**بسم الله الرحمن الرحيم
الدعوة إلى العامية
- تاريخ الدعوة إلى العامية :
هناك مذهب يقول إن جذور الدعوة إلى العامية تمتد إلى عهود الدول المتتابعة وذهب أصحاب هنا المذهب يقدمون الشواهد والأمثلة من الأدب الشعبي .
وقد يبدو صحة هذا الرأي من أول وهلة ، لكن إذا أنعمنا النظر في الظروف والملابسات التي أحاطت بمواقع الحياة العربية تبين لنا بطلان هذا الرأي .
وحقيقة الأمر ، أن لم يكن هناك دعوة إلى العامية ولا دعاة مسخرون ولم يحدث أن ظهرت بوادر تخطيط للقضاء على الفصحى التي بقيت في ذلك العهد متمتعة بقدسيتها ومنزلتها في نفوس العرب والمسلمين قاطبة .
وهنا نؤكد أن تفاقم الأساليب العامية عبر العصور المتتابعة منذ فساد السليقة لم يكن بدافع إعلان الحرب على الفصحى ، بدليل أن أساليب الفصحى بقيت ? خلال هذه العهود قوية في أقلام وألسنة الخطباء وخواطر الشعراء . (1)
وكانت الدعوة إلى العامية مرتبطة بالاستشراق ، إذ أصبحت من أهداف المستشرقين الذين يريدون ضرورة معارضة اللغة الفصحى لغة القرآن ، وتقدم جماعة من الغربيين ما بين مهندسين وقضاة للتأليف بالعامية وجمع التراث المزيف حتى تنتقل الدعوة من الكلام عن اللهجة إلى ما يطلق عليه لغة عامية في هذه المناطق قبل الإسلام .(2)
-
أسباب الدعوة إلى العامية :
تبرز أسباب في الدعوة إلى العامية ، وتلك الأسباب مرتبطة بالاستشراق وأهدافه الخبيثة التي من خلالها يريد هدم الأمة الإسلامية .
وكانت الدعوة إلى العامية سبيلاً لتحقيق الهدف الكبير وهو إقصاء القرآن أساساً ، ولا يتم إقصاء القرآن حتى تتوارى اللغة العربية وذلك لا يتم إلا عن طريق وسائل التعليم .
وهذه- أعني الدعوة إلى العامية ? محاولة لإيقاف نمو اللغة العربية عن التوسع والحيلولة دون حركتها مع انتشار الإسلام خاصة في قلب أفريقيا وجنوب شرق آسيا ، وفي المناطق الجديدة التي دخل الإسلام إليها .
ولا يشك عاقل في مدى التلازم الوثيق والارتباط المحكم بين اللغة والدين والأمة . وهذا ما أدركه العلماء في القديم والحديث ، حيث ربطوا ربطاً محكماً بين اللغة العربية والإسلام .
ولقد أدرك أعداء الإسلام والعربية أهمية اللغة وخطرها على مطامع الاستعمار ، وخطرها في وحدة الأمة وتماسكها وارتباط حاضرها بماضيها .
ولذا كانت الدعوة إلى العامية لتفتيت وحدة الأمة وتجرئنها وجعلنا دويلات متناحرة لأجل أن تستمر التبعية لهم ، فشرعوا جاهدين إلى هذا المقصد .
وغاية تلك الدعوات هو تفريق المسلمين عامة والعرب خاصة ، وذلك بتفريقهم في الدين واللغة والثقافة وقطع الطريق على توسع اللغة العربية المحتمل بين مسلمي العالم .
وقطع ما بين المسلمين وبين قديمهم والحكم على كتابهم بالموت ، لأن هذا القديم المشترك هو الذي يربطهم ويضم بعضهم إلى بعض . (3)
-
ما تعللوا به للدعوة إلى العامية :
من الأسباب التي تعللوا بها لدعوتهم إلى العامية ، أن اللغة الفصحى لغة صعبة وأنها تقصر الأمة العربية عن التطور والتقدم الحضاري .
كذلك هجوم المستشرقين على الحرف العربي زاعمين أنه حرف معقد وهو عامل في حجب الفكر والأدب الحقيقي عن التطور .
وما تعللوا به هو أن اللغة الفصحى هي التي عاقت المصريين عن الاختراع ، وأن اللغة العربية ماتت بسبب جمودها وصعوبتها ومن الذين دعوا إلى العامية ذهبوا إلى أن اللغة العربية الفصيحة فقيرة في المعاني الجديدة والمصطلحات العلمية وغناها بالمعاني والمسميات القديمة .(4)
(1) ينظر : الفصحى في مواجهة التحدياث ، نذير مكتبي صـ 93 ? 110 ،
(2) ينظر : الفصحى لغة القرآن . أنور الجندي ، صـ 126 ? 127 .
(3) ينظر : فقه اللغة ، محمد الحمد ، صـ 445 ? 449 .
(4) ينظر: الفصحى في مواجهة التحديات0ص 111-133**


