصلاة والسلام إلى البحث عن مجتمع جديد يحاول فيه نشر الإسلام لعله يكون بديلاً عن مكة، نقطةً لارتكاز الدعوة تنتقل فيها من مرحلة الدعوة إلى مرحلة التطبيق العملي من خلال الحكم. وصار يعرض نفسه على القبائل الوافدة إلى مكة، إلى أن أكرم الله تعالى أهل يثرب بأن يكونوا أهل نصرة الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم.
حصل ذلك حين أسلم وفد من المدينة في أحد مواسم الحج على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وعادوا إلى المدينة ليدعوا قومهم إلى الإسلام وليأتوا في الموسم التالي بمزيد من الذين انشرحت قلوبهم لهداية الإسلام، فبايعوا الرسول عليه الصلاة والسلام عند العقبة، فأرسل معهم صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل الداعية البارع مصعب بن عمير رضي الله عنه، ليعلمهم الإسلام ويفقههم فيه ولينشر الإسلام في المدينة. ولم تمض سنة على وجود مصعب في المدينة إلا وقد تشكل العرف العام الإسلامي في المدينة بعد أن دخل زعماؤها ومعظم أهلها في الإسلام. وبذلك تكفّل العرف العام الإسلامي في المدينة بركنين من أركان المجتمع الإسلامي ألا وهما المفهوم والشعور الإسلاميان المبنيان على العقيدة الإسلامية، فلم يبق إلا أن يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ليضع الأنظمة المنبثقة عن تلك العقيدة موضع التطبيق من خلال السلطة والحكم، وبذلك يكون قد قام المجتمع الإسلامي الأول.
وهكذا كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تتويجاً لمسيرة تأسيس مجتمع الإسلام، حيث شرع منذ وصوله بتطبيق أنظمة الإسلام على كل الصعد، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والعقوبات والسياسة الداخلية والخارجية. ووصل بذلك صلى الله عليه وسلم إلى المرحلة الثالثة، مرحلة تطبيق الإسلام عملياً من خلال الحكم والسلطان، أي من خلال “الدولة”.


(1) سورة الأنبياء - الآية (98).
(2)سورة الروم - الآية (39)
(3) سورة المطففين - الآيات (1-3)
(4) سورة اللهب - الآيات 1-3
(5) سورة المدثر - الآيات 16-26

منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في تغيير المجتمع
لقد بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجتمع جاهلي، تسوده المفاهيم والمشاعر والأنظمة الجاهلية، فكانت مهمته أن يحول هذا المجتمع إلى مجتمع آخر تماماً، وذلك ليس بتغيير أفراده، وليس بإزالة أفراده والإتيان بأفراد آخرين بدلاً منهم، وإنما بتغيير مفاهيمه ومشاعره وأنظمته، أي بإزالة أفكار الكفر ومشاعره وأنظمته وإيجاد أفكار ومشاعر وأنظمة إسلامية.
فما الطريقة التي اتبعها في ذلك؟
من خلال التدقيق والاستقراء لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتداء من نزول الوحي، يتبين لنا أنها تنقسم إلى ثلاث مراحل:
أ‌- المرحلة الأولى: مرحلة إعداد تكتل على أساس الإسلام، وتثقيفه بالثقافة الإسلامية.
ب‌- المرحلة الثانية: مرحلة الصدع بالدعوة والتفاعل مع المجتمع.
ت‌- المرحلة الثالثة: تطبيق الإسلام عملياً من خلال الدولة الإسلامية.

وفيما يلي التفصيل والتوسيع
المرحلة الأولى: مرحلة التثقيف
استمرت هذه المرحلة ثلاث سنوات، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خلالها بغرس العقيدة في نفوس الصحابة رضي الله عنهم، وكان يقوّي فيهم الإيمان عن طريق الأدلة والبراهين العقلية القاطعة، ويعلمهم أحكام الإسلام ويثقفهم بالثقافة الإسلامية الحية، ويقيم لهم الأدلة والبراهين على فساد العقائد والمفاهيم والأنظمة الجاهلية. ويحثهم على ذكر الله تعالى، وعلى التفكر في الكون من أجل مزيد من اليقين بالله ومزيد من الطاعات له، ويبعث فيهم الروحانية بالصلاة والتلاوة والتهجد. وينزع من قلوبهم مشاعر الجاهلية، كالحمية الجاهلية والعصبية القبلية، ويبعث فيهم المشاعر الإسلامية المنسجمة مع المفاهيم الإسلامية الصادقة، فيعوّدهم على الولاء لله وللرسول وللمؤمنين، ويحرم عليهم الولاء للشيطان وأوليائه، ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أبناءهم أو عشيرتهم، ويشحذ فيهم الهمم من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل، إلى أن يصلوا إلى حالة لا يطيقون معها أن يبقى المبدأ حبيس نفوسهم. فالعقيدة تغلي في صدورهم، والمفاهيم الصادقة تتزاحم في أذهانهم، والواقع بما يحويه من قناعات وعادات وتقاليد وأنظمة فاسدة مهترئة بالية وظلم لا يطاق وفساد لا يحتمل، وتسلط من شرار القوم وشذّاذ الآفاق، وتجبّر من الطواغيت، وظلم للمستضعفين، ووأد للبنات، وتطفيف للكيل، وافتراس للناس بالربا، وتقاتل من أجل العصبية . هذا الواقع يحفزهم ويدعوهم إلى مجابهته من أجل تقويمه.
واستمر الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة حتى أعد تكتلاً من الصحابة الذين نضجوا في الثقافة الإسلامية، فقد تكونت فيهم العقلية الإسلامية وأصبحت نفسيتهم نفسية إسلامية. وبذلك اطمأن عليه الصلاة والسلام إلى أنه أوجد تكتلاً من الشخصيات الإسلامية الناضجة الموصولة بالله تعالى، ولا تمتّ إلى المجتمع الجاهلي بصلة. وأيقن أن التكتل أصبح مستعداً للصدع بالدعوة مستعداً لمجابهة المجتمع القائم بكل جاهليته.
المرحلة الثانية: مرحلة الصدع بالدعوة والتفاعل مع المجتمع
في هذه المرحلة، استمر الرسول صلى الله عليه وسلم في بناء كتلته وتثقيفها وزيادة عددها، وأضاف إلى ذلك عدة أعمال كانت الأخطر والأصعب والأشد في حياة الدعوة التي عاشها تكتل الصحابة، وهذه الأعمال هي:
1- الدعوة الجماهيرية الجهرية لنشر الإسلام وإيجاد الرأي العام الإسلامي.
2- الصراع الفكري لعقائد الكفر وأنظمته وأفكاره وللعادات الفاسدة والأفكار الخاطئة والمفاهيم المغلوطة، ببيان زيفها والدعوة إلى تركها.
3- الكفاح السياسي، الذي تقصّد فيه زعماءَ قريش، لإصرارهم على الكفر وحكم الناس بأنظمة الكفر، ولوقوفهم في وجه الدعوة الإسلامية.

في مرحلة الجهر بالدعوة هذه، حمل الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوة وأظهر الكتلة التي تحمل معه الدعوة سافرة متحدية. وفوق ذلك فقد كانت هذه الدعوة بذاتها تتضمن كفاح قريش والمجتمع في مكة لأنها كانت تدعو إلى توحيد الله وعبادته وحده، وإلى ترك عبادة الأصنام والإقلاع عن النظام الفاسد الذي يعيشون وِفْقَه، فاصطدمت بقريش اصطداماً كلياً، فقد سفّه الرسول صلى الله عليه وسلم أحلامهم وحقّر آلهتهم وندّد بحياتهم الرخيصة، ونعى على وسائل عيشهم الظالمة. ينزل عليه القرآن فيهاجمهم ويقول لهم صراحةً { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون }(1 )، ثم يهاجم الربا الذي يعيشون عليه مهاجمة عنيفة من أصوله، فيقول تعالى في سورة الروم: { وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله }(2 )، ويتوعد الذين يطفّفون الكيل والميزان، فيقول تعالى: { ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وَزَنُوهُم يُخْسِرون }( 3)، ولهذا أخذوا يقفون في وجهه، ويؤذونه هو وأصحابه بالتعذيب تارة وبالمقاطعة أخرى، وبالدعاوة ضده وضد دينه، غير أنه ظل يهاجمهم، واستمر على مكافحة الآراء الخاطئة، وهدم العقائد الفاسدة، والمجاهدة في سبيل نشر الدعوة. وكان يدعو إلى الإسلام بكل صراحة، لا يكنيّ، ولا يلوّح، ولا يلين ولا يستكين، ولا يحابي ولا يداهن، رغم ما لاقاه من قريش من صنوف الأذى، ورغم ما يصيبه من مشقّات.

كيف تكون هذه العلاقات راقية، وكيف تكون منخفضة؟ الجواب يكمن في معرفة العوامل التي تتحكم بهذه العلاقات.

إن النظرة العميقة إلى واقع المجتمع ترينا أن الذي يتحكم بعلاقات الناس فيه ثلاثة أشياء، هي المفاهيم والمشاعر والأنظمة.

أما المفاهيم، فذلك أن الإنسان يكون سلوكه تابعاً لمفاهيمه التي يحملها، فهو يفعل ما يراه صواباً، ويترك ما يراه خطأً، وحتى تقوم العلاقة بين الناس لابد أن تكون المفاهيم مشتركة، ذلك أن الناس اجتمعوا على المصلحة، ولا تقوم العلاقة بين طرفين إلا إذا توحدت المفاهيم لديهما حول المصلحة. أما إذا اختلفت المفاهيم حول المصلحة، فلن تقوم العلاقة.

وأما المشاعر، فذلك أن المفاهيم التي يحملها الناس، ترتبط بها مشاعر من جنسها، وحتى تقوم العلاقة بينهم، لابد أن تتوحد مشاعرهم تجاه المصلحة التي اجتمعوا عليها، فيفرحون جميعاً لما يرونه صواباً ويغضبون وينزعِجون جميعاً لما يرونه خطأً. وهذه الأفكار والمشاعر هي التي يتكون منها العرف العام في المجتمع.

وأما الأنظمة، فإن كل مجتمع تقوم فيه سلطة ترعى شؤونه. وتنظم علاقاته وتفصل الخصومات فيه، كل ذلك حسب نظام تتبناه وتطبقه وتُلزم جميع أفراد المجتمع به، مما يعني أن هذا النظام سيكون له أثر كبير في علاقات المجتمع.

وهكذا يظهر لنا أن المجتمع هو أناس تربطهم أفكار ومشاعر مشتركة وأنظمة. وإن هذا المجتمع يصنَّف بحسب تلك الأفكار والمشاعر والأنظمة، فإن كانت مثلاً رأسمالية كلها كان المجتمع رأسمالياً، وإن كانت شيوعية كان المجتمع شيوعياً، وإن كانت إسلامية كان المجتمع إسلامياً.

فحتى يكون ذلك المجتمع ذا هوية معينة وشخصية متميزة يجب أن تكون تلك المجموعة من الأفكار والمشاعر والأنظمة متجانسة، بحيث لا يناقض بعضها بعضاً.

فلو فرضنا أن مجتمعاً يحمل مزيجاً من الأفكار الرأسمالية والإسلامـيـة -كما هو الحال في كثير من البلاد الإسلامية - فإنه لن يكون لذلك المجتمع لون معين ولا هوية محددة، وبالتالي فإنه - مادام على حاله هذه - لن يعرف النهضة ولا بشكل من الأشكال.

وكذلك ما لو قام شرخ في مجتمع ما بين العرف العام فيه وبين الأنظمة بحيث طبـق الحكـام أنـظمـة تتناقـض مع مفاهيم المجتمع ومشاعره - كما هو شأن معظم العالم الإسلامي اليوم - فإنه سيكون مجتمعاً مضطرباً تتّقد فيه نار العداوة بين الحاكمين والمحكومين، وبالتالي فإنه بعيد أشد البعد عن وصف الرقي أو النهضة.

ثم إن المجتمع يرقى برقيّ أفكاره ومشاعره وأنظمته وينخفض بانخفاضها. ولا يمكن أن تكون تلك الأفكار والمشاعر والأنظمة راقية إلا أن تكون مبنية على قاعدة فكرية واحدة. وهذه القاعدة الفكرية يجب أن تكون عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، حتى تصلح أن تكون مبدأ لكل الأفكار وأصلاً لكل الأنظمة.

وخلاصة الكلام أن المجتمع، يكون مجتمعاً ناهضاً إذا كان عرفُهُ العام - وهو الأفكار والمشاعر- مبيناً على عقيدة عقليةٍ، وكانت أنظمته منبثقة عنها. وبذلك تكون هذه العقيدة هي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع، والقيادة الفكرية التي تأخذ بيده نحو النهضة.

فإذا أردنا إيجاد مجتمع ينعم بالنهضة الصحيحة، فإن ذلك لا يتأتى إلا بإقامة مجتمع إسلامي، أي بإيجاد مجتمع يقوم على العقيدة الإسلامية، بحيث تكون أفكاره ومشاعره وأنظمته كلها إسلامية. ذلك أن العقيدة الإسلامية هي العقيدة الصحيحة وما سواها باطل.

وإذا نظرنا إلى واقع مجتمع المسلمين اليوم على ضوء ما سبق من الكلام، وجدنا أنه مجتمع يصدق عليه وصف الانحطاط. ذلك أن أفكاره وإن كان كثير منها إسلامياً إلا أن فيها قسماً كبيراً من الأفكار الدخيلة غير الإسلامية والتي ورد معظمها من الحضارة الغربية، كأفكار فصل الدين عن الحياة والحريات العامة والديمقراطية وما شابه ذلك.

أما من حيث المشاعر، فكذلك رُغْمَ من حفاظ الأمة على كثير من مشاعرها الإسلامية، تفشت في المجتمع كثير من المشاعر الزائفة، كالقومية والوطنية والقبلية وغيرها.

وأما من حيث الأنظمة، فإن أغلب الأنظمة التي تطبق في بلاد المسلمين هي أنظمة كفر استوردت من هنا وهناك من القوانين الوضعية.

وهكذا أصبح المجتمع الذي يعيش فيه المسلمون، مشكّلاً من مزيج من الأفكار والمشاعر والأنظمة الإسلامية وغير الإسلامية، مما جعل منه مجتمعاً منخفضاً لا ينعم بشيء من النهضة.

كما أن ذلك يعني، أنه على الرغم من كون أغلب النا س في المجتمع مسلمين، إلا أن هذا المجتمع لا ينطبق عليه وصف المجتمع الإسلامي، أي أنه ليس مجتمعاً إسلامياً.


(1) سورة النور-الآية (55).

ألمُجتَمَعُ وَنَهْضَتُه
إن الباحث حين يستعرض التاريخ البشري ويتأمله بروية وعمق، يجد ظاهرة رئيسة تلفت انتباهه. ألا وهي تفاوت المجتمعات من حيث الرقي والانحطاط، وبعبارة أخرى تفاوتها من حيث النهوض والانخفاض.
فالنصوص التاريخية في حقيقتها هي سجل لحياة المجتمعات البشرية التي عاشت على وجه هذه البسيطة. وحين تقارن بين هذه المجتمعات فإنك تجد فرقاً واضحاً فيما بينها، سواء من حيث النوع أو المستوى، أي سواء من حيث النمط الحضاري، أو من حيث الرقي والانحطاط. بل إننا نطّلع في تلك النصــوص على مجهودات بذلـها المفكرون والفلاسفـة والسيـاسيـون -نظرياً وعملياً - من أجل النهوض بمجتمعاتهم والسير بها نحو الأرقى، ومنهم من أفلح في تحقيق غايته ومنهم من فشل.
ولا زال هذا الموضوع إلى اليوم يشغل كثيراً من الباحثين والمفكرين والسياسيين، على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم، وسيبقى يشغلهم. ذلك أن الإنسان هو الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل.
ونحن المسلمين لسنا بمعزل عن هذه القاعدة، فإننا منذ فجر تاريخنا استهدفنا الرقي وسعينا إلى إقامة مجتمع راقٍ على أساس الإسلام، وقد أفلح أسلافنا منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحقيق هذا الهدف، ولاسيما أن الله سبحانه وتعالى قد أوجبهُ عليهم ورسم لهم سبيله من خلال ما نزل من الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: { وعدَ اللهُ الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }(1 ).
أما اليوم وقد أصبح مُجتمعنا بحال من الانحطاط لا يُحسد عليها ولا ينازع فيها عاقل، كان لا بد من العودة من جديد للبحث عن السبيل المؤدي إلى نهضة المجتمع، وليس أيّما نهضة، وإنما النهضة الإسلامية التي هي النهضة الوحيدة الصحيحة.
ومما لا شك فيه أن الإسلام قد رسم للمسلمين سبيل إقامة المجتمع الإسلامي. وبعبارة أخرى رسم الطريق لنهضة مجتمعهم. إلا أن هذه الطريق لا يمكن فهمها وتطبيقها قبل معرفة واقع المجتمع من حيث هو مجتمع. ذلك أن طريقة الإسلام في معالجة المشاكل وإعطاء الحلول هي على النحو التالي:
أولاً: فهم الواقع فهماً دقيقاً عميقاً للوقوف على حقيقة المشكلة التي تراد معالجتها.
ثانياً: العودة إلى النصوص التشريعية لفهم النصوص المتعلقة بذلك الواقع وتلك المشكلة فهماً تشريعياً، وتكون الغاية معرفة حكم الله في تلك المسألة، وذلك لأخذ المعالجات والحلول من الوحي الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: تطبيق هذه المعالجات الشرعية على ذلك الواقع لحل المشكلة المطروحة.
من هنا كان لابد أولاً من معرفة واقع المجتمع البشري من حيث هو مجتمع، أي لا بد من تعريف المجتمع.
إن كثيراً من الناس ينظرون إلى المجتمع نظرة سطحية عابرة، فيعّرفونه تعريفاً خاطئاً لا ينطبق على واقعه. فيقولون: إن المجتمع هو مجموعة أفراد من الناس. وتبعاً لتعريفهم هذا يضعون تصوراً لكيفية النهوض بالمجتمع أو إصلاحه فيقولون: أصلح الفرد يصلح المجتمع.

فلنحاكم ذلك التعريف. فحتى يكون التعريف صحيحاً يجب أن يكون وصفاً جامعاً مانعاً. ويكون هذا التعريف جامعاً إذا كان ينطبق على كل مجتمع، ويكون مانعاً إذا لم ينطبق على غير المجتمع.
وإذا طبقنا هذا التعريف على الواقع سنجده جامعاً إلا أنه غير مانع. فهو جامع، لأن كل مجتمع يحوي بالضرورة مجموعة أفراد. إلا أنه غير مانع، لأنه ينطبق على ما سوى المجتمع. ذلك أن مجرد مجموعة من الأفراد لا يكوّنون بالضرورة مجتمعاً. ولنضرب على ذلك مثالاً:
إن مجموعة من الناس يركبون سفينة واحدة لا يشكلون مجتمعاً مهما كثر عددهم، حتى ولو بلغ الألوف، وذلك باتفاق الجميع. أليس هؤلاء مجموعة من الأفراد.
فلماذا لم يشكلوا مجتمعاً؟ هذا يعني أن التَّعريف قاصِر، وبالتالي خاطىء.
وفيما نجد أن الألوف على ظهر الباخرة، لا يشكلون مجتمعاً، فإننا نجد أن بضع مئات من الناس في قرية صغيرة يشكلون مجتمعاً، وذلك أيضاً باتفاق الجميع.
فالتعريف الصحيح هو ذلك التعريف الذي يلحظ الفرق الجوهري بين الناس الذين يشكلون مجتمعاً ولو كانوا بضع مئات في قرية، وبين الناس الذين اجتمعوا في وقت من الأوقات دون أن يشكلوا مجتمعاً ولو بلغوا عشرات الألوف. وهذا الفرق الجوهري يكمن في أن أهل القرية قامت بينهم علاقات دائمية حافظت على تماسكهم وجعلت منهم وحدة متماسكة وأعطت لمجموعهم - وليس لأفرادهم - شخصية متميزة بحيث أصبح لهذا المجموع هوية محددة. بينما ركاب الباخرة الذين يعدّون الألوف ليسوا أكثر من رفاق طريق ولا تربطهم أية علاقة دائمية، فهم سيتفرقون بمجرد النزول على الرصيف.
إذن، فالمجتمع هو مجموعة من الناس تؤلف بينهم علاقات دائمية، بها يقوم ذلك المجتمع وبتميّزها يتمّيز. فإن كانت هذه العلاقات راقية كان ذلك المجتمع راقياً وإن كانت منخفضة كان منخفضاً.

براءة الحضارة الإسلامية من سائر الحضارات
إن الناظر في مجمل الحضارات والأفكار التي سادت الشعوب عبر التاريخ، يجد ظاهرة جديرة بالاهتمام، يَحْسُنُ التوقف عندها لدراستها ملياً. وهي تأثر تلك الحضارات بعضها ببعض، أو انبثاق بعضها من بعض. وقد تكون بعض الحضارات امتداداً لتلك التي سبقتها، إلا أنها تميزت عنها بسمات جديدة ومِيزات أخرى. فكيف يمكن لنا تفسير هذه الظاهرة ؟
حين نقول إن الحضارة هي مجموع المفاهيم عن الحياة، فهذا يعني أنها مجموعة من الأفكار كبيرة الكم، تتناول مختلف نواحي الحياة والمجتمع، من حكم واقتصاد واجتماع وقانون وسياسة وفن وغير ذلك. فإذا كانت تلك الأفكار هي نتاج العقول أو الأذهان البشرية، فإننا سنصل بالتأكيد إلى حتمية تأثر الحضارات بعضها ببعض، سواء تأثراً إيجابياً أو تأثراً سلبياً.
ذلك أن العقل البشري الذي أنتج تلك الأفكار واتخذها الناس بعد ذلك مفاهيم، إنما هو محدود بقدر ما أوتي من معلومات. وحين يبدع فإنه يبدع بناء على خزين من المعلومات في الذهن. فالإنسان لا يدرك إلا بقدر ما يملك من معلومات يفسر بها الواقع المحسوس. والإبداع لا يعني أن الإنسان ينشىء أفكاراً جديدة لا صلة لها بالواقع المحسوس أو بالمعلومات السابقة، بل هو إدراك شيء جديد، أو إنتاج فكرة جديدة لم يسبق لأحد أن أنتجها، ولكن أيضاً استناداً إلى الواقع والمعلومات السابقة. وكل ما في الأمر أن المبدع قد ربط بين معطيات معينة، فأخرج فكرة جديدة لم يسبق لأحد أن أخرجها، فكان أول قائل بها، وذلك بغض النظر عن صحة تلك الفكرة أو خطئها. وبالتالي فإن المبدعين حين يبدعون الأفكار والنظريات أو ربما التخيلات، فإنهم يفعلون ذلك بقدر ما يملكون من معلومات سابقة وحسب طبيعة الربط التي تجري في أذهانهم.
ومن الطبيعي أن يتأثر المفكر أو المبدع بالأفكار التي تحيط به والأوضاع التي يعيش فيها والظروف التي تلابسه وهو يفكر، فيخرج بأفكار ونظريات هي إما من جنس الأفكار التي تحيط به، وإما رد فعل عكسي إزاءها، وفي كلا الحالين هو متأثر بها. وهذا ما يفسر لنا ظاهرة تأثر الحضارات بعضها ببعض. فإن تلك الحضارات - كما سبق القول- هي مجموع ما لدى شعب ما من المفاهيم عن الحياة، أي مجموع الأفكار التي اعتنقها، وتلك الأفكار هي نتاج تلك العقول والأذهان التي يتأثر بعضها ببعض ويأخذ بعضها عن البعض الآخر، وتبدع أفكاراً جديدة يتميز بها البعض عن البعض الآخر.
وعلى هذا الأساس نستطيع أن نفسر ما يتكلم عنه المؤرخون والباحثون من تأثر الحضارتين الأشورية والبابلية وغيرهما بالحضارة السومرية مثلاً، أو تأثر الحضارة الرومانية بالحضارة اليونانية السابقة لـها - بل هي كما يقولون امتداد لها- أو تأثر الحضارة اليونانية بحضارات مصر والشرق الأدنى القديم…
وعلى هذا الأساس أيضاً، نستطيع أن نفهم طبيعة العلاقة بين حضارة أوربّا في العصور الوسطى والحضارة الغربية المعاصرة “اللبرالية”، وأيضاً العلاقة بين تلك الأخيرة و"المشروع الحضاري" الشيوعي. ففي هاتين الحالتين كان التأثر سلبياً، بمعنى أنه كان عكسياً.
فإن تحكم الكنيسة وتسلط الملوك باسم التفويض الإلهي، واستفحال الظلم في ظل النظام الإقطاعي، حيث السيد والعبد، أو الإقطاعي والفلاح، ومساورة الأجواء الروحية والتدين لأوضاع الانحطاط والتخلف خلال العصور الوسطى، كل ذلك أنتج رد فعل عكسياً، تجلى في فكرة فصل الدين عن الحياة والمجتمع والدولة، وفي فكرة الديمقراطية وفكرة الحريات العامة من حرية شخصية وحرية تملك وحرية اعتقاد وحرية رأي، لدى المفكرين اللبراليين.
ثم كانت أوضاع المجتمع الرأسمالي بعد ذلك، حيث معاناة العمال والموظفين من ظلم الرأسماليين ملاك المصانع والشركات والمؤسسات الخاصة وعسفهم، وحيث تركّزُ رؤوس الأموال في يد فئة قليلة من البرجوازيين، بينما لا تجد الأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع إلا ما لا يكاد يسد الرمق. كل هذه الأوضاع أنتجت رد فعل عكسياً لدى المفكرين وأصحاب النظريات الاقتصادية، تجلى في النظريات الاشتراكية التي تنزع نحو توزيع الثروة الأهلية على نحو أكثر “إنصافاً” مما هو عليه في المجتمع الرأسمالي. وكان من أهم تلك النظريات وأكثرها تماسكاً الاشتراكية الماركسية، التي حاولت الثورة البلشفية تطبيقها على أرض الواقع داخل ما عرف بالاتحاد السوفياتي.
أما إذا أخذنا مثال الحضارة الإسلامية التي انتشرت مع بداية العصور الوسطى، فإننا سنجد ذلك الكلام لا ينطبق عليها. ذلك أن الناظر إلى بداية نشوئها لا يجد فيها أي تأثر أو أي ارتباط بالحضارات السابقة لها أو المعاصرة، لا تأثراً إيجابياً ولا تأثراً سلبياً، ذلك أن الإسلام أوجد نمطاً من العيش مختلفاً كل الاختلاف عن كل أنماط العيش السابقة له والمعاصرة، وأحدث انقلاباً جذرياً في المجتمع بحيث لم يترك ناحية من نواحيه إلا وطالها وأحدث فيها التغيير من أساسها، انطلاقاً من الجزيرة العربية التي اعتادت نمط عيش الجاهلية لعدة قرون خلت ومروراً وانتهاء بالبلاد المجاورة والمحيطة والبعيدة التي سادتها الحضارات الرومانية والفارسية وغيرها.
وبينما نجد أن الحضارتين الغربية الرأسمالية والشيوعية - اللتين قامتا انقلاباً على حضارة العصور الوسطى- لم توجدا على أرض الواقع إلا بعد إرهاصات طالت عدة قرون حيث تتابع المفكرون والفلاسفة يبدعون فكرة تلو فكرة ونظرية تلو الأخرى حتى جاء مفكرون ليرمموا تلك الأفكار المتناثرة ويصوغوا منها مبدئين كاملين لم يوضعا موضع التطبيق إلا بعد قرون من المخاضات الحضارية العسيرة، أقول : بينما نجد ذلك في هاتين الحضارتين،فإننا نجد أن الحضارة الإسلامية التي أحدثت ذلك الانقلاب في الجزيرة العربية وسائر الشعوب التي دخلت حظيرتها بدأ انتشارها منذ إعلان محمد صلى الله عليه وسلم لها في مكة قلب الجزيرة العربية، وآتت ثمارها بعد ثلاثة عشر عاماً من ولادتها حين ارتكزت في المدينة المنورة “يثرب”، ثم انتشرت بعد ذلك بعشر سنوات في كل الجزيرة العربية، لتتابع بعد ذلك مسيرتها في سائر العالم القديم. ولم يمض قرن واحد إلا وقد أصبحت تظلل مساحة شاسعة تمتد من الصين شرقاً إلى الأطلسي غرباً، حيث ضربت صفحاً عن كل الحضارات السابقة في تلك البلاد من فارسية وبيزنطية وهندية وغيرها إلى غير رجعة.
يقول الأستاذ محمد أسد ( ليوبولد فايس): " واضح إذن أننا مهما أوغلنا في التنقيب والبحث فيما سلف من حضارات البشر، فلن نجد توقيتاً معيناً نستطيع أن نحدده بدءاً لحضارة ما، أو تاريخاً لمولدها، ولا أن نعين حداً فاصلاً يميز بين حضارة ولت وأخرى أشرق عليها النور وتبدت للوجود.
ولكن هناك استثناء واحدا لكل ما أسلفنا من قول، استثناء تكاد لغرابته تذهل العقول وتنعقد الألسنة، فلم يذكر تاريخ البشر فيما عرفه الناس من حضارات سوى حضارة واحدة برزت للوجود من عالم الغيب دفعة واحدة، واستوت للناظرين قائمة على أصولها في فترة محدودة من تاريخ البشر، تلك ولا شك حضارة فذة من نوع فريد وإنها لحضارة الإسلام.
فلئن قامت كل الحضارات الأخرى ونشأت رويداً رويداً من تراث الماضي بما حوى من ضروب الرأي وتيارات الفكر، واستغرقت في تبلورها إلى شكلها الخاص وكيانها المحدد آماداً طويلة من الزمن، فلقد انفردت حضارة الإسلام وحدها بانبجاسها إلى الحياة دون سابق عهد أو انتظار.
وقد جمعت هذه الحضارة، من فجر نشأتها، كل المقومات الأساسية لحضارة مكتملة شاملة. فقامت في مجتمع واضح المعالم، له نظرته الخاصة إلى الحياة، وله نظامه التشريعي الكامل وله نهجه المحدد للعلاقات بين الأفراد، بعضهم ببعض داخل هذا المجتمع.
ولم يكن قيامها ثمرة تقاليد زخر بها الماضي، ولا وليد تيارات فكرية متوارثة، ولكن هذه الحضارة، كانت وليدة حدث تاريخي فريد وهو تنزيل القرآن الكريم".(1)

إن المفكرين الغربيين - ولا سيما المستشرقين منهم- ثم العلمانيين من المثقفين في العالم الإسلامي لم يطيقوا العجز عن تطبيق نظرية تواصل الحضارات الإنسانية على الحضارة الإسلامية، فراحوا يتلمسون في التاريخ الإسلامي الظواهر والأحداث والنصوص والآثار التي يمكن امتطاؤها لادعاء أن الحضارة الإسلامية هي امتداد لسائر الحضارات السابقة والمعاصرة لها من جاهلية ورومانية وفارسية وهندية وغيرها. إلا أن الباحث النزيه يقطع بأن هذه المحاولات كانت عبثاً وأنها طَرْق لباب المستحيل، كالذي يحاول إثبات أن الوالد أصغر عمراً من ولده.
ذلك أن الحضارة الإسلامية ليست إبداع ذهن أو عقل بشري، ولا حتى مجموعة عقول، بل هي من الوحي الإلهي الحكيم. فالحضارة الإسلامية هي مجموعة المفاهيم الإسلامية عن الحياة. وكل هذه المفاهيم إنما استقاها المسلمون من نصوص الوحي أو بنوها على نصوص الوحي أي القرآن والسنة، وهما وحي من الله القائل سبحانه : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى }( 2)، وهذه المفاهيم مبنية على عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، هي عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله. وبذلك كانت الحضارة الإسلامية حضارة مبدئية تتناول كل نواحي الحياة والمجتمع والدولة…
قال تعالى:{ ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين}( 3).


(1) الإسلام والتحدي الحضاري. ص 19 - 20
(2) سورة النجم - الآية 4.
(3)سورة النحل - الآية 89.

واسمع إلى قوله تعالى يعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالاستخلاف في الأرض : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً. ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }( 24).
وبالمقابل يتوعد الله تعالى المجتمعات التي تعرض عن أمر ربها وتطغى في الأرض وتفسق فيها بسوء العاقبة ووقوع الشقاء، ويضرب لنا الأمثال عن تلك المجتمعات التي أهلكها بظلمها :
{ وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون }(25 ).
من هنا، كانت نهضة الأمة الإسلامية ناتجة عن ذلك التقيد الكامل بأوامر الله ونواهيه، وبعبارة أخرى، عن ذلك الالتصاق المحكم بالوحي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وإنه بقدر ما تلتصق الأمة الإسلامية بالوحي فكراً وسلوكاً بقدر ما تنهض وترتقي، وبقدر ما تبعد عن ذلك المعين الصافي بقدر ما تنحط وتنخفض، هذه معادلة ثابتة، لا يمكن أن تخرق في يوم من الأيام، وهذا هو التاريخ الإسلامي خير شاهد على ذلك.
فعندما صاغ المسلمون حياتهم بالإسلام في المجتمع الإسلامي الأول- زمن النبوة والخلافة الراشدة - حققوا نهضتهم المثلى وتحقق خير القرون، ومن ثم حين بدأ يطرأ الخلل على تلك الصياغة الفريدة وبدأ السلوك في المجتمع الإسلامي ينفصل عن القواعد والأحكام التي نزل بها الوحي، بدأ الانحطاط يتسرب إلى جسم الأمة الإسلامية، وكان مقدار ذلك الانحطاط يتناسب مع مقدار الشرخ الذي قام بين سلوك المجتمع وبين الوحي، وكان كلما اتسع ذلك الشرخ ازدادت الأمة انحطاطاً، إلى أن غابت شريعة الوحي عن حياة المسلمين ومجتمعهم ودولتهم فوصلوا إلى الدرك الأسفل من الانحطاط.
من هنا كان واجب المسلمين أن يحرصوا أشد الحرص على فهم الإسلام فهماً نقياً صافياً لا تشوبه شائبة، حتى يكون التزامهم بالإسلام وأفكاره وأحكامه التزاماً بالوحي الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا يحتم عليهم أن يُحكموا نظرتهم إلى مصادر التشريع الإسلامي وذلك بأن لا يستقوا أحكامهم إلا من المصادر التي جاء بها الوحي الإلهي لكونه استقر فيها.
ففي الماضي حين حصر المسلمون تلقيهم للشريعة الإسلامية بالمصادر الأربعة : القرآن والسنة والإجماع والقياس، إنما فعلوا ذلك بناء على أنه لا يجوز أخذ الشريعة من غير الوحي. فالقرآن، هو كتاب الله الذي أوحاه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم باللفظ والمعنى. والسنة - وهي كل ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير - إنما تعبّر عن الوحي لأن الرسول لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. فالسنة هي ما أوحي إلى الرسول بالمعنى دون اللفظ.
وأمّا الإجماع - ويقصد به غالباً إجماع الصحابة - فإنه يعبر عن الوحي، لأن الصحابة الذين أثنى الله على مجموعهم في القرآن الكريم لا يمكن أن يجمعوا على شيء لم يطلعوا على دليله من رسول صلى الله عليه وسلم، وبالتالي كان إجماعهم دليلاً شرعياً لكونه يكشف عن دليل خفي عنا.
وأما القياس، فهو أيضاً مصدر يكشف عن الوحي. ذلك أن القياس ليس -كما يظنه بعض الناس- استنباطاً للحكم من العقل، وإنما هو استدلال على الأحكام بالعلة الشرعية التي جاءت بها النصوص الشرعية من قرآن أو سنة، أي إن قياس حكم على آخر إنما يكون لاشتراكهما بعلة واحدة ورد بها النص الشرعي من قرآن وسنة، وبالتالي كان الاستدلال بالقياس استنباطاً من الوحي.
هكذا كان فهم المسلمين للإسلام وتشريعه في عصور النهضة الإسلامية، أما في عصور الانحطاط هذه، فقد كثرت لدى المسلمين مصادر التشريع وتعددت بحيث أصبح كثير من تلك المصادر لا علاقة له بالوحي، والاستدلال به ليس تلقياً للشريعة من الوحي، وإنما من العقل والواقع والمصالح وما شاكل ذلك، مما زاد الأمة الإسلامية انحطاطاً وتراجعاً وتقهقراً.
فعجباً لأمة تريد نصرة الإسلام - وهو الوحي الذي نُزِّل على محمد صلى الله عليه وسلم - بينما هي تستقي الكثير من أحكامها وتشريعها من غير الوحي، وتسعى لنصرته بما نهى عنه الوحي.
لذلك لا يسعنا أخيراً إلا أن نعود فنذكّر بقوله تعالى :
{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم }(26 ).

وتأمل تلك الآية الكريمة وهي تنهى الناس عن أن يشرعوا فيحلوا ويحرموا من عند أنفسهم فيفترون على الله تعالى الذي له وحده حق التشريع، حيث يقول سبحانه :

{ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب. إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون }(10 ).

وقولَه سبحانه وهو يذم الذين يشرعون للناس الشرائع..

{ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله…}(11 ).

وبذلك فإن الشهادة الأولى : لا إله إلا الله، تعني أن لا معبود ولا مشرع بحق إلا الله سبحانه وتعالى. أي أن النظام الذي يجب على الإنسان أن يسير في جميع حياته وفقه ويسيّر أعماله به هو النظام الذي شرعه الله سبحانه.

وبعد، فإن هذه الشهادة العظيمة تحتّم على الإنسان السؤال التالي: إن كان التشريع هو لله تعالى، فمن أين لي معرفته ومن أين أتلقاه ؟

لذلك جاءت الشهادة الثانية مكملة للأولى ومجيبة على السؤال الذي نتج عنها، فتقول : محمد رسول الله، أي إن الشريعة التي ارتضاها الله تعالى للبشر هي الشريعة التي أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي الذي نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام. ولذلك فإنه بعد نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، لا بد لمن يريد توحيد الله تعالى في الألوهية والتشريع من أن يتبع الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ذلك أنه هو الذي حمل الرسالة من الإله المشرع سبحانه إلى الإنسان العاجز الناقص المحتاج إلى تدبير خالقه وهدايته. وقد جاءت آيات كريمة كثيرة تؤكد ذلك المعنى…

{ ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتّبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون }(12 ).

{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم }( 13

).

{ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً }( 14).

{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزّل على محمد وهو الحق من ربهم كفّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم }( 15).

وبما أن الوحي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم أعطى فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة وشرع أنظمة للحياة كان ذلك الدين مبدأ، وكان ذلك المبدأ - أي الإسلام - المبدأ الوحيد الذي صدر عن الوحي لا عن البشر. وهذا سر تميّز نهضة الأمة الإسلامية. فإن نهضتها ناتجة عن عيشها وفقاً لما جاء به الوحي الإلهي، وتقيدها بأوامر الله ونواهيه وسننه التي ارتضاها لعباده المتقين، لذلك كانت النهضة الوحيدة الصحيحة. ذلك أن سلوك البشر فيها يتناغم مع حركة الكون وسائر المخلوقات، ويتناسق معها، وهي خاضعة للنظام الذي أراده الله تعالى لها لا تحيد عنه قيد أنملة. وانظر إلى تلك الآيات التي تقرر تلك الحقيقة..

{ وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون }(16 ).

{ والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون }(17 ).

{ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها }( 18).

{ تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهنّ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً }(19 ).

ومن أهم ما يتناغم مع ذلك السلوك والعيش المتقيد بشريعة الوحي ويتناسق معه، تلك الفطرة الإنسانية التي خلقها الله سبحانه وتعالى نزّاعة إلى عبادة الخالق المدبر، والتي ذكرها عز وجل في الآية الكريمة { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم }(20).

ومن هنا جاءت الآيات الكثيرة التي تربط بين الالتزام بشريعة الله تعالى وبين إسباغ النعم وتفجر الخيرات والتمتع بالأمن والطمأنينة والرفاهة، مثل قوله تعالى : { وألَّوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً…}(21 ). وقوله سبحانه : { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون }( 22).

ثم اسمع إلى تلك الآيات الكريمات وهي تروي لنا خطاب نوح عليه السلام لقومه الذين طغوا في الأرض وفسقوا فيها :

{ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً }(23 ).

نهضة الأمة الإسلامية بالوحي

لقد قررنا في الفصول السابقة، أن نهضة الإنسان في حياته ومجتمعه ودولته إنما مردّها إلى فكر مبدئي يقوم على عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، تكون بمثابة قاعدة فكرية تنبني عليها الأفكار عن الحياة الدنيا وتنبثق عنها أنظمة للحياة والمجتمع والدولة. كما قررنا أن النهضة الصحيحة هي تلك التي تقوم على المبدأ الصحيح، وأن المبدأ الصحيح هو ذلك المبدأ الذي يوافق فطرة الإنسان فيقرر غريزة التدين فيه وسائر الغرائز ويشبعها الإشباع الصحيح، و يكون قائماً على العقل بحيث يقطع العقل بصحة عقيدته وانطباقها على واقع الكون والإنسان والحياة. ومن ثم قررنا أن ذلك المبدأ هو الإسلام بعقيدته العقلية وما انبنى عليها من أفكار وانبثق عنها من أنظمة.

في هذا الفصل نريد أن نتوقف عند طبيعة المبدأ الإسلامي ومضمونه لندرك طبيعة نهضة الأمة الإسلامية وأركانها ومقوماتها، ومن ثم لنقف على الخطوط الحمر التي لا يجوز للأمة الإسلامية أن تخترقها بوصفها الخط الفاصل بين منطقتي النهضة والانحطاط.

وهذا يقتضي منا بالدرجة الأولى الوقوف عند العقيدة الإسلامية التي هي أساس المبدأ الإسلامي، وفهم الإسلام يتوقف على فهمها، كما أن اعتناقه يتوقف على اعتناقها.

إن الإسلام يقوم على شهادتي أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وهاتان الشهادتان بالنسبة لسائر الشريعة الإسلامية هما الأصل الذي قامت عليه سائر الفروع.

أما شهادة أن لا إله إلا الله، فهي تقرر أن لا معبود بحق إلا الله تعالى بوصفه الرب الخالق المدبر. فالإله هو المعبود، والعبودية هي الخضوع المطلق والتذلل الكامل وتفويض الأمر للمعبود. وبالتالي فإن كل ما سوى الله تعالى من الأوثان والأصنام، الحية منها وغير الحية، البشرية وغير البشرية، لا تصلح لأن تكون آلهة تعبد، ذلك أنها لا تستطيع أن تخلق شيئاً، بل هي مخلوقة محدودة، ومهما عظم شأنها وهال أمرها فإنها صغيرة حقيرة إزاء خالقها سبحانه وتعالى، بل إن عظمتها وهولها لدليل أقوى وأبلغ على عظمة خالقها الذي أوجدها من العدم… { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه }( 1).

وانظر إلى تلك الآيات التي تلفت نظر الإنسان إلى سخف عبادته للأنداد من دونه سبحانه وتعالى :

{ ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون }( 2).

{ يا أيها الناس ضُرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب }( 3).

وفي تلك القصة التي يرويها لنا القرآن الكريم عن إبراهيم عليه السلام وهو يجادل النمرود الذي ادعى الألوهية على الناس :

{ ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك، إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت، قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين }(4 ).

إذن فالعبادة لا تصح لشيء خلقه الله سبحانه، وإنما يجب أن تؤدى فقط لذلك الخالق الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه، فهو الوحيد الذي يتصف بصفات الكمال ولا يطرأ عليه النقصان ولا العجز ولا الاحتياج، بل كل ما سواه محتاج إليه سبحانه.

وهكذا فإن توحيد الألوهية لله سبحانه وتعالى يعني أن تكون عبودية الإنسان المطلقة لخالقه سبحانه وتعالى، وحين يتكلم القرآن الكريم عن العبودية، فإنه لا يعطيها مفهوم الطقوس الروحية والشعائر العبادية فقط، وإنما يعني بها الخضوع الكامل والمطلق من الإنسان لله تعالى، في جميع حياته، وذلك بأن يعيش في هذه الدنيا مسيِّراً أعماله حسب أوامر الله تعالى ونواهيه، مسلِّماً له نفسه، مفوضاً له أمره متوكلاً عليه في عيشه. وبذلك يكون معنى توحيد الألوهية أيضاً، توحيده سبحانه في التدبير والتشريع والحكم على أفعال العباد. أنظر إلى قوله تعالى وهو يقرر أن الحكم إنما هو له وحده ويقرن ذلك بالتوحيد والتوكل على الله وعبادته عز وجل…

{ إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم }(5 ).

{ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون }( 6).

{ له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون }(7 ).

{ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون }(8 ).

{ والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب }( 9).

وبهذا لا يكون هناك تعارض بين المتعة وبين الروح. فالإنسان الذي يأكل طيّب الطعام من الرزق الحلال، حامداً الله تعالى على نعمته، يشعر بالروح مع شعوره بلذة الطعام، { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون }(13 )، وقال سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين }(14 ). والتاجر الذي يكسب الربح الوفير والمال العميم يشعر أيضاً بالروحانية إن هو التزم الأحكام الشرعية وراعى الحلال والحرام في تجارته، قال عليه الصلاة والسلام : " التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء"( 15). وفي الحياة الزوجية يقول عليه الصلاة والسلام: “وفي بُضع أحدكم صدقة” قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجراً"( 16).

هذه النظرة الشرعية للإنسان وسلوكه وتقواه، هي التي ميزت الحياة في المجتمع الإسلامي خلال عهود نهضته وقوة الدولة الإسلامية. فلم يكن يوجد في ذلك المجتمع شرخ بين المادة والروح، ولم يكن يعرف في الدولة الإسلامية صراع بين سلطتين زمنية وروحية. إذ لم يكن هنالك إلا سلطة واحدة ترعى شؤون الناس بنظام الإسلام، وبناء على العقيدة الإسلامية، أي بناء على إدراك الصلة بالله تعالى. فالدولة سلطة سياسية تقوم على أساس روحي. ولم يكن هناك وجود لما يعرف اليوم بمحاكم مدنية وأخرى شرعية، وإنما كان هناك محاكم إسلامية تفصل كل أنواع الخصومات بين الناس بأحكام الشرع الإسلامي، سواء كانت متعلقة بالحكم أو المال أو الاجتماع (الأحوال الشخصية) أو غير ذلك من العلاقات المجتمعية.

إلى أن أتى الزمان الذي سيطرت فيه دول الغرب على بلادنا، وهدمت الدولة الإسلامية، وأقصت نظام الإسلام عن معترك الحياة والمجتمع والدولة، وجعلت شؤون الدين قاصرة على العبادات والأخلاق وما يسمونه الأحوال الشخصية. وأقامت دولاً تطبق الأنظمة الوضعية المادية وتفصل الدين عن الدولة.

فوُجدت في البلاد الإسلامية سلطات روحية تتمثل في “المفتي”، وقسموا المحاكم إلى مدنية تتولى فصل الخصومات بالقوانين الوضعية فيما يتعلق بالحكم والمال وما شاكل ذلك، ومحاكم شرعية تتولى رعاية الشؤون الاجتماعية أو ما يسمونه “الأحوال الشخصية” من زواج وطلاق وإرث.

هذا النمط من العيش الذي يحكم حياتنا اليوم، ليس هو النمط الذي يرضاه الله تعالى ورسمه لنا في الرسالة الإسلامية. لذلك فإن قضية المسلمين المصيرية هي أن يعملوا على استئناف الحياة الإسلامية وإعادة نظام الإسلام إلى معترك الحياة والمجتمع، وأن يقضوا على كل ما يوحي بفصل الدين عن الدولة، من تقسيم المحاكم إلى مدنية وشرعية، ومن تنصيب سلطات روحية، ومن إقامة وزارات للأوقاف والمساجد وما شاكل ذلك. ففي نظام الإسلام هناك سلطة واحدة تحكم بما أنزل الله، وعلى المسلمين طاعتها في طاعة الله. قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً }( 17).

**_______________________________

(1)ول ديورانت - قصة الحضارة - جـ11 - ص 282.

(2) سورة الحجر - الآية 29

(3) سورة السجدة - الآية 9

(4) سورة الشعراء - الآيتان 193-194

(5)سورة الإسراء - الآية 85

(6)الإمام محمد بن أبي بكر الرازي - مختار الصحاح - المادة “روح”.

(7) سورة النساء - الآية 65

(8) سورة الإسراء - الآية 70

(9) سورة الجاثية - الآية 13

(10)سورة الأعراف - الآية 32

(11)سورة النحل - من الآية 5 إلى الآية 8

(12) صحيح البخاري -كتاب النكاح- الحديث 5063

(13)سورة البقرة - الآية 172

(14)سورة المائدة - الآية 87

(15)رواه الدارمي في سننه - كتاب البيوع - باب في التاجر الصدوق

(16) رواه مسلم -كتاب الزكاة- الحديث رقم 53 في بابه

(17)سورة النساء - الآية 59**

وبناء عليه يمكن أن نعرّف الناحية الروحية بكون الشيء مخلوقاً لله سبحانه وتعالى. فالكون والإنسان والحياة، ليست أشياء مكونة من عنصرين هما المادة والروح، وإنما هي أشياء مكونة من مادة فقط ولا يوجد في تركيبها شيء آخر. إلا أنها تتصف بناحية روحية ليست جزءاً من تركيبها، وإنما هي أمر اعتباري، وهو كونها مخلوقة لخالق. فالناحية الروحية في الكون هي كونه مخلوقاً لخالق، والناحية الروحية في الحياة هي كونها مخلوقة لخالق، والناحية الروحية في الإنسان هي كونه مخلوقاً لذلك الخالق سبحانه. والروح - بالمعنى الاصطلاحي الذي نتكلم عنه- هي إدراك الصلة بالله تعالى. فشعور الإنسان بالروح أو الروحانية هو إدراكه لصلته بالله تعالى من حيث إنه مخلوق له وعبد خاضع لقدرته وتدبيره عز وجل.

من هنا، فإنه لا يعود هناك مجال للكلام عن أن الإنسان مكون من جسد وروح، وأن هناك صراعاً بين هذين العنصرين، وأن على الإنسان أن يغلّب الروح على الجسد أو أن يوازي بينهما. وإنما الذي يطرح هو السؤال التالي : ما مدى تأثير الروح - التي هي إدراك الصلة بالله - على الإنسان وحياته وسلوكه ؟

إن أصل سلوك الإنسان، هو أن فيه طاقة حيوية تدفعه إلى القيام بالأعمال. ونعني بالطاقة الحيوية هنا الدوافع والجوعات التي يندفع الإنسان بطبيعته إلى إشباعها. وإذا دققنا في واقع هذا الإنسان وجدنا أن هذه الطاقة الحيوية هي عبارة عن حاجات عضوية، كالحاجة إلى الغذاء والنوم وغير ذلك مما لا يمكن للإنسان أن يبقى على قيد الحياة إن لم يشبعها. ثم الغرائز التي يندفع لإشباعها بإلحاح بحيث إنه يشعر بالقلق والاضطراب إن لم يشبعها.

هذه الحاجات والغرائز لدى الإنسان يلزمها نظام ينظم إشباعها. وهذا النظام إما أن يكون من عند الله تعالى وإما من عند الإنسان. فإن أشبعت تلك الحاجات والغرائز دون نظام أو بنظام من عند غير الله عز وجل، كان ذلك الإشباع إشباعاً مادياً لا روح فيه. أما إن أشبعت بنظام من عند الله بناء على إدراك الصلة به تعالى. أي بناء على الإيمان بالله خالقاً ومدبراً، فإن هذا الإشباع يكون إشباعاً صحيحاً مسيّراً بالروح. ومن بين تلك الغرائز التي يشعر الإنسان بالحاجة لإشباعها غريزة التدين التي يظهر أثرها في نزوع الإنسان نحو التقديس والتبجيل والعبادة والتذلل وإكبار الأقوى والأقدر. فالإحساس بالنقص والعجز الطبيعيين لدى الإنسان يؤدي تلقائياً إلى الشعور بالحاجة إلى الخالق المدبر، وهذا ما عنيناه بغريزة التدين. إلا أن هذه الغريزة كسائر الغرائز، إما أن تشبع إشباعاً مادياً بمعزل عن الإيمان بالله تعالى خالقاً مدبراً، وذلك كعبادة الأوثان أو الكواكب أو الملوك أو الأبطال أو غيرها من سائر المخلوقات، وإما أن تشبع إشباعاً روحياً بعبادة الله وفق نظام من عنده عز وجل.

إن الإسلام لما قام على أساس الإيمان بالله تعالى، قرر الناحية الروحية في الإنسان وحياته وما يحيط به من مادة الكون، من حيث إن هذه الأشياء هي مخلوقة لخالق هو الله تعالى. ثم إنه جعل حياة المسلم كلها تقوم على أساس روحي، وجعل الروح ملابسة لكل عمل يقوم به. ذلك أن الله تعالى شرع شريعة هي نظام شامل لحياة الإنسان كلها ومعالجات لكل مشاكله، وبالتالي جعل لكل فعل من أفعال العباد حكماً شرعياً، يجب على المؤمن أن يلتزم به حين القيام بالعمل، وذلك بناء على إيمانه بالله تعالى رباً وإلهاً معبوداً مطاعاً، { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً }(7). فالمؤمن حين يلتزم في أفعاله كلها -وهي مادة- بأوامر الله ونواهيه بناء على إدراك الصلة بالله، أي بناء على الإيمان بالله تعالى، فإنه يكون قد مزج المادة بالروح، وقامت حياته كلها على أساس روحي، هو العقيدة الإسلامية.

وبناء عليه، فإن المسألة ليست: هل يشبع الإنسان حاجاته ورغباته أم لا يشبعها ؟ وليست أيضاً: كم يشبعها ؟ ولا هي: ماذا يشبع، الجسد أم الروح ؟ ولا هي: ماذا يغلّب، الجسد أم الروح ؟ فمن الخطأ أن تكون هذه الأسئلة محل بحث. وإنما محل البحث هو : كيف يكون الإشباع، وعلى أي أساس يجب أن يقوم ؟

لذلك، فقد أخطأ من ظن أن التقوى تكون بالتقشف والبعد عن المتع والملذات وهجران نعيم الدنيا ومتاعها. فقد يمارس ذلك التقشف إنسان كافر لا يؤمن بالله حق الإيمان، فأين منه التقوى ؟ بل إن آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تصرح بأن الله تعالى خلق الدنيا ومتاعها وسخر كل ما فيها للإنسان، على أن يأخذها بحقها، أي وفق أوامره ونواهيه عز وجل. فالله تعالى يقول : { ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً }(8 )، وقال سبحانه : { وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون }(9 )، وقال عز وجل : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصّل الآيات لقوم يعلمون }( 10)، وقال سبحانه مذكراً بنعمه على عباده: { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم * والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون}(11 )، وغير ذلك الكثير من الآيات التي تتضمن هذا المعنى.

وفي عهد النبوة فهم بعض الناس التقوى بالتقشف وقهر النفس والجسد، وعندما سألوا عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقالّوها، فنذروا على أنفسهم تكاليف قاسية ما أنزل الله بها من سلطان، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وأنهم أصابوا التقوى. فلما بلغ خَبرُهم رسولَ الله  شعر بخطر ذلك الفهم المنحرف، فاتخذ الإجراء الذي تستحقه تلك الظاهرة. فقد روى البخاري عن أنس بن مالك أنه قال : " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي  يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم : أما أنا فأنا أصلي الليل أبداً. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"(12 ).

في العصور الوسطى، عصور التدين، كان من الطبيعي أن تنتصر السلطة الروحية على السلطة الزمنية، إلى حد أذل بعض الملوك والأباطرة ومرغ أنوفهم في التراب، فكان الإمبراطور أو الملك الشرعي هو ذلك الذي يقلده بابا روما سلطة الحكم على الرعايا فيحكم الملك رعاياه بتفويض إلهي تمثل في التقليد العلماني الذي ناله من رأس الكنيسة الكاثوليكية، والويل للملك أو الأمير الذي ينزل به غضب الكنيسة ويصدر بحقه قرار حرمان كنسي. وكان نجاح الحروب الصليبية التي حض عليها أحبار روما العظام - وقد استهدف معظمها بلاد المسلمين في الشام وشمال إفريقية - من العوامل التي عززت موقع الكنيسة وسلطتها على أوربّا في العصور الوسطى. إلا أن القرون توالت لتوهن من قبضة الكنيسة وليعود الملوك والأمراء للتفلت من عقالها من جديد. فمع أفول نجم الحروب الصليبية واستنفاد أغراضها، عادت كفة السلطة الزمنية ترجح على كفة السلطة الروحية، وفي العصور الحديثة - أي بين بداية القرن السادس عشر ونهاية القرن الثامن عشر - ضعف تأثير الدين إلى حد ما على المجتمع وسطع نجم فلاسفة “التنوير”، في أوربّا، وفقدت الكنيسة ذلك السلطان الذي نعمت به خلال العصور الوسطى، وأصبحت مجرد مبرر لسلطة الملوك والأمراء الحاكمين. ومع بداية القرن التاسع عشر تم فصل الدين عن المجتمع والدولة نهائياً، وأقصيت الكنيسة عن التدخل في شؤون السياسة والحكم، وأصبحت مهمتها قاصرة على الكهنوت وشؤون العبادة والزواج وما شاكلها، وأصبح للكنيسة دولة الفاتيكان الروحية التي تتولى رعاية الشؤون الكهنوتية للنصارى الكاثوليك في العالم كله.

وهكذا توزعت رعاية شوؤن الناس بين سلطتين منفصلتين، سلطة تحكم المجتمع وعلاقاته وتسيّر شؤون السياسة الداخلية والخارجية، وسلطة تتولى رعاية الشؤون الدينية والكهنوتية بمعزل عن السلطة الزمنية.

هذا هو أثر فلسفة المادة والروح تلك على بعض الأمم والشعوب منذ قديم الزمان وحتى يومنا هذا. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة بعد هذا العرض هو : ما مدى صحة تلك الفلسفة ؟ ثم ما هو رأي الإسلام في هذه المسألة ؟

إن كثيراً ممن تصدوا لبحث هذا الموضوع من المسلمين، لم يبحثوا المشكلة من جذورها، وظنوا أن خلافهم مع أصحاب تلك الفلسفة ليس هو من حيث الأصل وإنما هو خلاف في التفصيل والتفريع والبناء. أعني أن معظمهم سلموا مع خصومهم بأن الإنسان مكون من جسد وروح، ثم نازعوهم في الكيفية التي يجب أن يعامل بها الجسد والروح، فقال كثير منهم إن الإسلام حافظ على التوازن ما بين الروح والجسد، بحيث أعطى لكل منهما غذاءه وما يتطلبه دون أن يطغى أحدهما على الآخر، فغذى الروح بالإيمان والعبادات والأذكار والقربات، ونظم غذاء الجسد بما شرعه من أحكام المطعومات والملبوسات والزواج وغيرها.

ولكننا نقول : إن معالجة مشكلة حساسة كهذه تتطلب مزيداً من الدقة والعمق في محاكمة الأفكار والآراء المطروحة فيها. فيُطرح السؤال لمحاكمة الأساس الذي تقوم عليه تلك الفلسفة: هل الإنسان مكون حقاً من المادة والروح ؟

إن الالتباس في المسألة وقع لدى كثير من الناس بسبب ما هو معلوم من أن الإنسان فيه روح، هي سر حياته، بوجودها يحيا وبخروجها يموت. ومن أن الله تعالى يقول : { ونفخت فيه من روحي }( 2)، ويقول : { ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون }(3 ). ومن غير ذلك من الآيات والأحاديث التي تتكلم عن الروح وكينونتها في الإنسان. وهكذا سلم كثير من المسلمين لتلك الفكرة التي تقول إن الإنسان مكون من جسد وروح وإن لكل منهما غذاءه.

إلا أن الدقة تستوجب إنعام النظر في الفكرة لمعرفة ما هو المقصود بالروح التي يتكلمون عنها. فكلمة الروح هي كلمة مشتركة تحتمل العديد من المعاني. فقد وردت في لغة العرب وفي القرآن الكريم بعدة معانٍ. فمن تلك المعاني ما ورد في قوله تعالى : { نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين }(4 )، والمقصود بالروح هنا جبريل عليه السلام. ومن تلك المعاني ما ورد في قوله تعالى : { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً }( 5)، والمقصود بالروح هنا روح الإنسان التي بوجودها توجد الحياة وبخروجها يموت الإنسان. والروح بهذا المعنى شيء لا يطّلع عليه الإنسان وإن رأى أثره، وهو الحياة التي تدب في الجسد وتبعث فيه الحركة والحيوية. وبالجملة أطلقت عبارة الروح على عدة معان. قال صاحب “مختار الصحاح” : " الروح يذكر ويؤنث والجمع الأرواح. ويسمى القرآن وعيسى وجبرائيل عليهما السلام روحاً، والنسبة إلى الملائكة والجن روحاني بضم الراء والجمع روحانيون. وكذا كل شيء فيه روح روحاني بالضم"(6 ).

إلا أن هذه المعاني كلها ليست هي المقصودة حين يتكلمون عن الروح والروحانية والناحية الروحية في الكون والإنسان والحياة. وإنما يراد معنى آخر هو معنى اصطلاحي، وليس من المعاني اللغوية التي يمكن أن نجدها في معاجم اللغة العربية القديمة. وإذا أراد الباحث أن يدرك معنى اصطلاحٍ ما، فإن عليه أن يدقق في النصوص التي ورد فيه ذلك الاصطلاح ليقف على المعنى الذي رمى إليه أولئك الذين تكلموا به. والمدقق في معظم تلك النصوص يجد أن هؤلاء يستخدمون كلمة الروح أو الروحانية أو الناحية الروحية، للتعبير عما يشعر به الإنسان حين إدراكه لصلته بخالقه عز وجل، فيقال إن المؤمن يشعر بالروحانية حين قيامه بشعائر العبادة من صلاة أو صيام أو حج. وحين يتأمل في ملكوت الله، يشعر بالناحية الروحية. ويشعر بالروح أيضاً حين يسمع الابتهالات والأدعية وحين يدخل دور العبادة وما شاكل ذلك. وهذا المعنى لا صلة له بالروح التي هي سر الحياة، إذ إن هذه الأخيرة تسري في الإنسان المؤمن الذي يشعر بالروحانية وفي الإنسان الملحد المنكر لوجود الله والذي لا يشعر بالتالي بالناحية الروحية أو الروحانية.