**وحديث رؤية الهلال جاء فيه اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً، عن ابن عباس قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت الهلال يعني رمضان، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله، قال: نعم، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله، قال: نعم، قال: يا بلال قم فأذن في الناس فليصوموا غداً» فهذا الحديث موضوعه رؤية الهلال، فهو يبحث في رؤية الهلال، فما صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم من سؤاله الشاهد بأنه مسلم لا يعم كل شاهد بل خاص بشاهد رؤية الهلال، فهو دليل على أنه يشترط في رؤية الهلال أن يكون الشاهد مسلماً. ولا يدل على اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً في غير رؤية الهلال، فهو دليل على اشتراط الإسلام في شاهد رؤية الهلال وليس دليلاً على اشتراط الإسلام في الشاهد.
فمن هذا كله يتبين أن الأصل جواز شهادة غير المسلم في كل شيء لأنه مخاطب بالتكاليف، وهي تصح منه إن لم يأت نص في اشتراط الإسلام فيها، والشهادة من التكاليف لأنها خطاب الشارع وهو موجه لجميع الناس، ولم يأت نص في اشتراط الإسلام فيها، فتصح من غير المسلم كالجهاد. ويتبين أيضاً أن هناك حوادث لا تصح فيها شهادة غير المسلم، بل يشترط فيها أن يكون الشاهد مسلماً وهي الحوادث التي جاءت النصوص مشترطة فيها أن يكون الشاهد مسلماً، وهي الحقوق المالية، والوصية ما عدا حالة السفر فتجوز فيها وحدها شهادة غير المسلم، والرجعة والطلاق ومن الرجعة الزواج. وما عدا هذه الحوادث التي جاء النص مشترطاً فيها أن يكون الشاهد مسلماً، فإن شهادة غير المسلم جائزة. فيجوز لغير المسلم أن يكون شاهداً في الحدود، فيجوز أن يكون شاهداً في الزنا. وأما قوله: “يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ” فإنه لم يشترط فيهم الإسلام، بل أطلق وقال شهداء أي شهداء، ويجوز أن يكون شاهداً في السرقة والقذف وشرب الخمر وغير ذلك من الحدود. ويجوز أن يكون شاهداً في الجنايات، وقد تأيد جواز شهادة غير المسلم في الجنايات علاوة على الدليل العام ما جاء في حديث بشير بن يسار، فقد روى البخاري: «عن بشير بن يسار زعم أن رجلاً من الأنصار يقال له سهل بن أبي حتمة أخبره أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها، ووجدوا أحدهم قتيلاً، وقالوا للذي وجد فيهم قتلتم صاحبنا، قالوا ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلاً، فقال: الكبر الكبر، فقال لهم تأتون بالبينة على قتله، قالوا ما لنا بينة، قال فيحلفون. قالوا لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه فواده مائة من ابل الصدقة» فهذا الحديث يدل على أن الرسول طلب منهم بينة على قتل قتيل قتل عند اليهود، إذ قالوا له “انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلاً” ومع معرفته أن الحادثة في خيبر عند اليهود وفي قبيلتهم قد أطلق البينة ولم يعينها بأن تكون من المسلمين، والقرينة أن الحادث عند اليهود، مما يدل على أنه لو جاءت بينة من اليهود لقبلها ويؤيد هذا أنه عرض على المدعين أن يحلف اليهود اليمين، فقد جاء في رواية سهل بن أبي حتمة: «فتبرئكم يهود بخمسين يميناً، فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار» واليمين من البينات. فهذا يدل على أن بينة الجنايات يقبل فيها الشاهد غير المسلم ويقبل فيها يمينه.
وكذلك تجوز شهادة غير المسلم في المعاملات ما عدا الحقوق المالية، وفي العقود والتصرفات ما عدا الوصية، وما عدا الرجعة والطلاق والزواج. ولا تجوز في رؤية الهلال لورود النص، وتجوز في الأمور الفنية كالطب ونحوه، ولا فرق في ذلك بين الذمي والمستأمن. وأما الكافر الحربي فينظر فيه فإن كان بيننا وبينهم أي قومه حالة حرب فعلية فإنه لا تجوز شهادته للعداوة التي بيننا وبينهم، وإن لم تكن بيننا وبينهم حالة حرب فعلية فإن شهادة الكافر الحربي جائزة لأنه داخل في عموم خطاب التكليف، ولا يقال أن بيننا وبينه عداوة، لأن هذه العداوة عداوة دين، وعداوة الدين لا تمنع من قبول الشهادة بل الذي يمنع هو عداوة الدنيا، والكافر الذي بيننا وبينه حال حرب فعلية بيننا وبينه عداوة دنيا وهي الحرب.
هذا بالنسبة لشهادة غير المسلمين للمسلمين، وأما شهادتهم لغير المسلمين أي شهادة الكفار للكفار فإنها جائزة، فيجوز للكفار أن يشهد بعضهم لبعض في كل شيء، لما روى ابن ماجة عن جابر أن النبي : «أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم لبعض» ومثل الذمي المستأمن.**
**إلا أنه ينبغي أن يعلم أن الحقوق المالية غير العقود، وغير التصرفات، ولذلك لا تعني الآية اشتراط الإسلام في الشهادة في البيع والإجارة والوكالة والرهن وغير ذلك من العقود، ولا في التصرفات كالهبة ونحوها، فإن هذه ليست من الحقوق المالية بل هي عقود وتصرفات فتجوز شهادة غير المسلم فيها إن لم يرد نص خاص في الموضوع. والدليل على أن العقود والتصرفات لا تدخل في الحقوق المالية أن الآية قد حددت الحق بقولها: “الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ” وبقولها: “تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ” وبقولها: "إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا"فالمسألة تتعلق بأثمان التجارة والديون أي بالنقد، يعني بالمال بمعنى النقد لا بالمال بمعنى المتمول، ولذلك سميت الآية آية الدين. والعقود والتصرفات ليست حقوقاً مالية بل معاملات. إلا أن استحقاق الأثمان والأجور من الأمور المالية، فعقد البيع لا يدخل في الحقوق المالية ولكن استحقاق ثمن المبيع يدخل في الحقوق المالية، وعلى هذا المنوال تجري سائر العقود والتصرفات. فيكون اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً إنما هو في مثل استحقاق ثمن البيع، وما عداه كعقد البيع مثلاً فلا يشترط في الشاهد فيه أن يكون مسلماً. وبذلك يظهر أن الآية خاصة في موضوع معين، وأن ما فيها من أحكام خاص في هذا الموضوع. وآية الوصية جاء فيها اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً، قال الله تعالى: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ” فهذه الآية موضوعها الوصية، فهي تبحث في الوصية، وعلى ذلك فهي خاصة في موضوع الوصية، فكل ما فيها خاص بالوصية ولا يتعداها إلى غيرها. ذلك أن شهادة غير المسلم في العقود كالبيع وفي التصرفات كالهبة جائزة، والوصية من التصرفات، فلو لم يأت النص لكانت شهادة غير المسلم فيها جائزة ولكن جاء النص واشتراط في الشهادة في الوصية أن يكون الشاهد مسلماً حيث قال: “شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ” فكان شرط الشاهد في الوصية أن يكون الشاهد مسلماً. فإن معنى الآية هو: إذا نزلت بأحدكم أسباب الموت ومقدماته وأراد حينئذ أن يوصي، فالشهادة المشروعة بينكم أي بين المسلمين في ذلك هي شهادة اثنين من رجالكم ذوي عدل، وذلك بأن يشهدهما الموصي على وصيته، أي أن الشهادة المشروعة بين المسلمين في الوصية هي شاهدان ذوا عدل من المسلمين. ويظهر أن هذا الاشتراط لأنها من خصوصيات المسلمين ولذلك قال: “شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ” والبين أمر اعتباري يفيد صلة أحد الشيئين بالآخر أو الأشياء من زمان أو مكان أو حال أو عمل، وقالوا انه يطلق على الوصل والفرقة، ومن دلالته على الفرقة قولهم “ذات اليمين” للعداوة والبغضاء، قال تعالى: “وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ” أي ما بينكم من عداوة أو فساد، وهو أمر معنوي متصل بين الأفراد، فيكون قوله: "
“شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ” أي الشهادة فيما بينكم أو حكم ما يقع بينكم من الشهادة، أي بين المسلمين، فهذا الوضع يدل على أنها من خصوصيات المسلمين فاشترط فيها أن يكون الشاهد مسلماً.
وقد استثنى الشارع من الوصية حالة السفر فقط فأجاز في هذه الحالة شهادة غير المسلم في الوصية فقال تعالى: “أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ” أي إذا ضربتم في الأرض أي سافرتم ونزلت بكم أسباب الموت ومقدماته فآخران من غيركم. فالآية قد اشترطت في الوصية شاهدين مسلمين وعطفت على ذلك حالة خاصة من حالات الوصية فأجازت فيها شهادة غير المسلمين ألا وهي حالة السفر، فكأنها استثنت حالة السفر من حالات الوصية. لأن (إن) شرطية وهي تفيد الاشتراط، وهي متعلقة بقوله: “أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ” والمعنى هو: الشهادة المشروعة بينكم حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم، وإن أنتم ضربتم في الأرض فآخران من غيركم. والدليل على أن هذا هو معنى الآية، أن شهادة المسلم في الوصية جائزة في السفر وفي غير السفر فلا معنى لتعلق قوله: “إِنْ أَنْتُمْ” بقول: “اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ” إذ لا محل لذلك ولا لزوم لذكر حالة السفر بالنسبة لشهادة المسلمين، فيكون إذن قوله: “إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ” متعلقاً فقط بقوله: “أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ” وليس بقوله: "اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ"ويكون وضع الآية هكذا: “أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ” وبهذا يظهر أن قوله: "أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْط دليل على جواز شهادة غير المسلم في الوصية في حال السفر، فهو دليل على حالة واحدة من حالات موضوع معين، وليس دليلاً على جواز شهادة غير المسلم مطلقاً. ولا يقال أنها دليل على جواز شهادة غير المسلم في الأمور المالية، لأن مثل هذا القول يخالف نص الآية ومدلولها، فنص الآية حالة خاصة في موضوع خاص، هو الوصية في حالة السفر، ومدلولها وهو الوصية في السفر تصرف من التصرفات وليس حقاً من الحقوق المالية، فهو ليس كالدّين وإنما هو كالهبة ولذلك لا ينطبق على الحقوق المالية.
ومن هذا كله يظهر بوضوح أن الآية خاصة في موضوع معين وأن ما فيها من أحكام وهو اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً خاص في هذا الموضوع، وقد استثنى منه حالة واحدة هي حالة السفر فأجيز شهادة غير المسلم في الوصية إذا كانت في حالة السفر: “أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ”.
وآية الرجعة والطلاق قد جاء فيها اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً، قال الله تعالى: “يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ” إلى أن قال: “فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ” فهذه الآية موضوعها الرجعة والطلاق: “فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ” فهي تبحث في الرجعة والطلاق، فهي إذن خاصة في موضوع الرجعة والطلاق، فكل ما فيها خاص بالرجعة والطلاق ولا يتعداهما إلى غيرهما، فيكون قوله: “وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ” في هذه الآية خاصاً بالرجعة والطلاق، فهو دليل على أنه يشترط في الشهادة على الرجعة والطلاق أن يكون الشاهد مسلماً ولا يدل على اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً في غير الرجعة والطلاق فيكون دليلاً خاصاً لموضوع خاص ولا يكون عاماً. وأما اشتراط أن يكون الشاهد في الزواج مسلماً فإنه أخذ من الآية من قبيل دلالة الفحوى، أي إذا كانت الرجعة يشترط فيها أن يكون الشاهدان مسلمين فالزواج من باب أولى يشترط فيه أن يكون الشاهدان مسلمين. على أن الرجعة نفسها زواج لمطلقته فهي زواج فتكون الآية دلت على الزواج، وعلى ذلك فالآية خاصة في موضوع معين، وما جاء فيها من اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً هو خاص في الموضوع الذي جاءت به وهو الرجعة والطلاق، ويدخل في الرجعة الزواج.
يتبع…**
**شهادة غير المسلم
إن اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً اشتراطاً مطلقاً مناقض للنصوص الشرعية، فقد ورد جواز شهادة غير المسلم في الوصية في السفر كما جاء في آية: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) وورد جواز شهادة غير المسلم في القتل كما يفهم من حديث بشير بن يسار في قتيل خيبر. وعليه لا يصح أن يشترط في الشاهد أن يكون مسلماً اشتراطاً مطلقاً. وكذلك لا يصح أن يطلق جواز شهادة غير المسلم إطلاقاً عاماً لأن ذلك يتعارض مع النصوص الشرعية، فقد ورد اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً في الأمور المالية كما جاء في آية: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) وورد اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً في الطلاق والرجعة كما في آية: (فَأَمْسِكُوهنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) وعليه لا يصح أن تجوز شهادة غير المسلم بشكل مطلق في جميع الحوادث. وعلى ذلك لا بد من التفصيل في شهادة غير المسلم والتقيد بالنصوص من الكتاب والسنة من غير أي تأويل.
وعند التدقيق في هذا الموضوع نجد أن الشهادة عمل من الأعمال التي جاء بها خطاب الشارع، وهي تكليف من التكاليف الشرعية، والكافر مخاطب بخطاب الشارع كالمسلم سواء بسواء، لأن الإسلام جاء لجميع الناس: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ) وكما أن الكافر مكلف بالأصول، أي بالعقيدة الإسلامية فكذلك هو مكلف بالفروع أي بالأحكام الشرعية بدليل مخاطبة الله لهم بالفروع في آيات متعددة: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) ، (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ(وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ) (الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ، ) (فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى) إلى غير ذلك. وبما أن الشهادة من الفروع ومما جاء في خطاب الشارع فيكون المسلم والكافر مكلفين بها ولا كلام. أما أداء الكافر للفروع فإن ما جاء منها مشترطاً فيه الإسلام كالصلاة والزكاة والحج وما شاكل ذلك فلا تصح من الكافر وهو كافر، لأن الإسلام شرط في صحة أدائها، وما لم يشترط فيه الإسلام كالجهاد والبيع والإجارة وما شاكل ذلك فإنها تصح من الكافر وهو كافر ولذلك قاتل قزمان وهو كافر مع الرسول، وعامل الرسول اليهود فرهن درعه عند يهودي. وعلى ذلك فإن أي عمل أو أي عقد أو أي تصرف، أي أي شيء جاء خطاب الشارع به يصح أداؤه من الكافر ما لم يأت نص يشترط فيه الإسلام، وهذا عام يشمل الشهادة وغيرها من سائر الفروع. فعلى هذا يبحث في الشهادة هل اشترط فيها الإسلام كالصلاة والزكاة أم لم يشترط فيها الإسلام كالجهاد والبيع؟ فإن اشترط فيها الإسلام لم تصح من الكافر، وإن لم يشترط ذلك صحت. وبتتبع النصوص في الكتاب والسنة لا نجد أن هناك نصاً يشترط الإسلام في الشهادة اشتراطاً مطلقاً كما هي الحال في الصلاة والحج مما اشترط فيه الإسلام. وأما الآيات التي جاء فيها اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً فإنها آيات خاصة في مواضيع معينة وليس فيها أية آية عامة، فهي خاصة في الموضوع الذي جاءت به وليست عامة. فيكون اشتراط أن يكون الشاهد مسلماً خاصاً في ذلك الموضوع الذي جاءت به فلا تصلح دليلاً على اشتراط الإسلام في الشهادة بل تكون دليلاً على ما جاءت به كآية الرجعة والطلاق. وعلى ذلك فإن الحكم الشرعي جواز شهادة الكافر في كل شيء إلا ما جاء النص باشتراط الإسلام فيه، فما جاءت النصوص مشترطة الإسلام في الشاهد لا تصح فيه شهادة الكافر، وما لم يأت نص باشتراط الإسلام فيه صحت فيه شهادة الكافر كما يصح منه الجهاد والبيع والرهن والإجارة وغير ذلك من التكاليف.
أما الدليل على أن الإسلام اشترط في مواضيع معينة فقط ولم يشترط اشتراطاً عاماً فهو الآيات التي جاءت تنص على شرط الإسلام في الشهادة، فإنها جاءت خاصة في مواضيع معينة، قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) الآية. فهذه الآية موضوعها الدّين والأمور المالية والتجارية: (تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ، )(وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، )(فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا، )(إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً) فالآية تبحث في الحقوق المالية، فهي خاصة في موضوع الحقوق المالية، فكل ما فيها من أحكام خاص بالحقوق المالية ولا يتعداها إلى غيرها. لأنه إذا جاء النص في موضوع فإن النص يكون معلقاً بذلك الموضوع، فالنص الذي يقال في حادثة معينة، والنص الذي هو جواب سؤال يجب تخصيصه في موضوع الحادثة أو السؤال ولا يصح أن يكون عاماً في كل شيء، لأن السؤال معاد في الجواب، ولأن الكلام في موضوع معين، فيجب أن يقتصر الحكم على ذلك الموضوع، لأن لفظ النص الذي يبين فيه حكم الحادثة أو حكم السؤال معلق بالحادثة وحدها أو السؤال وحده وليس معلقاً بغيرها مطلقاً، فيكون الحكم معلقاً بموضوع الحادثة أو موضوع السؤال، أي بالذي يجري الحديث عنه أو بالأمر المسؤول عنه وليس معلقاً بغيره، فلا يعم غير الموضوع بل يكون خاصاً به. وما جاء في الآية هو الحقوق المالية، والحديث جرى عن الحقوق المالية، فيكون الحكم معلقاً بالحقوق المالية فلا يعم غير الحقوق المالية بل يكون خاصاً بها لا يتعداها إلى غيرها. ومن هذا يتبين أن اشتراط الإسلام في الشاهد الوارد في قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)خاص بالحقوق المالية لأن موضوع الآية الحقوق المالية فلا يكون شرطاً عاماً للشاهد بل يكون شرطاً للشهادة في الحقوق المالية.
وبناء على هذه الآية يشترط أن يكون الشاهد مسلماً في جميع الحقوق المالية، في الدين والتجارة وسائر الحقوق المالية كاستحقاق ثمن المبيع وأجرة الدار وبدل المتلف والمغصوب وما شاكل ذلك من الحقوق المالية التي كالدّين والتجارة. لأن اشتراط الإسلام في الشاهد صريح في الآية: (مِنْ رِجَالِكُمْ() أي من المسلمين، وكون موضوع الآية هو الحقوق المالية واضح كل الوضوح، فلا كلام باشتراط أن يكون الشاهد مسلماً في الحقوق المالية.
يتبع …**
**شروط الشاهد
يشترط في الشاهد ما يشترط في سائر التكاليف من أنه لا بد أن يكون بالغاً عاقلاً لحديث رفع القلم عن ثلاث ومنها الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق، ولأن الله يقول: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ، ) (مِنْ رِجَالِكُمْ) فذكرت الرجال فقط مما يدل على أن شرط الشاهد أن يكون رجلاً أي بالغاً. ويشترط فيه فوق ذلك أن يكون عدلاً. فلا يجوز أن يقبل في شيء من الشهادات من الرجال والنساء إلا العدل، وذلك لأن وصف العدل قد قرنه الله بالشاهد في أكثر من آية مما يدل على أنه وصف لازم وهذا يدل على أنه شرط من شروط الشهادة. قال تعالى: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) وقال تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) فالعدالة شرط في الشهادة.
والعدل هو من لا يظهر عليه الفسق، فمن كان فاسقاً ظاهر الفسق لا تقبل شهادته، ومن لم يكن ظاهر الفسق تقبل شهادته. وقد اختلف في تعريف العدل فقيل ان العدل هو من لم تعرف له كبيرة ولا مجاهرة بصغيرة، وهذا غامض لأن تعريف الكبائر غير متفق عليه، بل إنه غير متفق على أن هناك كبائر وصغائر، فإنه ليس في الذنوب صغيرة، فمخالفة أمر الله كبيرة سواء أكانت كذباً أم كانت شهادة زور، وما جاء من النص على ذنوب بأنها كبيرة المراد منه التشديد على النهي عنها وإلا فإن هناك ذنوباً أكبر مما نص عليه ولم ينص على أنها كبيرة، فقد نص على شهادة الزور بأنها كبيرة ولم ينص على قطّاع الطرق بأنهم مرتكبوا كبيرة. وشهادة الزور نوع من الكذب فهي كبيرة، والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأت في الكبائر، فلا يوجد حد للكبائر ولا حد للصغائر حتى يقال من لم تعرف له كبيرة ولا مجاهرة بصغيرة، وعليه كان التعريف غامضاً. والأولى أن يقال أن العدل هو من كان منزجراً عما يعتبره الناس خروجاً عن الاستقامة. وذلك أن كلمة عدل بالنسبة للشهود وردت في القرآن في آيتين اثنتين: (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)، (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) فهي من ألفاظ القرآن، وعلى ذلك لا تفسر تفسيراً اصطلاحياً ولا تفسيراً كيفياً وإنما تفسر كما تفسر سائر ألفاظ القرآن وجمله، فتفسر بمعناها اللغوي إن لم يكن لها معنى شرعي آخر ورد في الكتاب والسنة، فإن كان لها معنى شرعي فتفسر بالمعنى الشرعي. وبالاستقراء لم يوجد لكلمة عدل بالنسبة للشاهد معنى خاص جاء به الشرع غير معناها اللغوي وعلى ذلك يجب تفسيرها بالمعنى اللغوي، وكلمة العدل بالنسبة للشاهد معناها في اللغة من عرف عند الناس بشكل عام أنه مستقيم، قال في القاموس المحيط “العدل ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم كالعدالة والعدول والمعدلة، عدل يعدل فهو عادل من عدول، وعدل بلفظ الواحد وهذا اسم للجمع، رجل عدل وامرأة عدل وعدلة، وعدل الحكم تعديلاً أقامه، وفلاناً زكاه، والميزان سواه، والعدلة محركة كهمزة المزكون” فهذا النص لمعنى العدل بالنسبة للشاهد يدل على أن العدالة هي الاستقامة، غير أن تعريف العدالة بأنها الاستقامة، وتعريف العدل بأنه ما قام في النفوس أنه مستقيم كلام غامض لأنه ليس لهذه الاستقامة حد يوقف على معرفته، لأن أحوال الناس تتفاوت، ولأن البيئات تتفاوت في نظرتها للاستقامة، والاستقامة وإن كانت هي السير في الطريق المستقيم ولكن ذلك الطريق المستقيم شيء اصطلاحي وليس لغوياً ولا شرعياً فكان لا بد من إعادة تفسير لفظ الاستقامة إلى نظرة الناس بحسب بيئاتهم ومجتمعاتهم وهذا ما سارت عليه القواميس اللغوية التي تخصصت في تفسير الكلمات اللغوية الواردة بشأن الأحكام الشرعية، قال في المصباح المنير "وعدلت الشاهد نسبته إلى العدالة ووصفته بها، وعدل هو بالضم عدالة وعدولة فهو عادل أي مرضي يقنع به، ويطلق العدل على الواحد وغيره بلفظ واحد، وجاز أن يطابق في التثنية والجمع فيجمع على عدول، قال ابن الانباري وأنشدنا أبو العباس:
وتعاقدا العقد الوثيق واشهدا=من كل قوم مسلمين عدولاً.
وربما طابق في التأنيث وقيل امرأة عدلة، قال بعض العلماء، والعدالة صفة توجب مراعاتها الاحتراز عما يخل بالمروءة عادة ظاهراً، فالمرة الواحدة من صغائر الهفوات وتحريف الكلام لا تخل بالمروءة ظاهراً لاحتمال الغلط والنسيان والتأويل، بخلاف ما إذا عرف ذلك وتكرر، فيكون الظاهر الإخلال، ويعتبر عرف كل شخص وما يعتاده من لبسه وتعاطيه للبيع والشراء وحمل الأمتعة وغير ذلك، فإذا فعل ما لا يليق به لغير ضرورة قَدَحَ وإلا فلا" فهذا النص يدل على أن العدالة تختلف باختلاف البيئات، وهذا كله راجع لأن كلمة الاستقامة غامضة فكان هذا التفاوت باعتبارها، ولكن يمكن أن يرجع لتفسير اللغة لكلمة عدل وتؤخذ دلالة التفسير، فقولهم “ما قام في النفوس أنه مستقيم” يعني من لم يعرف عنه المجاهرة بالخروج عما يعتبره الناس غير لائق، ولذلك فإن الأولى أن يقال العدل هو من كان منزجراً عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة، سواء أكان مسلماً أم كافراً، ذلك أن العدالة اشترطت في شهادة المسلم واشترطت في شهادة الكافر بلفظ واحد من غير تمييز قال تعالى: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) يعني من غير المسلمين. فقال ذوي عدل من المسلمين أو ذوي عدل من غير المسلمين. فكيف يتأتى تعريف العدالة بأنها ارتكاب كبيرة والإصرار على صغيرة بالنسبة لغير المسلم. ثم كيف نرفض من عق والدية مرة ونقبل من كان جاسوساً مرة لأن الجاسوسية ليست من الكبائر؟!! لذلك كان الحق هو ما ذكر من أن العدل هو من كان منزجراً عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة. فمن كانت هذه حاله كان عدلاً لأنه ممن قام في النفوس أنه مستقيم، ومن عرف بالجرأة على الحرام أو المجاهرة بالمعصية أو كان غير مبال بها، أو معروفاً بعدم الاستقامة، كان فاسقاً. فالعدل يقابله الفاسق والعدالة يقابلها الفسق. والفاسق هو من كان غير منزجر عن الحرام أو من كان معروفاً بعدم الاستقامة، والعدل هو من كان منزجراً عن الحرام أو من لم يعرف عنه عدم الاستقامة.
ويؤيد كون العدالة شرطاً في الشهادة قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) فإن مفهوم عدم قبول خبر الفاسق قبول خبر العدل، أي إن جاءكم غير فاسق، أي عدل، فلا تتبينوا بل اقبلوا. ورفض خبر الفاسق دليل على أن كونه غير فاسق أي عدلاً شرط في قبول شهادته.
والأصل في المسلم أن يكون عدلاً حتى يثبت عليه الفسق، لأن اعتناق الإسلام يجعل الأصل في معتنقه أن يكون عدلاً، كتب عمر إلى أبي موسى “المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجرباً عليه شهادة زور أو مجلوداً في حد أو ضنيتاً في ولاء أو قرابة” أي أن الأصل في المسلم العدالة وما جاء على الأصل لا يطلب البينة عليه بل البينة إنما شرعت لإثبات خلاف الأصل، وعليه لا يسأل عن الشاهد المسلم هل هو عدل أم لا؟ لأن الأصل في المسلم أن يكون عدلاً، فإذا طعن به الخصم فإن على الخصم أن يثبت دعوى عدم عدالته أي دعوى أنه فاسق، فإن أثبت ذلك بأن أثبت أنه قد حد الحد الشرعي فحينئذ ترد شهادته. أما إذا لم يثبت الخصم طعنه في الشاهد فإنه لا يلتفت إلى قوله ويصار إلى الأصل بأنه عدل.
أما الكافر فإنه إن كان معروفاً بانزجاره عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة فإن الأصل فيه العدالة فلا يسأل عنه لأن من كان معروفاً بهذا فهو عدل، فإذا طعن بشهادته فعلى الذي يطعن بها أن يثبت طعنه، وأما إن كان معروفاً بأنه ممن لا ينزجر عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة فإن القاضي يسأل الخصم عنه فإن لم يطعن به قبل شهادته لأن عدم طعنه قبول لشهادته، وإن طعن به كان على القاضي أن يسأل عنه وليس له أن يكلف الطاعن بإثبات طعنه، لأن العدالة ليست الأصل هنا، فعلى القاضي أن يسأل عن شهادة الشاهد، لأن حكم من لا ينزجر عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة حكم الفاسق فعلى القاضي أن يسأل عنه. وأما إن كان الكافر مجهولاً ولكنه معروف بأنه متدين بدين فإن الأصل فيه الانزجار عما يعتقده حراماً في دينه لأن الأصل في الإنسان أن يسير بحسب عقيدته فهو منزجر عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة.
فسؤال القاضي عن الشاهد إنما هو في حالة واحدة هي حالة الكافر المعروف بأنه لا ينزجر عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة، وما عدا ذلك فلا يسأل القاضي عن الشاهد، فإذا ثبت الطعن به رد شهادته من غير سؤال وإذا لم يثبت لا يردها، وفي حالة السؤال عن الشاهد يتحرى القاضي بنفسه بشكل شفوي عن الشاهد بأي أسلوب يراه ليقنع هو بصدق الشهادة أو كذبها. وأما ما يسمى بالتزكية السرية والعلنية فإنه عمل لا أصل له في الشرع وهو فوق كونه لا يوصل إلى معرفة الشاهد فيه إمكانية جعل الفاسق تقبل شهادته، ولذلك لا يصح أن يتبع أسلوب التزكية مطلقاً.
وكما تشترط العدالة في الشهادة يشترط فيها الضبط، ومعنى الضبط هو حسن السماع والفهم والحفظ إلى وقت الأداء، أي يشترط فيها ما يشترط في الخبر لأنها إخبار بلفظ الشهادة فلا بد أن يتوفر فيها الضبط.**
تعريف الشهادة
الشهادة هي إخبار صدق، لإثبات حق، بلفظ الشهادة، في مجلس القاضي. هذا هو تعريف الشهادة. والشهادة مشتقة من المشاهدة وهي المعاينة، وقد سمي الأداء شهادة لأن المعاينة كانت سبباً له. فالشهادة إنما تكون إذا كانت هناك معاينة، أو ما هو من نوعها مثلها كالسماع والحس وغير ذلك مما هو مثل المعاينة. فمن حيث أن السبب المطلق للأداء المعاينة، سمي الأداء شهادة، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله للشاهد: «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع». وهذا دليل على أنه لا يصح لأحد أن يشهد إلا بناء على علم، أي بناء على يقين مقطوع به.فلا تصح الشهادة بناء على الظن. فما جاء عن طريق المعاينة أو ما هو من قبيلها مثل أن يأتي عن طريق إحدى الحواس وكان ذلك عن علم أي عن يقين فيجوز للإنسان أن يشهد به، وما لم يأت عن هذا الطريق لا تجوز الشهادة به، لأنها لا تكون إلا عن يقين.
وعلى ذلك لا تجوز الشهادة بالسماع، أي لا يجوز أن يشهد الشاهد بقوله سمعت من الناس، أو سمعت الناس يقولون أو ما شاكل ذلك. إلا أنه قد استثني من شهادة السماع تسعة مواضع تجوز فيها الشهادة بالسماع وهي: النكاح، والنسب، والموت، والقضاء، وهذه الأربعة لا خلاف في قبول الشهادة فيها بالسماع. والمهر، والدخول بزوجته، والعتق، والولاء، والوقف، وهذه فيها خلاف. غير أن الراجح أن هذه المواضع التسعة تجوز فيها الشهادة بالسماع، وهذا ليس من قبيل الشهادة على الشهادة أي شهد بناء على شهادة غيره، بل هو من قبيل الشهادة بما يعلم، فسماعه من الناس أن فلاناً مات سماعاً جعل عنده اليقين بموته، وأن فلاناً هو القاضي، أو ما شاكل ذلك، فإنه شهادة عن يقين، إذ لتكرار ذلك واستفاضته صار حقيقة يقينية عنده فتكون شهادته عن علم. ولكن لا يقول للقاضي أنه شهد بناء على السماع إذ لو قال ذلك لا تقبل شهادته، بل يشهد بالأمر كما لو شاهده. إذ لا يجوز للقاضي أن يقبل الشهادة بناء على السماع. فإن السماع في هذه المواضع التسعة إنما هو لجواز أن يشهد الشاهد فقط، يعني أن من طرق العلم بما يشهد عليه السماع في هذه الأمور التسعة فقط، وما عداها لا يصح، لأن واقع هذه الأمور التسعة لا يحصل التسامع بها إلا إذا كانت يقينية ومشتهرة وما عداها لا ينطبق عليه هذا الواقع.
ومن ذلك كله يتبين معنى كون الشهادة إخبار صدق، ويتبين أنها حقيقة إخبار صدق، فهي إخبار صادق صدقاً يقينياً. وأما أنها لإثبات حق فلأن البينة إنما شرعت لإظهار الحق، وبناء عليه لا تقبل الشهادة بالنفي الصرف. فشهادة النفي غير مقبولة، لمناقضتها لتعريف الشهادة. إلا أن النفي المؤول بإثبات فإنها تجوز الشهادة به لأنها حينئذ لا تكون شهادة بالنفي بل شهادة في الإثبات، ولهذا قالوا بعدم جواز الشهادة بالنفي الصرف ولم يقولوا بالنفي فقط، لأن النفي المؤول بإثبات تجوز الشهادة به.
والشهادة لا بد أن تكون بلفظ أشهد بصيغة المضارع، فإذا لم يقل الشاهد أشهد بل قال أنا أعرف الخصوص الفلاني هكذا، أو أخبر بهذا أو ما شاكل ذلك فإنه لا يكون قد أدى الشهادة، لأنها لا تكون حينئذ قد انطبق عليها تعريف الشهادة فلا تكون شهادة، ولأن النصوص ناطقة بلفظ الشهادة فلا يقوم غيره مقامه، على أن الشهادة تتضمن اليمين بل هي من ألفاظ اليمين فيكون معنى اليمين ملاحظاً فيها. أما اشتراط لفظ المضارع فلكي يفيد أنه يشهد للحال، إذ لو قال شهدت لا يجوز لاحتمال الإخبار عما مضى فلا يكون شاهداً للحال. غير أنه لو شهد بغير لفظ الشهادة وسأله الحاكم أتشهد هكذا وأجاب بقوله نعم هكذا أشهد يكون قد أدى الشهادة.
ثم ان الشهادة حتى تعتبر لا بد أن تكون في مجلس المحاكمة، لأن شرط الشهادة مجلس القضاء، وتعريف الشهادة ينص على أنها إخبار صدق في مجلس القاضي، فلو أخبر الشاهد في غير مجلس القاضي ولو بلفظ أشهد حتى ولو أمام الشخص الذي هو القاضي ولكن لم تكن الجلسة جلسة محاكمة فإنه لا يعتبر شهادة لأن مجلس القاضي شرط أساسي في اعتبارها. ويستثنى من ذلك المحكم فإنه تجوز الشهادة أمامه في غير مجلس المحاكمة، فلو شهد أمام المحكم في أي مكان اعتبرت شهادته، لأن المحكم لا يتقيد حكمه بمجلس بل أي مجلس حكم فيه كان مجلس حكمه، بخلاف القاضي فإنه يتقيد بمجلس حكمه المعين من الإمام وبمحل ولايته، فالمجلس شرط من شروط حكم القاضي، وهو معين بالمجلس الذي عينه له الإمام ولذلك لا تصح الشهادة أمامه إلا في مجلس قضاء.
والشهادة إنما هي لإثبات الدعوى على المدعى عليه، ولذلك إنما تكون في دعوى أمام القاضي، غير أن ذلك لا يعني أن من شروط الشهادة سبق الدعوى، بل ذلك يفصل فيه بين حق الآدمي وحق الله. فإن كان الحق حقاً لآدمي معين، كالحقوق المالية، والنكاح والبيع وغير ذلك من العقود والتصرفات، وكالقصاص من العقوبات، وكالوقف على آدمي معين، وما شاكل ذلك فإن سبق الدعوى شرط من شروط الشهادة، لأنه يشترط سبق الدعوى في الشهادة بحقوق الناس، فلا تسمع الشهادة في ذلك إلا بعد الدعوى، لأن الشهادة فيه حق لآدمي فلا تستوفى إلا بعد مطالبته، وإذنه، ولأنها حجة على الدعوى ودليل لها فلا يجوز تقدمها عليها.
أما إن كانت الشهادة حقاً لآدمي غير معين كالوقف على الفقراء والمساكين، أو الوصية للفقراء والمساكين، وكطريق للناس، أو كانت حقاً من حقوق الله تعالى كالحدود، والزكاة ونحو ذلك، فلا تفتقر الشهادة به إلى تقدم الدعوى، لأن ذلك ليس له مستحق معين من الآدميين يدعيه ويطالب به. ولذلك شهد أبو بكرة وأصحابه على المغيرة وشهد الجارود وأبو هريرة على قدامة بن مظعون بشرب الخمر، وشهد الذين شهدوا على الوليد بن عقبة بشرب الخمر أيضاً، من غير تقدم دعوى، فأجيزت شهادتهم.
وعليه فإنه ما دام مجلس القاضي شرطاً من شروط الشهادة فلا بد فيها من سبق الدعوى في حقوق الناس، ولا يشترط سبق الدعوى في غير حقوق الناس، ولكنها حتى تكون شهادة وحتى تكون إثباتاً لا بد أن تكون في مجلس المحاكمة.
**الشهادات
الأصل في البينات هو الشهادات. وقد جاء الكتاب والسنة بأحكام الشهادات صريحة مفصلة قال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ) وقال تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ)وقال عز وجل: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) وروى الترمذي عن وائل بن حجر قال: «جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي يا رسول الله هذا غلبني على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه، قال يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شيء، قال: ليس لك منه إلا ذلك. فانطلق الرجل ليحلف له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر: لئن حلف على ماله ليأكله ظلماً ليلقين الله تعالى وهو عنه معرض» وروى أبو داود عن رافع بن خديج قال: «أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولاً فانطلق أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟ فقالوا يا رسول الله لم يكن ثم أحد من المسلمين وإنما هم يهود يجترؤون على أعظم من هذا، قال: فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم، فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده» فهذه النصوص تدل على الشهادات وعلى البينة وعلى أن الشهادات من البينات.
وتحمّل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية، لأن طلبها جاء طلباً جازماً، قال الله تعالى: (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) وقال تعالى: (وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) وعلى ذلك فإن دعي إلى تحمل شهادة من نكاح أو دين أو غيره لزمته الإجابة إن لم يكن هناك من يقوم بها. وإن كانت عنده شهادة فدعي إلى أدائها لزمه ذلك، فإن قام بالتحمل أو الأداء اثنان سقط عن الجميع، وإن امتنع الكل أثموا. إلا أن الممتنع إنما يأثم إذا لم يكن عليه ضرر، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه لقول الله تعالى: (وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». وهذا كله إذا دعي للشهادة. أما إذا لم يدع للشهادة فإنه ينظر، فإن كانت الشهادة حقاً لله تعالى فإنه يندب له أن يؤدي الشهادة دون أن يدعى لما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها». أما إذا كانت عنده شهادة لآدمي لم يحل له أداؤها حتى يسأله، لما رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم ينذرون ولا يوفون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون» وعن ابن عمر قال: «خطبنا عمر بالجابية فقال: أيها الناس، إني قمت فيكم كقيام رسول الله فينا، قال: أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشوا الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد الشاهد ولا يستشهد» الحديث. فهذا دليل على أن الشاهد لا يتقدم بشهادته قبل أن تطلب منه.**
أنواع البيّنات
البينات أربعة أنواع ليس غير وهي: الإقرار، واليمين، والشهادة، والمستندات الخطية المقطوع بها. ولا توجد بينة غير هذه البينات الأربع. وأما القرائن فليست من البينات شرعاً، لأنه لم يأت أي دليل شرعي يدل على أنها من البينات. إذ الإقرار قد جاء دليله في القرآن والحديث قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) أي ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته، فالله قد أخذهم بإقرارهم فكان حجة عليهم. وفي الحديث جاء في حديث ماعز عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز ابن مالك: «أحق ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان، قال: نعم، فشهد أربع شهادات فأمر به فرجم». وفي حديث أبي بكر في قصة ماعز أنه جاء فاعترف أربع مرات فأمر بجلده. وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم : «واغد يا أنيس ـ لرجل من أسلم ـ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» واليمين جاء دليله في القرآن والحديث قال الله تعالى: (لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) وقال صلى الله عليه وسلم : «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». والشهادة قد جاء دليلها في القرآن والحديث، قال الله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «شاهداك أو يمينه» والمستندات الخطية جاء دليلها في القرآن قال تعالى: (وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا) فإنها تدل على المستندات الخطية بما في ذلك دفاتر التجار والإقرارات وغير ذلك. فهذه البينات كلها قد جاء دليل عليها من الكتاب والسنة. أما القرائن فليس لها دليل لا من كتاب ولا من سنة فلا تعتبر من البينات سواء التي يسمونها القرينة القاطعة أو غيرها. لأنه لم يرد دليل يدل على اعتبارها بيّنة. ولا تعتبر البينة بينة شرعاً إلا إذا كان هناك دليل على ذلك أو كانت داخلة تحت دليل من الأدلة، وعليه فإن قصاص الأثر، وكلاب الأثر، وما شاكل ذلك ليس من البينات في شيء. صحيح أن القرائن وقصاص الأثر وكلاب الأثر وما شاكل ذلك يؤتنس بها ولكن الأئتناس شيء والبينة شيء آخر، فهذه وغيرها مما يمكن أن يؤتنس به يجوز استعمالها للأتناس، وذلك كقول القتيل أن فلاناً هو الذي قتله فإنه يؤتنس به ولكن ذلك كله لا يكون بينة على الدعوى، والرسول صلى الله عليه وسلم حين سأل الجارية من قتلك وسمي لها فلان وفلان فأشارت إلى اليهودي فإنه لم يأخذ قولها بينة ولكنه ائتنس به فجيء باليهودي فاعترف فقتل. وكذلك القرائن وأمثالها يؤتنس بها ولا تكون بينة.
وأما أخبار المخبرين وشهادة أهل الخبرة وتقارير الكشف والمعاينة وما شاكل ذلك فإنها ليست بينات وإنما هي أخبار فيصح أن تكون مبنية على الظن ويكفي فيها المخبر الواحد، وهي لا تكون لإثبات دعوى وإنما لكشف أمر من أمور الدعوى، كبيان قيمة الأرض أو ثمن العربة أو نفقة الأولاد أو عقل المدعى عليه أو مرض المدعي أو ما شاكل ذلك فإن هذه وأمثالها تثبت بالأخبار ولا تحتاج إلى بينة فيصح للمخبر فيها أن يبنيها على الظن ويكفي فيها المخبر الواحد.
**بسم الله الرحمن الرحيم
أحكام البيّنات
أحكام البيِّنات كباقي الأحكام الإسلامية أحكام شرعية مستنبطة من أدلتها التفصيلية. والبينات إما أن تكون على المعاملات وإما أن تكون على العقوبات، إلا أن الفقهاء لم يفصّلوا بين أحكام البينات في المعاملات عن أحكام البينات في العقوبات، فذكروها كلها في كتاب الشهادات، وأكملوا بعض أبحاثها في كتاب الأقضية وفي كتاب الدعوى والبينات، وبيّنوا في بحث بعض العقوبات بعض البينات لأنها شرط من شروطها وجزء من أبحاثها.
والبينة هي كل ما يبين الدعوى وهي حجة المدعي على دعواه. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» وأخرج البيهقي بإسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «البيَّنة على المدعي واليمين على من أنكر» فالبينة هي حجة المدعي التي يثبت بها دعواه. فهي برهان لإثبات الدعوى، فلا تكون بينة إلا إذا كانت قطعية يقينية، فلا يصح لأحد أن يشهد إلا بناء على علم أي بناء على يقين، فلا تصح الشهادة بناء على الظن، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للشاهد: «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع» فما جاء عن طريق المعاينة أو ما هو من قبيلها مثل أن يأتي عن طريق إحدى الحواس وكان مقطوعاً بتمييز المحسوس وكان ذلك عن علم أي عن يقين فيجوز للإنسان أن يشهد به وما لم يأت عن هذا الطريق لا تجوز الشهادة به لأنها لا تكون إلا عن يقين، فإذا كانت عن يقين كشهادة التسامع بما تصح به كالنكاح والنسب والموت وما شابهها فإنه حينئذ يجوز للشاهد أن يشهد لأنه متيقن ولكن لا يفسر ذلك بشهادته، لأن اليقين لازم له حتى يصح أن يشهد.
وكذلك اليمين لا بد أن تكون عن يقين مقطوع به، فالمدعي حين يحلف لإثبات دعواه في حالة أن ليس لديه إلا شاهد واحد في دعاوى الأموال وما شابهها، والمدعى عليه حين يحلف عند عجز المدعي عن إثبات دعواه لا يصح لكل منهما أن يحلف إلا عن يقين مقطوع به، فإن كان عن ظن فلا يصح أن يحلف أي منهما عن ظن. ولهذا أوعد الله على اليمين الغموس وعيداً كبيراً، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار يوم الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالاً بغير حق» وأخرج البخاري من حديث ابن عمرو جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: «الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار يوم الزحف، واليمين الغموس» فهذا دليل على أن اليمين لا تكون إلا عن يقين.
ومثل الشهادة واليمين سائر البينات وهي الإقرار ودفاتر التجار وسائر المستندات الخطية فإنه لا بد أن تكون قطعية يقينية فلا يصح أن تكون ظنية لأن البينات برهان لإثبات الدعوى وحجة المدعي على دعواه، والبرهان والحجة لا تكون حجة ولا يكون برهاناً إلا إذا كان مقطوعاً به.
غير أن كون البينات مبنية على العلم أي اليقين لا يعني أن الحكم بها مبني على اليقين، ولا يعني أن الحكم بها واجب على القاضي، وإنما يعني فقط ذاتها، أي أنها هي لا يصح أن تكون إلا يقينية. أما الحكم بها فليس كذلك. وذلك لأن الحكم مبني على غلبة الظن لا على اليقين، لأن الله يقول للرسول: صلى الله عليه وسلم :فاحْكُمَ بَيْنَهم بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ: أي بما تراه من الرأي، وهو يشمل الرأي الصادر عن يقين والرأي الصادر عن الظن، والرسول صلى الله عليه وسلم قد حكم في قضية وقال ما يدل على أن حكمه كان بناء على غلبة الظن، عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» فهذا دليل على أن القاضي يحكم بالظن، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صرح بأن الحاكم يحكم بالظن فعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» فهذا كله دليل على أن كون الشهادة يقينية لا يعني أن الحكم مبني على اليقين بل هو مبني على غلبة الظن.
وأما مسألة أن كون الشهادة لا تكون إلا عن يقين لا يعني أن الحكم بها واجب على القاضي، فذلك لأنها عن يقين عند الشاهد، وأما القاضي فقد يكون لديه واقع يناقض هذه الشهادة بل قد يكون لديه نص قطعي يناقض هذه الشهادة، وقد يغلب على ظنه كذب الشاهد، ولذلك لا يلزم القاضي بالحكم بالشهادة ولو كانت عن يقين بل له أن يحكم بها وله أن يردها.**
**العالم الجليل أحمـد الداعـور
أحكام البيّنات
1385هـ ? 1965م
.**
**المستندات الصادرة عن دوائر أهلية
المستندات الصادرة عن دوائر أهلية ليست لها قوة المستندات الرسمية، بل لا تعتبر من المستندات الخطية التي هي نوع من أنواع البينات. إلا أنه يصح الاستناد إليها إذا اعترف الخصم بها، وتكون حجة على من قدمها. فأوراق الحسابات الصادرة عن دوائر مدققي الحسابات، وشهادات المدارس الأهلية، وتذاكر السفر من مكاتب السفريات وما شاكل ذلك تعتبر أوراقاً عادية وليست مستندات، ولكن ما جرى تنظيمه فيها يعتبر حجة على من قدمها، لأن تقديمه لها اعتراف بصحة ما فيها إذا احتج به، وإذا صدقها الخصم كانت حجة عليه.
المستندات العادية غير الموقعة
المستندات العادية هي الأوراق التي جرت كتابتها بخط الشخص، أو هو الذي يملل الدين على الكاتب، أو الأوراق التي نظمها هو أو طلب من غيره أن ينظمها له، فإن هذه كلها مستندات عادية. وذلك كالرسائل غير الموقعة وكدفاتر التجار أو ما شاكل ذلك. فهذه المستندات تأخذ حكم المستندات الموقعة، ويكون الخط بمثابة التوقيع، فحكمها حكم الإقرار بالكتابة. فإذا أقر أن الخط خطه أو أنه هو الذي أمر بكتابته أو أمله على الكاتب أو ما شاكل ذلك فإنه كالإقرار بالتوقيع. فإقراره بذلك هو إقرار بما تضمنه السند المكتوب أو الشيء المكتوب في المستند فيلزم به. ومثل ذلك تنظيم الدفاتر وترتيبها والإشارات التي توضع عليها بناء عن اصطلاحات التجار أو اصطلاحات يقر بها الذين اصطلحوا عليها، ويجري في ذلك ما يجري في المستندات الموقعة فإن الخط كالتوقيع.
المستندات الخارجية
المستندات الرسمية الصادرة عن الدوائر الرسمية للدول الأجنبية إذا كان قد جرى تنظيمها طبقاً للأوضاع القانونية عندهم تعتبر من البينات، لأن دار الكفر يجوز للمسلم أن يعمل بأحكامها وهو في دار الكفر. فإذا جرى تنظيم مستند في دار الكفر أي لدى دولة أجنبية طبق قوانينها فإن هذا المستند يعتبر كالمستند الذي ينظم في دار الإسلام، إلا أنه يحتاج إلى التحقق بأنه مستند صادر عن تلك الدائرة، والتحقق يكفي فيه الإخبار ممن نظموا المستند، وذلك إما بإخبار موظف منهم أمام القاضي، أو أمام من ينيبه القاضي لسماع ذلك الإخبار، ويعتبر تصديق الدوائر الرسمية لهذا المستند كافياً للتحقق منه.
إبراز المستند
الأصل في المستند أن يكون بيد المدعي، فإذا كان بيده فإنه لا يصبح بينة إلا إذا أبرزه للقاضي وظل في أوراق الدعوى حتى يصدر حكم القاضي، ولا يحق له أن يسترجعه قبل الحكم، فإنه بينة، والبينة لا بد أن يظل الإصرار عليها حتى صدور الحكم. ألا ترى أن الشاهد إذا رجع عن شهادته قبل الحكم في حضور الحاكم تكون شهادته في حكم العدم، وكذلك المستند. ولكن لا يوجد ما يمنع أن يأخذ صورة عنه. وإذا لم يكن المستند بيد المدعي، فإن على المدعي أن يحضره، فإن تعذر عليه ذلك ينظر، فإن كان ليس في الدوائر الرسمية، ولا بيد المدعى عليه، فإنه يعتبر عاجزاً عن البينة إذا لم يحضره. أما إن كان في الدوائر الرسمية فإن على المحكمة أن تقرر جلب المستند من الدائرة التي أصدرته سواء طلب المدعي أو لم يطلب ما دام قد تعذر عليه إحضاره. وأما إن كان بيد المدعى عليه وطلب المدعي إلزام خصمه بتقديمه أي بتقديم المستند فإنه ينظر، فإن أقر الخصم بوجود المستند عنده إقراراً يعينه بأنه هو، يلزم بإحضاره، فإن لم يحضره اعتبر نكوله عن إحضاره إقراراً بالمستند، وحينئذ يعتبر المستند كأنه مبرز من المدعي ولكن بالأوصاف التي أقر بها الخصم، وإن أنكر الخصم أن المستند عنده، ينظر فإن كانت لدى المدعي صورة عنه فإنه يكلفه بإثبات أن السند عند خصمه، فإن عجز عن الإثبات حلف الخصم فإن حلف رفض المستند ولو كانت صورته موجودة، وإن نكل عن اليمين اعتبر القاضي الصورة التي مع المدعي عن المستند صحيحة طبق الأصل، واعتبرها بينة على الدعوى.
الأربعاء: 15 شعبان 1385هـ.
08/12/1965م.**
المستندات الخطية
إن قول الله تعالى: (إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) أمر من الله لعبادة المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك احفظ لمقدارها، وميقاتها، واضبط للشاهد فيها. وهذه الكتابة ما هي إلا المستند الذي يثبت بها صاحب الحق حقه. ومن هنا كانت المستندات بينة من البينات. فالله تعالى قد أمر بالكتابة حين قال: (فَاكْتُبُوهُ) للتوثقة والحفظ. وعلى ذلك فإن المستندات الكتابية بينة من البينات لأن الله قد أمر بها.
وما دام الأمر بالكتابة جاء عاماً (فَاكْتُبُوهُ) فإنه يشمل كل كتابة، فيشمل كل مستند مكتوب، ولكن الشارع لم يبين أنواع المستندات الكتابية بالتفصيل لأن الحكم جاء عاماً فيكون واقعها هو الذي يبين أنواعها. ومن تتبع واقع المستندات الخطية المعروفة حتى اليوم نجدها ثلاثة أنواع هي: المستندات الموقعة، المستندات الصادرة عن دوائر رسمية أو دوائر أهلية، المستندات العادية غير الموقعة.
المستندات الموقعة
المستندات الموقعة جميعها سواء جرى توقيعها أمام كاتب العدل أو أمام أي دائرة رسمية أو وقعها صاحبها من نفسه ليس أمام دائرة رسمية، كلها تعتبر إقراراً بالكتابة وتنطبق عليها أحكام الإقرار، ولا يزيد توقيعها أمام كاتب العدل أو أمام دائرة رسمية بشيء سوى أنه أسهل لإثبات الإمضاء، وإلا فإن حكم الجميع واحد وهو الإقرار بالكتابة، والإقرار بالكتابة كالإقرار باللسان سواء بسواء من غير فرق بينهما.
أما بالنسبة لإثبات التوقيع فإنه إن أقر بأن التوقيع توقيعه فقد ثبت التوقيع فيكون قد ثبت الإقرار، أي أن إقراره بأن التوقيع توقيعه إقرار بما تضمنه السند الموقع من مال أو غيره كزواج أو طلاق أو رجعة أو بيع أو هبة أو غير ذلك. فالإقرار بالتوقيع إقرار بما جرى التوقيع عليه. غير أنه إذا أقر بالتوقيع وأنكر الشيء الذي حواه من دين أو غيره وصادقه المدعي على دعواه فإنه في هذه الحالة لا يكون الإقرار بالتوقيع إقراراً بما في السند، ولا يؤاخذ بما في السند، كأن ادعى عليه ديناً بكذا وابرز السند موقعاً منه، فاعترف بالتوقيع ولكنه قال إنما وقعت له السند شكلاً ليخصمه من البنك وليس له عندي هذا المبلغ وصدقه المدعي على ذلك فإنه يبطل الإقرار بالمبلغ وترد الدعوى ولو اعترف بالتوقيع. أما إذا لم يصدقه المدعي على ذلك فإنه في هذه الحال لا قيمة لكلامه فيعتبر إقراره بأن التوقيع توقيعه إقراراً بما في السند ولا قيمة لإنكاره، ولا يطلب منه البينة لإثبات أن ما في السند ليس في ذمته لأن البينة لا تقام على النفي، ولا يحلف المدعي، لأن الذي يحلف عند العجز عن البينة إذا كانت هناك بينة وعجز عنها، ولكنه هنا لا يكلف بالبينة إطلاقاً فلا يحلف المدعي بل يثبت له ما في السند بمجرد الإقرار بالتوقيع.
وأما إذا لم يقر بالتوقيع بأن أنكره، أو كان صاحب التوقيع غائباً، أو كان صاحب التوقيع ميتاً، فإن المستند لا يعمل به حينئذ ولا يكون كالإقرار الكتابي، ويحتاج إلى بينة أخرى لإثبات السند. ولا يقال إنه يعمل به إذا كان توقيعه معروفاً ومشهوراً، لأنه مهما كان مشهوراً فإنه يمكن تقليده، وبذلك يتطرق إليه الاحتمال، والقاعدة المشهورة أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، وكذلك التوقيع. ولا يقال يؤتى بأهل الخبرة لتدقيق التوقيع، لأن كلام أهل الخبرة هو من قبيل الإخبار وليس من قبيل الشهادة فلا يصلح أن يكون بينة على الدعوة، غير أنه إذا اثبت حصول التوقيع ببينة بأن جاء بشاهدين شهدا بأنه وقع هذا التوقيع أمامهما وبمشاهدتهما فإنه حينئذ يثبت أن التوقيع توقيعه كما يثبت لو أقر به، والبينة هنا قامت على فعل الموقع لا على التوقيع.
ويستوي في ذلك كله جميع المستندات سواء أكانت سندات مالية أم رسائل شخصية، وهي ما تسمى بالمكاتيب أو وصية أو إقرار بحق أو غير ذلك فإن جميع المستندات الموقعة تأخذ حكم الإقرار، لأنها إقرار بالكتابة، إلا أنه يشترط في الرسائل العادية أي المكاتيب أن تكون معنونة أي موجهة إلى الشخص، وأن يكون عنوانها واضحاً لا لبس فيه، فإن لم تكن موجهة إلى الشخص لا تكون مستنداً. وأما البرقيات فإنها لا تعتبر من المستندات الخطية حتى لو كان أصلها المودع في دائرة البريد موقعاً عليه، لأن البرقيات لا يوقع عليها صاحبها بحضور الموظف المختص، ولا يتحرى عن الموقع، ولذلك لا تعتبر مستنداً. أما إذا اعترف بها المدعى عليه فحينئذ يحكم بإقراره لا بالبرقية.
المستندات الرسمية
المستندات الرسمية هي المستندات التي ينظمها الموظفون الذين من اختصاصهم تنظيمها طبقاً للأوضاع القانونية، ويحكم بها دون أن يكلف مُبرزها إثبات ما نص عليه فيها، ويعمل بها ما لم يثبت تزوريها. فإعلام الحكم وشهادة الزواج ووثيقة الطلاق وشهادة الميلاد وغير ذلك مما يصدر عن دوائر الدولة الرسمية يعتبر بينة على ما جاء به من غير إثبات ما جاء فيها ومن غير حاجة لإثباتها. أما الصور عن هذه المستندات فإنه لا يعمل بها إلا بعد التحقق من أنها صورة طبق الأصل للمستند الذي نظمه الموظف المختص، ولا يكفي للتحقق منها بختم الدائرة وتوقيع الموظف الذي أخرجها، بلا بد أن يخبر الموظف الذي أخرجه بنفسه أمام القاضي بأن هذه الصورة هي صورة طبق الأصل عن المستند المحفوظ بعد المقابلة عليه. فإن لم يحصل ذلك لا تكون الصورة بينة. ويكفي في ذلك موظف واحد لأنه إخبار ولا يشترط فيه العدد. وأما الصورة الفوتوغرافية للمستند فإنها تأخذ حكم المستند لا حكم الصورة، لأنها عين الأصل وليست صورة عنه، لأن الصور الفوتوغرافية هي عين الشيء لا صورة عنه. غير أنه للتحقق من هذه الصورة الفوتوغرافية هي عين المستند الأصلي لا بد من مطابقتها على المستند الأصلي من قبل القاضي أو نائبه. ولكن إذا اعترف الخصم بأن هذه الصورة الفوتوغرافية صحيحة وهي طبق الأصل يكتفى باعترافه وتعتبر مستنداً.
**معاينة القاضي ومشاهدته
يعتبر القاضي قاضياً إذا كان في مجلس القضاء، فإن لم يكن في مجلس القضاء لا يعتبر قاضياً، لأن المجلس الشرعي أي مجلس القضاء شرط من شروط صحة القضاء. عن عبد الله بن الزبير قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم» فهذا الحديث فيه دليل على أن القاضي إنما يقضي في مجلس قضاء يقعد فيه الخصمان بين يديه. فهذا المجلس إذا عاين القاضي فيه شيئاً بأن فحصه ووصل علمه له، أو شاهد شيئاً فإن معاينته هذه ومشاهدته يجوز له أن يحكم بها بعلمه، لأنه علم حصل في مجلس القضاء، فهو كالعلم في البينة، وكالعلم في الحلف، ولا يدخل هذا تحت قضاء القاضي بعلمه، فإن هذا ليس قضاءً بعلمه بل قضاء بما ثبت له في مجلس القضاء، فلو شاهد البنت في مجلس القضاء ووجدها بالغة أو فحص البضاعة في مجلس القضاء فوجدها تالفة أو فاسدة، وقضى بناء على ذلك فإن قضاءه صحيح ولا يكون من قبيل القضاء بالعلم بل من قبيل القضاء بالبيّنة، حيث تبين له بلوغ البنت أو فساد البضاعة. أما إذا عاين القاضي الشيء أو شاهده خارج مجلس القضاء وتأكد منه فإنه لا يجوز له أن يقضي بناء على معاينته هذه أو مشاهدته، وإن فعل ذلك يكون قد قضى بعلمه وهو لا يجوز، فإذا عاين شيئاً أو شاهده وهو في غير مجلس القضاء لم يقض به إلا إذا أحضر إلى مجلس القضاء وعاينه أو شاهده هناك، أو قامت بينة عادلة على ذلك، فمعاينة القاضي ومشاهدته إنما تعتبر ويقضي بها إذا كانت في مجلس القضاء، ومثل المعاينة السماع، فلا يصح أن يرجم شخصاً ويدعي أنه زنى وأنه رآه وهو يزني، ولا أن يفرق بين الرجل وبين زوجته ويدعي أنه سمعه يطلقها، ولا أن يجلد شخصاً ويدعي أنه شاهده يشرب الخمر، فإن رؤيته وسماعه ومشاهدته لا يصح أن يقضي بها إذا كانت خارج مجلس القضاء، لأنها إنما تعتبر إذا كانت فقط في مجلس القضاء. وهذا كالبينة والإقرار والحلف فإنها لا تعتبر إذا حصلت في خارج مجلس القضاء فكذلك المعاينة والمشاهدة والسماع.
هذا بالنسبة للقضية التي فيها خصمان، أما القضايا التي ليس فيها خصمان وهي قضايا الحسبة وقضايا المخالفات فإن المعاينة والمشاهدة معتبرة أينما حصلت، لأن تلك القضايا لا يشترط فيها مجلس قضاء بل تحصل في كل وقت، لأن الحديث يقول: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي القاضي» ومفهوم ذلك أن الخصم الواحد لا يشترط أن يقعد بين يدي القاضي، فقد يقضي بشأنه وهو واقف أو مضطجع، وقد يقضي في المحكمة وفي السوق وغير ذلك. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان في السوق فوجد بللاً في صبرة الطعام فأمر بجعله فوق الطعام حتى يراه الناس، فهو عليه السلام حين نظر في أمر صبرة الطعام، نظر فيها وهو سائر في السوق، وكانت معروضة للبيع، وحين ألزم صاحبها بجعل البلل فوق الطعام، قد قضى بذلك وهو في السوق، ولم يكن في مجلس القضاء، مما يدل على أنه لا يشترط مجلس القضاء في قضايا الحسبة، ويدل على أن الحكم يصح بناء على المشاهدة وعلى المعاينة، فالرسول عاين الصبرة فوجد ظاهرها غير مبلول فاختبرها فوجد أسفلها مبلولاً، وقضى بناء على هذه المعاينة والمشاهدة، وعليه تصح المعاينة والمشاهدة في قضايا الحسبة، ويصح أن يقضي القاضي بناء على هذه المعاينة والمشاهدة، ومثل الحسبة المخالفات جميعها فكل قضية ليس فيها خصمان تصح فيها المعاينة والمشاهدة ويصح أن يقضي القاضي بها.**
**لا يصح أن يحكم القاضي بعلمه
لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه سواء علم بذلك قبل توليه القضاء أم بعد توليه القضاء، وذلك لما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم : «بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقاً (أي يجبي الصدقات أي الزكاة) فلاحه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: القود يا رسول الله، فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا، فرضوا، فقال إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم؟ قالوا: نعم، فخطب فقال ان هؤلاء الذين أتوني يريدون القود فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا أفرضيتم؟ قالوا: لا، فهم المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا عنهم فكفوا، ثم دعاهم فزادهم، فقال: أفرضيتم؟ قالوا: نعم، قال: إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم؟ قالوا: نعم، فخطب فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم»، ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن هؤلاء جاءوا للرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه حاكماً يطلبون الحكم بالقود أي بقتل القاتل بوصفهم أولياء المقتول، فأراد الرسول أن يحوّلهم إلى طلب الحكم بالدية وأن يعفوا، فرضوا عند عرضه عليهم مبلغاً لإرضائهم، ثم رضوا في العرض الثاني، ولكن هذا الرضا منهم كان أمامه وحده، وليست هناك بينة على أنهم رضوا، فلو جاز للقاضي أن يحكم بعلمه لقبل منهم العفو وحكم لهم بالمبلغ الذي رضوا به، ولكنه عليه السلام أعلم الناس أمامهم أنهم رضوا ليشهد الناس برضاهم، فلما أنكروا أنهم رضوا فإنه عليه السلام نزل عند إنكارهم، ولم يحكم بعلمه بأنهم رضوا مع أنهم رضوا أمامه، لذلك عاد فزادهم، ثم أعلم الناس، فقالوا رضينا، وحينئذ بعد أن شهد الناس برضاهم حكم لهم بالمبلغ الذي رضوا به وقبل العفو منهم، فكان ذلك دليلاً على أن القاضي لا يحكم بعلمه. وعن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأته، فقال شداد بن الهاد هي المرأة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت راجماً بغير بيّنة لرجمتها؟ قال: لا، تلك امرأة كانت قد أعلنت في الإسلام» وفي رواية: «فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء» وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيأتها ومن يدخل عليها» ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد علم أن المرأة التي ذكرها زانية، علم ذلك من الرجال الذين كانوا يدخلون عليها، ومن هيأتها، ومن منطقها، ولا شك أن هيئة المومس وشكلها تدل على أنها زانية، فكيف إذا رأى الناس الرجال يدخلون عليها. وكما يظهر من أوصاف هذه المرأة أنها مومس، فإن ابن عباس يقول: «كانت تظهر في الإسلام السوء» أي كانت تعلن بالفاحشة أي بأنها مهيأة للزنا، وهذا كله يجلب العلم، ويدل على ذلك قول الرسول: «لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت فلانة» فإن هذا القول يعني أن الرسول يعلم أنها زانية وحكمها الرجم ولكن لعدم وجود بينة لم يرجمها، فهو يدل على أن القاضي لا يحكم بعلمه. وقد سار على ذلك أبو بكر رضي الله عنه فكان لا يقضي بعلمه. عن ابن شهاب عن زيد بن الصلت أن أبا بكر الصديق قال: “لو رأيت رجلاً على حد من حدود الله ما أخذته ولا دعوت له أحداً حتى يكون معي غيري” وقد يقال أن هذه الأدلة في العقوبات، فحديث عائشة في الجنايات، وحديث ابن عباس في الحدود، والدليل إذا جاء في موضوع فإنه يكون خاصاً في ذلك الموضوع، فهذه الأدلة إنما تصلح دليلاً على أن القاضي لا يقضي بعلمه في العقوبات لا في غيرها، أما المعاملات فتحتاج إلى دليل آخر يدل عليها. والجواب على ذلك أن حديث عائشة ليس في العقوبات فقط بل هو في العقوبات والأموال، فإن سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم يتضمن العفو عن القود وعرض المال الذي يرضون به، فلما أعلم الناس أعلمهم بالرضا بالعفو والرضا بالمال، إذ قال: «إن هؤلاء الذين أتوني يريدون القود فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا» أي رضوا بالعفو عن القود، وبالمبلغ الذي عرضه عليهم، فلما أنكروا وزادهم جاء يعلم الناس بالمال فقال: «أرضيتم» يعني بالمبلغ بعد زيادته، إذ هم قد رضوا بعد الزيادة، فالرسول لم يحكم بالعفو إلا بعد إعلام الناس ليشهدوا، ولم يحكم بالمبلغ الذي رضوا به لأنهم أنكروا أمام الناس، فزادهم ثم حكم به بعد أن أعلم الناس ورضوا، فالحديث يصلح للاستدلال على المال وعلى العقوبات فيكون دليلاً على عدم جواز أن يحكم القاضي بعلمه.
وقد يقال أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قضى بعلمه، فعن أبي هريرة قال: «جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للمدعي: أقم البينة، فلم يقمها، فقال للآخر: احلف، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عنده شيء، فقال له رسول صلى الله عليه وسلم : قد فعلت، ولكن غفر لك بإخلاص لا إله إلا الله» وفي رواية للحاكم: «بل هو عندك ادفع إليه حقه، ثم قال شهادتك أن لا إله إلا الله كفارة يمينك» وفي رواية لأحمد: «فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه كاذب إن له عنده حقه، فأمره أن يعطيه حقه وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله». فهذا الحديث دليل على أن القاضي يجوز أن يحكم بعلمه، فالرسول صلى الله عليه وسلم قضى بعلمه بعد وقوع السبب الشرعي الذي يستوجب رد الدعوى وهو اليمين، فبالأولى جواز القضاء بالعلم قبل وقوعه. والجواب على ذلك من وجهين: أحدهما: أن هذا الحديث أعله بن حزم بأبي يحيى وهو مصدع المعرقب، وأعله أبو حاتم برواية شعبة عن عطاء بن السائب عن البختري بن عبيد عن أبي الزبير، وما أخرجه أحمد من رواية ابن عباس في هذا الحديث في إسناده عطاء بن السائب وقد تكلم فيه غير واحد، فيكون سند الحديث مطعوناً فيه فيرد ولا يحتج به، والوجه الثاني أنه لو فرض صحة الحديث فإن الإعلام الذي حصل للرسول صلى الله عليه وسلم في هذه القضية إنما جاء عن طريق الوحي وما جاء عن طريق الوحي يعمل به وترد البينة ويرد اليمين، لأن الوحي هو الصادق، فلا يقاس علم أي شيء عليه أي على علم الوحي، ثم إن العلم عن طريق الوحي خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم فهو من خصوصياته فلا تطالب به أمته فلا يكون دليلاً على الحكم بالنسبة للأمة، وعليه لا يصلح هذا الحديث دليلاً على جواز أن يقضي القاضي بعلمه.
وقد يقال أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قضى بعلمه في النفقة في حادثة هند زوجة أبي سفيان، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن لها أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما قضى لها ولولدها بوجوب النفقة لعلمه بأنها زوجة أبي سفيان ولم يلتمس على ذلك بينة، فدل على أن للقاضي أن يحكم بعلمه في النفقة، والجواب على ذلك أن هنداً لم تشك للرسول صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان حتى تكون الحادثة من قبيل القضاء والحكم، وإنما سألته هل يجوز لها أن تأخذ من مال أبي سفيان فإنه رجل شحيح فأجابها على سؤالها بقوله: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، فهذا جواب على سؤال أي فتوى، وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة كلام المستفتي، فلا يكون الرسول قد قضى بعلمه وإنما أجاب على سؤال، فلا يصلح الحديث دليلاً على جواز أن يقضي القاضي بعلمه.
وبناء على ذلك فإنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه لا في الحدود ولا في الجنايات ولا في الأموال ولا في المعاملات ولا التصرفات، لحديث عائشة وحديث ابن عباس، بل عليه أن يطلب البينة، ولا يحكم إلا ببينة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «شاهداك أو يمينه» ويقول: «وليس لك إلا ذلك».**
**متى يصبح غير العدل عدلاً تقبل شهادته
العدالة في الشهادة شرط أساسي، ومن لم يكن عدلاً ردت شهادته. إلا أن الفاسق أو من ردت شهادته لكونه غير عدل، إذا أصبح عدلاً فإنه تقبل شهادته، متى تحققت فيه العدالة ولم يسبق أن حكم بفسقه، كأن حكم عليه بحد أو ردت شهادته. أما من ردت شهادته، أو حكم عليه بحد، فإنه يشترط في اتصافه بالعدالة وقبول شهادته أن يتوب، وأن يصلح حاله، وأن تمضي عليه مدة سنة تظهر فيها توبته، ويتبين فيها صلاحه.
أما التوبة فلأن كل ذنب تلزم فاعله التوبة منه، ومتى تاب منه قبل الله توبته، بدليل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ () أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيماً) فهذا يدل على أن التوبة تقبل من العاصي مطلقاً. إلا أن هذه التوبة إن لم يكن فيها حق لله يجب قضاؤه، أو لم يكن فيها حق لآدمي فإنه يكفي فيها الندم والعزم أن لا يعود. أما إن كان فيها حق لله تعالى يجب قضاؤه كترك الصلاة ومنع الزكاة، أو كان فيها حق لآدمي كغصب مال أو ضرب شخص، فإن التوبة فيها تكون بالندم والعزم أن لا يعود، ويترك المظلمة التي ارتكبت، أي كأن يؤدي الزكاة ويقضي الصلاة، أو يرد المغصوب أو مثله إن كان مثلياً وقيمته إن كان قيمياً، وأن يمكن من نفسه لمن اعتدى عليه ليقتص منه، وبذلك تكون التوبة قد قبلت منه وقام بحقها.
هذا من جهة قبول التوبة. أما من جهة إعادة اعتباره صالحاً لأداء الشهادة، أي من جهة اعتبار أن يصبح عدلاً تقبل شهادته، وتصح ولايته، ويسند إليه كل عمل تشترط فيه العدالة، فلا يكفي حصول التوبة بالندم وترك المظلمة، بل لا بد أن تمضي عليه مدة سنة تظهر فيها توبته، ويتبين فيها صلاحه حتى يصح قبول شهادته، أو قبوله في العمل الذي يشترط فيمن يقوم به أن يكون عدلاً كالقضاء مثلاً.
أما الدليل على جواز أن يكون عدلاً بتوبته وثبوت صلاحه، وجواز أن تقبل شهادته، فهو قوله تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) بعد قوله: (وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) فإن نص الآية هو (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ () إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فإن الله تعالى قال: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا) بعد قوله: (وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) والاستثناء متى يعقب كلمات منسوقة بعضها على البعض ينصرف إلى جميع ما تقدم إلا ما قام الدليل عليه، كقول القائل امرأته طالق وعبده حر وعليه حجة إلا أن يدخل الدار، فالاستثناء يعود للجميع. وكذلك في الآية فإن الاستثناء يعود للجميع، ولكن قام الدليل على أن الاستثناء لا يعود إلى الجلد وهو عدم سقوط الحد، والإجماع على أن الاستثناء لا ينصرف إلى الجلد، فيبقى ما سواه، فيكون قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا) استثناء من قوله: (وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) فاستثنى من عدم قبول الشهادة ممن يجلد بالقذف الذين تابوا، حين استثنى: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) من قوله: (وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) وهذا يعني جواز أن ترجع العدالة للمحدود الذي حكم بفسقه بالحكم عليه بالحد، إذا كان قد تاب، وأصلح، وجواز أن تقبل شهادته.
وأما الدليل على أن التوبة وحدها لا تكفي بل لا بد من ثبوت صلاحه قوله تعالى: (وَأَصْلَحُوا) بعد قوله: (تَابُوا) إذ الآية هي: (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا) فإنها تدل على أنه لا بد أن تثبت توبته وأن يثبت معها صلاحه، لأن الواو للعطف وهي تعني هنا عطف شيء على شيء آخر، فلا بد من ثبوت الشيئين معاً، أي التوبة والصلاح. وأما كونه لا بد من مرور سنة عليه تظهر فيها توبته ويتبين صلاحه فلأن معنى الآية في قوله: (وَأَصْلَحُوا) يشير إلى أنه لا بد من تحقق الصلاح مع التوبة، وعبر بالصلاح بلفظ الماضي إشارة إلى تحقق وقوعه، أي إلا الذين تحققت منهم التوبة وتحقق فيهم الصلاح. وتحقق الصلاح يقتضي حتماً وجود مدة يتبين فيها الصلاح، فالآية لا تدل على مدة معينة ولكنها تدل على تحقق الصلاح وهو يحتاج إلى زمن يقع فيه التحقق أي إلى مدة يحصل فيها تحقق الصلاح. أما كون المدة سنة فلأن عمر لما ضرب صبيغاً وحبسه بسؤاله عن الذاريات والنازعات أمر بهجرانه حتى بلغه توبته، فأمر أن لا يكلم مدة سنة، مما يدل على اعتبار مدة السنة لتحقق الصلاح مع التوبة، فلما ثبت لعمر توبة صبيغ أراد أن يتحقق من صلاحه وقدر لذلك سنة، وفعل عمر وإن كان ليس دليلاً شرعياً ولكنه يستأنس به عند عدم وجود الدليل. على أن تحقق الصلاح أمر من الأمور التي تعرف بمعرفة الواقع، والواقع أن الإنسان يحتاج إلى أن تمر عليه الفصول الأربعة من السنة حتى يعرف حالة من حيث الميول والشهوات، ولذلك كان تقدير السنة أقرب إلى الواقع. وعلى هذا فإن التوبة وحدها لا تكفي لتحقق عودة العدالة للشخص، أي عودة الاعتبار له، وإنما لا بد أن يصحب التوبة تحقق الصلاح فيه بمضي مدة سنة، فإذا حصل ذلك قبلت شهادة الشخص المحدود أو المردودة شهادته لعدم العدالة، وصحت ولايته، وأسند إليه كل عمل تشترط فيه العدالة.**
**من لا تجوز شهادته
الأصل أن الشهادة ترد بالتهمة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا شهادة لمتهم» ولأنه خبر محتمل للصدق والكذب، فإنما يكون حجة إذا ترجح جانب الصدق فيه، وعند ظهور سبب التهمة لا يترجح جانب الصدق. غير أنه ليس كل تهمة ترد بها الشهادة، لأن المرء قد يجد أي تهمة ليطعن بها في شهادة الشاهد من أجل ردها، فلا بد من تعيين التهمة التي ترد بها الشهادة. والذي يعينها إنما هو الشرع وليس العقل، لأن الشرع جعل الأصل في المسلم أن تقبل شهادته، بل جعل الأصل في الشهادة القبول، فردها خلاف الأصل، وخلاف الأصل يحتاج إلى إثبات أي إلى حجة تثبته، وهذه الحجة لا يصح أن تكون إلا نصاً شرعياً، لأنه أي الرد حكم شرعي فيحتاج إلى دليل شرعي، ولأن إثبات ما جعله الشرع أصلاً يحتاج إلى نص شرعي يثبت خلاف الأصل. ولذلك لا ترد الشهادة إلا بتهمة قد جاء النص الشرعي بأن الشهادة ترد بها، وما لم يأت نص شرعي بالتهمة فلا ترد الشهادة. وعليه لا ترد الشهادة بالتهمة التي دل عليها العقل أو العرف، لأن ذلك لا قيمة له، فرد الشهادة حكم شرعي فلا بد من نص شرعي من الكتاب والسنة يدل عليه، أي لا بد من نص شرعي على التهمة التي ترد بها شهادة الشاهد.
والذين جاء النص الشرعي يرد شهادتهم هم غير العدل، والمحدود في القذف، والخائن والخائنة، ولا تقبل شهادة ذي الظنة والحنة يعني العداوة، ولا الخادم المنقطع إلى الخدمة، ولا الوالد لوالده ولا الوالد لولده، ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته. هؤلاء جميعاً لا تجوز شهادتهم لورود النص بذلك. أما رد شهادة غير العدل فلقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ، ) (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ) ولقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) فإن هذه الآيات قد اشترطت أن يكون الشاهد عدلاً، ومفهومها أن غير العدل لا تجوز شهادته، وقد سبق تعريف العدل بأنه الانزجار عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة، فكل من لا ينزجر عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة كان غير عدل فلا تجوز شهادته.
وأما رد شهادة الخائن والخائنة وصاحب العداوة والخادم المنقطع إلى الخدمة فلما أخرج أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت، والقانع الذي ينفق عليه أهل البيت» وعنه صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا تقبل شهادة خصم على خصم». فالخائن ترد شهادته، وكذلك صاحب العداوة أي الذي بينك وبينه عداوة، فشهادة العدو لا تقبل على عدوه للتهمة، وترد شهادة القانع وهو الخادم المنقطع إلى الخدمة، وهو المعني بقوله القانع، وبتفسيره له بقوله: «والقانع الذي ينفق عليه أهل البيت» أي الخادم الملازم للخدمة.
وأما رد شهادة الولد لوالده والوالد لولده فلما رواه هشام بن عروة عن أبيّ عن عائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه المسلم، ولا شهادة الولد لوالده، ولا شهادة الوالد لولده». والغمر: الحنة والشحناء، والحنة بكسر الحاء وتخفيف النون المفتوحة لغة في الاحنة وهي الحقد. ففي هذا الحديث ذكر الخائن والخائنة وذكر صاحب العداوة، وذكر فوق ذلك شهادة الولد لوالده وشهادة الوالد لولده، وبناء على هذا الحديث لا تجوز شهادة الولد لوالده إبناً كان أو بنتاً ولا شهادة الوالد لولده سواء أكان أباً أو أماً فإن كلاً منهما والد، وأيضاً فإن المعنى الموجود في الأب وهو التهمة موجود في الأم.
وأما رد شهادة الزوجة لزوجها والزوج لزوجته، فإن الفقهاء المعتبرين ممن يعدون من المجتهدين قد ذكروا أن حديث هشام بن عروة قد رواه عمرو بن شعيب عن أخيه عن جده وزاد فيه: «ولا شهادة المرأة لزوجها ولا شهادة الزوج لامرأته» يعني أن رواية عمرو بن شعيب عن أخيه عن جده قد ذكر فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «ولا تجوز شهادة المرأة لزوجها ولا شهادة الزوج لامرأته» فقبول الفقهاء لهذه الرواية بهذه الزيادة تجعل الحديث من الحديث الحسن وهو يحتج به، وعلى هذا فإنه يكون دليلاً على أنه لا تجوز شهادة المرأة لزوجها ولا الزوج لزوجته.
وأما رد شهادة المحدود فإن في الحديثين، حديث هشام بن عروة، وحديث عمرو بن شعيب عن أخيه عن جده: «ولا مجلود في حد» يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلّم قال: «ولا تجوز شهادة مجلود في حد».
هذه هي الأدلة على من لا تجوز شهادته وما عدا هؤلاء تجوز شهادته إذ لم يرد نص يدل على رد شهادتهم، ويوقف في رد الشهادة عند حدود النصوص. وأما ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر لأخيه ولا ظنين ولا قرابة» فإنه حديث ضعيف إذ فيه يزيد بن زياد الشامي وهو ضعيف، قال الترمذي: لا يعرف هذا من حديث الزهري إلا من هذا الوجه، ولا يصح عندنا إسناده. وعلى ذلك فلا يحتج بهذا الحديث، فتقبل شهادة القريب على قريبه وله ما عدا الوالد والولد. وأما ما روي عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله يقول: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» فإنه ليس المراد منه رد شهادة البدوي مطلقاً، لأن النص خاص إذ قال على صاحب قرية، ويستنبط من ذلك أن هناك علة لعدم قبولها وهو كونه بدوياً أي من أهل البادية الذين يعيشون كل حياتهم في البادية، وكون المشهود عليه صاحب قرية فلا يعلم البدوي عنها ولا عنه أي عن صاحب القرية شيئاً، أي كونه يجهل أحوال المشهود عليه، فعلة الرد الجهالة لا كونه بدوياً. والدليل على أن شهادة البدوي جائزة أن: «النبي صلى الله عليه وسلّم قبل شهادة بدوي في رؤية الهلال». فقبول الرسول لشهادة البدوي في رؤية الهلال دليل على جواز شهادته، وهي تدل على أن المراد بحديث: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» ليس لكونه بدوياً بل لجهله في القرية وفي صاحب القرية. وأما ما روي “أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه شهد لفاطمة رضي الله عنها عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومعه أم أيمن فقال له ابو بكر: لو شهد معك رجل أو امرأة أخرى لقضيت لها بذلك” فإن فاطمة رضي الله عنها كانت غاضبة على أبي بكر منذ توليه الخلافة ولا سيما بعد رفضه إعطاءها ارض فدك، وعلي كان غاضباً على أبي بكر ولم يبايعه إلا بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها، فمن أين جاءت شهادة علي لفاطمة عند أبي بكر، فإن كان في مسألة أرض فدك فهي ليست حقاً عند خصم فإن أبا بكر يعترف بأن الأرض ارث عن الرسول ولكنه يحتج بقول رسول الله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» وإن كان في غير ذلك فإن فاطمة لم يرد عنها أنها شكت لأبي بكر على أحد، فالوقائع المحسوسة ترد هذه الرواية، فهي ترد دراية. على أنه لو صحت فإن فعل علي ليس بحجة لأنه صحابي ورأي الصحابي ليس بحجة لأن الحجة إنما هي فيما جاء به الوحي أو فيما دل عليه الذي جاء بن الوحي، أي في الكتاب والسنة وما أرشد إليه الكتاب والسنة من أدلة، ثم أن هذا الأثر يتعارض مع حديث هشام الثابت فيرد لمعارضته للحديث الصحيح. وأما ما جاء من طريق أبي عبيدة حدثنا الحسن بن عازب عن جده شبيب بن غرقده قال: “كنت جالساً عند شريح فأتاه علي بن كاهل وامرأة وخصم لها، فشهد لها علي بن كاهل وهو زوجها، وشهد لها أبوها، فأجاز شريح شهادتهما، فقال الخصم هذا أبوها وهذا زوجها، فقال شريح هل تعلم شيئاً يجرح شهادتهما؟ كل مسلم شهادته جائزة” فإن هذا ليس دليلاً لأنه حكم لقاض من القضاة، فليس بدليل شرعي فلا يحتج به، ولعل شريحاً لم يصح عنه الحديث أو لم يعلم بالحديث فقضى على هذا الوجه ولو علم بالحديثين لما قضى بهما. على أن حديث هشام ينص صراحة على عدم جواز شهادة الوالد لولده، وحديث عمرو بن شعيب الذي استدل به الفقهاء ينص بصراحة على عدم جواز شهادة الزوجة لزوجها والزوج لزوجته فيكف نأخذ قول شريح ونرد ما ثبت عن رسول الله ؟ لذلك نرفض فعل شريح القاضي ونأخذ بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.**
**شهادة النساء
قال الله تعالى: ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار» فقالت امرأة منهن جزلة ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» قالت يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال: «أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين». وعن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل» وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال في حديث: «أليس شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل؟ قلنا بلى يا رسول الله» هذه النصوص من الكتاب والسنة هي أدلة على شهادة النساء بأنها على النصف من شهادة الرجل، وأن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وكلها ما عدا الآية أدلة عامة، فتكون كذلك عامة في كل دعوى، سواء أكان معهما رجل أو كن نساء فقط، لأن قول الرسول: «فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل»، «أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل» عام، لأنه عبر بصيغة العموم إذ لفظ “المرأة” و"الرجل" في قوله: «أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل» من ألفاظ العموم، لأن كلاً منهما اسم جنس محلى بأل، واسم الجنس المحلى بالألف واللام من صيغ العموم لذلك كان عاماً في جميع الدعاوى، وأما الآية فإن قوله: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) لا يعني أنه لا يجوز إلا رجل وامرأتان، بل يعني أن الشاهدين هما رجلان، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان، وجاء الحديث فجعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، فيكون قد فسر قوله: (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ). وعليه فإن شهادة المرأتين بمقام شهادة الرجل تدخل فيها الحقوق المالية وهو ما دلت عليه الآية.
وعلى هذا فإن شهادة النساء تقبل في جميع الدعاوى سواء أكانت من المعاملات أم كانت من العقوبات، فتجوز شهادة النساء في الحدود والجنايات كما تجوز في العقود والتصرفات لعموم الأحاديث، ولم يأت ما يخصصها في غير العقوبات. وأما ما روي عن شريح رحمه الله بأنه قال: “لا تجوز شهادة النساء في الحدود” فإنه كلام لشريح وليس بحديث، وكلام شريح ليس دليلاً شرعياً وإنما هو رأي لمجتهد من المجتهدين كرأي أبي حنيفة فلا يؤخذ دليلاً، وهو أيضاً ليس له دليل من النصوص لا من الكتاب ولا من السنة. وأما ما روي عن الزهري أنه قال: «مضت السنة من لدن رسول الله والخليفتين من بعده أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود» وفي رواية: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود والنكاح والطلاق» فإن هذا الحديث حديث منقطع من طريق إسماعيل بن عباس وهو ضعيف فلا يحتج به. وأيضاً فإن قولهم: «مضت السنة» لا يعني أن السنة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، بل قد تكون سنة الخلفاء الراشدين، وقد يكون المراد بالسنة الطريقة، فعن العرباض أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين عضوا عليها بالنواجذ» فسمى فعل الخلفاء الراشدين سنة مما يدل أن المراد منه الطريقة، وفي حديث حضين بن المنذر عن علي في جلد الوليد بن عقبة أنه قال: «جلد النبي صلى الله عليه وسلّم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة» فسمى فعل أبي بكر وفعل عمر سنة وسمى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم سنة، مما يدل على أنه أراد بذلك الطريقة، إذ قد روي عن علي نفسه رضي الله عنه أنه قال: «ما كنت لأقيم حداً على أحد فيموت واجد في نفسي منه شيئاً إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يسنه» فهو يقول في هذا الحديث: «لم يسنه» وفي الحديث الأول يقول: «وكل سنة» والحديثان صحيحان مما يدل على أنه لم يرد بالسنة عمل الرسول، وإنما أراد بها الطريقة. فكلمة السنة إذا أطلقت بغير قرينة كان معناها الطريقة، فكلمة: «مضت السنة» لا تدل على أن المنقول حديث إلا إذا جاءت قرينة تدل على ذلك، وما روي عن الزهري من قوله: «مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود والنكاح والطلاق» لا يؤخذ بأنه حديث إذ لا قرينة تدل على ذلك، وعليه فإن من هذه الناحية أيضاً يرد الاستدلال بهذا الأثر، فلا يكون هناك أي دليل باستثناء الحدود من جواز شهادة النساء وعليه تجوز شهادة النساء في الحدود والجنايات لعموم الأدلة ولعدم ثبوت دليل صحيح يستثني الحدود أو الجنايات.
وكما دلت النصوص على قبول شهادة النساء في الحدود والجنايات كسائر الدعاوى، كذلك دلت النصوص على جواز شهادة النساء وحدهن من غير رجل في جميع القضايا، لأن قول الرسول: «أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل» عام لأي امرأة ولأي رجل، وقوله عليه السلام: «فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل» مطلق يشمل كل دعوى، ويشمل إذا كان معهن رجل أو كن وحدهن، ولا يوجد أي دليل يمنع شهادة النساء وحدهن. وعليه تجوز شهادة النساء وحدهن في جميع الدعاوى.**
**المستثنيات من نصاب الشهادة
لقد جاء الشارع بنصاب للشهادة أكثر من الشاهدين وجاء بنصاب لها أقل من الشاهدين في حوادث معينة. فجريمة الزنا اشترط فيها أربعة شهود عدول، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) وقال تعالى: (لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ)وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربعة وإلا حد في ظهرك» فهذه الأدلة صريحة في أن نصاب الشهادة في الزنا أربعة شهود، فتكون هذه الأدلة بنصها على نصاب مخصوص لموضوع مخصوص هو موضوع الزنا قد أخرجت نصاب شهادة الزنا من النصاب العام وجعلت لها نصاباً خاصاً فلم تكتف بشاهدين بل اشترطت أربعة شهود فيكون هذا النصاب للزنا فقط ولا يشمل غيره لأنه جاء في موضوع خاص هو الزنا فيختص بذلك الموضوع. فهذا نصاب أكثر من نصاب الشهادة فيكون هو النصاب في الموضوع الذي جاء به وهو الزنا.
وجاء الشارع بما هو أقل من نصاب الشهادة أي أقل من الشاهدين في مواضيع معينة، فمن ذلك رؤية الهلال فإنه يجوز فيها شاهد واحد مسلم، لما روي عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني رأيت الهلال يعني رمضان، فقال أتشهد أن لا إله إلا الله، قال: نعم، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: قم يا بلال فأذن في الناس فليصوموا غداً» فهذا الحديث دليل على أن رؤية الهلال سواء هلال رمضان أو هلال شوال يجوز فيه شاهد واحد مسلم، ومن ذلك ما لا يطلع عليه غير النساء فإنه تجوز فيه شهادة امرأة واحدة، لما روي من طريق الزهري قال: «مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن» وانه وإن كانت تعبير: «مضت السنة» لا يدل على أن ذلك حديث إذ يجوز أن تكون السنة أي الطريقة التي ساروا عليها، ولكن إذا قرن هذا بحديث صحيح فإنه يعتبر، وقد قرن ذلك بحديث صحيح، عن عقبة بن أبي الحارث قال ابن مليكة قد سمعته من عقبة بن الحارث ولكني لحديث عبيد أحفظ قال: «تزوجت امرأة فجاءت امرأة سوداء فقالت: إني أرضعتكما، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إني تزوجت امرأة فجاءت امرأة سوداء فقال إني قد أرضعتكما، وهي كاذبة، فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه فقلت انها كاذبة، فقال: كيف بها وقد زعمت أنها أرضعتكما، دعها عنك» وفي رواية أخرى عن عقبة بن الحارث أنه: «تزوج أم يحيى بنت أبي اهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عني فتنحيت فذكرت ذلك له فقال: وكيف وقد زعمت أنها أرضعتكما؟ فنهاه عنها» ففي هذا الحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل بتركه زوجته بناء على شهادة امرأة واحدة أنها أرضعتهما، إذ قال له: «دعها عنك» وفي الرواية الأخرى جاء: «فنهاه عنها» وورد في رواية ثالثة: «لا خير لك فيها» وإذا قرن ذلك بحديث: «مضت السنة» الذي قبله يتبين منهما معاً جواز شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه غير النساء، لأن شهادة المرأة الواحدة ثبت جوازها في الرضاع، والعلة في ذلك هي كون الرضاع مما لا يطلع عليه غير النساء، وقد استنبطت هذه العلة من كون موضوع الشهادة هو الرضاع، ومن حديث: «مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن» فإنه يفهم منه أن جواز شهادة المرأة الواحدة في الرضاع لأنه مما لا يطلع عليه غير النساء. وقد تأيد ذلك بحديث آخر هو حديث مجاهد وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وطاوس رضي الله عنهم قالوا: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه» وتأيد أيضاً بما روي عن حذيفة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة على الولادة وقال: شهادة النساء جائزة فيما لا يطلع عليه الرجال». فهذا كله يدل على أن الأحاديث لم يكن مقصوداً بها الرضاع بخصوصه، ولا الولادة بخصوصها، بل هي معللة بعلة ما لا يطلع عليه غير النساء، فتكون شهادة المرأة الواحدة هي نصاب الشهادة فيما لا يطلع عليه غير النساء.
وعلى ذلك فإنه يكون قد استثنى الشارع من نصاب الشهادة ثلاثة أمور: أحدها الزنا، وجعل له نصاباً أكثر من نصاب الشهادة، والثاني رؤية الهلال، والثالث ما لا يطلع عليه غير النساء، وجعل لهما نصاباً أقل من نصاب الشهادة، فجعل نصاب الأول أربعة شهود، ونصاب الثاني رجل واحد، ونصاب الثالث امرأة واحدة.**
**نوع الشاهدين
إن المتتبع للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة يجد أن الشارع قد بين الشاهدين ببيانات مختلفة، فبين أنهما رجلان فقال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) وبين أنهما رجل وامرأتان فقال تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) وبين أنهما أربع نسوة وأن كل امرأتين بمثابة رجل واحد، عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد» وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث: «أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل قلنا: بلى يا رسول الله» وبين أنهما شاهد ويمين المدعى، عن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد» وعن جابر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين والشاهد» وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق وقضى به أمير المؤمنين علي بالعراق» وعن ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد الواحد» وعن سرُّق: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة الرجل ويمين الطالب» وعن الزبيب بن ثعلبه قصة ذكرها وفيها أنه قال له صلى الله عليه وسلم : «هل لك بينة على أنكم أسلمتم قبل أن تؤخذوا في هذه الأيام؟ قلت: نعم، قال: من بيّنتك؟ قلت: سمرة رجل من بني العنبر ورجل آخر سماه له، فشهد الرجل وأبى سمرة أن يشهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أبى أن يشهد لك فتحلف مع شاهدك الآخر، قلت: نعم، فاستحلفني فحلفت بالله لقد أسلمنا يوم كذا وكذا» ثم ذكر تمام القصة وفيها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بالشاهد واليمين» قال أبو عمر النمري عن هذا الحديث “أنه حديث حسن”.
فهذه النصوص كلها تبين أن الشارع لم يقتصر في نصوصه على ذكر الشاهدين فقط، بل فصّل الشاهدين بأنهما رجلين، ورجل وامرأتان، ونساء بمقدار الرجلين كل امرأتين بمقدار رجل واحد، وشاهد واحد ويمين المدعي. فهذا التفصيل يعتبر بياناً للشاهدين، لأن لفظ الشاهدين لفظ مجمل مثل لفظ الزكاة والصلاة والحج وما شابهها، فجاءت النصوص وبيّنت الشاهدين بأنهما رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة، أو شاهد واحد ويمين المدعي. فيكون ذلك بياناً للشاهدين أي بياناً للنصاب، وعليه يكون نصاب الشهادة هو هكذا شاهدين، ويكون أحد الشاهدين اليمين لأنها شهادة، ويكون امرأتين لأنهما بنص الحديث بمقابل شاهد. أما كون اليمين شاهداً فلأن ذلك ثابت بنص القرآن. فإن القرآن سمى أيمان الزوجين شهادة فقال: (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ). وعلى ذلك فإن اليمين تكون شهادة فتقوم مقام شاهد، فيكون اليمين مع الشاهد الواحد شاهدين اثنين، وأما كون المرأتين بمثابة الشاهد الواحد، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد» فتكون الأربع النسوة شاهدين. وبذلك يظهر أن الشاهدين مهما اختلفت أنواعهما هما شاهدان، وأن ما جاء في شأن الشاهد الثاني هو بيان لنوع هذا الشاهد وليس نصاباً آخر. وعليه فإن أنواع الشاهدين أربعة أنواع هي: رجلان، ورجل وامرأتان، وأربع نسوة، وشاهد واحد ويمين المدعي.
وقد يقال أن الله قد ذكر نصاب الشهادة بأنه رجلان أو رجل وامرأتان بنص صريح قال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) فمنطوقه ومفهومه يدل على أن هذا هو نصاب الشهادة، فقبول الحديث الذي يقول بالشاهد الواحد ويمين المدعي يعني أن الحديث نسخ الآية، لأن الآية جاءت بحكم وجاء الحديث بحكم آخر غيره فيكون قد نسخه، والحديث لا ينسخ القرآن خاصة وأن الحديث المذكور خبر آحاد فيكف يصح أن يكون نصاب الشهادة شاهداً واحداً ويمين المدعي؟ والجواب على ذلك من وجهين: أحدهما أن الآية خاصة في موضوع خاص، فلا تشمل غير هذا الموضوع، فلا تكون عامة، فلو فرضنا أن الآية بيّنت النصاب فإنه يكون بياناً للنصاب في هذا الموضوع فقط وهو الحقوق المالية، وتكون النصوص الأخرى جاءت مبينة النصاب في غير الحقوق المالية. ثانيهما أن أحاديث الشاهد الواحد ويمين المدعي ليست مبطلة لما جاء في الآية من أن نصاب الشهادة شاهدان، بل هي مبينة بياناً زائداً على بيان الآية، فالآية بينت الشاهدين بأنهما رجلان أو رجل وامرأتان، والحديث بين انهما كذلك شاهد ويمين المدعي، فيكون بياناً ثانياً. فيكون الحديث قد جاء بزيادة على الآية ولم يأت بحكم جديد غير الحكم الأول بل جاء بالحكم الأول وزاد عليه حكماً آخر، والحديث إذا جاء متضمناً لزيادة على ما في القرآن فإنه لا يكون نسخاً بل زيادة مستقلة بحكم مستقل، فإذا ثبت سنده وجب القول به. فإن النسخ رفع حكم والزيادة لا رفع فيها، والزيادة إنما هي كالتخصيص، فكما أن تخصيص الكتاب بالسنة جائز وكذلك الزيادة عليه جائزة. والشواهد على ذلك كثيرة جداً، فالله تعالى حين ذكر المحرمات قال: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) وجاءت السنة بتحريم نكاح العمة مع بنت أخيها، والله تعالى يقول: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) وجاءت السنة بترك قطع ما يسرع إليه الفساد، وهكذا كثير مثل ذلك،وعليه يكون العمل بأحاديث قبول شهادة الشاهد الواحد ويمين المدعي واجباً مع العمل بالآية، فتكون الآية والأحاديث مبنية لأنواع الشاهدين.
هذا هو نصاب الشهادة وهو شاهدان، وهذه هي أنواع الشاهدين: رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة، أو شاهد ويمين المدعي، بجعل يمين المدعي شاهداً لأن الله سماه شهادة، وجعل المرأتين تعدلان رجلاً للحديث الصحيح. وهذا النصاب بأنواع الشاهدين هو نصاب الشهادة في جميع الدعاوى لا فرق بين المعاملات والعقوبات، فهو نصاب الشهادة في السرقة والقتل وشرب الخمر وغير ذلك من الحدود، وهو نصاب الشهادة في القتل وجدع الأنف وشج الرأس وغير ذلك من الجنايات، وهو نصاب الشهادة في البيع والإجارة والكفالة وغيرها من العقود، وهو نصاب الشهادة في الوقف والهبة وغيرهما من التصرفات. أما كونه نصاب الشهادة في المعاملات فإنه قد جاء به النص في العقود والتصرفات فيشمل جميع المعاملات، وأما كونه نصاب الشهادة في العقوبات فلأن الله لم يبين للعقوبات نصاباً خاصاً سوى جريمة الزنا، فلو كان لغير الزنا من العقوبات نصاب خاص لبينه كما بين الزنا، ولكنه لم يبينه فدل على أن نصاب الشهادة في المعاملات هو نصاب الشهادة في العقوبات، لا سيما وأن أحاديث قبول الشهادة ويمين المدعي جاءت عامة إذ نصها: «قضى بيمين وشاهد»، «قضى باليمين والشاهد»، «قضى بشاهد واحد ويمين صاحب الحق»، «قضى باليمين مع الشاهد الواحد»، «أجاز شهادة الرجل ويمين الطالب» فيشمل العقوبات لأنه عام، ومثله باقي أنواع الشاهدين.
ومن ذلك يتبين أنه لا يوجد نصاب أكمل ونصاب غير أكمل، ولا يوجد نصاب عند الضرورة ونصاب عند غير الضرورة، بل نصاب الشهادة هو هذا في جميع الحوادث إلا ما جاء النص الشرعي مستثنياً له من هذا النصاب فحينئذ يتبع النص الشرعي الذي بين لحادثة معينة نصاباً غير هذا النصاب.**
**نصاب الشهادة
يرى المتتبع للنصوص الشرعية من الآيات والأحاديث أن نصاب الشهادة هو شاهدان، قال الله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ) وقال تعالى: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) وقال عز وجل: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ). هذا بالنسبة للآيات، أما الأحاديث فعن الأشعت بن قيس قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «شاهداك أو يمينه» الحديث، وأخرج أحمد عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل» الحديث، وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل». فهذه النصوص كلها تضافرت على أن الشهادة هي شاهدان، وأنها وإن كانت لم تأت بصيغة العموم وجاء كل نص منها خاصاً في موضوع معين ولكن استفاضتها وشمولها لأكثر ما في المعاملات من مواضيع يدل على أنها عامة، أو على أنها الأصل، أو على أنها في هذه المواضيع التي ذكرت فيها على الأقل، والمواضيع تشمل الحقوق المالية، والتصرفات، والعقود والغصب، واللقطة، وهذه هي الأكثرية الساحقة في المعاملات، فهذا يدل على أن نصاب الشهادة شاهدان، ذلك أن الشارع ذكر في الشهادة عدداً أي جعل للشهادة مقداراً مثل مقدار الماء الذي لا ينجس ومقدار الذهب والفضة الواجب فيهما الزكاة وهكذا. والمقادير في الشرع إما لمنع الزيادة والنقصان مثل: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) وإما لمنع النقصان دون الزيادة مثل: «إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثاً» وإما لمنع الزيادة دون النقصان كأكثر مدة الحيض، فالمقادير في الشرع لها دلالتها أو بعبارة أخرى لها مفهومها فيعمل بمفهوم العدد. والعدد هو المقدار المقدر، وعلى هذا فإن ذكر العدد في هذه النصوص يعني ذكر مقدار للشهادة، وهو هنا لمنع النقصان دون الزيادة تماماً مثل: «إذا بلغ الماء قلتين» وهو مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلمفي نصاب الذهب والفضة: «إذا كانت لك مئتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء يعني في الذهب حتى يكون لك عشرون ديناراً» فذكر مقدار المائتين، والعشرين، هو ذكر المقدار وهو يمنع النقصان ولا يمنع الزيادة، وكذلك ذكر الشاهدين هو ذكر المقدار، وهو يمنع النقصان ولا يمنع الزيادة، وعلى ذلك يكون نصاب الشهادة شاهدين. هذا هو ما يدل عليه تضافر النصوص من الكتاب والسنة.**