أجوبة أسئلة فقهية

ألعمل كمحامي دفاع

السؤال : هل يجوز العمل كمحامي دفاع في بلدنا؟ فعندنا أحد الأساتذة الجيدين وهو يعتبر من المحامين المشهورين على مستوى البلد ويظهر في التلفزيون بسبب شهرته. وهو يتولى مهمة الدفاع عن بعض الأشخاص المظلومين… وهنا يتساءل الإخوة عن جواز مثل هذا العمل ؟ وهل يختلف الحكم الشرعي بالنسبة لوكيل النيابة عن الحكم الشرعي بالنسبة لمحامي الدفاع ؟ ثم إذا كان محامي الدفاع مقتنعاً بأن الحق ثابت لصاحبه ويصعب الحصول عليه دون استعمال وسيلة غير مشروعة كالرشوة مثلاً، فهل يجوز ذلك ما دام القصد إعادة الحق لصاحبه ؟

الجواب

بالنسبة لعمل المحامي:

1- لا يجوز عمله “وكيل نيابة” لأن مقتضى عمله هو أن يدافع عن السلطة من حيث القانون والاتهام… وما دامت لا تطبق الشرع، لذلك فإن التوكل عنها لا يجوز، ولا يلتمس أي عذر لعمل المحامي كوكيل نيابة، فهو حرام.

2- محامي الدفاع، يجوز عمله إذا كان يركز دفاعه على نصرة المظلوم ورد الحقوق لأصحابها الثابتة وفق الشرع، وأما الحقوق الثابتة وفق القانون الوضعي وليست ثابتة وفق الشرع فلا يجوز الدفاع عنها:

فمثلاً الذي يُظلم ويتعرض للسجن لأنه يقول كلمة الحق…، فإن الإسلام يدافع عنه ويخرجه من السجن، ولذلك فإن عمل محامي الدفاع لإزاحة الظلم عنه وإنقاذه من السجن هو عملٌ واجبٌ صحيح.

ومثلاً الذي يتعرض للسرقة، فإن الإسلام يعيد له ماله المسروق، فيجوز لمحامي الدفاع أن يدافع عنه للحصول على ماله المسروق.

ومثلاً الذي يبيع بيته لشخص ما مقابل مبلغ يدفع مقدماً ثم يقسط الباقي، فيدفع المشتري جزءً من المبلغ، ويرفض دفع الباقي، أو ينكره، في حين أنه اشترى البيت وسكنه… فالإسلام يعيد للبائع حقه من المشتري، ولذلك يجوز لمحامي الدفاع أن يدافع عنه للحصول على ثمن بيته الذي أنكره المشتري.

وهكذا، فإن عمل محامي الدفاع لإزاحة الظلم وإعادة الحقوق الثابتة شرعاً لأصحابها هو عملٌ صحيح.

أما إذا كان الحق ثابتاً له بالقانون الوضعي ولكنه مخالف للشرع، فلا يجوز لمحامي الدفاع أن يدافع عنه:

فمثلاً الذي يكون مساهماً في شركة مساهمة باطلة العقد، وعند توزيع الأرباح على المساهمين رأى أن الربح المعطى إليه حسب أسهمه أقل من المستحق له، فلا يجوز لمحامي الدفاع أن يدافع عن هذا الحق لإعادته لصاحبه ما دام هذا الحق ثابتاً بالقانون الوضعي، وهو مخالف للشرع، لأن هذه شركة باطلة وما يترتب عليها من أرباح لا يقرها الشرع، والواجب على المسلم أن يخرج من هذه الشركة.

ومثلاً الذي يكون واضعاً ماله بالربا في البنك، بنسبة فائدة معينة، ولكن عندما أعطاه البنك حصته حَسَبَ له الفائدة بنسبة أقل من المتفق عليها مع البنك، فلا يجوز لمحامي الدفاع أن يدافع عن هذا الحق لإعادته لصاحبه ما دام هذا الحق ثابتاً بالقانون الوضعي، وهو مخالف للشرع، حيث إن هذا الحق ثابت له وفق القانون الوضعي الذي يقر البنوك الربوية، ولكنه ليس ثابتاً له وفق الشرع، والواجب على المسلم أن يلغي هذه المعاملة الربوية مع البنك.

وهكذا، فإن محامي الدفاع يصح عمله إن كان لإزاحة الظلم وإعادة الحق الثابت شرعاً لأصحابه، ولكن لا يجوز عمل محامي الدفاع إن كان يترافع عن حقوق ثابتة بالقانون الوضعي ومخالفة للشرع.

أما أن يقوم محامي الدفاع باتخاذ وسائل غير مشروعة لإعادة الحق الثابت شرعاً لأصحابه، كأن يرشي مثلاً أو نحوها، حتى وإن كان يقصد إعادة الحق إلى صاحبه بذلك، فإن هذا لا يجوز، لأن الرشوة حرام، سواءٌ أكانت المصلحة المراد تحقيقها حقاً أم باطلاً، وذلك لأن النصوص الواردة في تحريم الرشوة لم ترد معللة بتحقيق المصلحة الباطلة فقط، كما أن تلك النصوص وردت عامة غير مخصصة بتحقيق المصلحة الباطلة فقط، وهذا واضح في النصوص:

فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعنة الله على الراشي والمرتشي» وروى أحمد عن ثوبان قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما». وهذه الأحاديث عامة فتشمل كل رشوة، سواء أكانت لطلب حق، أم لطلب باطل. كما أن هذه النصوص التي جاءت في تحريم الرشوة لم تعلل تحريمها بعلة من العلل، ولا يوجد فيها علة، ولا في أي نص آخر يستنبط منه علة لتحريم الرشوة…

ولذلك لا يجوز لمحامي الدفاع أن يستعمل الرشوة حتى وإن كان قصده تسهيل إعادة الحق لصاحبه حيث يصعب، كما يرى، إعادته لصاحبه دون ذلك.

29 صفر 1430 هـ ألموافق 24/2/2009م

قتل الحشرات بحرقها بالكهرباء

**السؤال:

أنا أحد شباب حزب التحرير في باكستان. قد تلقيت بعضًا من علوم الاجتهاد، كالعربية وأصول الفقه. وقد درست الأصول من كتابك. مرة في مناخنا سأل أحد الإخوة عن المنشة الكهربية “electric racquet” هل يجوز استعمالها لقتل الحشرات. فطلب مني مشرفي أن أقوم ببحث عن هذا المسألة لتطبيق ما تعلمت، وأُرسل المسألة إلى الحزب أيضاَ تفصيلات بحثي الذي قدمت ونتائجه في الملف المرفق بهذه الرسالة.

ثم بعد حين أجاب الحزب وكان الجواب خلاف نتيجة بحثي. أرجو أن تتفضل بالنظر إلى بحثي وأعلمني برأيك فيه وموضع الخطأ في الاستنباط حسب الأصول وغيره… وجزاك الله خيراً.**

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد اطلعت على البحث، ولي ثلاث ملاحظات:

1- الأولى أن لديك حرصاً واهتماماً باستنباط الأحكام، فطريقة بحثك جيدة حيث تدرس الأدلة وتستنبط منها الحكم وفق طريقتنا في الأصول… وهذا أمر يبشر بخير، وإني أدعو الله سبحانه لك العون والتوفيق.

2- إن تحقيق المناط بالنسبة للحرق لم يكن مستوفى، فأنت فرقت بين الحرق بالنار وبين الحرق بالكهرباء مع أن القضية واحدة، فإشعال الحطب يوجد حرارة تؤدي للحرق بكيفية معينة، وتوصيل الكهرباء توجد حرارة تؤدي للحرق بكيفية معينة. ولذلك فإن ما ينطبق على الحرق بالنار ينطبق على الحرق بالكهرباء.

3- عند استعراضك لقتل الحشرات بحرقها بالكهرباء جعلت قتل الحشرة يكون قبل حرقها بالكهرباء، حيث قلت (إن سبب الاحتراق هو جري الكهرباء في جسم الحشرة فيولد ذلك حرارة… تلك الحرارة تسبب احتراق جسم الحشرة… فتموت الحشرة من سريان الكهرباء لا من الاحتراق، حيث يقع الاحتراق بعد وقوع موت الحشرة) أي أن حرق الحشرة قد تم وهي ميتة… وهذا يا أخي فيه نظر، ويحتاج إلى بحث أعمق من أصحاب الاختصاص، وذلك أن الحشرة قد صعقت بالكهرباء وحرقت، فالحشرة كانت حية غير ميتة، ثم عندما صعقت بالكهرباء أصبحت ميتة محترقة، فلماذا القول بأن الحشرة ماتت بالصعق الكهربائي ثم حرقت بالكهرباء بعد ذلك؟ إن الحشرة وجدت ميتة محروقة بعد صعقها بالكهرباء بفعل المنشة الكهربائية، فنحتاج لرأي الخبراء المختصين لسبب موت الحشرات بالمنشة الكهربائية: أهو حرق بالكهرباء فتنطبق عليها النصوص الواردة في تحريم حرق الأحياء، أم أن الحرق تمّ بعد موت الحشرة؟ وبناء على تحقيق المناط هذا يمكن إعطاء الحكم الشرعي.

4- إن أدلة تحريم القتل بالحرق صريحة في ذلك ومن هذه الأدلة:

أخرج البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْثٍ فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ: «إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا».

وأخرج أحمد في مسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام فِي بَعْثٍ، فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ عليه الصلاة والسلام حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ: «إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا».

وهكذا فإن حرق الأحياء بالنار حرام، وهي عامة ولم تخصص بالإنسان، ولذلك فتعمّ كل مخلوق، ويكون الحكم الشرعي تحريم التعذيب بالنار والقتل بالنار وكل ما هو في معناه كالتعذيب بالكهرباء أو القتل بالكهرباء.

5- أما الحديث الذي ذكرته وفهمت منه أن القتل بالنار والحرق بها هو مكروه وليس حراماً بدلالة لفظ (إني لأستحيي من الله)، فالاستنباط مرجوح لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول بعدها: «لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ»، وهذا نص الحديث:

أخرج سعيد بن منصور في سننه عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قال: (… فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام سَرِيَّةً، فَقَالَ: «إِنْ وَجَدْتُمُوهُ فَاجْعَلُوهُ بَيْنَ حِزْمَتَيْ حَطَبٍ، ثُمَّ أَشْعِلُوا فِيهِ النَّارَ» ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ…») انتهى. فكما ترى أن الرسول عليه الصلاة والسلام بعد قوله «لَأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ»، قال: «لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ»، فإذا جمع هذا مع حديث البخاري يتبين أن العذاب والقتل بالنار حرام.

والخلاصة أن الحكم الشرعي يتوقف على تحقيق مناط القتل بالمنشة الكهربائية “electric racquet” لمعرفة إن كانت تقتل الحشرات بالحرق، أم أن الحرق يتم بعد ضرب “صعق” الحشرة ثم تموت، ومن ثم تسري الكهرباء في جسدها وتحرق، وهذا يحتاج مزيد بحث من المختصين، وبناء عليه يستنبط الحكم الشرعي.

وأكرر ما بدأت رسالتي به “أن لديك حرصاً واهتماماً باستنباط الأحكام، فطريقة بحثك جيدة حيث تدرس الأدلة وتستنبط منها الحكم وفق طريقتنا في الأصول… وهذا أمر يبشر بخير، وإني أدعو الله سبحانه لك العون والتوفيق.”.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

01 من ربيع الأول 1435هـ / 2014-01-02م

منقول

الجن وطبيعة العلاقة بينه وبين الإنسان

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخي،

من المعروف أن الدليل في العقيدة إما أن يكون عقليا أو أن يكون نقليا.

ولقد كان الإيمان بالجن موجودا لوجود الدليل النقلي عليهم فقط، لانعدام أي دليل مادي محسوس يقود إلى الإيمان بوجودهم عقلا.

فالسؤال: كيف يتفق مع ما سبق، أنْ يقول علماء بوجود المس أو التلبس أو ما إلى ذلك من تداخلات مادية بين الجن والإنس؟

وكيف يصح أن يقولوا أن للجن علاقة بالحسد وما قد يعرض للشخص من أمراض أو أزمات (تعطيل شغل حادث..) أيضا؟

وأخيرا، كيف تفسر الآيات والأحاديث الواردة بخصوص ألفاظ المس وما شابه ذلك، إن لم تفهم على ما فهمه هؤلاء العلماء منها؟**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

1- إن الجن من المغيبات عنا، فنحن لا نراهم، يقول سبحانه: ﴿يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾، أي إبليس وقومه، وبعبارة أخرى الجن، حيث إن إبليس من الجن ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.

2 - إن الأصل في علاقاتنا معهم هو أنهم قادرون على الوسوسة يقول تعالى:

﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾، والشيطان هنا هو إبليس وهو من الجن.

3 - ليس للشياطين سلطان جبري على الإنسان، إلا أن يتبع الإنسان الشيطان باختياره، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.

4- أية علاقة مادية غير هذا الأصل الذي بيَّنه الله سبحانه تحتاج إلى نص خاص بها، فإن وُجد نص بمثل هذه الحالة، فإننا نؤمن بتلك الحالة وفق النص.

فمثلاً سلطان سليمان عليه السلام على الجن وأمره ونهيه لهم…، هذا الأمر ورد نص فيه فنؤمن به، قال تعالى في سورة النمل عن سليمان عليه السلام: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.

5- وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج أي واقعة مادية من باب المعاملات البشرية، ما دام لم يرد نص خاص “بالوحي” بأن هذه المعاملة للجن علاقة بها، وكل الوقائع على هذا النحو، فإن عُثر مثلاً على رجل مقتول لا ينصرف الذهن إلى أن الجن قتلوه إلا أن يرد نص في ذلك، وهكذا فإنه في حادثة الرجل المقتول في خيبر قد انصبَّ البحث على من قتله من الناس، ولم ينصرف إلى الجن:

أخرج مسلم في صحيحه أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ في قِيرٍ فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ قَالُوا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ… ثم وصلت القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فَكَتَبُوا إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ…» والقصة معروفة. ولم يدخل في بحث القضية عمل الجن من قريب أو بعيد.

6- وعليه فما لم يرد نص يذكر علاقة مادية للجن في حادثة ما، فإن العلاقة تبقى بين الجن والإنس علاقة وسوسة لا تتجاوزها.

وحيث إن رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم هي خاتم الرسالات، وانقطع الوحي بعدها، فلا نصوص جديدة، لذلك فلا علاقة مادية بيننا وبين الجن، بل هي فقط الوسوسة، وكما قلنا فلا سلطان لوسوسة الجن على المرء إلا أن يستجيب المرء لهذه الوسوسة باختياره.

وهكذا كانت تعالج الأمور المادية في عهد الخلفاء الراشدين، فلا ينصرف الذهن في أية واقعة مادية، قتل أو سرقة، أو نصب أو احتيال…، لا ينصرف الذهن إلى الجن بل إلى البشر، لأن علاقة الجن هي علاقة وسوسة، إلا إذا ورد نص خاص، وحيث لا نص خاص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل الوقائع المادية هي من البشر وليست من الجن، فعالمهم غير عالمنا، وعلاقتهم معنا علاقة وسوسة لا غير.

وبناء عليه، فإن الإنسان إذا مرض فلا علاقة للجن في الموضوع، بل يعالج المرض وفق ما ورد في الإسلام، أي بالتداوي:

سواء أكان الدواء مادياً، كما جاء في الحديث من طريق أسامة بن شريك قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى فَقَالَ «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» أي إلا الموت، أخرجه أبو داود.

أم كان الدواء بالدعاء والرقية، كما ورد في الحديث الذي أخرجه مسلم من طريق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَرْقِي بِهَذِهِ الرُّقْيَةِ أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ بِيَدِكَ الشِّفَاءُ لاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ أَنْتَ» أو نحو ذلك من أدعية من القرآن أو السنة أو أي دعاء وفقهما.

أما اللجوء إلى من يزعمون أن لهم علاقة مادية بالجن لشفاء المريض، فإنه نصب واحتيال من أولئك الدجالين الذين يوقعون بالبسطاء من الناس لابتزازهم وأكل أموالهم بالباطل.

7- وأما تفسير الآية التي فيها “المس”، فكأنك تقصد آية البقرة رقم 275 وهي:

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وإليك ما يلي في تفسيرها:

  1. لقد ضرب الله مثلا للذي يأكل الربا كمن يتخبط من الصرع، يقف ويقع فيضطرب في مشيته ووقوفه وجلوسه فالجنون قد أخذ منه كل مأخذ، وذلك لأنه يعتبر الربا كالبيع، والله قد حرم الربا وأحل البيع.

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أي يأخذونه، ويعمّ كل انتفاع به. وقد استعملت ﴿يَأْكُلُونَ﴾ في القرآن الكريم للدلالة على الذم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ وهي هنا كذلك.

﴿لَا يَقُومُونَ﴾ أي يوم القيامة.

﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي أنهم يبعثون من قبورهم، يقومون كما يقوم المتخبط المصروع في الدنيا - أي المجنون - وذلك خزي لهم يومئذ وهي قرينة على النهي الجازم عن الربا والذي تكرر تأكيد تحريمه في هذه الآيات.

﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ أي الجنون، يقال: مُسّ الرجل فهو ممسوس إذا جن. والخبط هو الضرب على غير استواء كخبط العشواء.

وقد وردت روايات في تفسير ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ والراجح منها أن الإنسان حين يصاب بالجنون يصبح للشيطان تأثير أكبر عليه من خلال وسوساته، فيخيل إليه أمور كثيرة تؤدي بالمجنون للتخبط.

أما القول بأن الشيطان هو الذي يصرعه أو يؤدي به إلى الجنون فالآية لا تنطق بهذا، فالله سبحانه لم يقل (يتخبطه الشيطان بالمس) أي يصيبه الشيطان بالجنون وإنما الآية ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، أي يتخبطه الشيطان بسبب جنونه، أي أن الجنون سابق لتخبط الشيطان.

هذا هو الراجح لدي في تفسير الآية، ويكون مثل آكلي الربا كمثل الذي يتخبطه الشيطان من المس أي بسبب الجنون، أي أن الجنون يسبق تخبط الشيطان للشخص فيجن الشخص بسبب من الأسباب ثم يتخبطه الشيطان بوسوساته وتخيلاته.

فلم يصـرع الشـيطان الشخص أي لم يجعله مجنوناً وإلا لكانت الآية الكريمة (الذي يتخبطه الشيطان بالمس) والباء تفيد الإلصاق أي بالجنون أي يصيبه بالجنون، وهذا المثل تصوير حسي فظيع لشدة جريمة آكلي الربا…

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

15 من صـفر 1435هـ الموافق 2013-12-18

منقول

حول الكحول واستخداماتها
السؤال الأول من :غدير روز
السؤال:
ولكن يا شيخ أصبح الآن يخلط مع الكحول مواد سامة لتمنع سكرها -فأصبحت مادة سامة ليست مسكرة- السؤال هنا هل “الكحول السامة المصنعة للعطور” نجسة تفسد طهارة الثياب؟

السؤال الثاني من :أبو محمود الخليلي

الكحول الموجود في العطور نوعان؛ أحدهما: مسكر وهو المعروف بالكحول الإيثيلي، وأما السام فهو المعروف بالكحول الميثيلي فهل حكمهما واحد؟

السؤال ألثالث من : مصطفى عبد العال

وإذا لم تشرب يا شيخ؟

السؤال الرابع من :إكليل الجبل:

وهل يطبق هذا الحكم على المستحضرات الطبية. وخصوصا أن كثيرا من مواد تنظيف الأيدي في معظم القطاعات الصحية عبارة عن مستحضرات كحولية "ethanol + isopropanol"وكذلك الحال لغسول الفم. ونحن نستخدم الكحول في بعض الصناعات الدوائية كمذيب أو حافظ؟

السؤال الخامس من :منال بدر

Assalamu alaikum dear sheikh barak allahu feek as you kindly mentioned above that alcohol if consumed will result in a drunken state…whereas sd or denatured alcohol is used in perfumes deodorant lotions and facial creams… in these cases they cannot be consumed internally (due to the change of its chemical state) what is hukm for its use? In another situation, the fuel we use for our cars is also derived from alcohol, is this also the same issue of a haram hukm? Jazak allahu kul khair & May ect you.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الأسئلة فيها تشابه، وسأجمل لكم الجواب عنها على النحو التالي:

1- الكحول منه صنف يسمى الميثيلي، وقد قيل لي إنه غير مسكر لكنه سام قاتل، وسبيرتو الوقود هو من النوع الميثيلي، ويؤخذ من نشارة الخشب وغيرها، وشربه يسبب العمى ويؤدي إلى الوفاة خلال أيام. وبناء عليه فإن الميثيلي ليس خمراً، ولا يأخذ حكم الخمر من حيث النجاسة والحرمة، إلا من حيث استعمال الميثيلي كسُمّ وفق قاعدة الضرر، فقد أخرج ابن ماجه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَضَى أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».

2- ومنه صنف يسمى الإيثيلي، وهو المستعمل في المشروبات المسكرة المتخمِّرة، أو المقطَّرة، والسبيرتو الطبِّي هو من هذا النوع، كما أن الكحول الإيثيلي يستعمل أيضاً في الصناعة فهو يستعمل كحافظٍ لبعض المواد، وكمادة منشِّفة للرطوبة، وكمُذيب لبعض القَلَويات والدُّهنيات، وكمقاوم للتَّجمُّد، وكمذيب لبعض الأدوية، وكمذيب للمواد العِطرية كالكالونيا والروائح، ويدخل في صناعة بعض مواد النِّجارة. وهذه الاستعمالات ثلاثة أقسام:

أ- قسم يُستعمل فيه الكحول كمذيبٍ فحسب، أو كمُضاف إلى بعض المواد، وهذا الاستعمال لا يُفقد الكحول ماهيته ولا خصائصه، وإنما يظل على حاله من التركيب ومن الإسكار، فهذا القسم حرام استعماله مطلقاً، وكمثالٍ عليه الكالونيا، فالكالونيا لا يحل استعمالها وتظل نجسة، لأن النجاسة خالطتها وظل فيها الكحول المسكر على حاله، فهي مواد مخلوطة بخمرٍ، والخمر نجسة، والدليل على ذلك حديث الخشني:

أخرج الدارقطني عَنِ الْخُشَنِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نُخَالِطُ الْمُشْرِكِينَ وَلَيْسَ لَنَا قُدُورٌ وَلَا آنِيَةٌ غَيْرُ آنِيَتِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ: «اسْتَغْنُوا عَنْهَا مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورُهَا ثُمَّ اطْبُخُوا فِيهَا» فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورُهَا»، أي أن تلك الآنية كانت نجسة بوضع الخمر فيها، وطهرت بعد غسلها، وهذا دليل على أن الخمر نجسة، وكان السؤال عن تلك الآنية التي يوضع فيها الخمر، كما جاء في رواية الخشني عند أبي داود عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا»، فالخنزير والخمر نجسان، فتتنجس الآنية التي يوضعان فيها، فيجب غسلها لتطهيرها قبل استعمالها.

ب- وقسم يتحوَّل الكحول عن ماهيته، ويفقد خاصِّيته في الإسكار، ويتشكل منه ومن المواد الأخرى مادة جديدة لها مواصفات غير مواصفات الكحول، ولكنها غير سامة، وهذه مادة جديدة لا تأخذ حكم الخمر وتكون طاهرة كأي مادة أخرى يطبق عليها قاعدة “الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم”.

ج- وقسم يتحوَّل الكحول عن ماهيته، ويفقد خاصِّيته في الإسكار، ويتشكل منه ومن المواد الأخرى مادة جديدة لها مواصفات غير مواصفات الكحول، ولكنها سامَّة، وحكمها حكم السُمّ: طاهر ولكن استعماله حرام لشربه أو لإلحاق الضرر بنفسه أو بغيره.

3- وعليه فإن الكحول الإيثيلي إذا مُزج مع مواد أخرى فالحكم فيه يكون بمعرفة هل يفقد المزيج الإيثيلي خاصية الإسكار أو لا، وهل يكون المزيج ساماً أو غير سام… وهذه تحتاج إلى تحقيق مناط حسب الخبراء والمختصين، فإن ثبت علمياً أو عملياً أن هذا المزيج يسكر فإنه يأخذ حكم الخمر ويدلُّ على أن الإيثيلي في هذا المزيج لم يفقد خاصيته وماهيته، أما إن ثبت علمياً أو عملياً أن هذا المزيج لم يعد يُسكر وليس ساماً فإنه لا يأخذ حكم الخمر، ولا حكم السم، وإن ثبت علمياً أو عملياً أن هذا المزيج لم يعد يُسكر ولكنه سام فإنه لا يأخذ حكم الخمر، وإنما يأخذ حكم السم.

وبناء عليه:

? سؤال “Ghadeer Rooz” الذي يقول “يخلط مع الكحول مواد سامة لتمنع سكرها -فأصبحت مادة سامة ليست مسكرة”، والجواب إذا تأكد هذا الأمر من أهل الاختصاص بأن المزيج في هذه الحالة لا يسكر بل هو مادة سامة، فإذن لا يأخذ حكم الخمر، ولا يكون نجساً، بل يطبق عليه حكم السم بأن استعماله لشربه أو إلحاق الضرر بالآخرين هو الحرام.

? سؤال الأخ أبو محمود الخليلي الذي يقول فيه “الكحول الموجود في العطور نوعان؛ أحدهما: مسكر وهو المعروف بالكحول الإيثيلي، وأما السام فهو المعروف بالكحول الميثيلي فهل حكمهما واحد؟”

والجواب أن ليس حكمهما واحدا، فالمسكر يأخذ حكم الخمر، أما الخليط مع الكحول الميثيلي السام فيأخذ حكم السم، لكن العطور كما نُقل إليّ لا يدخلها الميثيلي بل الإيثيلي، فتأكد من هذه المسألة من المختصين، لأن الحكم يتوقف عليها كونها تُسكر أو سامة لا تسكر.

? سؤال الأخ مصطفى عبد العال: وإذا لم تشرب يا شيخ؟

إن كان المزيج الناتج مسكراً مثل الكالونيا فتأخذ حكم الخمر، والخمر حرام في عشرة مواضع وليس فقط إذا شربت أخرج الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالمُشْتَرِي لَهَا، وَالمُشْتَرَاةُ لَهُ»، فأي واحد من هذه العشرة حرام.

? سؤال إكليل الجبل: “وهل يطبق هذا الحكم على المستحضرات الطبية. وخصوصا أن كثيرا من مواد تنظيف الأيدي في معظم القطاعات الصحية عبارة عن مستحضرات كحولية (ethanol+isopropanol) وكذلك الحال لغسول الفم. ونحن نستخدم الكحول في بعض الصناعات الدوائية كمذيب أو حافظ؟”

والجواب هو أن استعمال الخمر في الدواء، وكذلك الدواء الذي تدخل فيه الكحول… فحكمه الجواز مع الكراهية، ودليل ذلك:

أخرج ابن ماجه من طريق طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بِأَرْضِنَا أَعْنَابًا نَعْتَصِرُهَا فَنَشْرَبُ مِنْهَا قَالَ لَا فَرَاجَعْتُهُ قُلْتُ إِنَّا نَسْتَشْفِي بِهِ لِلْمَرِيضِ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِفَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ»، فهذا نهي عن استعمال النجس أو الحرام “الخمر” دواءً. ولكن أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم التداوي بالنجس “بول الإبل”، أخرج البخاري من طريق أنس رضي الله عنه : «أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا…»، اجتووا المدينة: أي لم يوافقهم جوها فمرضوا، فأجاز لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتداووا بأبوال الإبل وهي نجسة. وكذلك أجاز الرسول صلى الله عليه وسلم التداوي بالحرام “لبس الحرير”، أخرج الترمذي وأحمد، واللفظ للترمذي من طريق أنس «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ شَكَيَا الْقَمْلَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزَاةٍ لَهُمَا، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ. قَالَ: وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا»، وهذان الحديثان قرينة على أن النهي في حديث ابن ماجه غير جازم، أي أن التداوي بالنجس والحرام مكروه.

ولذلك فإن استعمال الدواء الذي يدخل في صناعته الكحول جائز مع الكراهية، والأفضل هو عدم استعمال الكحول في صناعة الدواء، لكنها لو استعملت في صناعة الدواء فحكمها مكروه، وهكذا لو تناول المريض دواءً فيه كحول فهو مكروه، وكل ذلك إذا كان المزيج الذي فيه الكحول هو دواء وفق رأي المختصين، وليس شيئاً آخر.

? سؤال الأخت Manal Bader

“Assalamu alaikum dear sheikh barak allahu feek as you kindly mentioned above that alcohol if consumed will result in a drunken state…whereas sd or denatured alcohol is used in perfumes deodorant lotions and facial creams… in these cases they cannot be consumed internally (due to the change of its chemical state) what is hukm for its use? In another situation, the fuel we use for our cars is also derived from alcohol, is this also the same issue of a haram hukm? Jazak allahu kul khair & May ect you.”

والجواب هو أنك قد ذكرت نوعاً من الكحول من نوع “SD” أو الكحول المعالج كيميائيا، وتقولين إنه “إيثانول سام”، وأنا لا أدري أهذا الصنف يقع تحت الإيثيلي أو الميثيلي، ولكن الخط العريض هو إن كان المزيج الناتج لا يسكر بل سام، فلا يأخذ حكم الخمر بل يأخذ حكم السم، فيحرم إذا استعمله الشخص سماً لإلحاق الضرر بنفسه أو بغيره، وتكون المادة طاهرة إن لم يكن ورد نص عن نجاسة تلك المادة الناتجة.

أما إذا كان المزيج الناتج يسكر فحكمه حكم الخمر، وهو حرام ليس فقط إذا شُرب بل في المواضع العشرة.

أما عن وقود السيارات الممزوج فيه كحول فالخط العريض واحد، فإن كان واقعه أنه يسكر إذا شُرب فيأخذ حكم الخمر، وإن لم يكن مسكراً بل ساماً فيأخذ حكم السم، ويقرر ذلك المختصون.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة
13 من ذي القعدة 1434هـ وفق2013-09-19
**منقول **

حول الأرض الموات و الخراج على الذمي

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هناك سؤال من شقين يجول في خاطري وأوقفني كثيرا في كتاب النظام الاقتصادي حول أرض الموات في الخراجية، وتكرر الموضوع في كتاب الأموال بالصيغة نفسها؛ وهو على أن أرض الموات في الخراجية تعامل معاملة العشرية بالنسبة للمسلم، فيحق له أن يحجر ويمتلك ولا خراج عليه، إنما فقط العُشر، أما بالنسبة للذمي فلا يحق له أن يمتلك ويدفع عنها خراجًا. السؤال: لماذا لا يمتلك وهي عوملت معاملة العشر، وهو يحق له أن يحجر ويمتلك في العشر، فالأصل أن يعامل معاملة العشرية كما عومل المسلم هذا بالنسبة للأول.

أما السؤال الثاني: فلماذا نقول إن على الذمي أن يدفع خراجًا على أرض العشر، والخراج لا يكون على أرض العشر، فالأصل أن يعامل معاملة الأصل وأن لا نقول خراج؛ لأن له مفهومًا شرعيًّا، وهنا خالفنا التعريف بتسمية المال الذي يؤخذ من الذمي على أرض العشر خراجا، لماذا لا يكون هناك اجتهاد في تسمية هذا المال؟ وجزاك الله خيراً.**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

1- الأرض الميتة إما أن تكون في الأرض العشرية وإما في الأرض الخراجية؛

أ- أما الأرض العشرية فإحياء الموات فيها يبقيها عشرية، فإذا أحياها المسلم فهو يملك رقبتها ومنفعتها ويدفع عنها العشر زكاة. وإذا أحياها الكافر الذمي فهي تبقى عشرية، يملك رقبتها ومنفعتها، ولكنه يدفع عنها الخراج وليس العشر، لأن العشر زكاة، ولا تكون الزكاة من الكافر… ولأن الأرض الزراعية إما أن يدفع عنها العشر وفق الأحكام الشرعية، وإما أن يدفع عنها الخراج، ولأن العشر لا يكون من الكافر لذلك يدفع عنها الخراج.

ب- وأما الأرض الخراجية الموات، فهي نوعان:

  • أرض خراجية سبق أن فرض عليها الخراج، ثم أصبحت ميتة، فهذه إذا أحياها المسلم أو الكافر، فلا تتغير صفتها، بل تبقى أرضاً خراجية يدفع المسلم والكافر عليها الخراج.

  • والنوع الآخر أرض خراجية لم يسبق أن فرض عليها الخراج، فهذه إن أحياها المسلم فتكون أرضاً عشرية ويدفع عنها العشر، وأما إن أحياها الكافر الذمي فلا يتغير وصفها بل تبقى أرضاً خراجية يدفع عليها الخراج.

ج- أما لماذا نقول إن على الذمي أن يدفع خراجاً على الأرض العشرية إذا امتلكها، فذلك لأن الأرض لا تخلو من وظيفة، فهي أرض عشرية يدفع المسلم عنها العشر زكاة، ولأن الزكاة لا تكون من الذمي، ولأن الأرض الزراعية لا تخلو من وظيفة وفق أحكام الشرع، فيدفع الذمي عنها الخراج إذا امتلكها.

  • ولتوضيح هذا الأمر، أي كيف لا تخلو الأرض الزراعية من وظيفة، نقول:

إن أدلة أحكام الأراضي الزراعية لم تجعل هناك أرضاً إلا عشرية أو خراجية.

وأما كيف ذلك، فإليك البيان:

إن أدلة أحكام الأراضي الزراعية الواردة في الشرع:

? أدلة عامة في كل أرض، وهي توجب عليها زكاة العشر أو نصف العشر وفق الأحكام الشرعية… «فِيمَا سَقَتْ الأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ» وغيرها.

? بعد الفتح ظهرت مشكلة جديدة في الأراضي أُخرِجت من النص العام ووضع عليها الخراج، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حدثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَبِلَ إِسْلَامَهُ، وَأَحْرَزَ إِسْلَامُهُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا الْأَرْضَ، فَإِنَّهَا فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ فِي مَنَعَةٍ. وهذا ما قضى به عمر رضي الله عنه في أرض السواد بقوله: “وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها، وأضع فيها الخراج…”، وغيرها.

? ولذلك فإن كل أرض زراعية في دار الإسلام عليها زكاة وفق الأحكام الشرعية، إلا نوع معين عليه الخراج.

? فالحكم العام يجري على عمومه “كل أرض زراعية في دار الإسلام فيها زكاة” وفق الأحكام الشرعية، ولا يخرج منه إلا ما خصص بنص آخر “الأرض الخراجية”.

2- هذا هو حكم الأراضي الزراعية، فهي: إما عشرية وإما خراجية، هذا هو تصنيف الأراضي الزراعية، فلا تخلو من وظيفة، أي ليس هناك أرض زراعية لا تسمى عشرية أو خراجية.

3- أما قولك بأن الخراج له مفهوم شرعي فإذا دفع الذمي الخراج على أرض العشر نكون خالفنا المفهوم الشرعي للخراج، فهذا القول غير صحيح لأن الأرض الخراجية غير معللة بوصف مفهم في واقع الأرض بين كونها عشرية أو خراجية، فالأرض هي الأرض، أي هي لفظ جامد، فهذه أرض عشرية، وقد يكون قريباً منها أرض خراجية، ولا فارق بينهما لا في التربة ولا في الزرع… فكلمة الخراج ليست وصفاً مفهماً مرتبطاً بالحكم… ولذلك فدفع الذمي الخراج عن أرض العشر التي يمتلكها ليس فيه مخالفة لمفهوم الخراج.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

9 من ذي القعدة 1434هـ وفق2013-09-15

منقول

**أجوبة أسئلة حول التحدث بالرؤيا.

و قانون التكافل الإجتماعي.**

**السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيكم وسدد على طريق الحق خطاكم

1- هل يجوز التحدث بالرؤية على صفحتي الشخصية أم أن هذا رياء… رؤية خاصة ومهمة جداً.

2- أعمل صيدلي وفرض علينا قانون التكافل الاجتماعي وهو إلزامي ﻻ ترخيص عمل بدون تسديد الرسوم… يأخذون مبلغاً منا يشغل في البنك، هكذا كتب في البند، وعند وفاة الزميل الصيدلي يقوم صندوق التكافل الاجتماعي بإعطاء أهل الصيدلي 25 ألف دينار أردني. السؤال: هل هذا جائز؟

ماذا علي أن أوصي أهلي بخصوص هذا المال؟ هل يصح أن يستردوا ما دفعت ويتصدقوا بالباقي، أم يرد للنقابة، أم ماذا عليهم أن يفعلوا به؟ جزاكم الله خيرا.**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

1- بالنسبة للتحدث بالرؤيا، فقد أخرج البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلاَ يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ».

أما هل التحدث برؤيا معينة رياء أو غير رياء، فهذا أنت تقرره، وفقك الله سبحانه وأعانك على كل خير.

2- أما عن قانون التكافل الاجتماعي فمعانيه مختلفة… فإن كان يشبه قانون التقاعد في النقابات، أي أن نقابة الصيادلة تلزمك بالاشتراك في قانون التقاعد ودفع رسوم معينة ولا يسمح لك بالعمل صيدلياً دون الاشتراك، أي لا تأخذ رخصة عمل الصيدلي دون الاشتراك فيه وتسديد الرسوم… ثم بعد سن معينة يعطونك راتباً تقاعديا و/ أو مبلغاً معيناً عند الوفاة… إن كان الأمر كذلك، وكان هذا الاشتراك إلزامياً وإلا لا يسمح لك بالعمل صيدلياً، فجائز الاشتراك فيه لأن هذا بمثابة أخذ رخصة عمل مباح وهذا جائز، وفي الوقت الذي يصبح فيه الاشتراك ودفع الرسوم أمراً اختيارياً، ولا يؤثر في رخصة العمل، فلا يجوز الاشتراك فيه.

أما عن تشغيل أموال النقابة بالربا، فإن كان هذا متوقفاً على موافقتك، أي إن وافقت على تشغيل ما تدفعه من رسوم بالربا كان، وإن لم توافق لا يكن، فعندها لا يجوز لك الموافقة على التشغيل بالربا. أما إذا كان التشغيل دون موافقتك أي ليس باختيارك فلا شيء عليك، ما دام اشتراكك ودفع الرسوم لا يتجاوز أخذ رخصة العمل.

أما ما يعطيه الصندوق لأهلك عند الوفاة في هذه الحالة، أي في حالة اقتصارك في الاشتراك فقط على ما يلزم لأخذ رخصة العمل، فيجوز لهم أخذه، ويستحقه الورثة… وإني أحب لك أن توصي بجزء منه للفقراء والمساكين، فهذا أفضل وأطيب، مدّ الله في عمرك لعمل الخيرات.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 من ذي القعدة 1434 موافق2013-09-10

منقول

حول التقية
السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة حفظه الله.

أرجو أن يتسع صدركم ووقتكم للتكرم بالإجابة على الأسئلة التالية:

"قال وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردني أن الرسول صلى الله عليه وسلم، مارس التقية، وأنها وردت في نص قرآني وفي الحديث الشريف وهناك اعتقاد خاطئ بأنها من المذهب الشيعي، واستشهد بنص الآية “إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان”، وبقوله صلى الله عليه وسلم “إن في معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب”، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم مارس التقية حين سأله أعرابي من أين أنت فأجاب صلى الله عليه وسلم “من ماء”، وكان يقصد من ماء مهين، متسائلا القضاة “أليست هذه تقية” كما شدد القضاة على رفضه لتكفير الشيعة، مؤكداً أنهم مسلمون ما داموا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

وقال إن الفرق بين التقية الشرعية، والتقية الشيعية أن الأخيرة تعتبر من أصول الدِّين، ومن لوازم الاعتقاد، بل لا دين ولا إيمان لمن لا تقيَّة له، في حين أن التقية الشرعية من مسائل الفروع لا الأصول، ولا بأس إذا ترَكها المسلم ولم يأخُذ بها."

السؤال:

هل استدلاله بالآية والحديث على مسألة التقية صحيحان؟

هل صحيح ما قاله عن الفرق بين التقية الشرعية والتقية الشيعية؟

قال تعالى (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) [آل عمران: 28]، قال ابن جرير:
“التقيَّة التي ذكَرَها الله في هذه الآية إنَّما هي تقيَّة من الكفَّار، لا من غيرهم” وقال سعيد بن جبيرٍ: “ليس في الإسلام تَقِيَّة، إنما التَّقِيَّة لأهل الحرب”.

هل المقصود بالآية الكريمة تقية؟

هل من الممكن أن نقول عن كل الشيعة أنهم مسلمون مع قولهم بتحريف القرآن ولعنهم الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم وتأليههم لسيدنا علي كرّم الله وجهه…؟

كل الشكر والتقدير لكم
الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن الوزير قد خلط بين ثلاثة أمور وضعها في قالب واحد لأمر في نفسه، لا نريد أن نقول أكثر!

الأمر الأول: التقية في الآية الكريمة (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)، والثاني الآية الكريمة (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)، والثالث حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ) في شعب الإيمان، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِنَ الْبَصرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ» هَذَا هُوَ الصحِيحُ مَوْقُوفًا". وقد أخرجه ابن الأعرابي (المتوفى: 340هـ) في معجمه مرفوعاً قال: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضَ مَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ».

وهذه الأمور الثلاثة كل له موضعه، ولا يجوز أن يحشر أي منها في موضع الآخر، ولتوضيح ذلك نقول:

أولاً: أما التقية الجائزة شرعاً فهي بين المسلم والكفار إذا كان المسلم يعيش بينهم تحت سلطانهم ويتعرض لأذاهم البالغ إذا لم يظهر ولاءه وحبه لهم… فإن كان الأمر كذلك فيجوز له أن يظهر مودته لهم بلسانه دون قلبه، ولكن لا يجوز أن يظهر المسلم أمام المسلم خلاف ما يبطن، مهما كان المسلم، سواء أكان من عامة المسلمين أم كان من خاصتهم كالحاكم الظالم، فهذا لا يجوز شرعاً.

والدليل على ذلك نص الآية الكريمة وموضوعها. أما نصها فيقول سبحانه: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ).

وأما موضوع الآية فهو واضح في نصها: وهو موالاة المؤمنين للكافرين أي إظهار مصادقتهم… فالنص هو: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)، وإذا وردت آية أو أحاديث في موضوع معين تكون خاصة في هذا الموضوع ولا تشمل غيره…

فالآية نزلت في حالة المسلمين الذين لم يهاجروا وبقوا في مكة تحت سلطان كفار قريش، مغلوبين على أمرهم، وكانوا إذا أظهروا لهم العداوة وعدم الموالاة فإنهم يتعرضون للأذى الشديد… فاستثنتهم الآية الكريمة، فمعنى الآية هو:

التحريم الشديد لموالاة المؤمنين للكفار بأي نوع من الموالاة، وقد شُدِّد التحريم بقوله سبحانه (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ)، ثم استثنت الآية حالة واحدة، أي الحالة التي تشبه حالة المسلمين الذين لم يهاجروا من مكة وبقوا تحت سلطان كفار قريش، مغلوبين على أمرهم، فكانوا يحذرون منهم الأذى لو أظهروا لهم العداوة وعدم المولاة. هذه هي الحالة المستثناة.

وعلى ذلك فإن إظهار المحبة للحاكم المسلم خوفاً من أذاه وهو ظالم فاسق يحكم بالكفر حرام، وكذلك إظهار المحبة للمسلم المخالف لك في الرأي وإبطان البغضاء له حرام، والتظاهر بعدم التقيد بالإسلام أو عدم العناية به أمام الكافر أو أمام الفاسق الظالم لا يجوز، فإن كل ذلك وما شاكله نفاق قد حرمه الشرع على المسلمين. إذ إن موضوع: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)، محصور في واقعة حالة المسلمين الذين كانوا في مكة بين المشركين، أي محصور في حالة وجود المسلمين تحت سلطان الكفار، ولا قبل لهم بإزالة سلطانهم، أي مغلوبين على أمرهم.

قال الطبري (المتوفى: 310هـ) في تفسيره «القـول في تأويل قوله: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ)، إلى قوله سبحانه: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً)، قال أبو جعفر: وهذا نهي من الله عز وجل للمؤمنين عن أن يتخذوا الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً. إلاّ أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم… ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل.

وعليه ينتفي ما يسمونه التقية وهو أن يظهر المؤمن خلاف ما يبطن أمام الحاكم الظالم أو الفاسق ذي القوة، أو المخالف بالرأي أو ما شاكل ذلك، ويحرم فعله لأنه نفاق والنفاق كله حرام.

ثانياً: الآية الكريمة (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)، فإن موضوعها هو موضوع كفر بعد الإيمان، أي موضوع ارتداد عن الإسلام، والحالة هي حالة خوف الموت، وهو ما يطلق عليه الفقهاء الإكراه الملجئ، وهو وحده الإكراه المعتبر شرعاً في جميع الحالات التي يرتفع فيها الحكم عن المكره. فالإكراه الذي يستثنى شرعاً هو الإكراه الملجئ، وهو حالة خوف القتل يقيناً. وهي نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنهما، أخذوه وعذبوه وقتلوا أمه وأباه لأنهما رفضا أن يكفرا… وكانوا يعذبون عمار بن ياسر عذاباً شديداً حتى اقترب من القتل مثل أمه وأبيه، فعندها قال عمار كلمة الكفر، قال الطبري: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا، فذكر ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئناً بالإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن عادوا فعد». وهكذا فإن سبب نزول الآية هو حادثة عمار وموضوعها الارتداد عن الإسلام. والحالة الخاصة بها خوف القتل يقيناً، وهذا وحده كاف لأن يؤكد أنه لا علاقة لها بآية: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً). على أن آية: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) مكية نزلت في موضوع الإيمان، وآية: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) مدنية نزلت في موضوع تحريم موالاة المؤمنين للكفار واستثناء الحالة التي بيّناها، ولذلك كانت هذه غير تلك ولا تدخل إحداهما في الأخرى، ولا تربط بها لاختلاف الحالة والموضوع. فإن المسلم إذا كان تحت سلطان الكفار ومغلوباً على أمره عندهم لا يجوز له أن يرتد عن الإسلام ظاهراً مداراة لهم، بل يجب عليه أن يهاجر إذا لم يستطع القيام بأحكام دينه، بخلاف موالاتهم بلسانه دون قلبه، فإنها تجوز، لكن إذا خاف مسلم على نفسه من القتل المحقق، وأكره على الكفر فإنه يجوز له أن يظهر الكفر ويبطن الإيمان، وواضح الاختلاف البيِّن بين الآيتين الكريمتين.

ثالثاً: حديث الرسول صلى الله عليه وسلم المرفوع والموقوف «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ»، فهذا وارد في موضوع التورية، فليس هو في باب الكذب أو إظهار ما لا يبطن، بل هو في باب الصدق، فيستعمل كلمة لها معنيان: واحد بعيد وواحد قريب، فيتبادر للذهن المعنى القريب، والمقصود هو معنى الكلمة البعيد. هذا هو معنى المعاريض.

جاء في مختار الصحاح: (وَ “التَّعْرِيضُ” ضِدُّ التَّصْرِيحِ، وَمِنْهُ “الْمَعَارِيضُ” فِي الْكَلَامِ وَهِيَ التَّوْرِيَةُ بِالشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ)، والمندوحة، قال أبو عبيد أي سعة وفسحة، والمعنى إذن هو أن استعمال المعاريض أو التورية هو سبيل إلى الابتعاد عن الكذب، وجواب الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك الشيخ عندما سأله ممن أنتم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم “نحن من ماء”، فإن هذه تورية وليست تقية: جاء في سيرة ابن هشام (الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ يَتَعَرَّفَانِ أَخْبَارَ قُرَيْشٍ… ثُمَّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ، فَرَكِبَ هُوَ وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرَّجُلُ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ: حَتَّى وَقَفَ عَلَى شَيْخٍ مِنْ الْعَرَبِ، فَسَأَلَهُ عَنْ قُرَيْشٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ الشَّيْخُ: لَا أُخْبِرُكُمَا حَتَّى تُخْبِرَانِي مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذَا أَخْبَرْتنَا أَخْبَرْنَاكَ. قَالَ: أَذَاكَ بِذَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الشَّيْخُ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ صَدَقَ الَّذِي أَخْبَرَنِي، فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، لِلْمَكَانِ الَّذِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَلَغَنِي أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْبَرَنِي صَدَقَنِي فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا لِلْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ قُرَيْشٌ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَبَرِهِ، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَحْنُ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. قَالَ يَقُولُ الشَّيْخُ: مَا مِنْ مَاءٍ، أَمِنْ مَاءِ الْعِرَاقِ؟ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُقَالُ: ذَلِكَ الشَّيْخُ: سُفْيَانُ الضَّمَرِيُّ).

فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال لذلك الشيخ جواباً على سؤاله ممن أنتم، “نحن من ماء”، استعمل التورية ومعاريض الكلام، فإن “ماء” لها معنى المياه العادية ولها معنى ماء الحياة أي النطفة التي يخلق منها الجنين، فتبادر لذهن الشيخ أن الرسول صلى الله عليه وسلم من قرية أو منطقة عند ماء معين، كما كان العرب يفعلون بنزولهم عند ماء كذا، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعمل التقية لأن التقية لا تجوز إلا في حالة عيش المسلم مغلوباً على أمره تحت حكم الكفار لدفع شرهم وأذاهم، وفي غير هذه الحالة فهي لا تجوز لأنها تكون كذباً ونفاقاً وحاشا للرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، فهو صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق.

ولقد أساء ذلك الوزير بقوله عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه استعمل التقية، ولعله يقرأ هذا الجواب فيستغفر الله سبحانه ويتوب إليه، ولعله يفعل، فإننا نحب لكل مسلم أن يهتدي إلى الحق ويتوب عن الخطأ وكما قال صلوات الله وسلامه عليه، «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» الترمذي.

أما بالنسبة للشيعة الذين يتبعون المذهب الجعفري، فهم في الأصل مسلمون، أما من يقول بتحريف القرآن وتأليه علي رضي الله عنه، فإنه كافر، ولا يعد من المسلمين.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

29 شعبان 1434هـ ألموافق2013-07-08
منقول

آكل الربا

**السؤال:السلام عليكم

أميرنا الحبيب، اسمح لي أن أطرح سؤالا حول الربا.

هل آكل الربا يخلد في نار جهنم أم لا؟

كما جاء في كتاب التيسير في أصول التفسير في تفسير سورة البقرة الآية 275.

شكرا أخي. اسمي adi victoria من مدينة ساماريندا - إندونيسيا.**

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن الذي يتعامل بالربا نوعان:

الأول: نوع يؤمن أن الربا حرام ومع ذلك يرابي، فهذا مرتكب معصية كبيرة، عليه عقوبة في الدنيا من دولة الخلافة، وإذا لم يعاقب العقوبة الشرعية في الدنيا، فإن عليه عقوبة في الآخرة، فيدخل النار ولا يخلد فيها ما دام لم يستحل الربا، أي كان يؤمن بأن الربا حرام، ولكنه ارتكب تلك المعصية، والعاصي إذا مات على الإسلام فلا يخلد في النار لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مِنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ…»، أي لا يخلد فيها.

والثاني: نوع يستحل الربا أي يقول إن الربا حلال، ويموت على ذلك، فهذا يكون كافراً لأنه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، والربا محرَّم في القرآن بآيات قطعية الثبوت قطعية الدلالة، فمن استحلَّ الربا ومات على ذلك فهو كافر وهذا يخلد في النار، أي أن الذي يرابي وينكر أن الربا حرام، فهذا يموت على الكفر ويخلد في النار.

والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة الآية 275 (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون)، فآخر الآية جاء تعقيباً على الذين (قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) أي أنهم جعلوا الربا حلالاً كالبيع فكفروا بقوله سبحانه (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) فهؤلاء إن بُلِّغوا بأن الربا حرام وليس حلالاً فآمنوا وتابوا وتركوا التعامل بالربا واكتفوا برؤوس أموالهم فالله سبحانه يغفر لهم بمنِّه وفضله ما مضى، وإذا أصروا على أن الربا حلال، واستمروا في الربا منكرين قول الله سبحانه (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، وماتوا على ذلك، فهؤلاء (أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون)

والخلاصة التي تفهم من النصوص الشرعية هي:

1- أنَّ من ارتكب الربا وهو مؤمن أنه حرام، فهذا عاصٍ فاسق، إن مات على الإسلام لا يخلد في النار، بل يعاقب إلى ما شاء الله ثم يخرج من النار بإذنه سبحانه.

2- أنَّ من ارتكب الربا وهو منكر أنه حرام، أي أنه مستحل له، ومات على ذلك، فيكون قد مات على الكفر ويخلد في النار.

جعلنا الله سبحانه من المؤمنين الصادقين الذين يحرِّمون ما حرم الله، ويحلِّون ما أحلّ الله، ويلتزمون بالأحكام الشرعية على وجهها، الذين يُعزهم الله بالإسلام في الدنيا، فينصرهم على أعدائهم، ويُعزهم بالإسلام في الآخرة، فيدخلهم جناته سبحانه، ويحشرهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

28 شعبان 1434هـ ألموافق 2013-07-07

منقول

حكم المال الحرام بعد التوبة

**السؤال:

العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة حفظك الله، السلام عليكم ورحمة الله، أما بعد:

ما هو الحكم في المال الحرام بعد التوبة كالمال الذي يأتي عن طريق الربا أو عن طريق السرقة أو عن طريق الغناء الهابط أو غير ذلك.

وهل يوجد تخصيص أم أن الحكم واحد..

فإن كان المال حراماً حتى وإن تاب صاحبه، فقد يوجد شخص يريد التوبة لكنه يخشى ضياع ماله.. فهل لهذا استثناء طمعا في توبته مثلما قال بعض الشيوخ.**

الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

يقول الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا)، ويقول سبحانه: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)، وأخرج الترمذي عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».

وحتى تصح التوبة، ويغفر الله سبحانه للتائب من الذنب، فالواجب على التائب أن يقلع عن المعصية، ويندم له سبحانه على فعلها في الماضي، ويعزم عزماً جازماً أن لا يعود لمثلها أبدا. وإن كانت المعصية تتعلّق بحقّ آدميّ، فيشترط فيها ردّ المظالم إلى أهلها أو تحصيل البراءة منهم. فإذا كان لديه مال أخذه منهم بالسرقة أو الغصب فيجب أن يرد المال لأصحابه، وأن يتخلص من الكسب الخبيث على الوجه الشرعي، فإنّ كسْبَ المال بالحرام عاقبته وخيمة. أخرج أحمد عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «…وَلَا يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالًا مِنْ حَرَامٍ… إِلَّا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ»، وأخرج الترمذي عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ».

فكيف يريد هذا الرجل الذي سألت عنه أن يتوب ويُبقي المال الحرام في يده؟! إن هذه ليست توبة، بل هذا تمادٍ في السوء، فانصحه بأن يتوب، وأن يتخلص من الكسب الحرام عل الوجه الشرعي، وأن يعيد المال الحرام الذي سرقه أو غصبه إلى أصحابه، ويطلب عفوهم، ويستغفر الله سبحانه أولاً وآخراً، والله سبحانه هو الرزاق ذو القوة المتين، فيعوضه إن شاء سبحانه مالاً طيباً مباركاً يعزه الله به في الدنيا والآخرة، والله سبحانه وتعالى يحب توبة عبده إن صدق وأخلص ويجزيه الجزاء الأوفى…

أسأل الله سبحانه أن يهدي ذلك الرجل إلى أرشد أمره فيتوب توبة نصوحة، والله سبحانه واسع المغفرة.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

26 شعبان 1434هـ ألموافق 2013-07-05

منقول

ألمجوس

ألسؤال : ورد في الحديث حول المجوس، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ))، وقد حمله العلماء على أخذ الجزية مقابل حقن الدماء، وليس غير ذلك، وهل تصح زيادة: “غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم”، في الحديث أو هو اجتهاد وفهم للنص؟

الجواب

4- حديث سنّوا بهم…

وردت أحاديث لا تذكر “غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم”، وهذه بعضها:

  • أخرج مالك عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:«سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ»

  • وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن جعفر عن أبيه قال قال عمر وهو في مجلس بين القبر والمنبر ما أدري كيف أصنع بالمجوس وليسوا بأهل كتاب فقال عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».

  • ولكن ابن أبي شيبة ذكر في رواية أخرى له في مصنفه سبب السؤال، وأنه عن جزية المجوس، أي السؤال كان عن الجزية، فقال في هذه الرواية حدثنا وكيع ثنا سفيان ومالك بن أنس عن جعفر عن أبيه أن عمر بن الخطاب استشار الناس في المجوس في الجزية فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».

وهذا يعني أن الموضوع كان في أخذ الجزية من المجوس، ولذلك كان حديث الرسول صلى الله عليه وسلم دليلاً عليه، أي أن حكم الجزية بالنسبة للمجوس هو الحكم نفسه بالنسبة لأهل الكتاب، ولا يتعداه لمسائل أخرى كالنكاح والذبائح.

  • وهذا ما ذكره الشافعي في الموضوع، فقد أخرج البيهقي في معرفة السنن والآثار قال:

أخبرنا أبو بكر، وأبو زكريا، وأبو سعيد ، قالوا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب، ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» قال الشافعي في روايتنا عن أبي سعيد: إن كان ثابتا فيعني في أخذ الجزية، لا في أن ننكح نساءهم ونأكل ذبائحهم.

هذا بالنسبة للأحاديث التي لم تذكر “غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم”…

لكن هناك أحاديث ذكرتها صراحة:

أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن الحسن بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم «كتب إلى مجوس أهل هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل منه ومن لم يسلم ضرب عليه الجزية غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم».

وقد ذكر نحوه الهيثمي في كتابه بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث قال حدثنا عبد العزيز بن أبان ثنا سفيان عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب قال «كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يسألهم الإسلام فمن أسلم قبل منه إسلامه ومن أبى أخذت منه الجزية غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم».

1 من ربيع ثاني 1432هـ ألموافق 6/3/2011م

بسم الله الرحمن الرحيم

المعجزة والقول بالكرامات

السؤال: المعجزة هي أمر خارق للعادة ولا يكون إلا للأنبياء والرسل، ولكن كثيراً ما يردد العلماء كلمة (كرامة) ويعرفونها بتعاريف عده، ويحاولون الاستدلال عليها بآيات وأحاديث كثيرة، ويبقى السؤال: هل يوجد ما يسمى كرامة أم ماذا؟ وإذا كانت الإجابة بنعم نريد التوضيح الكافي في هذه المسالة، وإذا كانت الإجابة بلا، فكيف نرد علي قصة أهل الكهف مثلاً وأصحاب الأخدود، وكلام عمر بن الخطاب ( يا سارية الجبل). وكذلك قصة سعد بن أبي وقاص في نهر دجله، وكثير من الأمثلة في هذا الشأن؟

الجواب

1- إن الله سبحانه خلق الكون والإنسان والحياة بقوانين وخصائص لا يستطيع الإنسان تغييرها أو خرقها:

{لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}

{وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ}

{إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}

{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}

وآيات أخرى

2- وقد يسر الله سبحانه المخلوقات للعيش وفق ما قدره فيهم من إمكانات فطرية، فلا يطير الإنسان بجسمه في الهواء كالطائر، ولا يسير في الماء بجسمه كالمخلوقات البحرية، فهو يعيش على قدميه في البر، فلا يستطيع خرق هذا القانون ويسير بقدميه في الماء أو يطير في الهواء…

{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}

{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

3- وكذلك أودع الله سبحانه خاصيات في الأشياء لا تتجاوزها، فإن النار تحرق، فلا يستطيع أحد إلغاء خاصية الحرق التي خلقها الله فيها ما دامت هي نار، إلا أن يلغيها الله سبحانه، كما نجّى الله سبحانه إبراهيم عليه السلام من النار، فأزال خاصية الإحراق منها، قال تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}، وهكذا الخاصيات في المواد الأخرى.

4- ثم إن الله سبحانه قد سخَّر لنا هذا الكون لنعيش فيه وفق مقتضياته الفطرية القانونية، وكل تعطيل لهذه القوانين يتنافى مع هذا التسخير، فإن الله سبحانه هو وحده القادر على ذلك، فإن أعلمنا الله سبحانه بهذا التعطيل لهذه القوانين آمنا به، وإن لم يُعلمنا الله سبحانه به فهو ضمن تسخير الكون لنا.

{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}

{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ}

{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}

{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}

5- وقد أرسل الله سبحانه رسلاُ وأيدهم بمعجزات تثبت صحة رسالتهم، أي خوارق للعادات، يُعطّل الله سبحانه بعض القوانين ويجريها على يد رسله، تحدياً للبشر ليؤمنوا بأن من ظهرت هذه الأمور الخارقة للعادة على يديه هو نبي مرسل.

فأجرى سبحانه تحويل العصا الجامدة إلى ثعبان حي على الحقيقة، أي ليس على أعين الناس كالسحر، ولذلك فإن السحرة لما رأوا العصا أصبحت حية حقيقة كانوا أول من آمن بأن موسى عليه السلام نبي مرسل من الله رب العالمين لأنهم أدركوا أن هذا الخرق للعادة لا يستطيعه بشر، ومثل هذا الخرق عندما سار موسى عليه السلام وقومه على الماء وقطعوا البحر… وهكذا إحياء عيسى عليه السلام للموتى، وكذلك نُطق الرسول صلى الله عليه وسلم بكلام عربي لا يستطيعه العرب… والمعجزات على يد الرسل والأنبياء أمر معلوم وأدلته معلومة.

6- وأما ما يسميه الناس كرامات لغير الأنبياء والرسل فهو توفيق من الله سبحانه لعبد من عباده في عمل من الأعمال على وجه لافت للنظر، وهذا قد يكون خارقاً للعادة أي خلاف قوانين الكون، وقد يكون ليس خارقاً للعادة وإنما يتراءى للإنسان ذلك لقوة هذا التوفيق.

فإن كان خارقا للعادة، فإن الله سبحانه يعلمنا به، لأن النصوص عامة في تسخير الكون للإنسان، أي ضمن قوانين الكون، فإلغاء هذا التسخير في حالة خاصة، أي خرق قوانين الكون في حالة خاصة، فإنه يحتاج إلى نص مخصص.

فإذا ورد نص بأن هذا التوفيق الذي جعله الله سبحانه لهذا العبد هو أمر خارق للعادة آمنا به، وإن لم بكن هناك نص بخرق العادة، فإنه يكون مجرد توفيق من الله سبحانه ضمن قوانين الكون التي خلقها الله سبحانه وتعالى.

ولذلك فإن الرزق الذي كان يأتي لمريم عليها السلام في غير وقته ودون أن يحضره أحد، أي كان رزقاً خارقاً للعادة، فإننا نؤمن به لأن الله سبحانه أخبرنا عنه.{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.

وهكذا ما ورد من نصوص في الكتاب والسنة حول أحداث خارقة للعادة كانت لغير الأنبياء والرسل، فإننا نؤمن بها على وجهها، أي نصدقها جزماً إذا وردت قطعية الثبوت قطعية الدلالة، أو نصدقها دون جزم إذا لم تكن قطعية الثبوت قطعية الدلالة.

وهذا جواب ما ذكرته من أحداث خارقة للعادة ذكرت في النصوص مثل قصة أهل الكهف وأصحاب الأخدود، ومريم عليها السلام…فهذه وردت في القرآن الكريم فنؤمن بها.

أما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد انقطعت النصوص المروية إلا من إجماع الصحابة الذي هو يكشف عن دليل سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يرووه، وإلا من أحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته مدحت بعض الصحابة بالنص عليهم بأسمائهم في أقوال وأفعال تجري على يديهم بتوفيق يصل إلى خرق للعادة، فإن كانت هناك نصوص تصف أشخاصاً معينين بأن أقولاً أو أفعالاً تجري على أيديهم بأوضاع معينة، فإننا نصدق بها على وجهها أي جزماً أو غير جزم وفق ثبوتها.

وأما غير ذلك من أفعال وأقوال يقوم بها بعض المسلمين دونما نص على أشخاصهم في الكتاب والسنة، فإن كل هذه الأفعال والأقوال لا تكون خارقة للعادة، بل هي ضمن قوانين الكون، وهي توفيق من الله سبحانه لعباده الأتقياء بالنجاح في أعمالهم، وبالنجاة من شر أعدائهم، ونحو ذلك.

7- أما بالنسبة لما جرى على لسان عمر رضي الله عنه من قوله يا سارية الجبل، وأن الله سبحانه أوصلها إلى أولئك الجند فانتصروا على عدوهم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن عمر في ما أخرجه أبو داود من طريق أبي ذر رضي الله عنه قال «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ». وما أخرجه الترمذي من طريق ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ»

وما أخرجه أحمد من طريق ابن عمر أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ»

ولذلك فنحن نأخذ بهذه الأحاديث، ونصدق ما قاله عمر “يا سارية الجبل” على وجهه جزماً أو غير جزم حسب ثبوت الرواية، وذلك بناءً على أحاديث رسول صلى الله عليه وسلم المذكورة.

8- وأما ما ورد عن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه في اجتياز النهر، فكذلك نصدقه على وجهه وفق ثبوت الرواية، جزماً أو غير جزم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مدح سعداً بشخصه، فقال صلوات الله وسلامه عليه فيما أخرجه أحمد في مسنده من طريق عبد الله بن عمرو «أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَدَخَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ».

وفيما أخرجه ابن حبان من طريق ابن عمر قال : كنا قعودا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:« يدخل عليكم من ذا الباب رجل من أهل الجنة »، قال: فإذا سعد بن أبي وقاص قد طلع

وكذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا الله سبحانه أن يجاب دعاء سعد كما ورد ذلك في المستدرك على الصحيحين للحاكم ودلائل النبوة للبيهقي وابن حبان من طريق قيس ابن أبي حازم قال : سمعت سعدا ، يقول : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اللهم استجب له إذا دعاك» قال الحاكم في مستدركه عن الحديث “هذا حديث صحيح الإسناد”

وفي رواية اجتياز النهر عند فتح المدائن حيث عبور النهر، فإن سعداً قد استنفر الجند وقال: " وقد رأيت من الرأي أن تجاهدوا العدو قبل أن تحصدكم الدنيا، ألا أني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم" ثم دعا الله سبحانه وقال للجند: “قولوا نستعين بالله ونتوكل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل واللهِ لينصرن الله وليه وليظهرن دينه وليهزمن عدوه، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم” ثم عبر وتلاحق الناس في العبور، وعامت بهم خيولهم…

وهو وإن كان في بعض الروايات أنه قد كان في النهر مخاضات تخاض إلى صلب الفرس إذا لم يكن مدّ، وأما في حالة المد فالمياه ترتفع كثيراً، وبخاصة عندما اقتحم سعد النهر… وقد يكونون اجتازوا النهر من مخاضات معينة، ومع ذلك فإن ما يفهم من رواية فتح المدائن، أن سعداً والجند قد خاضوا النهر وهو كثير ماؤه.

وقد ورد في بعض الروايات أن أحدهم قد غرق أثناء العبور، فقد ذكر ابن الكلبي أن سليل بن زيد: قد شهد فتوح العراق فغرق يوم عبر المسلمون إلى المدائن في دجلة، وأنه لم يغرق غيره. وذكر الطبري في تاريخه أن المسلمين حين عبروا دجلة سلموا عن آخرهم إلا رجلاً من بارق يدعى غرقدة زال عن ظهر فرس له شقراء فرمى القعقاع بن عمرو إليه عنان فرسه فأخذ بيده حتى عبّره.

أي أن هناك من غرق، وهناك من زال عن ظهر فرسه ثم أخذ بيده القعقاع…

ولكن في جميع الحالات، فسواء أكانت خارقة للعادة ام كانت مهارة، فكون سعد مستجاب الدعاء وأنه دعا بالنصر وهزيمة العدو…وكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذكر سعداً من أهل الجنة ودعا له بالدعاء المستجاب، فإننا نأخذ بهذه الأحاديث ونصدق الرواية على وجهها، جزماً أو غير جزم وفق ثبوتها.

والخلاصة:

*الكون مُسخر للإنسان وفق قوانينه وخصائصه،

*تعطيل أي من هذه القوانين والخصائص هو تخصيص للنصوص العامة في تسخير الكون للإنسان.

  • وبالتالي فإن تصديق أي خرق للعادة يحتاج إلى نص.

  • فإن لم يكن هناك نص فالأمور جارية وفق الفطرة التي فطر الله الخلق عليها.

*وإن كان هناك نص آمنا به على وجهه كمعجزات الأنبياء وكالكرامات لغير الأنبياء التي وردت بها نصوص.

  • وما عدا ذلك، أي ما لم يرد فيه نص، فإن أية أعمال أو أقوال عظيمة لافتة للنظر يقوم بها مسلم مهما بلغت تقواه، فإنها لا تكون خارقة للعادة، ولا هي خارقة لقوانين الكون، بل هي توفيق من الله سبحانه لعباده حيث النجاح في أعمالهم، أو حيث الوقاية من شرور أعدائهم.

20 جمادى الآخر 1430 هـ ألموافق13/6/2009م

أجوبة أسئلة فقهية
العالم عطاء بن خليل أبو الرشتة
ata abu-alrashtah

01 فهرس
02 السباق بين الخيل
03 الأرض المغصوبة
04 تسهيلات النقابات
05 نبش القبور والبناء على المقابر
06 الكالونيا
07 الطائفة الظاهرة
08 التصرف بالمال المسروق
09 كافل اليتيم والجمعيات الخيرية
10 حول أقسام الكفار
11 بيع أو تأجير قسم من المسجد أو توابعه
12 تعليل العقوبات
13 التغيير من حيث العمل ومن حيث تحقيقه
14 الدعوة إلى الإسلام بشكل مفتوح عام
15 الأمراض والتعامل مع الجنّ
16 المعجزة والقول بالكرامات
17 ألعمل كمحامي دفاع
18 ألمدارس وأهل ألذمّة
19 واقع البدعة
20 إلعقاب بالكيّ بالنار
21 ألمشاعر والشعائر
22 ميراث سالم مولى أبي حذيفة
23 حول مهنة التصوير
24 التبرع بالدم والانتفاع به
25 فقدان ألسمع والبصر
26 ألمجوس
27 حول تنصيص الخمس في آية:(واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه)
28 هل يجوز قبول هدية شخص كسب المال بالحرام؟
29 حول العطور التي تحتوي كحولاً
30 إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا
31 هل الإيمان يزيد وينقص؟
32 حول التأمين الصحي
33 حول نجاسة بول وروث الحيوان
34 حكم الجارية المتزوجة إذا زنت
35 حكم المال الحرام بعد التوبة
36 آكل الربا
37 حول التقية
38 هل يجوز لممثلي المسرح أن يتقمصوا أشخاصاً آخرين في كلامهم وأفعالهم؟
39 أجوبة أسئلة حول التحدث بالرؤيا. و قانون التكافل الإجتماعي.
40 حول الأرض الموات و الخراج على الذمي
41 حول الكحول واستخداماتها
42 التوبة النصوح من الذنب
43 الجن وطبيعة العلاقة بينه وبين الإنسان
44 واقع التطعيم وحكم الشرع فيه
45 كيف يكون حديث النفس بالغزو؟
46 قتل الحشرات بحرقها بالكهرباء
47 بيع الطحين بالخبز.
48 المرأة في حديث «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..»
49 واقع الإيثانول من وجهة نظر الإسلام
50 جواب سؤال متعلق بمال الربا
51 حول التأمين الصحي من صاحب العمل للعامل
52 تحقيق أكثر من قيمة في عمل واحد
53 معاملة غير المسلمين في أمور المطعومات والملبوسات حسب أديانهم
54 أرض الصحابي تميم الداري رضي الله عنه
55 حول: الصغائر والكبائر
56 أموال الربا بعد قيام الخلافة
57 معنى منطق الإحساس والإحساس الفكري
58 حول أحكام الفكرة والطريقة
59 ما يُفرض على الكافر في الأرض العشرية
60 التعزير؛ تفاصيله وأحكامه
61 القضاء والقدر
62 حول التطعيم
63 استعمال الصور المرسومة
64 الانتفاع بالنجس
65 أراضي سواد العراق
66 هل العقوبة في الدنيا تكفر الذنب يوم القيامة؟
67 ‏قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
68 ما هي ‏البدعة وما حدها ؟ وما الفرق بينها وبين من سن #‏سنة حسنة ؟
69 الحكم الشرعي في:?تجميد الأجنة? و ?تحديد جنس المولود?
70 هل المرابحة حلال أم حرام ؟
71 هل يجوز للحائض قراءة ‏القرآن عبر ‏الانترنت والجوال ‏المحمول؟
72 السنّة الفعلية المتواترة شيء واحد؟ أم شيئان مختلفان؟
73 خلاف ألأولى
74 بيان مفهوم ألفتنة
75 دخول ألعريس صالة ألنساء

الحكم الشرعي في:
?تجميد الأجنة? و ?تحديد جنس المولود?

السؤال: هناك أبحاث علمية انتشرت هذه الأيام بشكل صريح، بعد أن كانت تبحث من قبل على استحياء، وهي “تجميد الأجنة، وتحديد جنس المولود”، وقد أصبحت في بلاد الغرب بضاعة رائجة، ثم انتقلت إلى بلاد المسلمين، ولم تبق مجرد أبحاث علمية، بل تجاوزت ذلك إلى إقبال بعض المسلمين على التعاطي معها، فما هو الحكم الشرعي في هذين الأمرين، وجزاكم الله خيراً.
الجواب:
قبل الإجابة، فإننا نقول إن الله سبحانه قد خلق الإنسان، وعلمه ما لم يعلم، وأوجد في الكون والإنسان والحياة خاصيات ومقاييس وتراكيب معينة تفتح مجالاً أمام الإنسان للاستفادة من علوم الحياة، واستخدام تلك العلوم فيما ينفع الناس، ومدح الله سبحانه العلم النافع والعلماء النافعين لأنهم الأقدر على الإيمان بالله والاستدلال بما يرونه من أسرار هذا الكون والإنسان والحياة على عظمة الخالق وحكمته وقدرته، فقال سبحانه {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وقال صلى الله عليه وسلم «… إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» رواه ابن ماجة من طريق أبي الدرداء رضي الله عنه.
غير أن الشيطان وأتباعه، وأهل الشر، قد سخّروا العلم للأذى والضرر، ولمسخ الحياة البشرية، وإخراجها عن الوضع السوي المستقيم، فاستخدمت تلك العلوم لغير ما كان يجب أن تستخدم فيه، فكان الاستنساخ، وتجميد الحيوانات المنوية، والبويضات، ثم الأجنة، وزرعها في غير أهلها، وكان تشريح الميت وبيع أعضائه، بل وخطف الأحياء وقتلهم والمتاجرة في أعضاء البشر، وإجراء التجارب المسماة علمية على الأجنة وتجميدها، والتلاعب بحياة الجنين، وانتزاع أعضائه تارة بحجة الطب، وتارة بحجة العلم.!
إن الله سبحانه يقول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ}، والأصل أن ينطلق العلم من هذه الكرامة التي جعلها الله للإنسان وميزه عن كثير من خلقه، وذلك لإسعاد البشر، وتحسين حياتهم الجسمية والعقلية… لكن أولئك العلماء الأشرار انطلقوا من مسخ الإنسان، إلى أدنى من الحيوان، وجعله حقل تجارب لكل شر وضرر.
بعد ذلك نقول: إن الحكم الشرعي في موضوع السؤال، هو كما يلي:

أولاً: تجميد الأجنة.
لقد وجدت بعض حالات مرضية عند الأزواج تمنع إخصاب بويضة الزوجة من الحيوان المنوي للزوج، وذلك بالطريق الطبيعي، كأن يكون هناك انسداد في عنق الرحم او ضعف في تحرك الحيوانات المنوية للوصول إلى البويضة، أو غير ذلك من أسباب معروفة للمختصين، فكان أن توصل بعض العلماء إلى إخصاب البويضة خارج الرحم في أنبوب وفق ظروف مناسبة، حيث تعطي المرأة عقاقير مثل الكلوميد تجعلها تفرز العديد من البويضات في المرة الواحدة. ثم يقوم الطبيب المختص بإدخال منظار البطن ومسبارة في الموعد المحدد للإبياض (خروج البويضات) و شفط مجموعة من البويضات من المبيض ? ثم يضع كل بويضة في طبق بترى Petri Dish في سائل خاص وتلقح هذه البويضات بحيوانات منوية من الزوج…
وبعد أن يتم ذلك الإخصاب في الأنبوب تعاد البويضة المخصبة “واحدة أو أكثر” إلى رحم الزوجة، وإذا قدر الله سبحانه الخلق من هذه البويضة المخصبة فإنها تعلق في الرحم وتنمو إلى نطفة فمضغة… وإن لم يقدر الله سبحانه الخلق من هذه البويضة المخصبة ماتت واندثرت.
ولأن كثيراً من الحالات تفشل، (نسبة الفشل قد تصل إلى 90%) ولاهتمام الزوج والزوجة في الحمل، فإنهم يعيدون الكرة، ويكون في ذلك إرهاق للمرأة، لأن المرأة عادة تعطى عقاقير وعلاجات مختلفة لحث المبيض على إنتاج عدد من البويضات، لأن التخصيب في الخارج “الأنبوب” ليس مضموناً، فيحث المبيض على إنتاج أكثر من بويضة ، حتى إذا لم تخصب هذه خصبت تلك، فيأخذوا المخصبة ويعيدوا زراعتها في الرحم، وأحيانا يعيدون إلى الرحم أكثر من بويضة مخصبة حتى إذا ماتت واحدة فقد تنجح الأخرى…
إن البويضات الملقحة تزرع في رحم المرأة بجهاز خاص، والمتَّبع أن تزرع في الرحم ثلاث بويضات لضمان نجاح واحدة منها، ويبقى عدد من البويضات المخصبة لم يزرع في الرحم، بل يستعمل في مرحلة لاحقة إذا لم تنجح البويضات التي زرعت في الرحم، أي أن البويضة المزروعة إذا فشلت، فهم ليسوا بحاجة إلى معالجة المرأة من جديد، وإرهاقها، بل إنهم يأخذون من البويضات المخصبة الزائدة، ويزرعونها في الرحم، وهكذا فكلما فشلت واحدة أخذوا الأخرى دون أن يعيدوا إرهاق المرأة بالأدوية من جديد.
غير أن فشل البويضة المخصبة الأولى المزروعة لا يتم فوراً، بل قد لا يكتشف إلا بعد ساعات أو أيام، وخلال هذه الفترة تموت البويضات المخصبة الأخرى الزائدة، إن لم يتم تجميدها في درجات حرارة مناسبة وفي ظروف مناسبة. ولذلك فإن البويضات الزائدة يُقام بتجميدها بالنيتروجين السائل لتكون جاهزة للزرع إن فشلت العملية الأولى.
وهكذا ظهرت فكرة تجميد الأجنة، وهي في الأصل لإعادتها إلى رحم الأم عند فشل التجربة الأولى، دون إرهاق المرأة بأدوية وعلاجات من جديد.
ثم أصبحت فيما بعد هذه الأجنة مادة تجارية وبخاصة في بلاد الغرب الكافر، فأصبحت تبقى في التجميد مدة طويلة قد تصل سنوات، وقد لا تعاد إلى الأم بل تباع لأزواج آخرين، أو حتى لنساء دون أزواج، وأصبح ما يشبه البنوك لخزن الأجنة المجمدة، وتختلط أحياناً الأجنة ببعضها، كما تناقلت الأنباء مؤخراً، وتعاد بويضة أخرى “غريبة” مخصبة للمرأة عند فشل التجربة الأولى… وهكذا تختلط الأنساب وتمسخ الحياة البشرية…
وكما قلنا فلا ينحصر التجميد في البويضات المخصبة، بل صاروا يجمدون البويضات، ويجمدون الحيوانات المنوية، ويبيعونها لمن يريد، ويسوِّقونها بأن هذه البويضة، أو ذلك الحيوان المنوي من أشخاص مميزين أو نحو ذلك…
هذا باختصار واقع الأجنة المجمدة، وهذا الباب له تفاصيل عدة في أبحاثهم، ولكن الواقع الإجمالي هو ما بيناه، ولا تخرج التفاصيل عنه.
وبناء عليه فإن الحكم الشرعي هو كما يلي:
1- إن لجوء الأزواج إلى التخصيب خارج الرحم كمعالجة مرَضية لوضعهما من حيث عدم الحمل بالطريق الطبيعي، هو جائز لأنه دواء، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالتداوي، أخرج أبو داود عن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» أي إلا الموت.
ولكن بشرطين:
الأول: أن يكون التخصيب في الأنبوب من ماء الرجل والمرأة المتزوجين بعقد صحيح، فعن رويفع ابن ثابت الأنصاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:«لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» رواه أحمد. فلا يجوز أن تخصب بويضة أي امرأة، إلا من ماء الزوج.
الثاني: أن يتم ذلك، أي التخصيب في الأنبوب ونقله إلى رحم المرأة في حياة الزوج، وليس بعد وفاته كما يتم في الغرب، حيث إنهم لا يرون مانعاً في نقل البويضة المخصبة المجمدة لرحم الأم في الوقت الذي تريد، سواء أكان زوجها حياً أم ميتاً! وهذا لا يحل في الإسلام، وذلك لأن حمل المرأة بلا زوج حي منذ بدء الحمل، حرام، وعليه عقوبة، فإن من بيِّنات الزنا الحمل دون زوج، فأي امرأة حملت ولا زوج فهي آثمة مرتكبة حراماً وإثماً عظيماً، وذلك لما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما، ولم يوجد منكر لقولهما من الصحابة، مع أن هذا الأمر مما ينكر لو لم يكن ثابتاً، وعليه فيكون إجماعاً.
فالحمل دون زوج هو من بيِّنات الزنا، وفيه الحد إن كان نتيجة المعاشرة الجنسية، وفيه العقوبة التعزيرية الشديدة إن كان الحمل بغير المعاشرة الجنسية أي بإدخال البويضة الملقحة في الأنبوب إلى رحم الزوجة بعد وفاة زوجها، فيكون الحمل بعد وفاة الزوج.
وهكذا فإن الإخصاب خارج الرحم ومن ثم نقله إلى رحم الأم، بأن يكون من الزوج للزوجة ، وفي حياة الزوج، فهذا جائز، أي أن ما يسمى “طفل الأنابيب” جائز بالشروط المذكورة.
2- أما تجميد البويضة المخصبة “أو البويضات المخصبة” الزائدة، انتظاراً لمعرفة نجاح التجربة الأولى، فإذا فشلت أخذوا البويضة المخصبة المجمدة ثم أعادوا زرعها في رحم الأم، فإذا فشلت أخذوا الأخرى… وهكذا.
فإن هذه البويضات المخصبة المجمدة “الأجنة المجمدة”، لو كانت هي يقيناً من الأم ولم تختلط بغيرها، لجاز إعادة زرعها في الأم بالشرطين المذكورين.
ولكن ما تناقلته الأنباء عن اختلاط الأجنة المجمدة يجعل تجميد الأجنة وإعادتها للأم عند فشل التجربة الأولى، يجعل هذه العملية لا تجوز لما يلي:
1- إن الاهتمام عادة يكون في البويضة المخصبة الأولى التي ينجح تخصيبها في الأنبوب، ثم إعادة زراعتها في الرحم، ويستمر بها الاهتمام والمتابعة لها.
2- إن البويضات المخصبة الأخرى الزائدة التي تُجَّمد، لا تتابع باهتمام ولا يلتفت إليها إلا بعد فشل الأولى، وهي كما قلنا لا تفشل فوراً بل تحتاج إلى وقت يقصر أو يطول للتأكد من الفشل، وخلال هذا الفترة تكون هذه البويضة المخصبة الزائدة أو الزائدات في التجميد.
3- ورد ت أنباء عن اختلاط الأجنة “البويضات المخصبة” المجمدة، وهذه الأنباء تجعل اختلاط الأنساب أمراً وارداً عن طريق اختلاط تجميد الأجنة.
4- إن التجربة الأولى في حالة نجاحها ، تتطلب إتلاف الأجنة المجمدة الزائدة، غير أن هذا الإتلاف يبقى غير مؤكد، وعدم إتلافه يبقى مظنوناً، وبخاصة والأنباء كذلك ترد عن تجارة الأجنة المجمدة.
ولأن القاعدة الشرعية “الوسيلة إلى الحرام حرام”، وغلبة الظن في القاعدة تكفي، ولأن اختلاط الأجنة المجمدة، سواء أكان بطريق الخطأ أم بالتعمد للغرض التجاري، يؤدي إلى اختلاط الأنساب وهو حرام، حيث إن الإسلام قد أوجب حفظ الأنساب وصيانتها، فقد أخرج ابن ماجة في سننه من طريق ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من انتسب إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». وأخرج الدارمي من طريق أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين أنزلت آية الملاعنة : «أيَّما امرأة أدخلت على قوم نسباً ليس منهم فليست من الله في شيء، ولم يدخلها الله جنته».
وعليه فإن هذه الوسيلة، أي تجميد الأجنة الزائدة هو حرام، ويجب إتلاف البويضات المخصبة الزائدة عن تلك التي أعيدت للرحم أول مرة أي إتلاف البويضات المخصبة الأخرى في الحال دون تجميدها احتياطاً لفشل التجربة الأولى, بل إذا فشلت الأولى، فإن الزوجة تعالج مرة أخرى لإيجاد بويضة مخصبة جديدة كما حدث في الحالة الأولى، والإرهاق الناتج للمرأة ليس سبباً لتجميد الأجنة التي تؤدي لاختلاط الأنساب وبالتالي الحرام.
وقد يقال إن القاعدة الشرعية تتطلب غلبة الظن باختلاط الأجنة المجمدة، والوارد هو الظن وليس غلبة الظن، وبخاصة إذا كانت الجهة المعالجة موثوقة، وتقوم بتجميد الأجنة بطريقة مأمونة، كما أنها تقوم بإتلاف الأجنة المجمدة الزائدة في حالة نجاح التجربة الأولى، فلماذا إذن نقول بتحريم تجميد الأجنة الزائدة التي تجنب المرأة الإرهاق من جديد لإخصاب بويضة جديدة في حال فشلت الأولى.؟
والجواب على ذلك، صحيح أن المطلوب للقاعدة غلبة الظن، وهو في حالة كون الجهة المعالجة مأمونة، غلبة الظن هذه غير متوفرة، نعم إذا توفرت الطمأنينة التامة بعدم اختلاط الأجنة فإنه يجوز بشرط أن يتلف الباقي عند نجاح أول تجربة، ولكن هذا الأمر من الحساسية بمكان، وما تناقلته الأنباء يجعل الطمأنينة مهزوزة في مرحلتين:
الأولى: الفترة التي تمكثها التجربة الأولى للتأكد من النجاح وحدوث الحمل، خلال هذه الفترة تكون الأجنة الزائدة المجمدة ليست تحت الاهتمام والعناية، لأن المتابعة تكون لنجاح التجربة الأولى،
الثانية: أنه عند نجاح التجربة الأولى أو الثانية، يجب إتلاف الأجنة المجمدة الزائدة، ولكن هذا الإتلاف لا يكون تحت الاهتمام والمتابعة حيث أن المرأة إذا حملت، فلا يعنيها لا هي ولا زوجها متابعة الأجنة الزائدة المجمدة، وقد يكتفيان بسؤالٍ، فيقال لهما قد أتلفت…
فكيف تتوفر الطمأنينة وتجارة الأجنة المجمدة تتناقلها الأنباء؟!
ومع ذلك، فحتى لو لم تتوفر غلبة الظن لحصول التحريم وفق القاعدة المذكورة، فإنها ريبة، وقد أخرج الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، من طريق الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ».

والخلاصة:
يجوز تخصيب بويضة المرأة من مني زوجها، خارج الرحم في “أنبوب” علاجاً لموضوع حمل المرأة، ما دام ذلك غير ممكن بالطريق الطبيعي.
وبعد أخذ البويضة المخصبة وإعادة زرعها في الرحم، تتلف البويضات المخصبة الأخرى في الأنبوب.
فإذا نجحت التجربة الأولى بإذن الله، فليحمد الزوجان الله سبحانه، وإذا لم تنجح، فليعيدا الكرة مرةً أخرى، والتخصيب في الأنبوب من جديد، دون أن يعمدا إلى تجميد البويضات المخصبة الزائدة من التجربة الأولى.
كل ذلك جائز على أن تكون البويضة والحيوان المنوي من زوجين بعقد شرعي صحيح وفي حياة الزوج، أي أن يكون تخصيب البويضة خارج الرحم ثم إعادة زرعها في الرحم، في حياة الزوج.
ثانياً: تحديد جنس المولود:
منذ القدم كان من الناس من يحاول اختيار المولود الذي يريد، وإتلاف ما لا يريد بطريقته المتاحة له.

  • ففي الجاهلية كانوا يريدون الذكور لمساعدتهم في الغزو وحفظ النسب فكانوا يئدون البنات أي يدفنوهن وهن أحياء {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}.
  • وعندما أصبحت وسائل أخرى متاحة، بأن يُصوَّر ما في بطن الحامل، فإذا كان الجنين غير مرغوب فيه، استعملوا الإجهاض لإنزاله وهو في بطن أمه.
  • ثم فيما بعد، وبخاصة عندما أصبحت تقنيات متطورة جديدة من حيث رقابة الظروف المحيطة بالجنين في بطن أمه، وجدوا أن الوسط ألحامضي هو أكثر ملاءمة للحيوان المنوي الأنثوي، والوسط القاعدي “القلوي” يناسب الحيوان المنوي الذكري، فإذن عمدوا إلى وسائل معينة لتنشيط الوسط القاعدي في رحم الأنثى قبل الجماع، وذلك بعمل غسيل قلوي داخلي في المهبل على اعتبار أنه يساعد على الخصوبة الذكرية.
    وعمل غسيل “دش” مهبلي حامضي قبل الجماع، على اعتبار انه يساعد على الخصوبة الأنثوية.
  • ثم بدءوا البحث عن الأنظمة الغذائية التي تساعد على إنتاج الوسط القاعدي في جسم المرأة، والأنظمة الغذائية التي تساعد على إنتاج الوسط الحامضي في جسم المرأة.
    لقد رأوا أن الغذاء يؤثر في عملية تحديد جنس الجنين من ناحيتين:-
    الأولى يغير الوسط الحمضي والقاعدي في عنق الرحم والمهبل .
    فالبوتاسيوم والصوديوم يُحوِّل الوسط إلى قاعدي، وبالتالي يكون أكثر فرصة لإنجاب الذكور.
    أما المغنيسيوم والكالسيوم فيجعل الوسط حامضياً، وبالتالي يكون أكثر فرصة لإنجاب الإناث.
    الثانية يُحدث تغييراً في جدار البويضة لزيادة مدى استقبالية البويضة للحيوان الذكري أو الأنثوي
    وهكذا فإنهم أوصوا بأن يتغذى الزوجان، وبخاصة المرأة التي ترغب في المولود الذكر، أغذية تنشط الوسط القاعدي، مثل نظام غذائي مالح، لحوم زائدة الملح، عدم تناول الحليب ومشتقاته، الإكثار من البهارات، وأكل الفواكه، وتناول أدوية تحتوي على البوتاسيوم… وهكذا من الأغذية التي تساعد على التكوين القلوي في الجسم.
    وأما بالنسبة للمولودة الأنثى، فأوصوا بأغذية تساعد على التكوين الحامضي للجسم، مثل شرب الحليب ومشتقاته، تقليل الملح، الابتعاد عن أكل اللحوم وبخاصة المملحة، والابتعاد عن الفواكه، والابتعاد عن التوابل والبهارات… وتناول أدوية تحتوي على الكالسيوم، وهكذا من الأغذية التي تساعد على التكوين الحامضي في الجسم.
  • ثم رأوا أيضاً طريقة أخرى، وهي أنهم وجدوا أن المرأة إذا أنزلت البويضة قبل إنزال الرجل المني، أي يأتي المني بعد وجود البويضة، وكان الإخصاب، كان المجال أكثر للمولود الذكر، وإذا أنزل الرجل المني قبل نزول البويضة، أي جاءت البويضة بعد المني، وكان الإخصاب، فإن المجال أكثر للمولود الأنثى… فمثلا إذا حدث الجماع مباشرة بعد حدوث الإباضة فان الكفة تَرْجَح للذكورة، والعكس صحيح. وهكذا، فإذا تم الجماع والبويضة موجودة (خلال يوم نزولها من المبيض) فيكون السبق للذكورة، أما إذا تم الجماع قبل فترة أطول من نزولها فإن السبق يكون لصالح الأنثى، وعليه يتم العزل في الأيام التي لا يرغب فيها جنس الجنين أنْ يتكون ويمتـنع عن العزل في الفترة التي ترجح فيها كفة الجنس المرغوب فيه…

وبهذا يكون العزل وسيلة لترجيح جنس الجنين.
وهذا يتطلب مراقبة وقت الإباضة عند المرأة، فلا يجامعها قبل الإباضة إذا كان يتوقع مولوداً ذكراً حتى لا تأتي البويضة بعد نزول المني، وعليه إذن أن يعزل في تلك الأيام، وعند الإباضة على الرجل أن يسرع في الجماع حتى ينزل المني والبويضة موجودة.

أما إذا كانت الرغبة بمولودة أنثى فعليه أن لا يجامعها بعد نزول البويضة بل في فترة المَبيض يعزل ولا يجامعها، وإنما يجامعها قبل نزول البويضة فوراً، لأنه إذا جامعها قبل نزول البويضة زيادة عن مدة معينة، فإن الحيوان المنوي يموت قبل أن يخصب البويضة.

ولعل هذه الأخيرة هي ما تشير إليه السنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري «وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ الْوَلَدَ»، ويوضحه ما أخرجه مسلم في صحيحه من طريق ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحد أحبار اليهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم والرسول يجيبه في حديث طويل، إلى أن قال جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ الْوَلَدِ، فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم:

«فإذا اجتمعا، “أي ماء الرجل وماء المرأة”، فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ»، وبطبيعة الحال فإن علو ماء الرجل ماء الأنثى يعني أن يأتي ماء الرجل فوق ماء الأنثى، ولا يأتي شيء فوق شيء إلا إذا كان هذا الشيء موجوداً من قبل وفي هذه الحالة يكون المجال أكثر لمولود ذكر بإذن الله، وعكس ذلك إذا علا ماء المرأة ماء الرجل، فيأتي ماؤها بعد مائه، ويكون في هذه الحالة المجال أكثر لمولودة أنثى بإذن الله.

  • ثم توصلوا إلى طريقة علمية قالوا عنها إنها أكثر تقنية، وهي طريقة التلقيح المنتخب للنطف كما سموها. وتقتضي هذه الطريقة إجراء تجارب على الحيوانات المنوية لفصل الصبغي الجنسي (الكروموسوم ) (X) الأنثوي عن الصبغي(Y) الذكري في أنبوب اختبار، أي فصله خارج الجسم بطرق مختلفة، وهذه تحتاج إلى تدخل طبي تقني…

وفكرتها عند العلماء أنهم وجدوا أن كروموزومات الحيوان المنوي YX “Y هو القسم الذكري فيه، X هو القسم الأنثوي فيه”. ووجدوا أن كروموزومات البويضة هي XX “أي أن القسمين أنثويان”. ووجدوا أن القسم الذكري في الحيوان المنوي Y إذا كان هو الذي لقّح البويضة وبالتالي ينتج “YX” أي جنين ذكر، وإذا القسم الأنثوي في الحيوان المنوي “X” هو الذي لقّح البويضة، وبالتالي ينتج “XX” أي جنين أنثى، وعليه فقد أجروا تجارب على فصل القسم الذكري “Y” في الحيوان المنوي عن الأنثوي “X”، ثم يقومون بتخصيب البويضة في الأنبوب بالقسم الذكري، إذا أرادوا جنيناً ذكراً، وتخصيب البويضة بالقسم الأنثوي في الحيوان المنوي إذا أرادوا جنيناً أنثى.

وهناك طريقة تشبهها مع اختلاف بسيط، وهذه الطريقة تتم بعد تخصيب البويضات في الأنبوب، ثم تفحص بعد تخصيبها، فالبويضة المخصبة التي تحمل XX تكون أنثى، والتي تحمل XY تكون ذكراً، ومن كانت ترغب الذكر تُزرع في رحمها البويضة المخصبة XY، ومن تريد الأنثى يزرع في رحمها البويضة المخصبة XX. والطريقتان متشابهتان من حيث الغرض، غير أن الأولى يتم فحص الحيوان المنوي قبل التخصيب وفصل القسم الذكري عن القسم الأنثوي، وأما الثانية فيتم فحص البويضات المخصبة “الأجنة”، ومن ثم فصل الأجنة الذكرية عن الأنثوية.

هذه هي مجمل محاولات البشر لاختيار جنس المولود منذ القدم وحتى عصرنا الحاضر.
وبعد معرفة الواقع، أي تحقيق المناط، نُبين الحكم الشرعي كما يلي:

أ- أما قتل المولود غير المرغوب به فهو حرام، لأنه قتل نفس عامداً متعمداً، وجزاؤه في الآخرة جهنم خالداً فيها {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}، وعقوبته في الدنيا القصاص بالقود، أي القتل إن لم يعف ولي القتيل، أو الدية.

ب- وأما قتل الجنين وهو في بطن أمه عندما يعلم أهله أنه غير مرغوب فيه، كأن كان أنثى والوالد يريد ذكراً، فكذلك فهو حرام، وفيه عقوبة…، فقد أخرج البخاري ومسلم، من طريق أبي هريرة، واللفظ للبخاري قال:«اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ…»

ج- اتخاذ العزل، سواء أكان بعدم الجماع المؤقت لأيام معينة، أم كان بالجماع والإنزال الخارجي خلال تلك الأيام، وكذلك التغذية بأنواع معينة من الأغذية، أو غسل المهبل “دش” قاعدي أو قلوي، أو حامضي، فهو جائز ولا شيء فيه.

أما العزل فللحديث الذي أخرجه البخاري من طريق أبي سعيد الخدري قال: «… فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ وَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ» وأخرج مسلم نحوه.

وأما التغذية والغسل فلعموم الأدلة من حيث الأكل والشرب والغسل…

د- أما فصل القسم الذكري عن القسم الأنثوي من الحيوان المنوي ثم إجراء تلقيح البويضة بالقسم الذكري إذا أرادوا مولوداً ذكراً، وبالقسم الأنثوي إذا أرادوا مولوداً أنثى، أو فصل الأجنة الذكرية عن الأنثوية، ويزرع في الرحم الجنين المرغوب، فهذه العمليات لا تجوز لأنها ليست دواء، أي ليست علاجاً للحمل لامرأة لا تحمل ثم عولجت لتحمل، وبعبارة أخرى ليست علاجاً لعدم إمكانية تخصيب بويضة الزوجة بالحيوان المنوي للزوج بالطريق الطبيعي، فتم اللجوء للدواء لتخصيب البويضة في الأنبوب…، بل هي أمر آخر يتعلق بفصل الأقسام الذكرية عن الأنثوية في الحيوان المنوي أو فصل الأجنة، وليس معالجة للحمل المتعذر للمرأة بالطريق الطبيعي، أي أن هذه العمليات ليست دواء لمرض عدم الحمل.

وحيث إنها لا تتم إلا بكشف العورات، لأن عملية أخذ البويضات وإعادة زرعها تتطلب ذلك، وكشف العورات حرام، وهذا الحرام لا يجوز إلا في الدواء، وما دامت هذه العمليات ليست دواءً، فهي إذن حرام لا تجوز.

وفي الختام فلا بد من ذكر حقيقة مهمة، وهي متصلة بالعقيدة، أي يتوقف عليها إسلام المرء، وهذه الحقيقة أن هذه العمليات والإجراءات كلها لا تعني أن الإنسان يستطيع الخلق، بل هو يلاحظ خاصيات وصفات أوجدها الله سبحانه في الخصائص الذكرية والأنثوية وكيفية الإخصاب، ويحلل ما يشاهده، ويجري تجارب على ما يلاحظه… فيستعمل أغذية معينة، ويوجد أوساطاً معينة، ويفصل القسم الذكري عن الأنثوي… ويجري عمليات تخصيب ويعيدها في الرحم …إلخ، وكل ذلك لا ينتج خلقاً بل يحتاج إلى قدرة الخالق سبحانه، فإذا قدر الله منه خلقاً حياً كان، وإذا قدر الله سبحانه منه خلقاً ميتاً كان، وإذا لم يقدر الله منه خلقاً لم يكن، مهما كانت التجارب وكانت.

فما قدر الله خلقه كان، وما لم يقدر خلقه لم يكن.

وهذا الأمر، أي أن الله سبحانه هو الخالق وحده، وأنه سبحانه هو وحده الذي يخلق الذكر ويخلق الأنثى، ثابت بأدلة قطعية الثبوت قطعية الدلالة، ومنها:
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} الحجر، الأنعام، {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} النحل ،
{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} لقمان،
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} الحج،
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ * ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} الحج،
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} المؤمنون
{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} الشورى
{يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} الانفطار
{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} آل عمران.

ولذلك يجب إدراك ذلك جيداً، حتى لا يزيغ المسلم أو يضل والعياذ بالله.
لقد أودع الله سبحانه العلوم في هذا الكون، وعلم الإنسان ما لم يكن يعلمه، فجعل فيه خاصية العقل والتفكير والتدبر ليزداد الذين آمنوا إيماناً، ويُكب الذين كفروا على وجوههم خزياً في الدنيا، وعذاباً أليماً في الآخرة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
18 جمادى الثانية 1430 هـ ألموافق11/6/2009

بسم الله الرحمن الرحيم

جواب سؤال

**ما هي #‏البدعة وما حدها ؟

وما الفرق بينها وبين من سن #‏سنة حسنة ؟**

رضوان يوسف كتب:
**السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سؤالي أرجو أن يجيب عنه الأمير وهو ضروري جدا ما هي البدعة وما حدها وما الفرق بينها وبين من سن سنة حسنة وهل عدم فعل النبي ï·؛ لشيء يعد دليلا شرعيا يصح الاستدلال به فكثير ما نناقش بعض الجماعات فيقول لك بدعة ما فعلها النبي ï·؛ السؤال مهم بارك الله فيكم أود توضيح وأرجو أن تكون في الإجابة أمثلة حتى يتيسر لنا الفهم) انتهى**

ألجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

لقد سبق أن أصدرنا جواب سؤال حول موضوع البدعة في 18/9/2009، ثم نشرنا جواباً لسؤال أحد الإخوة في الفيس حول البدعة في 6/6/2015، ويمكنك الرجوع إليهما… ولكنني سأُجمل لك ما فيه الكفاية لسؤالك إن شاء الله:

1- البدعة هي مخالفة أمر الشارع الذي وردت له كيفية أداء… وهذا المعنى هو مدلول الحديث: «وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [البخاري ومسلم]. فإذا فعل الرسول ï·؛ فعلاً يبين فيه كيفية أداء أمر في الكتاب أو السنة ثم أديت أنت ذلك الأمر على خلاف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فتكون قد أتيت ببدعة وهي ضلالة وفيها إثم كبير:

  • مثلاً: يقول الله سبحانه ( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ )، فهذه صيغة أمر، ولكنه لم يُترك للإنسان أن يصلي كما يريد، بل بيَّن الرسول ï·؛ بفعله كيفية الأداء من إحرام وقيام وقراءة وركوع وسجود… أخرج أبو داود عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ عَمِّهِ… فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم؛: «إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، فَيَضَعَ الْوُضُوءَ - يَعْنِي مَوَاضِعَهُ - ثُمَّ يُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ…»،

فمن خالف هذه الكيفية فقد جاء ببدعة، فمن سجد ثلاث سجدات بدل سجدتين فقد جاء ببدعة وهي ضلالة…

  • ومثلاً قال سبحانه ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) وهذه صيغة أمر بالحج “خبر في معنى الطلب”، وكذلك بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بفعله كيفية أداء الحج … أخرج البخاري عن الزُّهْرِيِّ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ كَانَ إِذَا رَمَى الجَمْرَةَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا، فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، وَكَانَ يُطِيلُ الوُقُوفَ، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ اليَسَارِ، مِمَّا يَلِي الوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ العَقَبَةِ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلاَ يَقِفُ عِنْدَهَا»، فمن خالف هذه الكيفية بأن رمى ثماني حصيات بدلاً من سبع فقد جاء ببدعة.

وهكذا فإن كثيراً من #‏العبادات قد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله كيفية أدائها فمن خالف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في الأداء فقد أتى ببدعة وهي ضلالة وفيها إثم كبير.

  • وهذا يعني أن البدعة تقع في مخالفة الفعل الذي بيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم. وأما القيام بفعل لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولم ينص على كيفية أدائه فإنه يقع في باب الأحكام الشرعية من خطاب التكليف أو خطاب الوضع، فأن يسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ سجدتين وأنت تسجد ثلاثاً فقد أتيت ببدعة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ سجد سجدتين وأنت سجدت ثلاثاً بخلاف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؛. وأما إن فعلت فعلاً لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كأن ركبت سيارة والرسول صلى الله عليه وسلم؛ لم يركب سيارة فلا يقال إنك أتيت ببدعة، بل يُدرس هذا الفعل حسب #‏الأحكام_الشرعية فيقال رُكب السيارة مباح وهكذا…

2- مخالفة أمر الشارع الذي لم ترد له كيفية أداء، بل ورد عاماً أو مطلقاً، فإنه لا يقع في باب البدعة، بل في باب الأحكام الشرعية، فيقال عنها “حرام، أو مكروه…” إن كان خطاب تكليف، أو يقال “باطل أو فاسد…” إن كان خطاب وضع، وذلك حسب #‏القرينة المصاحبة:

  • فمثلا قوله صلى الله عليه وسلم؛ «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» [أخرجه البخاري]، فهنا أمر بالسلم “السلف” بصيغة الجملة الشرطية، فقد أمر أن يكون السلم في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم، ولكن لم يبين الشارع كيفية إجراءات الأداء، كأن يقف العاقدان أمام بعضهما، ويقرءا شيئاً من القرآن، ثم يتقدما خطوة إلى الأمام، ويتعانقا ثم يتخاطبا في موضوع السلم… وبعد ذلك يتم الإيجاب والقبول… ليس الأمر كذلك، فلم يبين الشرع إجراءات الأداء، بل تركها عامة وفق اتفاقهما، ولهذا فإن من أسلف “أي عَقَد عقد السلم” بخلاف أمر الشارع ، أي دون كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم، لا يقال إنه جاء ببدعة، وإنما يقال إن هذا العقد المخالف لأمر الشارع هو باطل أو فاسد وفق نوع المخالفة.

*ومثلاً أخرج مسلم عن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛: «يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى»، فلو خالف مسلم هذا الحديث فباع الذهب بالذهب بزيادة، وليس وزناً بوزن، فلا يقال إنه أتى بدعة، بل يقال إنه ارتكب حراماً، أي الربا… وذلك لأنه لم يبين فيه إجراءات للأداء كما بينَّا، بل تُرك عاماً وفق اتفاقهما.

  • ومثلاً يقول الرسول صلى الله عليه وسلم « فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» ، فمن تزوج بغير ذات الدين لا يقال عنه إنه أتى ببدعة، بل يُدرس الحكم الشرعي المتعلق بزواج غير ذات الدين، وذلك لأن الشرع لم يبين إجراءات عملية في الاختيار مثلاً أن يقف الخاطب أمامها ويقرأ آية الكرسي، ثم يتقدم خطوة ويقرأ المعوذتين، ثم يتقدم خطوة أخرى ويسمي الله، ثم يمد يده اليمنى ويتقدم بالخطبة… بل تُرك الأمر حسب شروط الانعقاد وشروط الصحة، وبذلك تكون دراسة المخالفة في باب الحكم الشرعي وليست في باب البدعة.

*ويؤكد هذا ما ورد في الأحاديث الشريفة من وصف مثل هذه المخالفات بالحكم الشرعي وليس بالبدعة:

  • عن أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ لَمْ يُنْكِحْهَا الْوَلِيُّ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ …» أخرجه ابن ماجه. وهنا وُصف الزواج دون ولي بالباطل وليس بالبدعة.

  • وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ في حديث الأضاحي«… وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ…» أخرجه مالك. وهنا ذكر أن المسكر حرام ولم يذكر بدعة.

  • وعن أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ï·؛ قَالَ: «أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ».أخرجه مالك. وذُكر هنا أنه حرام وليس بدعة.

  • وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْرٍ يَعْنِي الْغَافِقِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ «أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» أخرجه أبو داود. وهنا وُصفت المخالفة بالحرام.

وهكذا فإن جلَّ، إن لم يكن كل، المعاملات والعقود، هي عامة أو مطلقة وفق شروط الصحة وشروط الانعقاد الواردة في الشرع، وليس فيها إجراءات تنفيذية للأداء كما هي في كثير من العبادات، ولذلك فإن المخالفات فيها تكون غالباً في باب الأحكام الشرعية وليست في باب البدعة.

3- والخلاصة:

  • مخالفة الكيفية التي فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ في أداء أمر من #‏الكتاب_والسنة، هذه المخالفة تكون بدعة، وفيها إثم كبير، فيجب أن يؤدى الأمر كما أداه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بفعله.

  • أما إذا لم يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فعلاً وأنت فعلته، فيكون بحثه في باب الأحكام الشرعية من حيث خطاب التكليف أو خطاب الوضع، ومن ثم يتبين الحكم الشرعي فيه أهو #‏فرض أم #‏مندوب أم #‏مباح أم #‏مكروه أم #‏حرام… أم باطل أم فاسد…

  • مخالفة أمر الشارع المطلق أو العام الذي لم يبين الشارع له كيفية أداء، تكون هذه المخالفة واقعة في الأحكام الشرعية “التكليف - حرام، مكروه،…” أو “الوضع - بطلان، فساد..”

4-أما سؤالك عن “من سن سنة حسنة…”، فهذا موضوع آخر وهو يعني أن من سبق لأداء ما أمر به الشرع فشجَّع الآخرين فتبعوه، فإن له مثل أجرهم دون أن ينقص من أجورهم شيء… ومن سبق لفعلِ ما نهى الشرع عنه فشجَّع الآخرين فتبعوه، فعليه مثل وزرهم دون أن ينقص من أوزارهم شيء، والدليل على ذلك:

-أخرج مسلم في صحيحه عن جرير بن عبدالله، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ عَلَيْهِمِ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». وواضح من الحديث أنهم تباطأوا عن الصدقة ثم إن رجلاً من الأنصار أسرع بالصدقة فتبعه الآخرون حتى عرف السرور في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم.

آمل أن يكون في هذا الكفاية بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

08 من ذي الحجة 1436 هـ ألموافق 2015/09/22م

منقول

بسم الله الرحمن الرحيم

الأرض المغصوبة

السؤال

نعلم أن الغصب كله حرام، فإذا اغتصبت الدولة أرض الناس وباعتها، أو بَنت عليها وباعتها، فهل يجوز شراء الأرض والبناء فيها؟ وهل إذا اشترى الأرض من الدولة طرف ثانٍ هل يجوز شراؤها منه؟ وإذا بنى عليها هذا الطرف الثاني هل يجوز شراء البناء منه؟

السؤال الأول: نعلم أن الغصب كله حرام، فإذا اغتصبت الدولة أرض الناس وباعتها، أو بَنت عليها وباعتها، فهل يجوز شراء الأرض والبناء فيها؟ وهل إذا اشترى الأرض من الدولة طرف ثانٍ هل يجوز شراؤها منه؟ وإذا بنى عليها هذا الطرف الثاني هل يجوز شراء البناء منه؟

الجواب

1 - نعم الغصب كله حرام، ومن اغتصب أرضاً فقد ارتكب حراماً واقترف إثماً شديداً لقوله صلى الله عليه وسلم: «من ظلم قِيدَ شبرٍ من الأرض طوّقه من سبع أرضين» أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها. أي أن من اغتصب أي شيء من الأرض قل أو كثر فقد ارتكب إثماً يعاقب عليه في الآخرة. وفي الدّنيا يستحق عقوبة التعزير ويُلزم بإعادة ما اغتصب، بحالته التي اغتصبه فيها، إلى صاحبه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «على اليد ما أخذت حتى تؤدى»، أخرجه الترمذي. وإذا تلف المغصوب في يد الغاصب أو غـيَّر وضعه كأن خاط القماش المغصوب، أو صهر المعدن المغصوب، أو ذبح الحيوان المغصوب فإنه يضمن قيمته للغاصب.

2 - إذا بنى الغاصب على الأرض بناءً، فهو لا يملكه وللمغصوب منه الحق في أن يطلب منه هدم البناء على نفقة الغاصب، وإذا أحدث ضرراً في الأرض أثناء ذلك فعليه أن يدفع مقابل ذلك. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس لعِرق ظالم حق» فالذي يحدثه الغاصب على الأرض المغصوبة من زرع أو بناء لا يكون ملكه، لا الأرض ولا البناء. ولا يجوز الشراء من الغاصب لا الأرض المغصوبة ولا البناء الذي بناه عليها.

3 - الذين يشترون الأرض مهما تسلسلوا، أي المشتري من الغاصب والمشتري من المشتري الأول.. وهكذا، ما داموا يعلمون أنها مغصوبة فهم آثمون ولا يجوز لهم ذلك، والأرض تبقى من حق مالكها المغصوبة منه.

4 - إذا تغير وضع الأرض كأن بُني عليها، فإنَّ خلافاً بين الفقهاء في حكم البناء، فيما إذا كان أعلى قيمةً من الأرض أو أقل، وفيما إذا كان الباني هو الغاصب أو المشترين.

والذي أراه وآخذ به كالتالي:

1 - يحرم شراء البناء من الغاصب أو ممن انتقل إليه من الغاصب بالهبة أو هديةً أو عطيةً، أو من أخذها بحكم منصبه من السلطة، مثلاً الدولة اغتصبت أراضي فلان وفلان ووزَّعتها على أصحاب المناصب في السلطة، فحكمهم حكم الدولة المغتصبة أي حكم المباشر في الغصب. فهؤلاء لا يجوز الشراء منهم.

2 - إذا اشتراها طرف ثانٍ من الدولة بأسعار السوق المعتادة، وبنى عليها بناءً تفوق قيمته قيمة الأرض، فإن هذا البناء يجوز لطرف ثالث أن يشتريه من الطرف الثاني. فهذا البناء يصبح ملكيةً مصونةً لأن حق المالك الأصلي (المغصوب منه) يكون قد سقط في عين الأرض، ويكون في قيمتها، كما لو حولت المادة المغصوبة إلى مادة أخرى فيكون الضمان في قيمتها وليس في عينها. وحيث إن الغاصب هو الدولة فتكون هي الضامنة التي عليها أن تدفع قيمة الأرض كاملةً، وتعويضه عن فترة اغتصابها بالضرر الذي حصل، أي أن قيمة الأرض المغصوبة تكون الدولة هي ضامنتها، ولذلك يجوز الشراء من الطرف الثاني للبناء فوق الأرض المغصوبة بهذه الشروط: 1) أن يكون الغاصب هو الدولة أي هي مظلمة من مظالم الدولة وبذلك فهي الغاصبة لقيمة الأرض وبذلك لا يكون المشتري من الطرف الثاني معرضاً لدفع القيمة. أما إذا كان الغاصب الأول شخصاً ليس دولةً فيكون الضمان للقيمة في ذمة المشترين الأول والثاني…الخ. 2) أن يكون الطرف الثاني قد اشترى الأرض من الدولة بسعر السوق المعتاد. 3) أن يكون البناء فوق الأرض المغصوبة أعلى من قيمة الأرض.

وعليه فإن جواب السؤال يكون:

لا يجوز الشراء من الدولة الغاصبة، ولكن يجوز الشراء من الذي اشترى من الدولة بشرطين:

الأول: إذا كان اشترى الأرض من الدولة بسعر السوق المعتاد، سواء أكان جمعيةً أو شخصاً معيناً، أي لَم يأخذها هبةً أو هديةً أو عطيةً دون ثمن بحكم منصبه في السلطة أو نحوها.

الثاني: أن يكون البناء القائم على الأرض تفوق قيمته قيمة الأرض.

ويضاف شرط ثالث إذا كان الذي اشترى من الدولة جمعيةً، ففي هذه الحالة حتى يصح الشراء من الجمعية يجب أن تكون جمعيةً منعقدةً شرعاً أي ليست شركةً مساهمةً مثلاً أو نحوها.

تحقيق أكثر من قيمة في عمل واحد

هل العمل الواحد نستطيع أن نحقق به أكثر من قيمة أم لا فمثلا لو درست علما معينا وقصدت فيه رضا الله وكسبا ماديا) انتهى.

ألجواب:

**القيمة:**بالنسبة لسؤالك عن كونك درست علما معينا وقصدت فيه رضا الله وكسبا ماديا، هل تكون حققت قيمتين…

للجواب على هذا السؤال، لا بد من توضيح الأمور التالية:

1- إن الأصل في الأفعال التقيد، ولذلك فكل فعل يقوم به الإنسان يجب أن يكون وفق الحكم الشرعي لهذا العمل، ففي العبادات يلتزم بذلك، وفي المعاملات والتجارة كذلك، وأيضاً في الأخلاق، وإغاثة الملهوف…الخ.

أي أن الواجب على العبد أن يدرك صلته بخالقه عند القيام بكل عمل… وبطبيعة الحال، فإن التزام الحكم الشرعي له بإذن الله أجر “الجنة”، ورضوان من الله أكبر.

2- القيمة هي اصطلاح له معنى، وهو قصد العامل من العمل، أي ما يريد تحقيقه من فعله، فلا بدّ أن يكون لكل عامل قصد قد قام بالعمل من أجله. وهذا القصد هو قيمة العمل. ولذلك كان حتماً أن تكون لكل عمل قيمة يراعي الإنسان تحقيقها حين القيام بالعمل، وإلا كان مجرد عبث. ولا ينبغي للإنسان أن يقوم بأعماله عبثاً من غير قصد، بل لا بد أن يراعي تحقيق قيم الأعمال التي قصد القيام بالعمل من أجلها. هذا هو معنى مصطلح القيمة.

3- باستقراء وقائع جميع الأعمال وما يبرز عليها من غرض القائم بها يتبين أن المقصود منها والبارز عليها هو:

إما أن تكون قيمة مادية، كالأعمال التجارية والزراعية والصناعية ونحوها، فإن المقصود من القيام بهذه الأعمال هو إيجاد فوائد مادية منها، وهي الربح، وهي قيمة لها شأنها في الحياة… وإما أن تكون قيمة العمل إنسانية كإنقاذ الغرقى وإغاثة الملهوفين، فإن المقصود منها إنقاذ الإنسان بغض النظر عن لونه وجنسه ودينه أو أي اعتبار آخر غير الإنسانية… وإما أن تكون قيمة العمل خُلُقية، كالصدق والأمانة والرحمة، فإن المقصود منها الناحية الخُلقية بغض النظر عن الفوائد وبغض النظر عن الإنسانية، إذ قد يكون الخُلق مع غير الإنسان، كالرفق بالحيوان والطير، وقد تحصل من العمل الخُلقي خسارة مادية، ولكن تحقيق قيمته واجبة، ألا وهي الناحية الخُلقية… وإما أن تكون قيمة العمل روحية كالعبادات، فإنه ليس المقصود منها الفوائد المادية، ولا النواحي الإنسانية ولا المسائل الخلقية، بل المقصود منها مجرد العبادة، ولذلك يجب أن يراعى تحقيق قيمتها الروحية فحسب بغض النظر عن سائر القيم. وهذه القيم ليست متفاضلة ولا متساوية لذاتها، لأنّه لا توجد بينها خصائص تتخذ قاعدة لمساواتها ببعضها أو تفضيل بعضها على بعض، وإنّما هي نتائج قصدها الإنسان حين القيام بالعمل. ولذلك لا يمكن وضعها في ميزان واحد، ولا تقاس بمعيار واحد، لأنّها متخالفة إن لم تكن متناقضة.

ولكن جميع هذه الأفعال التي تحقق القيمة المادية أو الإنسانية أو الخلقية، كلها يجب أن يلتزم المسلم فيها بالحكم الشرعي لنوال رضوان الله سبحانه… أي أن رضا الله متحقق بإذنه سبحانه للمسلم الملتزم بالحكم الشرعي في جميع القيم.

4- وعليه فإن سؤالك عن التعلم لمهنةٍ مثلاً من أجل أن تتوظف فتكسب مادياً، فأنت تقصد تحقيق القيمة المادية، وأما رضا الله سبحانه فهذا نتيجة الالتزام بالأحكام الشرعية، وهو متحقق بإذن الله في كل قيمةٍ، ما دام الإنسان يقوم بالعمل امتثالاً لأمر الله سبحانه، وهذه تتعلق بمسألة الأحكام الشرعية، وليس بمسألة القيمة، أي أنت بامتثالك الحكم الشرعي تحقق رضا الله في القيمة المادية والقيمة الروحية والقيمة الخلقية والقيمة الإنسانية…

وبناء عليه فإن رضا الله سبحانه ليس قيمة منفصلة عن القيم الأربع، بل هو متحقق في كل قيمة من القيم الأربع إذا التزم العبد بالحكم الشرعي خلال سعيه لتحقيق هذه القيم. ويبدو أنك ظننت أن تعلمك مهنة لتتوظف فتحقق قيمة مادية، فأنت كذلك بالتزام الحكم الشرعي في طلبك العلم تحقق رضا الله الذي اعتبرته قيمة روحية، والأمر ليس كذلك، بل رضا الله ليس خاصا بقيمة ما، بل مصاحب لجميع القيم ما دام المسلم خلال تحقيقه لهذه القيم يلتزم بالحكم الشرعي:

? فرضا الله متحقق بإذنه سبحانه في حالة التزام الحكم الشرعي للتاجر في تجارته الذي يحقق القيمة المادية…

? ورضا الله متحقق بإذنه سبحانه في حالة التزام الحكم الشرعي للمصلي في صلاته الذي يحقق القيمة الروحية…

? ورضا الله متحقق بإذنه سبحانه في حالة التزام الحكم الشرعي للصادق في كلامه الذي يحقق القيمة الخلقية…

? ورضا الله متحقق بإذنه سبحانه في حالة التزام الحكم الشرعي عند إغاثة الملهوف لتحقيق القيمة الإنسانية…

والخلاصة فأنت بتعلمك مهنة لتتوظف تحقق قيمة مادية، وترضي الله سبحانه ما دمت تطلب العلم بالتزام الحكم الشرعي، ولكن لا يقال إنك بتعلمك هذه المهنة تحقق قيمة مادية، وكذلك قيمة روحية كأنك تصلي أو تصوم… فالقيمة اصطلاح وتُصرف إلى المعنى الاصطلاحي وتقف عنده.

أسأل الله سبحانه أن يكون في هذا الجواب الكفاية.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

10 من رمضان 1435هـ ألموافق2014-07-08م

منقووووووووووووووول

واقع التطعيم وحكم الشرع فيه

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أختكم في العقيدة - مدينة يوزييفا - أتوجه إلى العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة حفظه الله ورعاه بما يلي:

أنا شيشانية أعيش في بلجيكا منذ ١٤ عامًا حيث تكثر الجالية الشيشانية. في الآونة الأخيرة كثر الحديث والتساؤلات عن تطعيم الأطفال في الإسلام أي التطعيم ضد الحصبة، وشلل الأطفال، التهاب الكبد الوبائي، النّكاف، السلّ وغير ذلك من أنواع التطعيم، ويُرى توجّهٌ عارم ضد التطعيم واللقاحات، ويعلل أصحاب هذا التوجه ذلك بالمضاعفات التي تحدث جراء التطعيم والتي هي في تزايد مضطرد وأن هذا ضرر لا يجوز تعريض أطفالنا الأصحاء له، وكذلك إن العلاج ليس فرضاً فما بالكم بالوقاية فهي دون ذلك بلا شك، ويواصلون القول: التطعيم يعني نقل الميكروب إلى جسم الطفل وهو محرم، وكما أن الطعومات تؤخذ من الحيوانات كالقرد مثلاً. انتهى كلامهم.

والسؤال: ما واقع التطعيم، وما هو الحكم الشرعي فيه؟ وهل سيوجد في دولة الخلافة التطعيم بأنواعه؟ مع العلم أن نصف الجالية المسلمة عندنا لا يطعمون أبناءهم، وأعدادهم في تزايد، وأصبح الحكم الشرعي الواضح والقوي لا مفر منه، طالبين منكم الإسهاب والتوضيح ما استطعتم لذلك سبيلا، وجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته**

الجواب:

(وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

التطعيم هو دواء، والتداوي هو مندوب وليس فرضاً، ودليل ذلك:

1- روى البخاري من طريق أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً».

وروى مسلم عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»، وروى أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً، إِلَّا قَدْ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ».

وهذه الأحاديث فيها إرشاد بأن لكل داء دواءً يشفيه، ليكون ذلك حاثاً على السعي لحصول التداوي الذي يؤدي إلى شفاء الداء بإذن الله سبحانه، وهذا إرشاد وليس إيجاباً.

2- روى أحمد عن أنس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ حَيْثُ خَلَقَ الدَّاءَ، خَلَقَ الدَّوَاءَ، فَتَدَاوَوْا»، وروى أبو داود عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ، فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» أي “إلا الموت”.

ففي الحديث الأول أمر بالتداوي، وفي هذا الحديث إجابةٌ للأعراب بالتداوي، ومخاطبة للعباد بأن يتداووا، فإن الله ما وضع داءً إلاّ وضع له شفاءً. وقد جاءَت المخاطبة في الحديثين بصيغة الأمر، والأمر يفيد مطلق الطلب، ولا يفيد الوجوب إلاّ إذا كان أمراً جازماً، والجزم يحتاج إلى قرينة تدل عليه، ولا تُوجد في الحديثين أية قرينة تدل على الوجوب، إضافة إلى أنه وردت أحاديث تدل على جواز ترك التداوي، ما ينفي عن هذين الحديثين إفادة الوجوب. فقد روى مسلم عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ»، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، والرقية والكي من التداوي. وروى البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: … هَذِهِ المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ» فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ، «فَدَعَا لَهَا…». فهذان الحديثان يدلان على جواز ترك التداوي.

وكل ذلك يدل على أن الأمر الوارد “فتداووا”، “تداووا” ليس للوجوب، وإذن فالأمر هنا إما للإباحة وإما للندب، ولشدة حث الرسول صلى الله عليه وسلم على التداوي، يكون الأمر بالتداوي الوارد في الأحاديث للندب.

وعليه فإن التطعيم حكمه الندب، لأن التطعيم دواء، والتداوي مندوب، إلا أنه إذا ثبت أن نوعاً معيناً من التطعيم ضار كأن تكون مواده فاسدة أو ضارة لسبب ما… فإن التطعيم في هذه الحالة بهذه المواد يكون حراماً وفق قاعدة الضرر من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أحمد في مسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». غير أن هذه حالات نادرة…

وأما في دولة الخلافة فسيكون هناك تطعيم ضد الأمراض التي تقتضي ذلك كالأمراض المعدية ونحوها، ويكون الدواء نقياً من كل شائبة وصافيا، والله سبحانه هو الشافي ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. والمعروف شرعاً أن الرعاية الصحية هي من الواجبات على الخليفة من باب رعاية الشئون عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر. وهذا نص عام على مسؤولية الدولة عن الصحة والتطبيب لدخولهما في الرعاية الواجبة على الدولة.

وهناك أدلة خاصة على الصحة والتطبيب: أخرج مسلم من طريق جابر قال: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ». وأخرج الحاكم في المستدرك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: «مَرِضْتُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بِنَ الْخَطَّابِ مَرَضاً شَدِيداً فَدَعَا لِي عُمَرُ طَبِيباً فَحَمَانِي حَتَّى كُنْتُ أَمُصُّ النَّوَاةَ مِنْ شِدَّةِ الْحِمْيَةِ».

فالرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه حاكماً بعث طبيباً إلى أبيّ، وعمر رضي الله عنه الخليفة الراشد الثاني دعا بطبيب إلى أسلم ليداويه، وهما دليلان على أن الصحة والتطبيب من الحاجات الأساسية للرعية التي يجب على الدولة توفيرها مجاناً لمن يحتاجها من الرعية.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

15 من محرم 1435هـ /2013-11-18

منقول

التوبة النصوح من الذنب

**السؤال:**السلام عليكم… أعانكم الله ووفقكم

أريد أن أسألكم سؤالا يخيفني جدا: هل التائب من الذنب إن تاب وعاد إلى ذنبه يكتب ذنبه القديم مجددا؟ لأنه ورد أن التوبة النصوح هي أن لا يعود إلى الذنب أبدا عن قوله تُوبُوا إلى اللّهِ تَوْبَةً نَصُوحا قال: هو العبد يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه أبدا.

والشق الثاني من السؤال:

هل من كفر يوما ثم عاد إلى الإسلام تذهب كل حسناته وتبقى سيئاته!! لأنه ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: قال رجلٌ: لا يَغفِرُ اللهُ لِفلانٍ! فأوْحَى اللهُ إلى نبيٍّ من الأنْبياءِ: إنَّها خطِيئةٌ فلْيستقبِلِ العمَلَ، وقالوا معنى يستقبل العمل أي أنه أحبط وعليه أن يعيده لأنه ورد أنه إذا أحدث أحدكم في صلاته فليستقبل أي يستقبل صلاته ويعيدها… هذا الموضوع يخيفني جدا. هل إن تبت عن كفر اقترفته تمحى كل حسناتي وتبقى سيئاتي التي اقترفتها في عمري!؟ فأذكر أني قلت لصديقي عندما هاجم حزب التحرير وتبوأ بألفاظ قلت له والله ستحاسب يوم القيامة على كلمتك هذه.

حفظكم الله ورعاكم

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

1- إن التوبة النصوح من الذنب هي التي تكون بصدق في أربعة أمور: يقلع عن هذا الذنب، ويندم على فعله، ويعزم على أن لا يعود إليه، وإذا كان يتعلق بحق آدمي فيعيد له هذا الحق أو يحصل على مسامحته، وأن يكون في كل ذلك صادقاً مع الله سبحانه، والله أعلم بالسر والعلن…

وقد أمر اللّه سبحانه وتعالى المؤمنين بالتّوبة النّصوح ليكفّر عنهم سيّئاتهم فقال جل وعلا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوبَةً نَصُوحَاً عَسَى رَبُّكُمْ أنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾.

والذي يتوب بصدق وإخلاص بالشروط المذكورة، فَتُكفَّر عنه السيئة بإذن الله، أخرج ابن ماجه عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».

أما ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن التوبة النصوح هي التي لا يعود الشخص إلى الذنب أبداً، أي أنه إن عاد فلا توبة له، فإن هذه الرواية ضعيفة:

أخرج أحمد في مسنده قال: أَخْبَرَنَا الْهَجَرِيُّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «التَّوْبَةُ مِنَ الذَّنْبِ: أَنْ يَتُوبَ مِنْهُ، ثُمَّ لَا يَعُودَ فِيهِ»، وإسناده المرفوع ضعيف والصحيح وقفه. ولذلك فإن التوبة النصوح هي أن يعزم بصدق وإخلاص بأن لا يعود أبداً للذنب، فإنْ عاد، فليُعدْ التوبة عازماً صادقاً مستغفراً… ولا يصر على الذنب ويقول لا توبة لي، بل يتوب من جديد ويستغفر، وأكرر بصدق وإخلاص، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور… قال سبحانه في الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ حَسَنٍ صِفَةُ الِاسْتِغْفَارِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْآيَةِ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، وَسُفْيَانُ… عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ… وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَنِي وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ قَالَ مِسْعَرٌ وَيُصَلِّي وَقَالَ سُفْيَانُ: ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا غَفَرَ لَهُ» وأخرجه كذلك الترمذي وابن ماجه والنسائي وصححه ابن حبان، وفي رواية الترمذي وابن ماجه والنسائي قال بعد «إِلَّا غَفَرَ لَهُ» قال ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ…﴾

وهكذا فإن من تاب من الذنب ثم عاد إليه فإن عليه أن يتوب من جديد، ويستغفر الله سبحانه بصدق وإخلاص ويرجو من الله قبول توبته، فتكرار الذنب لا يُقفل باب التوبة، على أن تكون التوبة كما ذكرنا: “تكون بصدق في أربعة أمور: يقلع عن هذا الذنب، ويندم على فعله، ويعزم على أن لا يعود إليه، وإذا كان يتعلق بحق آدمي فيعيد له هذا الحق أو يحصل على مسامحته، وأن يكون في كل ذلك صادقاً مع الله سبحانه، والله أعلم بالسر والعلن…”.

2- وأما هل من كان كافراً وأسلم، تبقى عليه سيئاته السابقة؟ وهل من كان مسلماً ثم كفر ثم أراد أن يعود إلى الإسلام هل تقبل توبته ليعود إلى الإسلام، أو لا تقبل له توبة، فلا يعود للإسلام؟ إن الجواب هو كما يلي:

أ- أخرج أحمد في الحديث الصحيح عَنْ ابْنِ شِمَاسَةَ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، قَالَ: لَمَّا أَلْقَى الله عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِيُبَايِعَنِي، فَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: لَا أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللهِ حَتَّى تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي، قَالَ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ»، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ قَالَ: ثُمَّ تَقَدَّمْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ يُغْفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي، وَلَمْ أَذْكُرْ مَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ لِي: «يَا عَمْرُو بَايِعْ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا»، فَبَايَعْتُهُ…

فعمرو بن العاص كان كافراً فأسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم قال له: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ»، أي أن ذنوبه قبل إسلامه قد مُحيت بإذن الله سبحانه.

ب- ثم إن الذي كان كافراً فأسلم ثم كفر وعاد فأسلم فقد قبل الرسول صلى الله عليه وسلم منه ذلك:

أخرج النسائي في سننه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِالشِّرْكِ، ثُمَّ تَنَدَّمَ فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ، سَلُوا لِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَجَاءَ قَوْمُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: إِنَّ فُلَانًا قَدْ نَدِمَ وَإِنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نَسْأَلَكَ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: 86] إِلَى قَوْلِهِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 89] فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَسْلَمَ، وأخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ نَدِمَ فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ أَنْ سَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: 86] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 89] قَالَ: «فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قَوْمُهُ فَأَسْلَمَ» قال الحاكم “هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ”)

ج- وأما الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾، والآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.

فهي تعني بالنسبة للذي يكفر ويستمر على الكفر ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، فهؤلاء لا تقبل توبتهم ما داموا على حالهم هذه، أي في ازدياد كفر، أي أنهم كفروا وأصروا على الكفر، فهؤلاء لا تقبل توبتهم ما داموا مصرين على الكفر، فمن أول شروط التوبة الإقلاع عن الذنب… جاء في تفسير القرطبي… للآية الكريمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾: (وَقَالَ قُطْرُبٌ. هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَالُوا: نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ رَيْبَ الْمَنُونِ، فَإِنْ بَدَا لَنَا الرَّجْعَةُ رَجَعْنَا إِلَى قَوْمِنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أَيْ لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى الْكُفْرِ، فَسَمَّاهَا تَوْبَةً غَيْرَ مَقْبُولَةٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنَ الْقَوْمِ عَزْمٌ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ كُلَّهَا إِذَا صح العزم.)انتهى

وقال في تفسير الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾:

(وَمَعْنَى: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً﴾ أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ.) انتهى

3- وأما ما ذكرته عمَّن أقسم أن الله لا يغفر لفلان… فالأمر كما يلي:

أ- أخرج مسلم قال حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ جُنْدَبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَدَّثَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» أَوْ كَمَا قَالَ. ومعنى “يتألى” أي يحلف. وأخرجه البيهقي بلفظ: (…حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ… حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ، عَنْ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، قَالَ اللَّهُ: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَى أَنَّنِي لَا أَغْفِرُ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» أَوْ كَمَا قَالَ.) انتهى

وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، ثنا أَبُو عِمْرَانَ، عَنْ جُنْدُبٍ: «أَنَّ رَجُلًا آلَى أَنْ لَا يَغْفِرَ اللهُ لِفُلَانٍ فَأَوْحَى الله عَزَّ وَجَلَّ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ إِلَى نَبِيٍّ: أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَطِيئَةِ فَلْيَسْتَقْبِلِ الْعَمَلَ».

ففي هذه الأحاديث قد أقسم الرجل أن الله لا يغفر لفلان، وهذا لا يجوز فكيف يقسم أن الله لا يغفر لفلان، ولا يوجد أحد في السموات والأرض يعلم الغيب ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، والله سبحانه عاقبه بإحباط عمله لأنه أقسم على الله أن لا يغفر… وهذه خاصة بهذه الخطيئة، أي أن الذي يقسم، مدركاً ما يقول، أن الله لا يغفر لفلان فهذه تنطبق عليه، لأن الله سبحانه ذكر سبب إحباط العمل، فقال في الحديث «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ» وقال «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَى أَنَّنِي لَا أَغْفِرُ لِفُلَانٍ»

وأما مقولتك أنت فقد قلت كما جاء في سؤالك: “والله ستحاسب يوم القيامة على كلمتك هذه.”، وهذه غير تلك فيما أرى، فأنت أقسمت على أنه سيحاسب، وكل إنسان سيحاسب يوم القيامة إن خيراً فخير، وإن شراً فشر:

يقول سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾

وقال جلّ وعلا: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾.

فكما ترى فإن هذه الآيات تدل على أن الناس سيحاسبون على أفعالهم، فأن تُقسِم أن ذاك الشخص يحاسب على عمله فإن الذي أرجحه أن إحباط العمل لا ينطبق عليها، وذلك لأنها تختلف فيما أرى عن قسم ذلك الرجل بأن الله لا يغفر لفلان، لأن قسمه غير صحيح، فهو لا يدري إن كان الله سبحانه سيغفر له أو يعاقبه. هذا ما أرجحه في هذه المسألة، والله أعلم وأحكم.

وفي الختام، فأخلص العمل لله وتُبْ صادقاً مخلصاً له سبحانه، عازما على أن لا تعود إلى ذنب أبدا، نادماً على كل ذنب فعلته وإن كان في ذمتك حق لأحد فأبرئ ذمتك، وكما في حديث علي رضي الله عنه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ قَالَ مِسْعَرٌ وَيُصَلِّي وَقَالَ سُفْيَانُ: ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا غَفَرَ لَهُ»، واسأل الله سبحانه أن يغفر لنا ولك ويهدينا أجمعين إلى أرشد أمرنا والله سبحانه يتولى الصالحين.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

5 من صفر 1435هـ ألموافق2013-12-08

منقول

هل يجوز لممثلي المسرح أن يتقمصوا أشخاصاً آخرين في كلامهم وأفعالهم؟

**السؤال:

هل يجوز لممثلي السينما أو المسرح أن يتقمصوا أشخاصاً آخرين في كلامهم وأفعالهم؟ وهل الحكم نفسه يطبق على الذين يتكلمون في الرسوم المتحركة باسم اللعب والحيوانات؟**

الجواب:

بالنسبة للممثلين في السينما وفي المسرح، فإنهم يتقمَّصون أشخاصا آخرين ويتكلمون كلام الأشخاص الذين يمثلونهم، فيجري على لسان الممثل قول ذلك الشخص وهذا يدخله الكذب، حتى إنه إذا لزم أن يقسم باسم ذلك الشخص يفعل، بل فوق ذلك يجري على لسانه الطلاق إذا كان ذلك الشخص يطلِّق… وكل ذلك حرام فالكذب حرام، والإنسان يؤاخذ على قسمه وطلاقه وكل كلامه، ولا يقال إنه يمثل تمثيلاً، بل إن ما ينطقه باختياره فإنه يسأل عنه… ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.

أما في الرسوم المتحركة للأطفال، فإن الممثل يتكلم باسم لُعب أو حيوانات أو نحو ذلك للأطفال، فهذا أراه مباحا لا شيء فيه، لأن الممثل لا يتكلم كلام أشخاص مثله، بل يتكلم باسم لعب وحيوانات للأطفال، وواضح أن اللعب والحيوانات لا تتكلم، فواقع الكذب هنا غير منطبق، بل هو تسلية للأطفال كتسليتهم باللُّعب…

18 من رمــضان 1434 الموافق 2013-07-27

منقول

بسم الله الرحمن الرحيم

السباق بين الخيل

السباق بين الخيل جائز، ولا شيء في ذلك، لكن الموضوع متعلق بأخذ العوض على السّبق.

وأخذ العوض يكون في حالات:

  1. أن يكون العوض من طرف ثالث فيقول: من سبق أعطه كذا فهذا جائز.

  2. أن يقول أحد المتسابقين للآخر: إن سبقتني أعطك كذا، وإن سبقتك لا آخذ منك شيئاً، فهذا كذلك جائز.

  3. أن يكون العوض من الجانبين، وهو الرهان. وجمهور الفقهاء على تحريمه لأنه من القمار. وهذا كأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني أعطك كذا، وإن سبقتك تعطني كذا، فجمهور الفقهاء على تحريمه، وهذا هو الصواب.

والدليل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترط لصحة الرهان بين المتسابقين أن يدخل معهما ثالث (محلل) لا يدفع شيئاً لمن يسبقه بل هو يأخذ إذا سبقهم ولا يعطي إذا سُبق، بشرط أن يكون فرسه مكافئاً لفرسيهما، فلا يكون فرسه هزيلاً بطيئاً وفرساهما جوادين، ففي هذه الحالة معروف أنهما سيسبقانه ويكون وجوده وعدمه سواء.

وقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم (القمار) على المتسابقين بعوض من أحدهما للآخر إذا كان فرس (المحلل) هزيلاً ومأموناً أن يسبقاه، ومن باب أولى أنه قمار إذا لم يكن معهما في السباق أحد، ولذلك فرهان سباق الخيل أي السابق يأخذ من صاحبه، هو قمار وهو حرام.

الحديث: أخرج أبو داود من طريق أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يؤمن أن يُسبق، فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يُسبق فهو قمار» لأنه إن كان واثقاً أنهما سيسبقانه -لضعف فرسه- فكأن السباق بينهما، ووجوده هو وعدمه سواء، فكان قماراً وهو حرام.

وللعلم فإن هناك فقهاء مثل ابن القيم أجازوا الرهان بين الطرفين لأنه اعتبر الحديث المذكور ضعيفاً، ولكن الحديث قيل عنه أنه مرسل، وقد عمل به جمهور الفقهاء لذلك فهو صالح للاستدلال.

وبذلك فإن ما ذكرناه في الاقتصادي هو الصحيح وهو المتبنى عندنا من أن الرهان في سباق الخيل هو قمار.

في 15/02/2004م