أبحاث متفرقة حول اللغــة العـربيــة

**بسم الله الرحمن الرحيم

الدعوة إلى العامية

  • تاريخ الدعوة إلى العامية :

هناك مذهب يقول إن جذور الدعوة إلى العامية تمتد إلى عهود الدول المتتابعة وذهب أصحاب هنا المذهب يقدمون الشواهد والأمثلة من الأدب الشعبي .

وقد يبدو صحة هذا الرأي من أول وهلة ، لكن إذا أنعمنا النظر في الظروف والملابسات التي أحاطت بمواقع الحياة العربية تبين لنا بطلان هذا الرأي . 

وحقيقة الأمر ، أن لم يكن هناك دعوة إلى العامية ولا دعاة مسخرون ولم يحدث أن ظهرت بوادر تخطيط للقضاء على الفصحى التي بقيت في ذلك العهد متمتعة بقدسيتها ومنزلتها في نفوس العرب والمسلمين قاطبة .

وهنا نؤكد أن تفاقم الأساليب العامية عبر العصور المتتابعة منذ فساد السليقة لم يكن بدافع إعلان الحرب على الفصحى ، بدليل أن أساليب الفصحى بقيت ? خلال هذه العهود قوية في أقلام وألسنة الخطباء وخواطر الشعراء . (1)

وكانت الدعوة إلى العامية مرتبطة بالاستشراق ، إذ أصبحت من أهداف المستشرقين الذين يريدون ضرورة معارضة اللغة الفصحى لغة القرآن ، وتقدم جماعة من الغربيين ما بين مهندسين وقضاة للتأليف بالعامية وجمع التراث المزيف حتى تنتقل الدعوة من الكلام عن اللهجة إلى ما يطلق عليه لغة عامية في هذه المناطق قبل الإسلام .(2)
  • أسباب الدعوة إلى العامية :

    تبرز أسباب في الدعوة إلى العامية ، وتلك الأسباب مرتبطة بالاستشراق وأهدافه الخبيثة التي من خلالها يريد هدم الأمة الإسلامية .

    وكانت الدعوة إلى العامية سبيلاً لتحقيق الهدف الكبير وهو إقصاء القرآن أساساً ، ولا يتم إقصاء القرآن حتى تتوارى اللغة العربية وذلك لا يتم إلا عن طريق وسائل التعليم .

    وهذه- أعني الدعوة إلى العامية ? محاولة لإيقاف نمو اللغة العربية عن التوسع والحيلولة دون حركتها مع انتشار الإسلام خاصة في قلب أفريقيا وجنوب شرق آسيا ، وفي المناطق الجديدة التي دخل الإسلام إليها .

    ولا يشك عاقل في مدى التلازم الوثيق والارتباط المحكم بين اللغة والدين والأمة . وهذا ما أدركه العلماء في القديم والحديث ، حيث ربطوا ربطاً محكماً بين اللغة العربية والإسلام .

    ولقد أدرك أعداء الإسلام والعربية أهمية اللغة وخطرها على مطامع الاستعمار ، وخطرها في وحدة الأمة وتماسكها وارتباط حاضرها بماضيها .

    ولذا كانت الدعوة إلى العامية لتفتيت وحدة الأمة وتجرئنها وجعلنا دويلات متناحرة لأجل أن تستمر التبعية لهم ، فشرعوا جاهدين إلى هذا المقصد .

    وغاية تلك الدعوات هو تفريق المسلمين عامة والعرب خاصة ، وذلك بتفريقهم في الدين واللغة والثقافة وقطع الطريق على توسع اللغة العربية المحتمل بين مسلمي العالم .

    وقطع ما بين المسلمين وبين قديمهم والحكم على كتابهم بالموت ، لأن هذا القديم المشترك هو الذي يربطهم ويضم بعضهم إلى بعض . (3)

  • ما تعللوا به للدعوة إلى العامية :

من الأسباب التي تعللوا بها لدعوتهم إلى العامية ، أن اللغة الفصحى لغة صعبة وأنها تقصر الأمة العربية عن التطور والتقدم الحضاري .

كذلك هجوم المستشرقين على الحرف العربي زاعمين أنه حرف معقد وهو عامل في حجب الفكر والأدب الحقيقي عن التطور .

وما تعللوا به هو أن اللغة الفصحى هي التي عاقت المصريين عن الاختراع ، وأن اللغة العربية ماتت بسبب جمودها وصعوبتها ومن الذين دعوا إلى العامية ذهبوا إلى أن اللغة العربية الفصيحة فقيرة في المعاني الجديدة والمصطلحات العلمية وغناها بالمعاني والمسميات القديمة .(4)


(1) ينظر : الفصحى في مواجهة التحدياث ، نذير مكتبي صـ 93 ? 110 ،

(2) ينظر : الفصحى لغة القرآن . أنور الجندي ، صـ 126 ? 127 .

(3) ينظر : فقه اللغة ، محمد الحمد ، صـ 445 ? 449 .

(4) ينظر: الفصحى في مواجهة التحديات0ص 111-133**

**لقد «تعددت إذاً محاولات المستشرقين وتنوعت حيلهم للوصول إلى أغراضهم المتمثلة في تمزيق العرب وتغييبهم عن لغتهم التي هي مصدر عزهم، خاصة عن طريق مجامع اللغة العربية التي اشتركوا فيها ومنها جاءت دعوتهم إلى كتابة القرآن بلغة العصر.. كما حاول الاستشراق الغمز لعلوم النحو والصرف والبلاغة والادعاء بأنها من عوامل صعوبة اللغة العربية، وهذه أيضاً من مؤامرات الاستشراق، ذلك أن حماية اللغة العربية تتطلب المحافظة الكاملة على ما هو مقرر ومنقول من الأصول والقواعد السليمة في علمي النحو والصرف وعلى ما هو محرر مقبول في علوم البلاغة التي هي المعاني والبيان والبديع، دون السماح بما يؤدي إلى اللحن، أو مسخ الأسلوب العربي المبين والديباجة الرائعة والجمل والأساليب التي تمتاز بها اللغة العربية».

وأعقب حركتي التبشير والاستشراق في الظهور على الساحتين العربية والإسلامية ما سمي (حركة الشعوبية) التي كانت تستهدف انتزاع الأدب العربي من قيمه والتنكر لماضيه وقطعه عن خيطه الممتد وتراثه الطويل ووصله بمفاهيم الغربة والتمزق، وذلك بمحاولة تغليب أجناس أدبية وافدة وباتهام العقلية العربية وتدميرها عن طريق خمريات أبي نواس وبشار وغيرهما، وعن طريق الشعر الحر الذي يستهدف إفساد اللغة والنفس معاً.. وكان وراء دعاة هذه الحركة مجموعة من الكتَّاب الذين يحملون أسماء عربية وهم في حقيقتهم من أصحاب التبعية للفكر الغربي والولاء لثقافته والإيمان بوجوب نقل ثقافته وحضارته ككل، بزعم أنه لا انفصال بين الثقافة والحضارة.

وشر من مثَّل هؤلاء وأولئك المسيحي (سلامة موسى) الذي دعا إلى كل ما يُخرج المثقف العربي المسلم عن قيمه، وحاول أن يتخذ من العلمانية والإلحاد والإباحية والمنهج المادي في تفسير التاريخ والعالمية أدواته، والذي أورد عنه الجندي قوله: «يجب أن يكون الناس أحراراً في تبديل قوانين الحكم والزواج والطلاق والتربية والأخلاق وسائر ما يؤثر في حياة الفرد والسلالة»، وقوله: «إن هذه المفاهيم لا تَخرج عن أن تكون آراء قديمة لأحد الناس أو لجماعة منهم وليس شيئاً جديراً بالتقديس»، وقوله: «ليس علينا للعرب أي ولاء، إننا أرقى من العرب، إن العربية ليست لغتنا، ولا نستفيد منها، وإن لنا من العرب ألفاظهم فقط لا لغتهم، والأصلح لمصر أن تعود إلى وطنية فرعونية»، وقوله: «نحن أوروبيون في الدم والمزاج والثقافة واللغة، فليس من الصواب أن يقال إننا شرقيون، ومن مصلحتنا أن نغرس في أذهان جميع العرب أنهم أوروبيون سلالة وثقافة وحضارة». ومن جهوده في هذا الشر المستطير إصداره كتاباً يحمل عنوان (البلاغـة العصرية واللغة العربية).. ولا ندري أي بلاغة عصرية تلك التي تجتنى من وراء رجل يتخلى عن عروبته ولغته ومبادئه وقيمه على هذا النحو المزري.

والمستهجن في الأمر أن كل ما سردناه من محاولات لطمس معالم اللغة وعلومها كان يصب في خدمة الغرب وحملته على العرب والإسلام، كما كان يمهد لما أُطلق عليه (حركة تغريب الشرق)، وهي الحركة الكبرى الأساسية التي كانت دعوة التبشير وعمل الاستشراق وحركة الشعوبية وسائل لها، والتي كانت تهدف في الأساس إلى تثبيت قواعد النفوذ الأجنبي والاستعمار، وإلى فرض ثقافة معينة على الفكر العربي الإسلامي؛ حتى يخضع العالم الإسلامي عن طريق الفكر للغرب ويكون تابعاً بحيث تكون العلاقة بينهما علاقة ولاء وترابط لا علاقة صراع وخصومة، فقد كان الغرب يؤمن ولا يزال بأن فكره ومدنيته وحضارته يجب أن تسود العالم كله، وأن تختفي كل مقومات فكر الأمم التابعة له أو تنصهر في ثقافته، وبذا يخضع العالم كله للفكر والحضارة الغربية.. وهذا يعني أن دعوة التغريب التي كان التبشير بعض طلائعها كانت تصدر في مخططها عن هدفين كبيرين:

1- توقيف اللغة العربية عن النمو أو الانتشار في أي مكان حل فيه الاستعمار، وذلك بتجميدها وإقصائها عن مجال التعليم، تمهيداً لتوقيف انتشار الإسلام نفسه وللفصل بين العرب والمسلمين وبين العروبة والإسلام وللحيلولة دون أن تصير لغة القرآن مصدراً أساسياً للثقافة العربية الإسلامية.

2- القضاء على اللغة العربية في العالم العربي وإحلال اللغات الأجنبية واللهجات العامية والحروف اللاتينية مكانها، تمهيداً لتعميق الثقافة الغربية وفرض المفاهيم الغربية على القيم الأصلية والأساسية في فكرنا العربي والإسلامي.. يعضد ذلك كله ما ذكره المبشر (زويمر) سنة 1900 في كتابه (جزيرة العرب مهد الإسلام)، حيث كتب يقول: «يوجد لسانان لهما النصيب الأوفر في ميدان الاستعمار المادي ومجال الدعوة إلى الله، وهما الإنجليزي والعربي، وهما الآن في مسابقة وعناد لا نهاية لهما لفتح القارة السوداء مستودع النفوذ والمال، يريد أن يلتهم كل منهما الآخر، وهما العضدان للقوتين المتنافستين في طلب السيادة على العالم البشري، أعني الغرب والإسلام».

فهل آن للمسلمين أن يعوا هذه الحقائق جيداً وأن يعتزوا بلغتهم وقرآنهم وعروبتهم وأن يكونوا على حذر مما يخطط له أعداؤهم من النيل من كرامتهم والطعن في دينهم والتشكيك في لغتهم واتهامها بأنها قاصرة وعقيمة ولم تعد صالحة للتداول ولا مواكبة العصر ولا وافية بمتطلباته؛ تمهيداً لتجميدها وإقصائها وإحلال اللغات الأجنبية محلها؟! وهل آن لهم أن يدركوا أن هذا الذي يمثله واقعنا المرير إنما يعد بحق تمهيداً لتوقيف انتشار الإسلام نفسه وللفصل بين العرب والمسلمين وبين العروبة والإسلام، بل وللحيلولة دون أن تصير لغة القرآن مصدراً أساسياً للثقافة العربية الإسلامية؟!

أسئلة تطرح نفسها وتفرض ذاتها على الضمير المسلم علَّه يفيق من غفوته ويقوم من ثباته.. والله نسأل أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر ويطبق فيه شرعه وتعلو فيه لغة قرآنه.. إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

:: مجلة البيان العدد 310 جمادى الآخرة 1434هـ، إبريل - مايو 2013م.


ينظر (الانتماء الحضاري) مقال للدكتور محمد عمارة بصوت الأزهر ص 8 عدد 13/3/ 2009.

موسوعة الجندي 5/ 108، 109.

السابق 5/ 109، 1/ 361.

السابق 5/ 110.

موسوعة الجندي 5/ 183.

ينظر السابق 5/ 74 وهكذا.

السابق 5/ 183 باختصار.

السابق 4/ 533، 10/ 310.

ينظر السابق 1/ 365، 1/ 227.

منقووووووووووووووول :

albayan.co.uk

**الحروب اللغوية عبر القارات

تتعدد الحروب بين الشعوب والأمم في العالم ، لتشمل الحروب العسكرية والاقتصادية والدينية والاجتماعية والثقافية والفكرية والإعلامية والفنية وسواها . وتعتبر الحروب الثقافية وخاصة اللغوية من الحروب الضروس التي تشتعل بين الفينة والأخرى ، في هذه الدولة أو تلك وفي هذه القارة أو تلك . وتعتمد أساليب الحرب النفسية بالدرجة الأولى على مخاطبة الشعب بلغته ومفاهيمه وتشويهها وتزويرها والتشكيك فيها ، لإيجاد الإنفصام اللغوي الثقافي وبث الفرقة والإنقسام والشقاق ، وبالتالي تسهيل الانقضاض الامبريالي على الفريسة المبتغاة في هذه القارة أو تلك ، قديما وحاضرا ومستقبلا .

وفي أجهزة المخابرات العالمية ، هناك مراكز ووحدات لغوية للتجسس والتنصت على الأعداء المفترضين ، ضمن وزارات الدفاع والخارجية ( المخابرات الخارجية والسفارات والقنصليات ) والإعلام ( التعدد اللغوي الفضائي ) والتربية والتعليم العالي والجامعات ( التدريس الجامعي والبعثات الأكاديمية المجانية ) وغيرها ، وتكون هذه المؤسسات الفرعية التابعة أو المستقلة ، بصورة مباشرة للرئاسة والحكومة باعتبارها السلطة التنفيذية لاقتناص الفرص وبناء العلاقات الطيبة مع الأمم والشعوب الأخرى ، من ناحية ، وسبر أغوار ثقافتها وشن الحرب النفسية على الأعداء منها من ناحية أخرى .

كلمة خضراء طيبة أخيرة

تلقى اللغة ، أي لغة في العالم ، الإهتمام المتزايد لتقدمها وإزدهارها وتطورها ، وتخصص الدول المتحضرة الميزانيات المالية الباهظة للإنفاق على التطوير والتنمية اللغوية ، ونشر اللغة بين ابناء الشعب المحلي والشعوب الأخرى في شتى بقاع العالم . ويتم توظيف واسع لعلماء اللغة والنفس والاجتماع والصوتيات والألسن لضمان استمرارية تطوير وتحسين اللغة نحو الحياة الفضلى والمثلى .

وتعتبر الأمة التي ترعى وتهتم بلغتها أمة متقدمة راقية تسعى نحو التقدم العلمي والإنساني المجيد . والانفتاح اللغوي سلاح ذو حدين : إيجابي وسلبي . تتمثل إيجابيته في التعاون المشترك مع الآخرين ، بينما تتمثل سلبيته من الجانب الآخر ، بهيمنة حضارة أو ثقافة قوية على أمة مستضعفة في الأرض ، فتظهر الأمة الغالبة والأمة المغلوبة أو الأمة القاهرة والأمة المقهورة ، واللغة كنواة للثقافة هي الوسيلة الأولى لقهر الآخرين ثم تأتي الأسلحة العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية وغيرها . وبوجود الفضائيات والانترنت فقد أضحت الحرب اللغوية بين الناس فرادى وجماعات وأحزاب ودول ، حربا جوية أكثر منها حربا برية أو بحرية .

وختامه مسك ، فندعو بهذا الدعاء الخالد الذي ورد بكتاب الله العزيز : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) }( القرآن المجيد - البقرة ) .

كما ندعو ونقول والله المستعان ، بالقول النبوي السديد الوارد على لسان نبي الله شعيب عليه السلام ، كما نطقت الآيات القرآنية الكريمة بذلك : { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)}( القرآن المجيد ? هود ) .

نترككم في أمان الله ورعايته ، والله ولي التوفيق . سلام قولا من رب رحيم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

منقول عن :

www.israj.net

**إذاً ، ومن خلال ما سبق تبين لنا أن جملة ما تعللوا به هو عجز اللغة الفصيحة وقصورها عن الوفاء بمتطلبات العصر ، وهم في ذلك يقدمون دعوى لا برهان لها ولا سلطان .

  • المنادون بهذه الدعوة :

    ينقسم الداعون إلى العامية والمروجون لأهدافها إلى قسمين :

القسم الأول : قسم لا ينتمي أصلاً إلى العربية وليس بنيه وبين العرب أي صلة حب ووداد.

القسم الآخر : قسم ينتمي إلى العرب ، ولكنه انتماء بالاسم فقط ، فهو في جوهر أفكاره ومعتقداته ونفسيته وعواطفه غربي محض .

ومما يزيد الحال غرابة أن معظم الداعين إلى هذه الدعوة من غير المتخصصين في الدارسات اللغوية.

وسأسرد الآن بعضاً من الذين ادعوا هذه الدعوة وأخذوا أفكارها . 
  1. فلعلم سينا : له كتاب ( قواعد اللغة العامية في مصر ) وبدأ دعوته في الفترة بين 1818 ? 1883م .

  2. يعقوب صروف 3) يعقوب صنوع 4) رفاعة الطهطاوي 5) وليام ويلككس

  3. كارل فولرس 7) سلدن ولمور 8) اللورد دفرين البريطاني

  4. أحمد لطفي السيد 10) سلامة موسى 11) أنيس فريحة

  5. لويس عوض 13) أنطوان مطر 14) سعيد عقل .

  • علاقة الدعوة إلى العامية بالاستشراق :

    كانت تلك الحفريات التي قام بها ويلكوكس ، ويلمور وسبيتا وغيرهم مقدمات لمخطط الاستشراق بالنسبة للغة العربية الذي لم يلبث أن ظهر واضحاً على أبدي جماعة المستشرقين في العالم والذي تكشف صريحاً في الدعوات التي دعا إليها لويس وكولان وبروكلمان .

    وهناك غاية خفية هي الباعث على خدمات المستشرفين للغة العربية ، لأن اهتمام المستشرفين باللغة العربية كان يراد به التمهيد للحملات الاستعمارية .

    فعلاقة الدعوة إلى العامية بالاستشراق علاقة وطيدة أتت كسلسلة متوالية من مخططات الاستشراق للغة العربية ، وإذا كان الاستشراق عدو اللغة العربية أساساً لما يرتبط من هدف باستبقاء النفوذ الاستعماري فإنه المستشرقين من ناحية أخرى يعجزون عن فهم البيان العربي وهم يخطئون في فهم البلاغة العربية .

فكانت علاقة الاستشراق بالعربية علاقة عداء ، لأنها لغة دين ولأنها معارضة لنفوذ الاستعمار ، فلذلك كانت هذه الحرب أقصد الدعوة إلى العامية .

  • أضرار الدعوة إلى العامية أو خطر تقعيد العامية :

عندما تُقَّعد العامية ويقوم المختصون بنشرها وتدريسها فهناك مخاطر سوف تحصل ، فمن ذلك أنه سوف تبدأ عملية التحويل في جهاز اللغة ، وتفريغ طاقة اللسان من الألفاظ والأساليب الفصيحة وملئها بالأساليب التي لا تلبث أن تفقد الإنسان العربي كثيراً من خصائص عروبته وروابطه الفكرية والنفسية والاجتماعية والتاريخية بماضية وحياة أسلافه ، فتقعيد العامية خطب جسيم وشر مستطير ، لا يتأتى منه خير للفصحى .

  • الفرق بين العامية عند محمود تيمور والعامية في عصرنا الحاضر :

    يقول محمود تيمور إن العامية أقدم من الفصحى كانت لهجات القبائل والعشائر والفصحى هي القالب المختار لمختلف اللهجات ، اللهجات بقيت تتنقل على ألسنة الناس أشكال اللهجات كل شكل منها يدعى لغة عامية . (1)

    إذاً ، ومن خلال ما تبين يرى محمود تيمور أن عامية القدماء هي اللهجات وليست العامية التي بمعناها الحاضر ، فالعامية عند محمود تيمور هي لهجات القبائل .

    وذكر لنا أحمد عبد الغفور عطار الفرق بين عاميتنا والعامية القديمة في رسالة له إذ يقول : " أما العامية في العصور الأولى فلم تكن تعدو حالات شاذة محدودة منها الخروج على القواعد العربية السليمة التي لا تأويل فيها ولا التواء … وعدم المبالاة بمخارج بعض الحروف .

    ثم ذكر لنا كنه عاميتنا فيقول : " أما العامية الآن فهي شر مستطير ومن هذا الشر : ترك الإعراب وتسكين أو آخر الكلمات " .

وبهذا الكلام اتضح المقصود ، وعلى الله التكلان والتوفيق


(1) مشكلات اللغة العربية ، صـ 158 .**

**اللغات العالمية

تنتشر عشرات آلاف اللغات في العالم ، ومن بين هذه اللغات اللهجات المحلية المحكية والمكتوبة الفصيحة ، والكثير من هذه اللغات إندثر بإندثار الشعب أو الأمة التي كانت تستخدمها وتتحدث بها فيما بينها وبين الآخرين . وتعتبر قارة إفريقيا هي القارة الأكثر انتشارا من ناحية عدد اللغات ، حيث يتواجد أكثر من ألف لغة محلية في القارة السمراء الذهبية . وتأتي قارة آسيا في المرتبة الثانية من ناحية إنتشار عدد اللغات ، فقارة أمريكا الجنوبية في المرتبة الثالثة فقارة أوروبا في المرتبة الرابعة فقارة أمريكا الشمالية في المرتبة الخامسة فأستراليا في المرتبة السادسة والأخيرة .

وفي الوقت الراهن ، اعتمدت الأمم المتحدة ، كمنظمة عالمية شاملة ، ست لغات لتكون هي اللغات الرسمية المتداولة في أروقتها ، وهذه اللغات هي : اللغة الإنجليزية ، اللغة الفرنسية ، اللغة الروسية ، اللغة الصينية ، اللغة الإسبانية ، اللغة العربية . وتسود وتنتشر اللغة الإنجليزية ، كلغة أولى يتحدث بها رسميا في قمم الأرض ، وهي لغة الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية القديمة ، ولغة الإمبراطورية الأمريكية الحالية وريثة الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس .

اللغة العربية .. هي اللغة الأكثر قداسة في العالم

يقول الله السميع العليم عز وجل : { الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)}( القرآن المجيد ? يوسف ) .

ويقول الله الحي القيوم جل جلاله : { وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113)}( القرآن المجيد ? طه ) .

على العموم ، تعتبر اللغة العربية هي اللغة الخالدة ، فهي لغة القرآن المجيد ، كلام الله المنزل على رسوله المصطفى الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة والمدينة المنورة في شبة الجزيرة العربية . وجاء في المعجم الكبير للطبراني - (ج 9 / ص 387) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " أُحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلاثٍ : لأَنِّي عَرَبِيٌّ ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ ، وَكَلامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ " .

ويقول الله الجليل الكريم عز وجل : { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)}( القرآن المجيد ، الذاريات ) .

والصلاة الإسلامية لا تجوز إلا باللغة العربية الخالدة ، وإن كان يلفظها بعض الناس المسلمين من الأمم والشعوب الأخرى ، بحروف لغاتهم ، إلا أنه لا عبادة إسلامية باللغات الأجنبية مهما كان نوعها أو شكلها ، بل إن عبادة الله العزيز الحكيم بالصلاة الإسلامية هي بقراءة القرآن المجيد ، وهو منزل باللغة العربية الفصحى البليغة .

يقول الله الحليم العظيم تبارك وتعالى : { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) }( القرآن العظيم ? الزمر ) .

وكانت بعض الكتب المقدسة أو الصحف الدينية نزلت باللغات السريانية والعبرية والآرامية وغيرها .

اللغة والرسالة الدينية

يقول الله الحنان المنان ذو الجلال والإكرام جل جلاله : { الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)}( القرآن المجيد ? إبراهيم ) .

بعث الله الأنبياء والرسل ، كلهم من الذكور ، واختص بعض النساء بالحكم والصلاح والبناء الطيب ، كمريم بنت عمران وآسية أمرأة فرعون وخديجة بنت خويلد ، وعائشة بنت أبي بكر الصديق ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم . وبالرغم من أن الإسلام هو دين الله في الأرض ، فقد أرسل الله العلي العظيم ، سبحانه وتعالى ، المصطفى رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وكل نبي أو رسول إلى قومه بلغتهم . فاللغة العربية هي لغة الأمة العربية ، لغة قوم خاتم الأنبياء والمرسلين ، لغة القرآن المجيد ، والإسلام العظيم كخاتمة للرسالات الإسلامية كافة ، وبذلك فإن اللغة العربية هي اللغة المهيمنة على جميع اللغات في العالم ، إن عاجلا أو آجلا ، وهذه هي حكمة ربانية في هذا الأمر . وقد نزلت الكتب السماوية بلغات الأقوام التي نزلت عليهم كالإنجيل باللغة الارامية والتوراه باللغة العبرية وصحف إبراهيم باللغة السريانية ، والزبور بلغة بني إسرائيل القدماء ( العبرية ) وهكذا .

فسبحان الله العزيز الحكيم ، القادر على جميع عباده ممن يتكلمون اللغات الكثيرة العدد التي لا تحصى في أرض الله الواسعة .

المعجزة اللغوية الإسلامية ..

( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ )

تتمثل معجزات الأنبياء والرسل بمعجزات مادية ، ومن ضمنها أحد معجزات الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، وهي تحدي الله لجميع البشر بأن يأتوا بسورة واحدة من مثل سور القرآن المجيد .

يقول الله الحميد المجيد جل شأنه : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) }( القرآن المجيد ? البقرة ) .

ويقول الله الواحد القهار جل جلاله : { وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41)}( القرآن الحكيم ? يونس ) .

فئة البكم ( الخرس ) من الناس .. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

هناك فئة من الناس لا تستطيع الكلام ، منذ ولادتها ، وهي فئة ( البكم ) الذين لا يتحدثون إلا بالإشارة ، ومن الناس من يصاب بداء أو وباء البكم ( جلطة لسانية ) وعدم القدرة على التكلم مع الآخرين أثناء سني حياته ، إلا بإشارات الجسم بالرأس أو الأصابع أو الأيدي ، وكلاهما بلاء وابتلاء عظيم من الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يصبر عليه الإنسان .

وهناك فئة ضالة شبهها الله سبحانه وتعالى ، بالخرس أو البكم ، حيث لا تنطق بالحق بل تلجأ للأهواء والغواية والإغواء ، فهي لا تقدر على فعل شيء كلامي فلا تعقل ولا تستوعب ما يقال لها من الهداية والرشاد وسلكت طريق الباطل وابتعدت عن جادة الصواب .

يقول الله السميع البصير جل ثناؤه : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)}( القرآن المبين ? البقرة ) .

ويقول الله الحسيب الرقيب تبارك وتعالى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)}( القرآن المبين - الأنعام ) .**

**الببغاء والكلام بلغة الإنسان

هناك بعض المعجزات الربانية عبر الاختلافات البشرية والحيوانية ، في الحياة الدنيا والآخرة ، خاصة في النطق والتكلم باللسان أو بغيره ، فمثلا يمكن أن تتكلم بعض الطيور أو الحيونات في ظروف غير عادية بقدرة إلهية مع الإنسان أو تقلد الإنسان . وهذا برهان رباني كبير على القدرة الإلهية في قدرته جل شأنه في أن يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير ، فإذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون .

وهناك طائر يسمى الببغاء ، يردد كل ما يسمعه دون أن يفهم كنهه أو معانيه . فسبحان الله خالق الخلق أجمعين . فهذا الببغاء الجميل الألوان ، لا يفكر أو لا يفهم ما يردد تقليدا للإنسان ، فهناك ببغاء يغني وآخر يقرأ القرآن بعد سماعه لشخص يتلو الآيات القرآنية .. إلخ .

نبي الله سليمان ولغة الطيور والنمل والجان

يقول الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى جل جلاله : { وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) }( القرآن الكريم ? النمل ) .

حديث الدابة مع الناس .. من علامات يوم القيامة

يقول الله تبارك وتعالى : { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85)}( القرآن المجيد ? النمل ) .

وجاء في مسند أحمد - (ج 21 / ص 10) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ فَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِالْعَصَا وَتَخْتِمُ أَنْفَ الْكَافِرِ بِالْخَاتَمِ حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْخِوَانِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هَذَا يَا مُؤْمِنُ وَيَقُولُ هَذَا يَا كَافِرُ" .

وهذه أمور دينية إسلامية غيبية ، تدلل على حديث الدابة للناس ، وهي من علامات يوم القيامة ، يوم الدين ، يوم الحساب العظيم ، وفيها معجزة إلهية ، مختصة بزمان محدد ، ففي الأيام العادية لا يوجد تلاسن أو حديث أو كلام بين الإنسان والدواب أو الحيوانات والكائنات الحية .

وهناك بعض الحوادث النادرة التي تحدث بها بعض الناس مع حيوانات عبر التاريخ الإنساني ، ولا غرابة في ذلك ، فالله على كل شيء قدير . وهذه المسألة هي من علامات قيام يوم القيامة .

أهمية اللغة بين الناس

اللغة هي الوعاء الحضاري العام الذي يتم من خلاله تنفيذ سياسات أو تعليمات أو أوامر بشرية أو إلهية معينة . واللغة تشتمل على جميع المفردات الإيجابية والسلبية على السواء ، فتشمل المديح والثناء والرثاء والقوة والهجاء والعويل والبكاء والضحك وما إليها . وتتطور اللغة بالتطور الإنساني وتطور وسائل الإعلام والاتصال والمواصلات العامة والخاصة .

وتكمن أهمية اللغة في كونها تؤدي الواجبات التالية :

أولا : التخاطب والتفاهم بين الناس في الأسرة الواحدة والمجتمع الواحد .

ثانيا : التمكين من الطمأنينة والاستقرار والأمن والأمان النفسي والمجتمعي .

ثالثا : نقل معالم وتجارب الحضارات والمعالم الدنيوية للآخرين . فتستفيد الأمة من حضارات الشعوب والأمم السابقة ، وتستفيد منها الشعوب والأمم التي تعيش في هذا الكون ، ويستفيد من هذه اللغات مستقبل الأجيال المقبلة . والآثار القديمة هي خير وسيلة للتعرف على منجزات ولغات الأمم في القرون الخالية .

رابعا : تعاون وتقارب الشعوب والأمم في شتى أنواع المعارف والعلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية .

خامسا : الاحتفاظ بأرشيف المعاملات والمبادلات والاختراعات والابتكارات العلمية لتنتفع منها الأمم الحالية واللاحقة .**

**المؤامرة على الفصحى ورسالتها باسم التجديد

أ. د. محمد عبدالعليم الدسوقي

تتعالى صيحات التجديد في تناول العلوم الشرعية واللسانية بين الحين والآخر، وهي في مجموعها دعوات تحمل في طياتها أحياناً خدمة الإسلام وتسهيل علوم المسلمين لدارسيها، بينما تحمل في أحايين كثيرة تشكيكاً في الإسلام وحطاً من كيانه وسعياً لتدمير علومه وتراثه وابتعاداً بهما ? من ثم ? عن نصوص وحيه.. وإنما تكون الدعوات بنَّاءةً عندما تصدر صيحاتها عن قلوب مؤمنة خيِّرة مخلصة حريصة على أن ينتفع بعلوم الدين من أرادها وجاهد نفسه في تعلمها وتعليمها ممن أسلم أو اعتزم ? من غير المسلمين ? إسلام الوجه لله، في حين تكون هدَّامة عندما تصدر عن قلوب ليست كذلك.. ولكل وجهة هو موليها وإنما الأعمال بالنيات.

ومهما يكن من أمر فإنا نستطيع القول إن المناداة بالتجديد في شتى ميادين العلوم النظرية وما تعلق منها بالعلوم العربية على جهة أخص، إنما أتت على خلفية ما سُدِّد إلى الفصحى ومقررات تدريسها من طِعان تقضي بأنها قاصرة وعقيمة ولم تعد صالحة للتداول ولا مواكِبة للعصر ولا وافية بمتطلباته.. ومن أنها تحتاج من حيث مادتها إلى تغيير ولو أدى ذلك ? بشطط المشتطين ? إلى استبدال العامية بها، ومن حيث طريقة عرضها وأدائها الأسلوبي إلى تبسيط وإفهام لدارسيها، ولو أدى ذلك ? برأيهم ? إلى تغيير مناهجها وخروجها وتخليها عن كل ثوابتها وما درجت عليه أو اندرج تحتها.. هكذا قرر دعاة الشعوبية والاستشراق ودعاة التبشير والتغريب من العرب والعجم.

والقصة من بدايتها كانت على يد (نابليون بونابرت) الذي كانت تراوده ? إبان حملته على مصر 1798 ? أحلام إقامة إمبراطورية شرقية تعيد في العصر الحديث مشروع (الإسكندر الأكبر) في القرن الرابع ق. م، فقد كان يدرك أن سر بقاء الاحتلال الغربي الإغريقي الروماني البيزنطي للشرق عشرة قرون، يكمن في اعتماد هذا الاحتلال الثقافة والفكر (القوة الناعمة) مع السلاح (القوة الخشنة) في محاولة لغزو العقل الشرقي وتطويعه واحتوائه، فراح كما فعل (الإسكندر) يتقرب ويتمسح بدين الأغلبية، فلما لم تنطـلِ عليها هذه الحيل ركز على الأقليات، فأعلن وهو في طريقه من (مرسيليا) إلى الإسكندرية أنه سيجند لمشروعه 20 ألفاً من أبناء الأقليات الدينية ليغير بهم ? مع عدم حبه لهم واتهامهم بأنهم لئام ? هوية الشرق وإحلال النموذج الغربي محل الإسلامي ولتتم التبعية والذوبان، واختار لهذه المهمة مغامراً نصرانياً اسمه (المعلم يعقوب حنا) الذي جند بدوره نحو ألفين من شباب القبط في صعيد مصر وشارك بهم مع الجيش الفرنسي، ومنحه (كليبر) فيما بعد رتبة (كولونيل)، ثم منحه (مينو) رتبة (جنرال)، وقد مكنت الحملة هذه الطغمة من السيطرة على جهاز الإدارة والاقتصاد وجبايات الأموال وأغلبية مقاعد (ديوان المشورة)، وفوق كل هذا العمل على تغريب مصر وسلخها من هويتها العربية الإسلامية.. ثم كان التبادل الثقافي عن طريق تأسيس محمد علي ? الذي جاء مع الحملة العثمانية لإجلاء الفرنسيين ? مدرسة الألسن لتعلم اللغات والبعثات التي أوفدها محمد علي.

ومن لطف الله ومن دلائل حفظه لدينه أن تنبه للكارهين للغة القرآن والمرجفين لهم في المدينة، غيرُ واحد، منهم الشيخ عبد الرحمن الجبرتي الذي قال عن تظاهر نابليون بالعبادة: «أي عبادة، فضلاً عن كثرتها.. مع كفرٍ غطى على فؤاده وحجبه عن رشاده؟! ولو احترم نبينا لاحترم أمته، إن إسلامهم نصب» .. والكاتب الداعية الأستاذ أنور الجندي ? رحمه الله ? الذي سخر قلمه ومن قبلُ حياتَه لخدمة الإسلام وقضايا المسلمين، وذلك من خلال موسوعته الحاوية على عشرة أجزاء وجاء مسماها تحت عنوان: (محاولة لبناء منهج إسلامي متكامل)؛ فقد رصد في كتابه السالف الذكر، محاولات وجهود الحركات المعادية للإسلام، وخص منها بالاهتمام تلك التي تريد أن تجتث ? بزعمها ? الإسلام من جذوره بتغييب لغته وعلومه التي قامت على خدمته، متخفية تحت شعار التحديث تارة، ومحتمية براية التنصير والتبشير تارة أخرى، وبراية الاستشراق تارة ثالثة، وبراية التغريب رابعة، وبراية الشعوبية خامسة، وبراية الحداثة سادسة.. وفي كل ذلك {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32].

وفي إطلالة على أولئك المجترئين والمتولين كِبَر التهجم على لغة الضاد، يذكر ? عليه رحمة الله ? أن ثمة حملة ضخمة للتبشير بدأت في نهايات القرن الثامن عشر كانت قد توصلت إلى حقيقة «أن القضاء على القرآن مصدر الإسلام وقانونه الإسلامي، يتطلب القضاء على اللغة الفصحى، ولما كان التبشير والنفوذ الاستعماري لا يستطيعان أن يكشفا هذه الحقيقة صراحة، فإنه قد أخفاها وراء كل خطوة اتخذها بشأن الدعوة إلى العامية أو مهاجمة العربية واقتناصها أو الدعوة إلى الكتابة بالحروف اللاتينية».. وممن شَغلوا أنفسهم من الأجانب بتحقيق الغرض ذاته (كارل فولرس) و(سلدن ولمور) و(ويلكوكس)، وقد بدأ ذلك منذ 1880 واستمر حتى عام 1926 تقريباً، وفي خلال ذلك كان (لطفي السيد) و(قاسم أمين) و(سلامة موسى) قد حملوا هذه الدعوة، ثم اتصل ذلك بالدعوة التي دعاها (عبد العزيز فهمي) عام 1941 عندما نادى بالكتابة بالحروف اللاتينية! كان هذا في مصر، وأما في المغرب فقد تولى (كولان) ومن بعده (ماسينون) لواء هذه الدعوة، وفي لبنان ظهر كثير من الدعاة إليها وإلى العامية اللبنانية.

ومن الواضح ? هكذا يقرر أ. الجندي ? أن هؤلاء الأجانب من المبشرين ? الذين كان معظمهم يتولى مكانة اجتماعية تتعلق بالتثقيف والتوجيه ودور النشر والعلم في بلاد المسلمين ?؛ هم الذين وضعوا الخطط لتحقيق أهدافهم، وهم الذين روَّجوا للادعاءات المبررة لها من نحو ما يصفونه بـ (صعوبة اللغة العربية) و(صعوبة حروفها)، وما يتهمونها به من أنها لا تستطيع مجاراة العلوم الحديثة بدعوى وجود فروق واضحة بين لغة الحديث ولغة الكتابة، ومن أنها لغة ميتة ولغة دينية وغير وافية بحاجات العصر.

وكان المبشر الأكبر (زويمر) قد أشار «إلى خطورة اللغة العربية حين قال: (إن اللغة العربية هي الرباط الوثيق الذي يجمع ملايين المسلمين على اختلاف أجناسهم ولغاتهم)، وكان هذا إشارة إلى ضرورة العمل على هدم العربية الفصحى التي هي لغة القرآن، وهذا هو المعنى الذي تلفت إليه المرحوم (مصطفى صادق رافعي) في حملته على (لطفي السيد) ودعاة التسوية بين العامية والفصحى، فقد كان الرافعي يعرف أن الهدف من ذلك هو إحلال لغة وسطى بسيطة قريبة من العامية لتكون لغة الكتابة وبذلك يبتعد المسلمون عن لغة القرآن البليغة ويصبحون عاجزين عن فهم القرآن أو التعامل معه، وهذا هو ما يهدف إليه الاستعمار».

وجاء دور المستشرقين!! فكانت حملة الاستشراق على اللغة العربية مرتبطة ? كذلك ولنفس الأهداف التي سعى إليها المبشرون ? بحملته على القرآن، كما كان «الاستشراق ? والكلام هنا للشيخ محمود شاكر في رسالته (في الطريق إلى ثقافتنا) ? هو عين الاستعمار التي بها يبصر ويُحَدِّق، ويده التي بها يُحِسُّ ويبطِش، ورجله التي بها يمشي ويتوغل، وعقله الذي به يفكر ويستبين، ولولاه لظل في عميائه يتخبط، ومن جهل هذا فهو ببدائة العقول ومسلماتها أجهل» [رسالة شاكر ص 87].. وفي إطار خلق الفجوة بين بيان القرآن ولغة الكتابة «قام (لويس ماسينون) المستشرق الفرنسي بخلق الفجوة تلك في المغرب وسورية، وقام بها (مرجليوث) المستشرق البريطاني اليهودي في البلاد العربية.. وكان الهدف أنه إذا حُلت اللغة واستُعجمت الألسنة انقطع الطريق إلى الإسلام وتمزقت الأواصر.. ومما كان يدعو إليه (ماسينون): (إهمال الإعراب)، على اعتبار أنه ييسر تعليم اللغة العربية على الأجانب، وقد دعا (ماسينون) رجال المجمع العلمي في دمشق إلى اتخاذه وسيلة للتجديد، وكرر دعوته في أندية الشباب العربي في باريس».

والغريب في الأمر أن من سبق ذكرهما وآخرين من نحو (هنري لامنس) و(ولويس شيخو) و(فلسنك) و(جولد زيهر) ? وهم من أشد المستشرقين تعصباً على الإسلام ولغته ? كانوا يعملون في مجال التبشير أيضاً وكانت كتاباتهم وقوداً خصباً في أيدي (زويمر) وأتباعه، وكان (لورنس) الذي دفع العرب للانفصال عن الترك، ثم إلى تفتيت الوطن العربي تمهيداً لاحتلاله، يعمل جاسوساً لصالح بريطانيا.**

**المــواجـــهــــة :

وقبل الدخول في المواجهة علينا أن نشخص الأمراض التي نعاني منها على المستوى اللغوي فالتشخيص نصف العلاج .

إن التردي في عصور الانحطاط كان عاملاً من عوامل ضعفنا اللغوي، وهذا التردي لم يكن مقصوراً على العامة من الناس بل شمل العلماء والفقهاء حتى كان يعجز الكثير منهم عن كتابة رسالة خالية من العجمة، بريئة من الركاكة أو العامية، سليمة من الخطأ. وكانت دروس الفقه والدين بل دروس النحو والبلاغة تلقى بلغة مشوبة بالعامية منحطة عن الفصحى. أما أساليب العرب الفصيحة والكلام البليغ فقد كانوا بعيدين عنه كل البعد، وكل ما تصبو إليه النفوس وترتفع إليه المطامح أن يقلد الكاتب أسلوب الحريري في مقاماته أو القاضي الفاضل في رسائله ومكاتباته .

لقد اختفت الفروق اللغوية وأصبحت الألفاظ المتقاربة مترادفة. ولم يبق الترادف مزية من مزايا العربية بل مرضاً من أمراضها الوافدة المنتشرة، وغلب على الناس استعمال الألفاظ في معانيها العامة فضاعت من اللغة بل من التفكير مزية الدقة التي عرفت بها العربية في عصورها السالفة، وأدى ذلك إلى تداخل معاني الألفاظ حين فَقَدت الدقة واتصفت بالعموم، وفقد الفكر العربي الوضوح حين فقدته اللغة نفسها، واتصفت بالغموض ، وانفصلت الألفاظ عن معانيها في الحياة وأصبحت عالماً مستقلاً يعيش الناس في جوه بدلاً من أن يعيشوا في الحياة ومعانيها .

إن الموقف يلقي أمامنا مشكلة النهوض باللغة العربية وقدرتها على الوفاء بحاجات أهلها في هذه الحياة الجديدة سواء في ميدان العلوم أو الفن أو الأدب بأغراضه وآفاقه الحديثة، أو في ميدان الحياة العملية بما فيها من مستحدثات لا ينقطع سيلها. كما يدفعنا باتجاه التحرر من آثار عصور الانحطاط من جهة ومن التقليد الأجنبي والعجمة الجديدة التي أورثنا إياها عصر الاستعمار والنفوذ الأجنبي من جهة أخرى .

إن المطلوب تكوين وعي لغوي صحيح يساير وعينا السياسي والفكري بل هو الأساس لتكوين تفكيرنا تكويناً صحيحاً، والأخذ بأيدينا نحو الوحدة اللغوية والتحرر اللغوي والقضاء على التجزئة والشعوبية أو النفوذ الأجنبي في ميدان اللغة والفكر .

إن التعليم الجامعي العلمي خاصة في كثير من أقطار العروبة ما زال باللغات الأجنبية : فهو إنكليزي في أقطار ، فرنسي في أقطار، روسي في أقطار، ولا توجد صيدلة عربية ولا طب عربي .

وما زال هناك إلى الآن من يجادل لإبقاء تدريس العلوم باللغات الأجنبية . لقد انقسم العرب إبان عهد الاستعمار إلى مجموعتين : الأولى هي الدول التي حافظت على اللغة العربية طوال فترات الاحتلال، ولكن العجب أن تتصاعد فيها آراء تشكك في صلاحية اللغة العربية لاحتواء العلوم الحديثة، والثانية هي مجموعة الدول التي استطاع المستعمر فرض لغته عليها، وهي على العكس بذلت جهوداً مضنية لاستعادة مكانة اللغة العربية. ومنذ سنوات ظهرت حلقة من برنامج الاتجاه المعاكس في محطة الجزيرة القطرية الفضائية كان موضوعها عن صلاحية اللغة العربية في تدريس العلوم، وكان النقاش بين أستاذين جامعيين عربيين : الأول يدعو إلى تدريس العلوم باللغة الإنكليزية وهو سوري، والثاني يدعو إلى تعريب التعليم وهو جزائري .

إن كثيراً من دعاة العروبة لا يحسنون لغتهم. وهذا ما دفع أحد المفكرين إلى القول بأن هناك إهانة توجه إلى العربية؛ تتجلى هذه الإهانة في ثلاثة أمور :

1 ? السيل من الأفلام والمسلسلات والتمثيليات والمسرحيات والأغاني باللغة العامية .

2 ? بعض الزعماء يخلط العربية بالعامية، وهم مولعون بخفض المرفوع وجر المنصوب .

3 ? تقليد المنتصر .

وإذا نظرنا إلى ما يفعل أصحاب اللغات الأخرى لخدمة لغاتهم لوجدنا أنفسنا مقصرين كثيراً. فالإنكليز مثلاً يفعلون العجب في تعميم لغتهم، ويبتكرون الحيل الطريفة لتحبيبها إلى النفوس حتى أصبحت الإنكليزية لغة العالم، ولغة العلم معاً .

وقد حفظ لنا تاريخنا جهود رواد بذلوا ما بوسعهم لخدمة هذه اللغة . فمثلاً لما تولى سعد زغلول وزارة المعارف في مصر كان التعليم في المراحل الأولى باللغة الإنكليزية ؛ كان كتاب الحساب المقرر على الصف الابتدائي تأليف (( مستر تويدي )) وكذلك سائر العلوم، فألغى سعد هذا كله، وأمر أن تدرس المقررات كلها باللغة العربية، وأن توضع مؤلفات جديدة باللغة القومية. وبذلك المسلك الناضج حفظ على مصر عروبتها. وهذا الصنيع دفع أحد المفكرين المصريين إلى القول : (( إن سعداً أحسن إلى جيلنا كله بجعلنا عرباً )) فكم سعداً نحتاج إليه ؟

ويسرني أن أختم بأبيات من قصيدة للدكتور عبد المعطي الدالاتي من وحي هذه المقالة :

لغتي عليا اللغاتِ *** قد سمتْ كالكوكبِ

جرسها بين اللغاتِ*** كرنين الذهبِ

قد غدت أخت الخلودِ*** بالكلام الطيّبِ

وفي كل آخر يحسن الحمد لله رب العالمين

منقول عن : صيد الفوائد

www.saaid.net

أثر اللغة العربية في اللغات الأخرى :
إن الكلمات العربية في اللغات الإسلامية : الفارسية والتركية والأوردية والمالاوية والسنغالية أكثر من أن تحصى. والكلمات العربية في الإسبانية والبرتغالية ثم في الألمانية والإيطالية والإنكليزية والفرنسية ليست قليلة أيضاً .
لقد التقت العربية بالفارسية والسريانية والقبطية والبربرية. وكان عندها أسباب القوة، فهي لغة القرآن، وتتميز ببناء قوي محكم، وتملك مادة غزيرة .
لقد حملت رسالة الإسلام فغنيت بألفاظ كثيرة جديدة للتعبير عما جاء به الإسلام من مفاهيم وأفكار ونظم وقواعد سلوك. وأصبحت لغة الدين والثقافة والحضارة والحكم في آن واحد .
غزت العربية اللغات الأخرى كالفارسية والتركية والأوردية والسواحلية فأدخلت إليها حروف الكتابة وكثيراً من الألفاظ. وكان تأثيرها في اللغات الأخرى عن طريق الأصوات والحروف والمفردات والمعاني والتراكيب .
وأدى اصطدام العربية باللغات الأخرى إلى انقراض بعض اللغات وحلول العربية محلها كما حصل في العراق والشام ومصر, وإلى انزواء بعضها كالبربرية وانحسار بعضها الآخر كالفارسية .
لقد أصبحت لغات الترك والفرس والملايو والأوردو تكتب جميعها بالحروف العربية . وكان للعربية الحظ الأوفر في الانبثاث في اللهجات الصومالية والزنجبارية لرجوع الصلة بين شرق إفريقيا وجزيرة العرب إلى أقدم عصور التاريخ .

التحديات أمام اللغة العربية :
سأل طالب في بيروت أستاذه عن المعنى العربي لمصطلح أجنبي, فقال لـه الأستاذ : وهل العربية لغة ؟!
لقد اتخذت محاولات الطعن في العربية أشكالاً ومظاهر شتى, فهي تلبس تارة ثوب الطعن في الأدب القديم وصحته, وتظهر تارة بمظهر تشجيع اللهجات المحلية لتفتيت اللغة الواحدة وتمزيق الناطقين بها, وتارة تلبس ثوب الثورة على القديم والدعوة إلى التجديد. فمن مناد بالتمرد على الأسلوب العربي القديم, وهو لا يتمرد في حقيقته على قِدَم الأسلوب وإنما يتمرد على صحة اللغة وسلامتها, ومن قائل بضيق العربية وقصر باعها عن مواكبة الحضارة, ومن مصرح بهجر الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني, ومن داع إلى تغيير القواعد.. ومن داعٍ للاعتراف بالعلمية وما فيها من أدب وفن .! ويلبس كل ذلك ثوب الإصلاح اللغوي .
وبلغ الأمر بأحدهم أنه لا يرى سبباً لهزيمة العرب إلا لغتهم الفصحى, أو يراها من أسباب هزيمتهم. وثان نظر إلى تخلف العرب العلمي في عصر الذرة فأعلن أنه لا يرى لهذا سبباً غير تمسك العرب بلغتهم في مراحل التعليم عامة والتعليم العالي منها خاصة. وثالث لم يجد داء عند العرب أخطر من بقاء الحروف العربية في أيدي أصحابها, فدعا إلى نبذها وإحلال الحروف اللاتينية محلها.
ودعا آخرون إلى اللهجات المحلية وتشجيع دراسة تلك اللهجات باسم البحث العلمي في علم اللغة وفقهها, كما دعوا إلى العامية ودراستها. وما هذا إلا دعوةٌ مفرقة ممزقة بطريقة علمية في عصر تبحث فيه الأمة عن وحدتها وترفع فيه شعار قوميتها. ولقد تأسى كثير من أصحاب هذه الدعوات بما فعله مصطفى كمال أتاتورك في تركية حين نبذ الحروف العربية وكتب اللغة التركية بالحروف اللاتينية فقطع بذلك كل صلة للشعب التركي بمحيطه الشرقي والعربي والإسلامي ظناً منه أن ذلك يجعل تركية في صدارة العالم المتقدم .
ويقول الإنكليزي ( ويلكوكس ) : (( إن العامل الأكبر في فقد قوة الاختراع لدى المصريين هو استخدامهم اللغة العربية الفصحى في القراءة والكتابة )). وما يزال أحد الشوارع في حي (الزمالك) بالقاهرة يحمل اسمه .
ودفعت هذه الاتهامات أحد المفكرين إلى أن يصرخ من المرارة : (( من حق إسرائيل أن تحيي العبرية الميْتة, ومن واجبنا أن نميت العربية الحية )). ويقول الدكتور عمر فروخ في هذا المعنى : (( أعجب من الذين يدرسون اللغات الميْتة, ثم يريدون أن يميتوا لغة حية كالعربية .))
إن من يراجع الوثائق التي بدأت بها عملية الاحتلال البريطاني لمصر يكتشف أن أول أعمال الاحتلال هو وضع الخطة لحطم اللغة، يبدو ذلك واضحاً في تقرير لورد دوفرين عام 1882 حين قال : إن أمل التقدم ضعيف ( في مصر) ما دامت العامة تتعلم اللغة العربية الفصيحة .
وقد توالت هذه الحرب ليس في مصر وحدها بل في الشام والمغرب بأقطاره كلها في محاولات قدمها كرومر وبلنت من ناحية ولويس ماسينيون وكولان في المغرب. ثم تقدم رجال يحملون أسماء عربية للعمل بعد أن مهد لهم الطريق ويلكوكس والقاضي ديلمور، وحيل بين اللغة العربية وبين أحكام المحاكم المختلطة والأجنبية .
وكان التعليم في البلاد العربية المحتلة يتم كله باللغات الأجنبية ( الإنجليزية في مصر والسودان والعراق ) والفرنسية في (سورية وتونس والجزائر والمغرب)، فقد كانت لحظة النفوذ الأجنبي ترمي إلى :
أولاً : تحويل أبجدية اللغات الإقليمية إلى اللاتينية وكانت تكتب أساساً بالحروف العربية ، كما حدث في إندونيسيا وبعض بلاد إفريقية وآسية .
ثانياً : تقديم اللغات الأجنبية في الأقطار الإسلامية على اللغة العربية .
ثالثاً : تقديم اللهجات واللغات المحلية وتشجيعها والدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية.
رابعاً : ابتعاث الطلاب إلى الغرب لدراسة لغاته، وكان ذلك إيماناً بأن اللغة هي الوجه الثاني للفكر، وأن من يجيد لغة لا بد أن يعجب بتاريخها وفكرها ويصير له انتماء من نوع ما إلى هذه الأمة .
وكانت الحملة على اللغة العربية الفصحى من خلال حجج ضعيفة واهية منها : صعوبة اللغة، ومنها التفاوت بينها وبين العامية .
وكان فرض اللغات الأجنبية في مختلف أقطار الأمة الإسلامية عاملاً هاماً في فرض ثقافاتها ووجهة نظر أهلها وفي الوقوف موقف الإعجاب بالغاصب والعجز عن مواجهته. ومن يدرس تجارب التعليم الغربي في البلاد العربية يجد الولاء الواضح للنفوذ الغربي .
وفي البلاد الإسلامية غير العربية فعل الأجنبي فعله في إفريقية وآسيا خاصة ففي إفريقية عمد الإنجليز في نيجيريا إلى نقل حروف اللغات المحلية من العربية إلى الحروف اللاتينية فضلاً عن عملية القضاء على كتب التراث الإسلامي التي تعرضت للحريق للقضاء على كل أثر علمي عربي بعد قطع التيار الحضاري العربي القادم من شمال إفريقية ومصر .
وفي غرب إفريقية عمد الاستعمار الفرنسي إلى القضاء على العربية بعد معركة مع اللغة العربية في الجزائر خلال مائة عام كاملة .
وقد جاء هذا كله بعد أن بلغت اللغة العربية كل وصف حتى أصبحت لغة التخاطب بين قبائل نصف القارة كما أشار إلى ذلك ( توماس أرنولد) في كتابه (( الدعوة إلى الإسلام ))، وبعد أن كانت بعوث إفريقية ترسل إلى مكة المكرمة والأزهر أصبحت ترسل إلى الغرب .
وبعد أن كانت اللغة العربية قد شاركت بحروفها وألفاظها في كل اللغات الأساسية في إفريقية وهي الهوسا والماندنجو والوولوف والسواحلية والصومالية ولغات النيجر والدناكل في إثيوبيا وإرتيريا، عمد النفوذ الأجنبي إلى إيقاف كل ذلك وإحياء الثقافات الإفريقية القديمة وصبغها بصبغة إقليمية تساعد على إثارة التعصب وإقامة القوميات المحدودة المحلية في نطاق قبلي ليستغلوا هذه الروح في إقامة سد مرتفع في وجه انتشار اللغة العربية مع نشر الثقافة الإنجليزية والفرنسية من خلال اللغتين ليتحقق الاستعمار الثقافي الكامل .
وهكذا أصبحت اللغتان الإنجليزية والفرنسية - كل في منطقة سيطرتها - لغة أساسية في مراحل التعليم المختلفة، وغلبت اللهجات القومية ولغة المستعمر ليس على مناهج التعليم فحسب بل على أعمال المصارف والمحاكم والدواوين .
أما في آسيا فقد استطاعت اللغات الأجنبية في جنوب شرق آسيا ( الملايو - إندونيسيا - تايلاند ) السيطرة ، وتراجعت اللغة العربية ثم تراجعت الحروف العربية أيضاً في تركيا وإندونيسيا.
وفي إندونيسيا وأرخبيل الملايو نجد الصورة قاتمة، فقد تعرضت إندونيسيا بعد الاستقلال للتحديات في مجال اللغة فكتبت اللغة الأندونيسية بالخط الروماني (اللاتيني) بدلاً من الخط العربي المحلي، وأصبحت العربية لغة أجنبية لا يقرؤون ولا يكتبون بها، وأصبح العدد الأكبر قادراً على أن يقرأ اللغات الغربية وخاصة الإنجليزية .

وإذا أردنا حصر التحديات التي واجهتها اللغة العربية فإننا نلخصها بالتالي :

  • استبدال العامية بالفصحى .
  • تطوير الفصحى حتى تقترب من العامية .
  • الهجوم على الحروف العربية والدعوة إلى استعمال الحروف اللاتينية .
  • إسقاط الإعراب في الكتابة والنطق .
  • الدعوة إلى إغراق العربية في سيل من الألفاظ الأجنبية .
  • محاولة تطبيق مناهج اللغات الأوروبية على اللغة العربية ودراسة اللهجات والعامية .

**6 ? الإيجــاز :

الإيجاز صفة واضحة في اللغة العربية . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أوتيت جوامع الكلم )). ويقول العرب (( البلاغة الإيجاز )) و (( خير الكلام ما قلّ ودلّ )). وفي علم المعاني إيجاز قصر وإيجاز حذف .

الإيجاز في الحرف : والإيجاز في العربية على أنواع ، فمنها الإيجاز في الحرف، حيث تكتب الحركات في العربية عند اللبس فوق الحرف أو تحته بينما في اللغات الأجنبية تأخذ حجماً يساوي حجم الحرف أو يزيد عليه. وقد نحتاج في اللغة الأجنبية إلى حرفين مقابل حرف واحد في العربية لأداء صوت معين كالخاء (KH) مثلاً ولا نكتب من الحروف العربية إلا ما نحتاج إليه، أي ما نتلفظ به، وقد نحذف في الكتابة بعض ما نلفظ : لكن - هكذا - أولئك. بينما في الفرنسية نكتب علامة الجمع ولا نلفظها، وأحياناً لا تلفظ نصف حروف الكلمة. ونكتب في الإنكليزية حروفاً لا يمر اللسان عليها في النطق ، كما في كلمة (right) مثلاً التي نسقط عند النطق بها حرفين من حروفها (gh) نثبتهما في كتابتها .

وفي العربية إشارة نسميها ( الشدة )، نضعها فوق الحرف لندل على أن الحرف مكرر أو مشدد، أي أنه في النطق حرفان، وبذلك نستغني عن كتابته مكرراً، على حين أن الحرف المكرر في النطق في اللغة الأجنبية مكرر أيضاً في الكتابة على نحو (frapper) و (recommondation) .

ونحن في العربية قد نستغني كذلك بالإدغام عن كتابة حروف بكاملها، وقد نلجأ إلى حذف حروف. فنقول ونكتب ( عَمَّ ) عوضاً عن ( عن ما ) و ( مِمَّ ) عوضاً عن ( من ما ) و (بِمَ) عوضاً عن ( بما ) ومثلها ( لِمَ ) عوضاً عن ( لِما ) .

الإيجاز في الكلمات : وبمقارنة كتابة بعض الكلمات بين العربية والفرنسية والإنكليزية نجد الفرق واضحاً :

العربية وحروفها الفرنسية وحروفها الإنكليزية وحروفها

أم 2 mère 4 mother 6

أب 2 père 4 father 6

أخ 2 frère 5 brother 7

وليست العربية كاللغات التي تهمل حالة التثنية لتنتقل من المفرد إلى الجمع، وهي ثانياً لا تحتاج للدلالة على هذه الحالة إلى أكثر من إضافة حرفين إلى المفرد ليصبح مثنى، على حين أنه لا بد في الفرنسية من ذكر العدد مع ذكر الكلمة وذكر علامة الجمع بعد الكلمة :

الباب البابان - البابين les deux portes the two doors

الإيجاز في التراكيب : والإيجاز أيضاً في التراكيب ، فالجملة والتركيب في العربية قائمان أصلاً على الدمج أو الإيجاز . ففي الإضافة يكفي أن تضيف الضمير إلى الكلمة وكأنه جزء منها :

كتابه son livre كتابهم leur livre

وأما إضافة الشيء إلى غيره فيكفي في العربية أن نضيف حركة إعرابية أي صوتاً بسيطاً إلى آخر المضاف إليه فنقول كتاب التلميذ ومدرسة التلاميذ، على حين نستعمل في الفرنسية أدوات خاصة لذلك فنقول : le livre de l?élève ، l?école des élèves .

وأما في الإسناد فيكفي في العربية أن تذكر المسند والمسند إليه وتترك لعلاقة الإسناد العقلية المنطقية أن تصل بينهما بلا رابطة ملفوظة أو مكتوبة، فنقول مثلاً ( أنا سعيد ) على حين أن ذلك لا يتحقق في اللغة الفرنسية أو الإنكليزية ، ولا بد لك فيهما مما يساعد على الربط فتقول :

( je suis heureux ) ، ( I am happy ) .

وتستعمل هاتان اللغتـان لذلك طائفـة من الأفعـال المساعدة مثل (avoir , étre) في الفرنسـية و (to have , to be) في الإنكليزية .

كما أن الفعل نفسه يمتاز في العربية باستتار الفاعل فيه أحياناً، فنقول (أكتب) مقدرين الفاعل المستتر، بينما نحتاج إلى البدء به منفصلاً دوماً مقدماً على الفعل كما هو الأمر في الفرنسية (je-tu?) وفي الإنكليزية (I , you …). وكذلك عند بناء الفعل للمجهول يكفي في العربية أن تغير حركة بعض حروفه فتقول : كُتب على حين نقول بالفرنسية ( il a été écrit ) وفي الإنكليزية ( it was written ) .

وفي العربية إيجاز يجعل الجملة قائمة على حرف : فِ ( وفى يفي )، و (ع) من وعى يعي، و ( ق ) من وفى يفي، فكل من هذه الحروف إنما يشكل في الحقيقة جملة تامة لأنه فعل وقد استتر فيه فاعله وجوباً .

وفي العربية ألفاظ يصعب التعبير عن معانيها في لغة أخرى بمثل عددها من الألفاظ كأسماء الأفعال .

نقول في العربية : ( هيهات ) ونقول في الإنكليزية ( it is too far )

( شتان ) ( there is a great difference )

وحرف الاستقبال مثل : ( سأذهب ) ( I shall go )

والنفي أسلوب في العربية يدل على الإيجاز :

العربية : ( لم أقابله ) ، الإنكليزية : ( I did not meet him )

الفرنسية : ( Je ne l?ai pas rencontré )

العربية : ( لن أقابله ) ، الإنكليزية : ( I will never meet him )

الفرنسية : ( Je ne le rencontrerai jamais )

الإيجاز في اللغـة المكتوبـة :

فمثلاً سورة ( الفاتحة ) المؤلفة في القرآن من 31 كلمة استغرقت ترجمتها إلى الإنكليزية 70 كلمة .

ويقول الدكتور يعقوب بكر في كتاب ( العربية لغة عالمية : نشر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة 1966 ) : (( إذا ترجمنا إلى العربية كلاماً مكتوباًُ بإحدى اللغات الأوروبية كانت الترجمة العربية أقل من الأصل بنحو الخمس أو أكثر .))**

**5 ? خصائص معانـي الألفـاظ العربيـة :

تقوم طريقة العربية في وضع الألفاظ وتسمية المسميات على الأمور التالية :

أ - اختيار صفة من صفات الشيء الذي يراد تسميته أو بعض أجزائه أو نواحيه أو تحديد وظيفته وعمله واشتقاق لفظ يدل عليه .

ب - تحتفظ العربية بالمعاني الأصلية الدالة على أمثال هذه المسميات ، فألفاظها معللة على عكس غيرها من اللغات التي لا تحتفظ بهذه المعاني .

ج - الإشارة إلى أخص صفات المسمى وأبرزها أو إلى عمله الأساسي ووظيفته، على عكس اللغات الأجنبية التي تشير إلى ظاهره وشكله الخارجي أو تركيبه وأجزائه. فمثلاً تسمية الدراجة في العربية تشير إلى وظيفتها وعملها وحركتها. أما في الفرنسية فإن bicyclette (ذات الدولابين) تشير إلى أجزائها وتركيبها وحالتها الساكنة. ومثل ذلك السيارة التي تشير تسميتها إلى عملها بينما في الفرنسية كلمة automobile تعني المتحرك بنفسه.

ويظهر تفكير العرب وحياتهم واضحين جليين في مفردات لغتهم، فكلمة العامل، مثلاً بعد الإسلام، أخذت معنى الوالي والحاكم، وهذا يدل على أن الولاية عمل من الأعمال وليست استبداداً، وأن الحكم تكليف وليس تشريفاً. ولفظ ( المرأ ) للمذكر و (المرأة) للمؤنث يدل على تساوي الرجل والمرأة عندهم في الأصل. والمروءة هي الصفات المستحسنة المأخوذة من أخلاق الإنسان ذكراً كان أو أنثى .

وللغة العربية طريقة في تصنيف الموجودات، فمفرداتها تدل على أن العرب صنفوا الوجود تصنيفاً شاملاً دقيقاً منطقياً يدعو إلى الدهشة والتعجب، ويدل على مستوى فكري قلما وصلت إليه الأمم في مثل هذا الطور المبكر من تاريخ حياتها .

وهناك ألفاظ تدل على الموجودات بمجموعها مثل ( العالَم) و (العالَمين ) فهي تشتمل على الخلق كله. وكذلك الشهادة ( الحس) وعكسه الغيب .

وتظهر في الألفاظ العربية أنواع الموجودات كالنبات والحيوان. ويتضمن الحيوانُ الإنسانَ والوحوش والطير والسباع والهوامَّ والسوائم والحشراتِ والجوارحَ والبغاث .

وتظهر أيضاً الأخلاق والمشاعر كالمكارم والمثالب، والمحاسن والمساوئ ، والفرح والحزن، والحسيات والمجردات .

ولم تقتصر العربية على الحسيات كما تقتصر كل لغة في طورها الابتدائي. فبالإضافة إلى ما فيها مما لا يكاد يحصى من الألفاظ الدالة على الحسيات لم تهمل المعنويات والمجردات. إننا نجد في العربية سعة وغزارة في التعبير عن أنواع العواطف والمشاعر الإنسانية. كما أنهها اشتملت على الكلمات الدالة على الطباع والأفعال والمفاهيم الخلقية. واشتملت كذلك على المفاهيم الكلية والمعاني المجردة. لقد جمع العرب في لغتهم بين الواقعية الحسية والمثالية المعنوية ، فالمادية دليل الاتصال بالواقع ، والتجريد دليل ارتقاء العقل .

ولها باع في الدقة والخصوص والعموم، إذ تمتاز برقة تعبيرها والقدرة على تمييز الأنواع المتباينة، والأفراد المتفاوتة، والأحوال المختلفة سواء في ذلك الأمور الحسية والمعنوية. فإذا رجعنا إلى معاجم المعاني وجدنا أموراً عجباً. فتحت المشي الذي هو المعنى العام أنواع عديدة من المشي :

درج حبا حجل خطر دلف هدج رسف اختال تبختر تخلج

أهطع هرول تهادى تأود…

والأمثلة كثيرة في كتب معاجم المعاني كفقه اللغة للثعالبي وهو مجلد صغير، والمخصص لابن سيده الذي يقع في 17 جزءاً .

ومن ضروب الدقة ما يظهر في اقتران الألفاظ بعضها ببعض، فقد خصص العرب ألفاظاً لألفاظ ، وقرنوا كلمات بأخرى ولم يقرنوها بغيرها ولو كان المعنى واحداً.

فقد قالوا في وصف شدة الشيء : ريح عاصف - برد قارس - حر لافح .

وفي وصف اللين : فراش وثير - ثوب لين - بشرة ناعمة - غصن لدن .

وكذلك في الوصف بالامتلاء، والوصف بالجدة، والوصف بالمهارة في الكتابة والخطابة والطب والصنعة ووصف الشيء بالارتفاع الحقيقي أو المجازي وغيرها وغيرها .

لا شك أن هذا التخصص في تراكيب العربية في النعت والإضافة والإسناد نوع من الدقة في التعبير، لأن هذه الألفاظ المخصصة ببعض المعاني والأحوال توحي إلى السامع الصورة الخاصة التي تقترن معها. فلفظ باسق يوحي إلى الذهن معنى الارتفاع وصورة الشجرة معاً، كما توحي كلمة وثير معنى اللين وصورة الفراش. وكثيراً ما يحتاج المتكلم إلى أن ينقل إلى مخاطبه هذه المعاني والصور متلازمة مقترنة ليكون أصدق تصويراً وأدق تعبيراً وأقدر على حصر الصورة المنقولة وتحديدها .

وفي العربية منـزلة للتخصيص والدقة والتعميم، فلا ينطبق عليها وصف الابتدائية لكثرة ما فيها من الألفاظ الدالة على الكليات والمفاهيم والمعاني العامة والمجردة . وما فيها من الدقة والتخصيص قرينة على أن أصحابها بلغوا درجة عالية في دقة التفكير ومزية وضوح الذهن وتحديد المقصود والدلالة. والمستعرض للشعر الجاهلي يجد نماذج من الوصف تتضمن الجزئيات والتفصيلات في الألوان والأشكال والحركات والمشاعر إلى جانب شعر الحكم الذي يتضمن قواعد عامة في الحياة ومعاني عالية من التعميم والتجريد .

إن دقة التعبير والتخصيص سبيل من سبل تكوين الفكر العلمي الواضح المحدد .

والتخصيص اللغوي والدقة في التعبير أداة لا بد منها للأديب لتصوير دقائق الأشياء وللتعبير عن الانفعالات والمشاعر والعواطف .

لقد ألف اللغويون العرب مؤلفات خاصة بإبراز الفروق بين الألفاظ مثل : الفروق لأبي هلال العسكري، وأدب الكاتب لابن قتيبة ، وفقه اللغة وأسرار العربية للثعالبي. ونجد مثل هذه الدقة في الوصف عند كثير من كتاب العربية في مختلف العصور ولا سيما في القرون الأربعة الأولى بعد الإسلام .

وفي العربية عموم وألفاظ عامة إذ يحتاج الإنسان في مراحل ارتقائه الفكري إلى ألفاظ دالة على معان عامة سواء في عالم المادة أو في عالم المعنويات. وسدت اللغة العربية هذه الحاجة، وأمدت المتكلم بما يحتاج إليه وبذلك استطاعت أن تكون لغة الفلسفة كما كانت لغة العلم والفن والشعر .**

**4 ? التعـريـب :

يتشابه نظام العربية مع نظام المجتمع العربي. فكما يرتبط أفراد المجتمع العربي وقبائله بصلات القربى والنسب والتضامن والتعاون، ترتبط ألفاظها في نسق خاص في حروفها وأصواتها، ومادتها وتركيبها ، وهيئتها وبنائها .

وحين يدخل غريب على المجتمع فلا بد لـه لكي يصبح عضواً فيه من أن يلتزم بأخلاقه وعاداته، فكذلك اللفظة الأعجمية إذا دخلت يجب أن تسير على أوزان العربية وهيئاتها وصيغها لكي تصبح عضواً كامل العضوية في الأسرة اللغوية .

ويُستعمل في العربية مصطلح التعريب بينما في اللغة الأجنبية استعارة emprunt. والتعريب أحد مظاهر التقاء العربية بغيرها من اللغات على مستوى المفردات.

وكانت الألفاظ الدخيلة في العصر الجاهلي قليلة محدودة تتصل بالأشياء التي لم يعرفها العرب في حياتهم. وهي محصورة في ألفاظ تدل على أشياء مادية لا معنوية مثل : كوب - مسك - مرجان - درهم.. وتعود قلة الدخيل إلى سببين : انغلاقهم على أنفسهم واعتدادهم بأنفسهم وبلغتهم .

أما بعد الإسلام فقد اتصلت العربية باللغات الأخرى فانتقلت إليها ألفاظ جديدة تتعلق كلها بالمحسوسات والماديات مثل أسماء الألبسة والأطعمة والنباتات والحيوان وشؤون المعيشة أو الإدارة. وقد انعدم التأثير في الأصوات والصيغ والتراكيب .

إن هذا الداخل على الغالب لم يبق على حاله بل صيغ في قالب عربي، ولذلك كانت المغالاة والإكثار من الغريب وفسح المجال من غير قيد مظهراً من مظاهر النـزعة الشعوبية في الميدان اللغوي قديماً وحديثاً .

وكانت طريقة العرب في نقل الألفاظ الأجنبية أو التعريب تقوم على أمرين :

أ ? تغيير حروف اللفظ الدخيل، وذلك بنقص بعض الحروف أو زيادتها مثل :

برنامه ـــــــــــــــــــــ> برنامج - بنفشه ـــــــــــــــــــــ> بنفسج

أو إبدال حرف عربي بالحرف الأعجمي :

بالوده ـــــــــــــــــــــ> فالوذج - برادايس ـــــــــــــــــــــ> فردوس

ب ? تغيير الوزن والبناء حتى يوافق أوزان العربية ويناسب أبنيتها فيزيدون في حروفه أو ينقصون، ويغيرون مدوده وحركاته، ويراعون بذلك سنن العربية الصوتية كمنع الابتداء بساكن، ومنع الوقوف على متحرك ، ومنع توالي ساكنين …

وأكثر ما بقي على وزنه وأصله من الألفاظ هو من الأعلام : سجستان ? رامهرمز..

أما دليلهم إلى معرفة الدخيل فهو إحدى ثلاث طرق :

أ ? فقدان الصلة بينه وبين إحدى مواد الألفاظ العربية :

بستان : ليس في العربية مادة بست .

ب ? أن يجتمع فيه من الحروف ما لا يجتمع في الكلمة العربية :

ج ق جوسق ? ج ص جَِصّ ? ج ط طازج …

ج ? أن أن تكون على وزن ليس في العربية :

إِبْرَيْسَم إفعيلل ? آجر فاعُلّ ..

(أحسن الحرير )**

**3 ? خصائص الكلمة العربية ( الشكل والهيئة أو البناء والصيغة أو الوزن ) :

إن صيغ الكلمات في العربية هي اتحاد قوالب للمعاني تُصبُّ فيها الألفاظ فتختلف في الوظيفة التي تؤديها. فالناظر والمنظور والمنظر تختلف في مدلولها مع اتفاقها في أصل المفهوم العام الذي هو النظر. الكلمة الأولى فيها معنى الفاعلية والثانية المفعولية والثالثة المكانية .

وللأبنية والقوالب وظيفة فكرية منطقية عقلية. لقد اتخذ العرب في لغتهم للمعاني العامة أو المقولات المنطقية قوالب أو أبنية خاصة : الفاعلية - المفعولية - المكان - الزمان - السببية - الحرفة - الأصوات - المشاركة - الآلة - التفضيل - الحدث .

إن الأبنية في العربية تعلم تصنيف المعاني وربط المتشابه منها برباط واحد، ويتعلم أبناء العربية المنطق والتفكير المنطقي مع لغتهم بطريقة ضمنية طبيعية فطرية .

وللأبنية وظيفة فنية، فقوالب الألفاظ وصيغ الكلمات في العربية أوزان موسيقية، أي أن كل قالب من هذه القوالب وكل بناء من هذه الأبنية ذو نغمة موسيقية ثابتة. فالقالب الدال على الفاعلية من الأفعال الثلاثية مثلاً هو دوماً على وزن فاعل والدال على المفعولية من هذه الأفعال على وزن مفعول .

وإن بين أوزان الألفاظ في العربية ودلالاتها تناسباً وتوافقاً، فصيغة ( فعّال) لمبالغة اسم الفاعل تدل بما فيها من تشديد الحرف الثاني على الشدة أو الكثرة، وبألف المد التي فيها على الامتداد والفاعلية الخارجية .

وتتميز اللغة العربية بالموسيقية فجميع ألفاظها ترجع إلى نماذج من الأوزان الموسيقية، والكلام العربي نثراً كان أم شعراً هو مجموع من الأوزان ولا يخرج عن أن يكون تركيباً معيناً لنماذج موسيقية .

وقد استثمر الشعراء والكتاب العرب هذه الخاصة الموسيقية فقابلوا بين نغمة الكلام وموضوعه مقابلة لها أثر من الوجهة الفنية. فمثلاً يقول النابغة الذبياني :

ميلــــوا إلى الــدار مـن ليلى نحييـهـــا نـعــم ونســـألهـا عن بعــض أهليـهــــا

حيث ينقلك إلى جو عاشق يهيم ويتأمل وتهفو نفسه برقة وحنان إلى آثار الحبيب بما في البيت من نعومة الحروف وكثرة المدود وحسن توزعها وجمال تركيب الألفاظ .

ويقول البحتري متحدثاً عن الذئب :

عوى ثـــم أقـعــى فارتجــزت فهجتـــــه فأقـبــــل مثــــل البـرق يتبعه الرعد

فينقل تتابع حركات الذئب السريع في ألفاظ قصيرة الأوزان متوالية الحركات .

وقد بلغت هذه الخاصة الموسيقية ذروتها في التركيب القرآني، فأنت تحس، مثلاً في سورة العاديات ، عدو الخيل : (( والعاديات ضبحاً. فالموريات قدحاً. فالمغيرات صبحاً. فأثرن به نقعاً. فوسطن به جمعاً )).

وكان لأوزان الألفاظ أثر في جمال الكتابة العربية، فالكلمات التي على وزن واحد تتشابه ألفاظها الكتابية مثل الكلمات على وزن فاعل أو على وزن مفعول. إن هذه الكلمات في التركيب يكون منها ما يشبه الزخارف العربية .

وتتأرجح الصيغ بين الثبات والتطور، والثبات غالب ولا يسبب هذا جمود العربية، فإن لها على حالتها الحاضرة من الصيغ والأبنية غنى لا تضارعها فيه لغة أخرى من اللغات الراقية التي تفي بحاجات الإنسان في مثل هذا العصر .

إن الإخلال بهذه الأبنية وإفسادها إفساد لنظام اللغة، فلذلك كان العرب إذا أدخلوا كلمة أعجمية احتاجوا إليها صاغوها على نماذج ألفاظهم وبنوها على أحد أبنيتهم وجعلوها على أحد أوزانهم .

وبين العربية والطبيعة صلة وثقى، فالأجسام في الطبيعة على كثرتها ترجع إلى عناصر بسيطة محدودة العدد تتشابه وتختلف بحسب تشابه تركيب مادتها واختلافه. وكذلك اللغة العربية ترجع كلماتها التي لا تكاد تحصى إلى عناصر محدودة ثابتة هي الحروف. وفي الطبيعة تشابه ونمطية وتكرر، فللشجرة مهما كان نوعها أوراق وأغصان جذع وثمر. وفي اللغة أيضاً تشابه بين أبنية الفاعلين والمفعولين والمكان والزمان. ولكل فرد من أفراد الجنس الواحد في الطبيعة ذاتيته مع مشابهته لسائر أفراد الجنس. وكذلك للفظ ذاتيته مع مشابهته لسائر الألفاظ المشتركة معه في الأصل أو البناء والصيغة. وفي الطبيعة تسلسل وتوارث يقابله تسلسل وتوارث في اللغة. وفي الطبيعة محافظة وتجديد، وكذلك في اللغة محافظة وتجديد أيضاً .**

**خصائص اللغة العربية:

للعربية خصائص كثيرة يضيق المجال عن حصرها في هذه المحاضرة، لذا سأقتصر على بعضها تاركاً، لمن أراد التوسع، الرجوع إلى أمهات الكتب في هذا المجال .

1 ? الخصائص الصوتيـة :

إن اللغة العربية تملك أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات، حيث تتوزع مخارج الحروف بين الشفتين إلى أقصى الحلق. وقد تجد في لغات أخرى غير العربية حروف أكثر عدداً ولكن مخارجها محصورة في نطاق أضيق ومدرج أقصر، كأن تكون مجتمعة متكاثرة في الشفتين وما والاهما من الفم أو الخيشوم في اللغات الكثيرة الغنة ( الفرنسية مثلاً)، أو تجدها متزاحمة من جهة الحلق .

وتتوزع هذه المخارج في هذا المدرج توزعاً عادلاً يؤدي إلى التوازن والانسجام بين الأصوات. ويراعي العرب في اجتماع الحروف في الكلمة الواحدة وتوزعها وترتيبها فيها حدوث الانسجام الصوتي والتآلف الموسيقي. فمثلاً لا تجتمع الزاي مع الظاء والسين والضاد والذال. ولا تجتمع الجيم مع القاف والظاء والطاء والغين والصاد، ولا الحاء مع الهاء، ولا الهاء قبل العين، ولا الخاء قبل الهاء ، ولا النون قبل الراء ، ولا اللام قبل الشين .

وأصوات العربية ثابتة على مدى العصور والأجيال منذ أربعة عشر قرناً. ولم يُعرف مثل هذا الثبات في لغة من لغات العالم في مثل هذا اليقين والجزم. إن التشويه الذي طرأ على لفظ الحروف العربية في اللهجات العامية قليل محدود، وهذه التغيرات مفرقة في البلاد العربية لا تجتمع كلها في بلد واحد. وهذا الثبات، على عكس اللغات الأجنبية، يعود إلى أمرين : القرآن، ونزعة المحافظة عند العرب .

وللأصوات في اللغة العربية وظيفة بيانية وقيمة تعبيرية، فالغين تفيد معنى الاستتار والغَيْبة والخفاء كما نلاحظ في : غاب ، غار ، غاص ، غال ، غام. والجيم تفيد معنى الجمع : جمع ، جمل، جمد ، جمر. وهكذا .

وليست هذه الوظيفة إلا في اللغة العربية ، فاللغات اللاتينية مثلاً ليس بين أنواع حروفها مثل هذه الفروق، فلو أن كلمتين اشتركتا في جميع الحروف لما كان ذلك دليلاً على أي اشتراك في المعنى. فعندنا الكلمات التالية في الفرنسية مشتركة في أغلب حروفها وأصواتها ولكن ليس بينها أي اشتراك في المعنى Ivre سكران oeuvre أثر أو تأليف ouvre يفتح livre كتاب lèvre شفة .**

**فضل اللغة العربية

وائل بكري حسن

عَرَفَ عظمة اللغة العربية مَنْ اطلع عليها وتعلمها وغاص في أسرارها من العرب في القديم والحديث، ولا عجب في أنْ يشهدوا بعظمتها لأنهم أهل اللغة، والاطلاع على أقوالهم يزيدنا علماً وثقةً بها، لكن الاطلاع على شهادات غير العرب في العربية له طَعْمٌ آخر، لأنّهم عرفوا قيمةَ لغتنا وهم ليسوا منّا، وهو ما يدفعنا إلى محاولة معرفة ما عرفوه منها، لنزداد اعتزازاً بها ونغرس الاعتزاز في نفوس أبنائنا. إنّ كثيراً من أبناء المسلمين يجهل فضل لغته وجوانب عظمتها، ولذا ترى كثيراً منهم يقف في صفّ الأعداء ? دون أن يقصد ? لجهله بها، فهو مقتنعٌ قناعةً قويّةً بأنّ العربية لغةٌ متخلّفةٌ صعبةٌ تخلو من الإبداع والفنّ، فبسبب جهله بها يقف هذا الموقف، وفي الجانب الآخر ترى بعض العجم من غير المسلمين وهو يكيل المديح والإشادة بالعربية لما رآه فيها من مواطن العظمة.

من أجل هذا الواقع المرّ نحتاج جميعاً إلى ما يزيدنا قناعةً واعتزازاً بها، وممّا يقنعنا بها قراءة تلك الأقوال سواءً قالها عربيٌ أم غير عربي.

وهذا بعض من أقوال العرب والغرب في فضل العربية:

  • قال [ابن النقيب] رحمه الله: "وإنّما يعرف فضل القرآن مَنْ عرف كلام العرب، فعرف علم اللغة وعلم العربية، وعلم البيان، ونظر في أشعار العرب وخطبها ومقاولاتها في مواطن افتخارها، ورسائلها?? الفوائد المشوقة إلى علوم القرآن (ص: 7)

  • قال ابن تيمية رحمه الله: "فإنّ اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميّزون? اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 203)

  • قال ابن تيمية رحمه الله: "وما زال السلف يكرهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات وهو التكلّم بغير العربية إلاّ لحاجة، كما نصّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك: مَنْ تكلّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه. مع أن سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام?. الفتاوى (32 / 255)

  • قال ابن تيمية رحمه الله: "اعلم أنّ اعتياد اللغة يؤثر في العقلِ والخلقِ والدينِ تأثيراً قويّاً بيّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهةِ صدرِ هذه الأمّةِ من الصحابةِ والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقلَ والدينَ والخلقَ، وأيضاً فإنّ نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجبٌ، فإنّ فهم الكتاب والسنّة فرضٌ، ولا يُفهم إلاّ بفهم اللغة العربية، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب?. اقتضاء الصراط المستقيم (ص: 207)

  • قال ابن تيمية رحمه الله: "معلومٌ أنّ تعلمَ العربية وتعليمَ العربية فرضٌ على الكفاية، وكان السلف يؤدّبون أولادهم على اللحن، فنحن مأمورون أمرَ إيجابٍ أو أمرَ استحبابٍ أن نحفظ القانون العربي، ونُصلح الألسن المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنّة، والاقتداء بالعرب في خطابها، فلو تُرك الناس على لحنهم كان نقصاً وعيباً?. الفتاوى (32 / 252)

ونقل شيخ الإسلام عن الإمام أحمد كراهة الرَطانةِ، وتسميةِ الشهورِ بالأسماءِ الأعجميّةِ، والوجهُ عند الإمام أحمد في ذلك كراهةُ أن يتعوّد الرجل النطقَ بغير العربية.

  • قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: "ما ذلّت لغة شعبٍ إلاّ ذلّ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرض الأجنبيّ المستعمر لغته فرضاً على الأمّة المستعمَرة، ويركبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها، ويستلحِقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: أمّا الأول فحَبْس لغتهم في لغته سجناً مؤبّداً، وأمّا الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً، وأمّا الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرُهم من بعدها لأمره تَبَعٌ ? وحي القلم (3 / 33-34)

  • قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: "لا بُدّ في تفسير القرآن والحديث من أن يُعرَف ما يدلّ على مراد الله ورسوله من الألفاظ، وكيف يُفهَم كلامُه، فمعرفة العربية التي خُوطبنا بها ممّا يُعين على أن نفقه مرادَ اللهِ ورسولِه بكلامِه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني، فإنّ عامّة ضلال أهم البدع كان بهذا السبب، فإنّهم صاروا يحملون كلامَ اللهِ ورسولِه على ما يَدّعون أنّه دالٌّ عليه، ولا يكون الأمر كذلك ? الإيمان (ص: 111)

  • ذكر الشافعيِّ أَنّ على الخاصَّة الّتي تقومُ بكفاية العامة فيما يحتاجون إليه لدينهم الاجتهاد في تعلّم لسان العرب ولغاتها، التي بها تمام التوصُّل إلى معرفة ما في الكتاب والسُّنن والآثار، وأقاويل المفسّرين من الصحابة والتابعين، من الألفاظ الغريبة، والمخاطباتِ العربيّة، فإنّ من جَهِلَ سعة لسان العرب وكثرة ألفاظها، وافتنانها في مذاهبها جَهِلَ جُملَ علم الكتاب، ومن علمها، ووقف على مذاهبها، وفَهِم ما تأوّله أهل التفسير فيها، زالت عنه الشبه الدَّاخلةُ على من جَهِلَ لسانها من ذوي الأهواء والبدع.

وهذا بعض ما قاله الغرب عن لغتنا:

  • قال المستشرق المجري عبد الكريم جرمانوس: "إنّ في الإسلام سنداً هامّاً للغة العربية أبقى على روعتها وخلودها فلم تنل منها الأجيال المتعاقبة على نقيض ما حدث للغات القديمة المماثلة، كاللاتينية حيث انزوت تماماً بين جدران المعابد. ولقد كان للإسلام قوة تحويل جارفة أثرت في الشعوب التي اعتنقته حديثاً، وكان لأسلوب القرآن الكريم أثر عميق في خيال هذه الشعوب فاقتبست آلافاً من الكلمات العربية ازدانت بها لغاتها الأصلية فازدادت قوةً ونماءً. والعنصر الثاني الذي أبقى على اللغة العربية هو مرونتها التي لا تُبارى، فالألماني المعاصر مثلاً لا يستطيع أن يفهم كلمةً واحدةً من اللهجة التي كان يتحدث بها أجداده منذ ألف سنة، بينما العرب المحدثون يستطيعون فهم آداب لغتهم التي كتبت في الجاهلية قبل الإسلام?. (الفصحى لغة القرآن ? أنور الجندي ص: 301)

  • وقال المستشرق الألماني يوهان فك: "إن العربية الفصحى لتدين حتى يومنا هذا بمركزها العالمي أساسياً لهذه الحقيقة الثابتة، وهي أنها قد قامت في جميع البلدان العربية والإسلامية رمزاً لغوياً لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدنية، لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد على أنه أقوى من كل محاولة يقصد بها زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر، وإذا صدقت البوادر ولم تخطئ الدلائل فستحتفظ العربية بهذا المقام العتيد من حيث هي لغة المدنية الإسلامية? (الفصحى لغة القرآن ? أنور الجندي ص: 302)

  • وقال جوستاف جرونيباوم: "عندما أوحى الله رسالته إلى رسوله محمد أنزلها (قرآناً عربياً) والله يقول لنبيّه (فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لدّاً) وما من لغة تستطيع أن تطاول اللغة العربية في شرفها، فهي الوسيلة التي اختيرت لتحمل رسالة الله النهائية، وليست منزلتها الروحية هي وحدها التي تسمو بها على ما أودع الله في سائر اللغات من قوة وبيان، أما السعة فالأمر فيها واضح، ومن يتّبع جميع اللغات لا يجد فيها على ما سمعته لغة تضاهي اللغة العربية، ويُضاف جمال الصوت إلى ثروتها المدهشة في المترادفات. وتزيّن الدقة ووجازة التعبير لغة العرب، وتمتاز العربية بما ليس له ضريب من اليسر في استعمال المجاز، وإن ما بها من كنايات ومجازات واستعارات ليرفعها كثيراً فوق كل لغة بشرية أخرى، وللغة خصائص جمّة في الأسلوب والنحو ليس من المستطاع أن يكتشف له نظائر في أي لغة أخرى، وهي مع هذه السعة والكثرة أخصر اللغات في إيصال المعاني، وفي النقل إليها، يبيّن ذلك أن الصورة العربية لأيّ مثل أجنبيّ أقصر في جميع الحالات، وقد قال الخفاجي عن أبي داود المطران ? وهو عارف باللغتين العربية والسريانية ? أنه إذا نقل الألفاظ الحسنة إلى السرياني قبُحت وخسّت، وإذا نُقل الكلام المختار من السرياني إلى العربي ازداد طلاوةً وحسناً، وإن الفارابي على حقّ حين يبرّر مدحه العربية بأنها من كلام أهل الجنّة، وهو المنزّه بين الألسنة من كل نقيصة، والمعلّى من كل خسيسة، ولسان العرب أوسط الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً ".(الفصحى لغة القرآن ? أنور الجندي ص: 306).

نسأل الله أن يبارك في لغة القرآن وأن يجعلنا من المحافظين عليها تعلماً وتعليماً.

منقووووول : www.iumsonline.net

**اللغات واللهجات الحية في العالم ..

وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ

د. كمال إبراهيم علاونه

أستاذ العلوم السياسية والإعلام

الرئيس التنفيذي لشبكة الإسراء والمعراج ( إسراج )

نابلس - فلسطين العربية المسلمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يقول اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) }( القرآن المجيد ? الروم ) .

استهلال:

اللغة هي وسيلة الحديث والتفاهم والتخابر اللطيف والعنيف ، بين طرفين ، فردين أو جماعتين أو حزبين أو شعبين أو أمتين ، وهذه اللغة هي التي تميز الإنسان عن بقية الكائنات الحية في هذه الحياة الدنيا . وتتعرض اللغة للتطور والتطوير ، والتغيير والتبديل للكثير من الكلمات والمفردات ، بين الحين والآخر ، حسب الإيديولوجية الدينية والفلسفة السياسية السائدة في هذه البقعة العالمية أو تلك .

ويقال للإنسان بأنه حيوان إجتماعي ناطق ، وللحيوانات الأخرى بأنها حيوانات عجماء غير ناطقة ، وهذا الكلام ليس دقيقا ، إذ أن لجميع الكائنات الحية لغات شتى ، ولكل أمة من هذه الأمم لغتها المميزة المتميزة الخاصة بها للتخاطب والتفاهم فيما بينها . ويعتبر نبي الله سليمان بن داوود عليهما السلام ، هو النبي الوحيد الذي عرف لغات أمم أخرى من الطيور والحشرات ، كلغة الهدهد ، ولغة النمل وسواها ، وهذا الأمر ورد بالقرآن المجيد .

وتعرف وتسمع بضع الكائنات الحية لغات أخرى ، فالديكة مثلا ترى الملائكة ، والحمير ترى الشياطين ، وهكذا .. والكل مسير ومسخر من هذه الكائنات لتنفيذ واجبات موكولة بها .

على أي حال ، هناك لغة واحدة موحدة بين جميع الأمم والشعوب ، وهي لغة الإشارة والحركات والإيماءات بالأيدي والرأس وبقية أجزاء الجسم البشري .

كيفية الحديث .. أجهزة الكلام بجسم الإنسان

خلق الله للإنسان مئات الأعضاء الباطنية والظاهرية للعيان ، لتسهيل حياته الدنيوية والأخروية ، وتمكينة من العبادة وفعل الخيرات والتمتع بمباهج الحياة من الطيبات . يقول الله الهادي إلى الصراط المستقيم : { لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)}( القرآن الحكيم ? البلد ) .

فالإنسان لكي يتمكن من الكلام لا بد له من لسان ، وفم وشفتين ، وأعصاب وأسنان ، حتى يخرج الكلام بشكل طبيعي ، وإذا نقص مقدار من هذه المقادير فإن الإنسان قد يصبح ابكما ( أخرسا ) أو لا يستطيع نطق الحروف بيسر وسهولة ، وبحاجة لعلاج طبيعي وتناول جرعات دوائية لتمكينه من النطق بلسانه وشفتيه . ولهذا نرى الفرق بين الشخص المتكلم أو الأبكم ، من جهة ، وبين الإنسان المتكلم والحيوانات العجماء البكماء التي لا تتحدث بتاتا باستثناء حالات نادرة .

إنطاق الله لبعض أجزاء أجساد الكافرين

يقول الله السلام المؤمن المهيمن جل جلاله : { وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25)}( القرآن الحكيم ? فصلت ) .

وبهذا نرى ، أن عملية النطق ليست مقتصرة على اللسان بل يمكن أن تشمل السمع والأبصار والجلود التي تشهد على الكافرين أفعالهم وضلالهم وغوايتهم وكفرهم يوم القيامة حيث يجعل الله خالق كل شيء والقادر على كل شيء ، النطق لأجزاء أخرى من بدن هذه الفئة الكافرة من الناس .

لغات الأمم من الطيور والحيوانات والحشرات

لجميع الكائنات الحية لغات تتخاطب و تتفاهم بها ، وهذه اللغات غير مفهومة للكائنات الأخرى ، فالإنسان يتكلم ولا تفهمه الحيوانات إلا بعد التدريب على القول كحيوانات السيرك والبهلوانيات . وتتمثل هذه اللغات بأصوات معينة تصدر ، وتنفس بمقدار محدد ، وأحيانا تصدر أصوات ضعف واستكانة أو قوة ودفاع عن النفس . فنقول مثلا ، صياح الديك ، أو مواء القطط أو ثغاء الغنم أو رغاء الجمل ، أو نباح الكلب ، أو زئير الأسد أو عواء الذئب أو خوار البقر أو نقيق الضفدع أو صهيل الحصان أو نهيق الحمار أو فحيح الأفعى … وهكذا .**

**اللغــة العـربيــة ومكانتهـا بيـن اللغــات

الأستاذ الدكتـور فرحـان السـليـم

أهميـة اللغــة :

اللغة فكر ناطق، والتفكير لغة صامتة. واللغة هي معجزة الفكر الكبرى.

إن للغة قيمة جوهرية كبرى في حياة كل أمة فإنها الأداة التي تحمل الأفكار، وتنقل المفاهيم فتقيم بذلك روابط الاتصال بين أبناء الأمة الواحدة ، وبها يتم التقارب والتشابه والانسجام بينهم. إن القوالب اللغوية التي توضع فيها الأفكار، والصور الكلامية التي تصاغ فيها المشاعر والعواطف لا تنفصل مطلقاً عن مضمونها الفكري والعاطفي .

إن اللغة هي الترسانة الثقافية التي تبني الأمة وتحمي كيانها. وقد قال فيلسوف الألمان فيخته : ((اللغة تجعل من الأمة الناطقة بها كلاً متراصاً خاضعاً لقوانين . إنها الرابطة الحقيقية بين عالم الأجسام وعالم الأذهان )) .

ويقول الراهب الفرنسي غريغوار : (( إن مبدأ المساواة الذي أقرته الثورة يقضي بفتح أبواب التوظف أمام جميع المواطنين، ولكن تسليم زمام الإدارة إلى أشخاص لا يحسنون اللغة القومية يؤدي إلى محاذير كبيرة، وأما ترك هؤلاء خارج ميادين الحكم والإدارة فيخالف مبدأ المساواة، فيترتب على الثورة - والحالة هذه - أن تعالج هذه المشكلة معالجة جدية؛ وذلك بمحاربة اللهجات المحلية، ونشر اللغة الفرنسية الفصيحة بين جميع المواطنين )) .

ويقول فوسلر : (( إن اللغة القومية وطن روحي يؤوي من حُرِمَ وطنَه على الأرض )) .

ويقول مصطفى صادق الرافعي : (( إن اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة. كيفما قلّبت أمر اللغة - من حيث اتصالها بتاريخ الأمة واتصال الأمة بها - وجدتها الصفة الثابتة التي لا تزول إلا بزوال الجنسية وانسلاخ الأمة من تاريخها .))

وقد صدر بيان من مجلس الثورة الفرنسية يقول : (( أيها المواطنون : ليدفع كلاً منكم تسابق مقدس للقضاء على اللهجات في جميع أقطار فرنسا لأن تلك اللهجات رواسب من بقايا عهود الإقطاع والاستعباد .))

)**

**أهمية اللغة العربية :

اللغة - عند العرب - معجزة الله الكبرى في كتابه المجيد .

لقد حمل العرب الإسلام إلى العالم، وحملوا معه لغة القرآن العربية واستعربت شعوب غرب آسيا وشمال إفريقية بالإسلام فتركت لغاتها الأولى وآثرت لغة القرآن، أي أن حبهم للإسلام هو الذي عربهم، فهجروا ديناً إلى دين، وتركوا لغة إلى أخرى .

لقد شارك الأعاجم الذين دخلوا الإسلام في عبء شرح قواعد العربية وآدابها للآخرين فكانوا علماء النحو والصرف والبلاغة بفنونها الثلاثة : المعاني ، والبيان ، والبديع .

وقد غبر دهر طويل كانت اللغة العربية هي اللغة الحضارية الأولى في العالم .

واللغة العربية أقدم اللغات التي ما زالت تتمتع بخصائصها من ألفاظ وتراكيب وصرف ونحو وأدب وخيال، مع الاستطاعة في التعبير عن مدارك العلم المختلفة. ونظراً لتمام القاموس العربي وكمال الصرف والنحو فإنها تعد أمّ مجموعة من اللغات تعرف باللغات الأعرابية أي التي نشأت في شبه جزيرة العرب ، أو العربيات من حميرية وبابلية وآرامية وعبرية وحبشية، أو الساميات في الاصطلاح الغربي وهو مصطلح عنصري يعود إلى أبناء نوح الثلاثة : سام وحام ويافث. فكيف ينشأ ثلاثة أخوة في بيت واحد ويتكلمون ثلاث لغات ؟

إن اللغة العربية أداة التعارف بين ملايين البشر المنتشرين في آفاق الأرض، وهي ثابتة في أصولها وجذورها، متجددة بفضل ميزاتها وخصائصها .

إن الأمة العربية أمة بيان، والعمل فيها مقترن بالتعبير والقول، فللغة في حياتها شأن كبير وقيمة أعظم من قيمتها في حياة أي أمة من الأمم. إن اللغة العربية هي الأداة التي نقلت الثقافة العربية عبر القرون، وعن طريقها وبوساطتها اتصلت الأجيال العربية جيلاً بعد جيل في عصور طويلة، وهي التي حملت الإسلام وما انبثق عنه من حضارات وثقافات، وبها توحد العرب قديماً وبها يتوحدون اليوم ويؤلفون في هذا العالم رقعة من الأرض تتحدث بلسان واحد وتصوغ أفكارها وقوانينها وعواطفها في لغة واحدة على تنائي الديار واختلاف الأقطار وتعدد الدول. واللغة العربية هي أداة الاتصال ونقطة الالتقاء بين العرب وشعوب كثيرة في هذه الأرض أخذت عن العرب جزءاً كبيراً من ثقافتهم واشتركت معهم - قبل أن تكون ( الأونيسكو ) والمؤسسات الدولية - في الكثير من مفاهيمهم وأفكارهم ومثلهم، وجعلت الكتاب العربي المبين ركناً أساسياً من ثقافتها، وعنصراً جوهرياً في تربيتها الفكرية والخلقية .

إن الجانب اللغوي جانب أساسي من جوانب حياتنا، واللغة مقوم من أهم مقومات حياتنا وكياننا، وهي الحاملة لثقافتنا ورسالتنا والرابط الموحد بيننا والمكون لبنية تفكيرنا، والصلة بين أجيالنا، والصلة كذلك بيننا وبين كثير من الأمم .

إن اللغة من أفضل السبل لمعرفة شخصية أمتنا وخصائصها، وهي الأداة التي سجلت منذ أبعد العهود أفكارنا وأحاسيسنا. وهي البيئة الفكرية التي نعيش فيها، وحلقة الوصل التي تربط الماضي بالحاضر بالمستقبل. إنها تمثل خصائص الأمة، وقد كانت عبر التاريخ مسايرة لشخصية الأمة العربية، تقوى إذا قويت، وتضعف إذا ضعفت .

لقد غدت العربية لغة تحمل رسالة إنسانية بمفاهيمها وأفكارها، واستطاعت أن تكون لغة حضارة إنسانية واسعة اشتركت فيها أمم شتى كان العرب نواتها الأساسية والموجهين لسفينتها، اعتبروها جميعاً لغة حضارتهم وثقافتهم فاستطاعت أن تكون لغة العلم والسياسة والتجارة والعمل والتشريع والفلسفة والمنطق والتصوف والأدب والفن .

واللغة من الأمة أساس وحدتها، ومرآة حضارتها، ولغة قرآنها الذي تبوأ الذروة فكان مظهر إعجاز لغتها القومية .

إن القرآن بالنسبة إلى العرب جميعاً كتاب لبست فيه لغتهم ثوب الإعجاز، وهو كتاب يشد إلى لغتهم مئات الملايين من أجناس وأقوام يقدسون لغة العرب، ويفخرون بأن يكون لهم منها نصيب .

وأورد هنا بعض الأقوال لبعض العلماء الأجانب قبل العرب في أهمية اللغة العربية . يقول الفرنسي إرنست رينان : (( اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة .))

ويقول الألماني فريتاغ : (( اللغة العربية أغنى لغات العالم )) .

ويقول وليم ورك : (( إن للعربية ليناً ومرونةً يمكنانها من التكيف وفقاً لمقتضيات العصر. ))

ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام : (( العربية لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير ونبضات القلوب ونبرات الحياة . ))

ويقول مصطفى صادق الرافعي : (( إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقةً أو حكماً .))

ويقول الدكتور طه حسين : (( إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضاً.)**

**أما صاحب فجر الإسلام (أحمد أمين) فقد دعا إلى إصلاحٍ في متن العربية(40)، وانطلقت دعوته تلك من منبر مجمع اللغة العربية؛ فهو أحد أعضائه.

وكل من تحدث عن الإصلاح يلوك مقولة ملْكية الجميع للغة، ويتهمون كل مدافع عنها بأنه ممن يدَّعِي مُلْكَ اللغة؛ كما ذكرنا قول طه حسين آنفاً.

المحور الرابع: إفساد الذوق السليم: لما عجز المستعمر وعجز ربائبه وأذنابه عن فرض العامية، وكَلّت أقلامُهم في الدعوة إلى الحروف اللاتينية، وماتت تجاربهم في مهدِها، ولم يستطيعوا جرَّ العرب لتحطيم العربية بدعوى الإصلاح، عند ذلك لجؤوا إلى إفساد الذوق السليم لكي يعدمَ العربي ذوقه التي اعتاد عليه في الاستمتاع بما كتب به كتابه الكريم، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وتراثه الأصيل، وحاضرهُ الزاخر.

فانفتح الباب على كل عربي قارئ للآداب بمذاهب لا يعرف منها إلا اسمها، سلخت من بلاد الغرب وزُجَّ بها في ساحة العربية،ِ وطُوِّعت وسائل الإعلام المختلفة لكي تمتلئ بهذه المذاهب التي تهدمُ الدينَ، وتحاربُ العربيةَ، وتُفِسدُ الأخلاق، وترجمت كتب النقد الغربي لكي يُطبَّق على أدبنا.

وأصبح لزاماً على الدارس في كثيرٍ من أقسام العربية في الجامعات أن يدرس هذا الأدب وهذا النقد، ولقد درستُ النقد الأدبي الغربي في المرحلةِ الجامعيةِ، ولكنهم سمَّوه: (النقد الأدبي الحديث).

ودُعم كل ناعق بهذه الخزعبلات، فامتلأت الجرائد والمجلات وأرفف المكتبات بها، وخرج علينا في جميع وسائل الإعلام دعاة الحداثة - وهم شرذمة قليلة -، ودعوا إلى تحطيم الشعر، يقول (لويس عوض)(41): “حطِّمُوا الشعر؛ لقد مات الشعر العربي عام 1933م، مات بموت أحمد شوقي”، فصار الشعرُ طلاسم وأحاجي لا يفهمها حتى كاتبها، لكي يعدم الشاب النماذج التي يحاكيها.

يقول الدكتور (عمر موسى باشا)(42): إنَّ مفهوم الحداثة في الأدب يعني حريَّة الأديب فيما يختص باستخدام اللغة، وأنَّ للأديب الحرية الكاملة في استخدام اللغة العامية المحلية، ونحن نعترض على إطلاق هذه الحرِّية ما دامت تُصدِّع صرح اللغة العربية.

كما شجعت الآداب الشعبية لإفساد الذوق، وحرف الناس عن أدبهم الفصيح، ولكي تسيطر العامية على الناس، يقول الدكتور: (محمد محمد حسين) - رحمه الله - عن هذا الأدب: هو امتداد للدعوة إلى استبدال اللهجات المحلِّية العامِّية مكان اللغة الفصحى"(43)، وأجزم أولاً أنَّ تدوينها والاهتمامَ بها ليتعلَّقَ الناس، ويفسدَ ذوقهم ويعتادوها، ويعدموا النموذج الأصيل.

يقول أنور الجندي(44): حاول الداعون بها أن يَوجِّهوا العنايةَ إلى الجمالِ الفنِّي الذي تمثلهُ الأمثالُ والقصصُ والأغاني التي يتداولها العامة، وقد دوَّنوا ما لم يكن مدوناً، فلما برزت الدعوة إلى العناية بالفنون الشعبية تمسَّح الداعون بهذه الدعوة بين العرب زاعمين أنَّ إهمال هذا اللون من الفنون ترفُّعٌ عن العناية بالطبقاتِ الفقيرةِ الكادحةِ، وما يتصل بها من شؤون.

الخاتمة: بعد أن رصدنا رصداً سريعاً جوانب من هذه الهجمة نستخلص منها:

1 - كانت بدايةُ الهجمة بالمستشرقين تحت ظلال المستعمر، ثم نقلت إلى بني جلدتنا ليكون لما يقولون قبول أكثر.

2 - جُلُّ من هاجم العربية بأي شكل هم من المستشرقين وغير المسلمين مثل: موسى سلامة، ولويس عوض، وعيسى معلوف وابنه إسكندر، ورفائيل نخلة، ومارون غصن، وأنيس فريحة، والكرملي وغيرهم، ومن هاجم العربية من غيرهم فهو من المارقين الذين تحلَّلوا من الإسلام مثل: قاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وأشباههم.

3 - اتخذ الهجومُ التدرجَ دعوةً إلى العامية ثم الحرف اللاتيني؛ فلما لم ينجحوا في ذلك دَعَوْا إلى إصلاح العربية؛ والقصدُ هو الإفساد؛ فلما سقطت دعوتهم فُتِحَ البابُ لإفساد الذوق السليم، وشُجعت الآداب العامية.

4 - جوبهت تلك الدعوات الهدامة بردود ومعارك كتابية أرجعتها خائبة، كما أعرض العامة عنها ولم يعيروها أذناً صاغية، وكان تطبيقها حِكراً على الناعقين بها.

5 - ساعدت تلك الهجمة في بث الروح والحياة في نفوس أهل العربية، فخرج شعراء كبار مثل: البارودي، وشوقي، وحافظ، والرصافي، وكُتَّاب كبار كالرافعي، والمنفلوطي، وباكثير، وغيرهم.

والله ولي التوفيق.**

**وكان للمغرب العربي نصيب من هذه الدعوة؛ فقد أصبحت اللغة العربية لغة ثانية بعد الفرنسية لغة المستعمر، وجاء في تقرير أعدته لجنة العمل المغربية الفرنسية: إنَّ أول واجبٍ في هذه السبيل هو التقليل من أهمية اللغة العربية، وصرف الناس عنها بإحياء اللهجات المحلية واللغات العامية في شمال إفريقيا (13).

وقد وضع علماء الاستعمار من المستشرقين كتباً في قواعد اللهجات الأمازيغية لتزاحم العربية، يقول (شحادة الخوري): شعر المستعمر باستحالة اقتلاع اللغة العربية من أرض الجزائر، وغرس اللغة الفرنسية مكانها، فلجؤوا إلى وسيلةٍ مُساعدةٍ أخرى وهي الإيحاء لأكبر عددٍ من أبناء الجزائر بأن اللغة العربية ليست لغة أصليَّة في الجزائر، وإنما اللغة الأصلية لسكان الجزائر هي اللغة البَرْبريَّة لغة الأمازيغ، وقد تطوع الفرنسيون لوضع أبجدية لها كيما يمكن كتابتها(14).

ونعود إلى الشام ولبنان خاصة؛ فـ (مارون غصن) أصدر كتاباً قال فيه(15): إنَّ كل لغةٍ سائرةٌ إلى الفناء؛ لأن الشعب كله متعلقٌ كل التعلق بلغة آبائه وأجداده، وما هذه اللغة إلا العامية، وأتبع ذلك بإصدار كتاب بالعامية عنوانه: (في متلوها لكتاب) عام 1930م، ويتمنى (مارون غصن) أن يرى عاملاً عسكرياً سياسياً يفرض اللغة العامِّية(16).

وقد تزامن مع هذه الدعوة إصدار جرائد ومجلات وكتب باللهجات العامية، فقد صدرت سبع عشرة جريدة ومجلة عامية بحلول عام 1900م(17)، كما تحول المسرح من الفصحى إلى العامية مما دعا المنفلوطي إلى تسميته بـ (الملاعب الهزلية)(18)، كما تسابق المستشرقون على إصدار دراسات عن اللهجات العامية مثل دراسة (نللينو) عن عامية مصر، و (سيانكو فسكي) عن عامية المغرب وتونس، و (إلياس برازين) عن عامية حلب، و (ليوريال) عن عامية الجزائر، وغيرها(19).

المحور الثاني: الدعوة إلى الكتابة بالحروف اللاتينية: هذه الدعوة مرتبطةٌ بالدعوة السابقة؛ حيث أخذ الهجوم على الفصحى(20) بالتدرج وتوحيد الجهود، وقد بدأ بذلك (سلدان ولمور) في كتابه: (العربية المحلية(21) المصرية)، وهدَّد بأن العرب إن لم يفعلوا ذلك فإن لغة الحديث والكتابة ستنقرض، وستحل محلها لغة أجنبية.

ويخرج علينا عضو في مجمع اللغة العربية ليكمل جوقة المحاربين للغة القرآن من مجمعها، وكان الأوْلى أن يُسمَّى: (مجمع محاربة اللغة العربية)، هذا العضو هو (عبد العزيز فهمي)(22)؛ فقد دعا عام 1913م لكتابة العربية بالحروف اللاتينية، وأصدر كتاباً يوضح فيه طريقته، جاء فيه بالعجب العجاب؛ فقد جمعَ نماذجَ للكتابة، أُرسلت له ممن هب ودب، يكتبها ويكتب تحتها ترجمتها بالحروف العربية، ويقول ناشر الكتاب: "ونجحت التجربة في تركيا، وهم يقرؤون اللغة التركية بالحروف، وقرأت أنه رجع عن دعوته تلك(24).

ويستلم منه الراية (سلامة موسى) القبطي(25) ليتبرأ من آثار العرب تاريخياً ولغوياً، ويدعو إلى ما دعا إليه المارقون قبله بشدةٍ وحماسةٍ.

وطبق بعض المارقين ذلك النهج، فولدت محاولاتهم ميّتةً مثل: (رفائيل نخلة اليَسُوعيّ) في كتاب أسماه: (قواعد اللهجة اللبنانية والسورية) مكتوب بالحروف اللاتينية، وطبعته المطبعة اليسوعيّة.

وأما (أنيس فريحة الخوري) فلا يرضى بأن تكون العامية اللغة المعتمدة بل يدعو إلى كتابتها بالحروف اللاتينية لتكون لغة رسمية للعرب(26)؛ لأن الحرف العربي لا يصلح لتدوين اللهجة العامية، ويقبلُ اقتراح عبد العزيز فهمي؛ لأنَّهُ يَضْبطُ لفظة اللغة مرةً واحدة لجميع الناس.

والمُتسمِّي بـ(أدونيس) طبق ما يريد أستاذه (أنيس فريحة) فأصدر في عام 1961م ديواناً اسماه “ياره” كتب بالحروف اللاتينية(27).

أما (انستاس الكرملي) الذي يُسميه الجهال: “الأب” فقد كان ماكراً في دعوته؛ حيث ابتدع طريقة للكتابة تحوي في تضاعيفها حروفاً لاتينية(28)، وذلك في مجلته: “لغة العرب”، وكان يهاجم الداعين إلى استبدال الحرف العربي بحرف لاتيني، فهو يذرُّ رماداً في العيون لكي لا تراه ولا تنتبه لعمله، ولكنها رأته وأبطلت ما يصبو إليه.

أما مجمع اللغة العربية فقد انشغل ثلاث سنوات يدرس اقتراح كتابة العربية بحروفٍ لاتينيةٍ (29) استجابة لثلةٍ من أعضائه المارقين! ألم أقل: إنه مجمع محاربة اللغة العربية؟!

المحور الثالث: الدعوة لإصلاح اللغة العربية: لو كانت تلك الدعوات قُصد منها إصلاحٌ وإيضاح كما فعل المتقدمون منهم وكثيرٌ من المحدثين لكان ذلك صواباً، ولكنَّ النيَّة السيئةَ هي مطيَّةُ القوم، ولكي يَصِلُوا إلى مرادهم وصموا العربية بالجمود والتعقيد والصعوبة، وكل من ذكرنا سابقاً وكثير من مثلهم قالوا ذلك.

وكانت تلك الدعوات غطاءاً للهدم؛ فمنهم من دعا إلى إلغاء الإعراب مثل (قاسم أمين) عام 1912(30)؛ حيث دعا إلى تسكين أواخر الكلمات عوضاً عن الإعراب، قال (سلامة موسى)(31): والتأفف من اللغة الفصحى التي نكتب بها ليس حديثاً؛ إذ يرجع إلى ما قبل ثلاثين عاماً حين نعى (قاسم أمين) على اللغة العربية صعوبتها، وقال كلمته المشهورة: إن الأوروبي يقرأ لكي يفهم، ونحن نفهم لكي نقرأ، فانظر إلى ترابط الهدم؛ إذ يتحدث عن إفساد المرأة ثم يدعو إلى إفساد العربية.

ولمثل دعوته في ترك الإعراب دعا (عبد العزيز فهمي)(32) وتبعهما كثيرون مثل: (يوسف الخال)(33) الذي دعا إلى تحطيم بنيان اللغة، والتخلص من العبء الثقيل وهو الإعراب، وكثيرون سواه دعوا إلى ذلك، ومن آخرهم أستاذ بجامعة الملك سعود بكلية الآداب؛ عندما عرفتُ ما يدعو إليه في إلغاء الإعراب(34) تذكرت ما كان يقوله لنا ونحن طلبة عنده من أنَّ عيبه عدم استطاعته إيصال ما يريد لطلابه لضعف لغته، وكانت لغته ضعيفة، ولسانه مطبوعاً على العامية لا يستطيع الفكاك منها.

ومنهم من دعا إلى إصلاح قواعد الكتابة مثل: (أحمد لطفي السيد)(35) الذي يقول: إن سبب تراجع الأمة العربية تمسكها بالتشديد والتنوين، ثم دعا إلى قواعدَ جديدةٍ ابتكرها مزهواً بذلك كأنه أبو الأسود أو الخليل - رحمهما الله - .

كما كان لـ (أنستاس الكرملي) رأي ماكر في إصلاح الكتابة العربية دسَّ فيه حروفاً لاتينية أوضحناه آنفاً.

أما (أنيس فريحة) فقد أصدر عام 1966م كتاباً أسماه: (في اللغة العربية وبعض مشكلاتها)(36) أهداه إلى كل معلِّم يدرّسُ العربية، رونقه بحديثٍ في أوله عن مزايا العربية، ثم رنَّقهُ(37) بوصم العربية بالعجز عن اللحاق بالعلوم والفنون، وجعل هجاءها من مشاكلها، ودعا إلى تيسير ذلك، وأخذ يحيي اقتراحاتٍ بائدةً لإصلاح ذلك.

كما تأفف من مشكلات القواعد النحوية، واشتكى من الصرف، ودعا في ثناياه إلى العامية! فماذا أبقى فريحة الخوري؟ وزعم (مارون غصن) وهو ممن يُدعون بـ (الأبّ) أنَّ اللغة العربية ضعيفة في كل شيءٍ؛ ولذلك هبَّ مسارعاً لتسهيل هذه اللغة، فوضع كتاباً اسماه: (نحو عربية ميسرة)(38) عام 1955م، وكتب مقالاً عنوانه: (هذا الصرف وهذا النحو أمَا لهذا الليل من آخر؟)، سخر فيه من قواعد العربية، ودعا إلى تركها(39).**

**الهجمة على اللغة العربية

بسم الله الرحمن الرحيم

توطئة:

تنبَّه المستعمر الصَّليبي بعد طرده من ديار الإسلام - بل وبعد نقل المعركة إلى عقر داره في أوروبا - إلى أهمية الدين الإسلامي، وأثرهِ في بقاء المسلمين أقوياء، فبدؤوا في غزوٍ فكري يحاول هدم أُسسِ الإسلام في نفوسِ المسلمين، وشنوا حملات مختلفة في جميع الميادين، فشكَّكوا في المسلَّمات الدينيّة، ونبشوا آثار الأمم الكافرة التي أزال الله بالإسلام دولهم وحضاراتهم، وشوهوا تاريخ الإسلام وسِيَر قدواته، وكانت الهجمة مركزةً على لغة الإسلام، ولغة رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم -؛ لقطع حبال الاتصال بين حاضر المسلمين وماضيهم، ولجعل القرآن الكريم غريباً على آذانهم، وكذلك سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وتراث المسلمين المتنوع، فجردوا اللغة العربية من رداءِ القدسية، وحاولوا فصل اللغة العربية عن الإسلام.

يقول طه حسين: “إن اللغة العربية ليست ملكاً لرجال الدين يُؤْمَنون وحدهم عليها، ويقومون وحدهم دونها، ولكنها ملكٌ للذين يتكلمونها جميعاً، وكلُّ فردٍ من هؤلاء الناس حرٌّ في أن يتصرف في هذه اللغة تصرف المالك…”(1).

وإذا فقدت اللغة العربية هذا الرداء المقدس، وفقدت أهميتها الدينيّة سارت إلى ما سارت إليه اللغات البائدة.

وقد غفل من حارب اللغة العربية عن حياطة الله - عز وجل - لها بالقرآن الكريم! واتخذ الهجوم على اللغة العربية لتدميرها عدة محاور هي:

المحور الأول: الدعوة إلى العامية: نرى أوروبا مقسمة إلى دول كثيرة لا تزيد مساحة أكبرها عن نصف مليون كم2، لكل بلدٍ لغته وتاريخه، وكذلك كادوا للمسلمين فطُبق التقسيم السياسي، وحاولوا حتى الآن تطبيق التقسيم اللغوي والتاريخي، فروَّجوا هذه الدعوة لينعزل كل جزءٍ من العرب في محيطهم بلغتهم العامية، وتاريخهم الوثني القديم، وليصبحوا أُمماً شتى.

كان المعجَبُ بالغرب رفاعةُ رافع الطَّهْطَاوي الذي أُرسل إماماً لأول بعثةٍ علميّةٍ إلى الغرب أولَ من دعا إلى استعمال العامية وتدوين قواعد لها.

قال في كتاب أصدره عام 1868م أسماه(2): (أنوارُ توفيق الجليل من أخبار توثيق بني إسماعيل): إنَّ اللغة المتداوَلة المُسمَّاة باللغة الدارجة التي يقع بها التفاهمُ في المعاملات السائرة لا مانع أن يكون لها قواعد قريبة المأخذ، وتصنف بها كتب المنافع العمومية، والمصالح البلدية.. ا هـ.

ثم خرج علينا مندسٌّ من المستشرقين عاش في مصر مديراً لدار الكتب المصرية اسمه: (ولهلم سبيتا) بكتاب أسماه: (قواعد اللغة العامية في مصر) عام 1888م، وذكر أنه قد جازف بذلك العمل لحبه لمصر وللمصريين(3).

وأسرع صاحب صحيفة المقتطف فارس نمر فقرَّظ لهذه الدعوة، ودعا إلى تدريس العلوم وكتابتها باللغة التي يتكلم بها الناس(4).

وبعد دخول المستعمر أصبحت المقتطف مداحة له، وأسرع الإنجليز ففرضوا الإنجليزية لغة التعليم، وأصبحت لغة رسمية، وأغلقوا مدرسة الألسن، ووجهوا جميع البعثات إلى بلادهم فقط.

وذرَّ قرنُ (كارل فولرس) فكتب كتاباً اسماهُ: (اللهجة العامية في مصر)، وكان لـ(ولكوكس) رأي مشابه بل وصفيق؛ فقد قال في محاضرةٍ له: إن ما يعيق المصريين عن الاختراع هو كتابتهم بالفصحى، وما أوقفني هذا الموقف إلا حُبي لخدمةِ الإنسانية، ورغبتي في انتشار المعارف. وأعلن في آخر المحاضرة عن مسابقة للخطابة بالعامية، ومن تكون خطبته جيدة ناجحةً فله أربع جنيهات، كان ذلك عام 1893.

ومن العجب أن (ولكوكس) هذا كان يصدرُ مجلة اسمها: (الأزهر)، وكان يدعو إلى العامية من خلالها(5).

وخرج نفر كثيرٌ من هؤلاء يدعون إلى كل ما فيه هدم لأسس الإسلام في نفوس المسلمين، وكان منهم: (سلدان ولمور) الذي كتب عام 1901م كتاب: (العربية المحلية في مصر)، قال فيه: ومن الحكمة أن ندع جانباً كل حكم خاطئ وُجِّه إلى العامية، وأن نقبلها على أنها اللغة الوحيدة للبلاد(6)، وأسرع فارس نمر صاحب المقتطف يقرِّظ لهذا الكتاب.

ووضع (ولمور) كتاباً آخر عام 1910م سمَّاه: (لغة القاهرة)، وجاء مضمونه كسابقه.

لم يكن هذا الوباء في مصر وحدها؛ فهذا (إسكندر معلوف) (7) اللبناني أنفق وقته في ضبط أحوال العامية، وتقييد شواردها لاستخدامها في كتابة العلوم؛ لأنَّه وجد أسباب التخلف في التَّمسك بالفصحى، ونحا ابنه عيسى نحوهُ فيقول: إنَّ اختلاف لغة الحديث عن لغة الكتابة هو أهمُّ أسباب تخلفنا رغم أنَّهُ من الممكن اتخاذُ أيِّ لهجةٍ عاميةٍ لغةً للكتابة؛ لأنها ستكون أسهل على المتكلمين بالعربية كافة، ولي أملٌ بأن أرى الجرائد العربية وقد غيّرت لغتها، وهذا أعدُّهُ أعظم خطوةٍ نحو النجاح، وهو غاية أملي(8).

ومن العجب أنَّ من يدعو إلى العامية عضو في مجمع اللغة العربية؛ فأيُّ خير يُرجى من هذا المجمع وهذا من أعضائه؟

ونعود إلى مصر فنجد (سلامة موسى) (9) يقول في كتابه: (البلاغة العصرية): “إنها تبعثر وطنيتنا - يقصد بذلك الفصحى -، وتجعلها شائعةً في القوميَّة العربية”.

ويقول عن أستاذه أحمد لطفي السيد مفسد الجيل: وقام على أثره مُنشئ الوطنية المصرية الحديثة، فأشار باستعمال اللغة العامية، وبيّن أنَّ ما يشغل بال (ولكوكس) بل ويقلقه هذه اللغة التي نكتبها ولا نتكلمها.

وأحمد لطفي السيد هذا تولى رئاسة مجمع اللغة العربية؛ فأيُّ مجمع هذا؟

وينعق الشاعر العراقي الهالك جميل صدفي الزهاوي فيقول(10): فتَّشْتُ طويلاً عن انحطاط المسلمين فلم أجد غير سببين أولهما: الحجاب الذي عدَّدتُ في مقالي الأول مضاره، والثاني: هو كون المسلمين - ولا سيما العرب منهم - يكتبون بلغةٍ غير التي يحكونها.

ونعود إلى مصر فإذا بـ (لويس عوض)(11) الصليبي الشيوعي يدعو إلى العامية، ويصنف كتاباً يهديه إلى (كريستوفر سكيف) الجاسوس الإنجليزي، ويكتب ديوانه (بلوتو لاند) عام 1947م الذي دعا فيه إلى كسر رقبة البلاغة العربية، وإلى الكتابة بالعامية(12).**