أبحاث في الصبام

**بسم الله الرحمن الرحيم

القول المختار في وجوب اتحاد

المسلمين في الصيام والإفطار.

الأستاذ أبو المغتز بالله الأشقر

لقد كثُر حديث المسلمين قديماً وحديثاً، في أمر الصيام والإفطار، وهل يجب على المسلمين أن يتوحدوا صياماً وإفطاراً وإن تباعدت أقطارهم؟ أم أن لكل بلد رؤيته، ولا يُلزم برؤية غيره؟

وأدلى كلٌ بدلوه، مستدلاً بالأحاديث التي تؤيد رأيه وما ذهب إليه، ولأنني أرى أن هذه المسألة ليست من الاجتهاد في شيء، فهي تصادم النصوص الصريحة الصحيحة، لذلك آثرتُ الكتابة في موضوعها.

وبعد هذه المقدمة أقول وبالله التوفيق (اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) وأقول أنه لا بد من التذكير بأنه ليس كل خلاف جاء معتبراً، إلا خلافاً له حظٌ من النظر، فلو أراد إنسان أن يجمع من كتب الفقه ومن أقوال الفقهاء وآرائهم، ما يتعارض والنصوص الصريحة الصحيحة لجمعَ المجلدات، وما ذلك إلا لأنهم ?ببساطة- بشر، ويصح عليهم ما يصح على البشر سائر البشر، فليس كل خلاف في مسألة من مسائل الفقه محل اعتبار ونظر، وبخاصة تلك الآراء التي تخالف النصوص، وكما قيل لا اجتهاد مع النص، بمعنى أن المسألة اذا جاء نص فيها لا يحتمل تأويلاً ولا اجتهاداً، تعين المصير إلى النص دون الالتفات إلى ما قيل في المسألة من أقوال، فالقول مثلاً بأن الربا لا يكون إلا في النسيئة قول خطأ، والقول بأن ليلة القدر قد تكون في غير رمضان هو قول خطأ، والقول بأن البيعة تصح بالتعيين هو قول خطأ، ومعنى أنها خطأ هو أنها أقوال جاءت مخالفة لنصوصٍ صريحةٍ صحيحةٍ قطعيةٍ في دلالتها لا تحتمل اجتهاداً ولا تأويلاً، فهي ليست من الاجتهاد في شيء، ولا قيمة شرعاً لها بغض النظر عن عدد قائليها ومكانتهم.

ولنعد الآن إلى المسألة محل النقاش لنبين أن القول فيها واحد ولا اعتبار لأي خلاف أو اجتهاد لمصادمتها للأدلة، ومنها:

الدليل الأول: قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.

وشهد في اللغة لها أربعة معانٍ:

الأول: بمعنى أخبر بالأمر، وذلك كقولنا: (شهد فلانٌ بكذا عند القاضي)

الثاني: بمعنى اطّلع وعاين، وذلك كقولنا: (شهدتُ فلاناً يصلّي)

الثالث: بمعنى حَضرَ، وذلك كقولنا: (شهد عليٌ رضي الله عنه بدراً)

الرابع: بمعنى علم، وذلك كقول الله تعالى: (ما كنتُ قاطعةً أمراً حتى تشهدون)

أما الأول، وهو شهد بمعنى أخبر، فلا تعلّق له بالآية من قريب أو بعيد.

أما الثاني فباطلٌ بالنقل والإجماع، وذلك لأنه يفيد بأن الصيام لا يجب إلا على من رأى الهلال رأي العين، فوجب على هذا الحمل أن يذهب المسلمون كلهم لرؤية الهلال.

وأما الثالث وهو القول بأن شهد بمعنى حضر، فهو قول لبعض العلماء، وهو حضر بمعنى كون المكلف حاضر (مقيم) أي ليس مسافراً، وهو قول صحيح، لكن لا شأن لنا به هنا في مسألتنا.

أما الرابع وهو أن شهد بمعنى عَلِم، فإن هذا المعنى الذي يتعين المصير والذهاب إليه، وذلك لأن هذا هو المعنى الذي قام به عليه الصلاة والسلام {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}.

فكان هذا المعنى هو الذي بينه لنا ﷺ بقوله وفعله، فإنه ﷺ قد صام وأفطر برؤية غيره، فقد اكتفى بأن قال لمن شهد عنده بالرؤية (أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟) قال: نعم، وذلك لأن هذا من الشهادة في حكم شرعي وهي لا تُقبل إلا من مسلم، فلو جاء إنسان وتعلّق بقول الله تعالى بالقراءة المتواترة (وأرجلِكم) بكسر اللام ليستدل بها على جواز المسح على الرجلين دون غسلهما، مع عدم وجود خُفّ لقلنا له، بأن فهمه هذا معارض لفعله المتواتر ﷺ الذي نُقل عنه، ولا اجتهاد مع النص، وهكذا شأننا مع الآية، فإن فعله ﷺ رفع الخلاف في فهمها والمقصود منها.

الدليل الثاني: قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}.

والأهلة هي اثنا عشر هلالاً، والشهر هو ما بين الهلالين، فإذا رؤي الهلال في بلد صح لنا أن نقول بأن الشهر الفلاني دخل ويصبح ميقاتاً لنا في صيامنا وحجنا، ولَعمري، لو أن رجلاً خرج علينا بقوله أنه يرى أن ليلةالقدر ?وهي الليلة التي نزل فيها القرآن، والتي جاء القرآن القطعي الدلالة والثبوت بأنها ليلة واحدة- عدة ليال وليست ليلة واحدة آخذاً باختلاف المطالع، وبأن يوم النحر ?العيد- وهو العاشر من ذي الحجة، هو يوم الوقوف بعرفة وليس عيداً، لكان لقوله قيمة واعتبار ?على أصولكم وقولكم باختلاف المطالع- وهذا القول فاسد كما لا يخفى، ولا أدل على فساده من أنه لم يقل به أحد من المسلمين فضلاً عن علمائهم.

الدليل الثالث: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.

والرد إلى الله معناه الرد إلى كتابه، بمعنى أن يكون المُحكَم قاضياً على المتشابه، والناسخ قاضياً على المنسوخ، وهكذا… فلا محل مثلاً للاستدلال بآية الوصية في الميراث مع نسخها بآية المواريث، ونسخ ثبوت الواحد للعشرة بثبوت الواحد للاثنين بقوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ}، وغير ذلك كثير.

أما الرد إلى الرسول فإنّ المقصود منه، أنه يتعيّن على المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف عند فعله وقوله الذي بينه لنا ﷺ، ومن ذلك أنه ﷺ لرفع الإشكال والإجمال في حديث(صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته…) بين لنا ذلك بفعله فقد صام وأفطر برؤية غيره.

الدليل الرابع:

قوله ﷺ: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدّة ثلاثين).

وهذا الحديث من أصرح ما جاء في ضرورة اتحاد المسلمين في صومهم وفطرهم، وذلك أنّ قوله ﷺ: (صوموا، أفطروا) إما أن يكون للحاضرين معه أو لمجموع أمته، ولا يحتمل لغةً غير هذا.

أما الاحتمال الأول فباطل ولم يقل به أحد، ذلك أنّ خطاب الرسول ﷺ خطاب لأمته كلها لا يخص به فرد أو مجموعة، إلا أن يأتي دليل يدل على التخصيص، فلم يبقَ إلا ان الخطاب لأمته غير مخصص.

هذا في قوله: (صوموا وأفطروا)، أما قوله: (فإن غُمَّ عليكم) فإنَّهُ قد علّق الأمر بأداة الشرط (إن) فكأنه قال: (صوموا إلا أن يُغم عليكم الهلال)، وهو لم يغمّ علينا برؤية بعضنا، وكذلك فإنّ الفعل الماضي (غُم) هو فعل ماضٍ مبني للمجهول، وكأن القول أصبح: (أيها المسلمون إذا رأى الهلال أي واحد منكم فيلزمكم برؤيته الصيام والإفطار).

الدليل الخامس: أنَّ أُمَّ الفَضْلِ بنْتَ الحَارِثِ، بَعَثَتْ كُريباً إلى مُعَاوِيَةَ بالشَّامِ، قالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الهِلَالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، ثُمَّ ذَكَرَ الهِلَالَ، فَقالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الهِلَالَ؟ فَقُلتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فلا نَزَالُ نَصُومُ حتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلتُ: أَوَلَا تَكْتَفِي برُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ.

فهذا الحديث والذي استدل به القوم على أنه حجة لهم -وليس الأمر كذلك-، فإن كُريباً قد سأل ابن عباس ?رضي الله عنه- أَوَلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه..؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ.

هذا الحديث مشتمل على موقوف ومرفوع، فأما الموقوف فهو عدم قبول ابن عباس خبر كريب، وعدم موافقته معاويةَ في صيامه وإفطاره، وأما المرفوع فهو (هكذا أمرنا رسول الله ﷺ).

فإنَ الحديث ليس فيه ذكر لاختلاف المطالع ولا لكلِّ بلدٍ رؤيته بل إن كل ذلك من التقوّل على الحديث وتحميله ما لا يحتمل، سيما أنَ الحديث ورد مبيَّناً مُفسَّراً من رواية كُريب نفسه وهو الحجة والفصل.

قال البيهقي في سننه: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد بن شريك حدثنا ابن أبي مريم انبأنا محمد بن جعفر أخبرني محمد بن أبي حرملة أخبرني كُريب أنه سمع ابن عباس يقول: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نصوم لرؤية الهلال ونفطر لرؤية الهلال فإن غُمَّ علينا أن نكمل الثلاثين).

فهذا هو حديث كُريب نفسه، اختصره بعض الرواة بقوله: (هكذا أمرنا رسول الله ﷺ) ولم يزد.

والواقع أنَ ابن عباس قال مفسِّراً، ويدل ذلك على أنّ الراوي لحديث كريب الذي احتجوا به هو نفس الراوي لهذا الحديث المُفسَّر وهو محمد بن أبي حرملة، ويدل على هذا أن مسلماً في روايته ساق الحديث دون أن يقول لمن نُقل له أن رآه (إن مطلعنا غير مطلعكم، ولكل بلدٍ مطلع) كما ادعاه القوم، ولا دليل عليه.

الدليل السادس: روى البيهقي من طريق ورقاء بن عمر عن عبد الأعلى الثعلبي عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: (كنت مع البراء بن عازب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما بالبقيع فنظر إلى الهلال، فأقبل راكبٌ، فتلقاه عمر، فقال: من أين جئت؟، قال: من المغرب، قال أهَللتَ؟ (أي هل رأيت الهلال) قال: نعم، قال عمر: الله أكبر، إنما يكفي المسلمين الرجل).ورواه الدارقطني والحاكم وأبو يعلى، قال ابن حجر في المطالب العالية: (ورجاله ثقات).

فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهِم من الحديث خلاف ما نُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو الفهم الذي ندين الله به، ولا نرى غيره، وحجتنا الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة.

وهنا مسألة هامة ذكرها علماء الفلك في جامعة الملك عبدالعزيز، قالوا بعد كلام طويل: (وإذا أخذنا بالقول الشرعي بأنه إذا اشترك بلد مع آخر بليل، فإنه يؤخذ برؤية البلد الآخر ويصومان ويفطران معاً، وعلى هذا الأساس فإن جميع بلدان العالم الإسلامي يجب أن تصوم وتفطر في يوم واحد لأنها جميعاً تشترك مع بعضها البعض بليل).

وأخيراً فإن القول باختلاف المطالع ذريعةٌ للحكام المتلاعبين بالدين، النابذين له وراء ظهورهم، لكي يفرقوا الأمة تبعاً لإبراز شخصياتهم على غيرهم من الحكام ?وإن رُؤي الهلال- بحجة أنهم لم يروه في بلادهم التي قسمها الكافر المستعمر بعد احتلالها، وإلا فأيُّ دين وأيُّ فقه هذا الذي جعل الحكم الشرعي تابعا للحكام، فاليمن مثلاً كانت مطلعين قبل الوحدة ثم أصبحت بإذنٍ من الكافر مطلعاً واحداً، والضفة الغربية كان مطلعها مع الشرقية قبل فك الارتباط ثم بعد فك الارتباط وأوسلو أصبحت مطلعاً واحداً، وقل مثل ذلك في سيناء قبل كامب ديفيد.

فليتق الله هؤلاء الذين يتسمُّون بالعلماء الذين ما فعلوا ذلك إلا ليرضوا حكامهم الذين يرسخون التقسيم في بلاد المسلمين، فهم لم ينظروا للأمر إلا مطاوعةً لسايكس وبيكو، وليس مطاوعة للحكم الشرعي.

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير/ ولاية الأردن:

الأستاذ أبو المعتز بالله الأشقر.

29 رمضان 1441 هجري

الموافق 22/5/2020 ميلادي**

**رمضان: خصائص ولطائف

الشيخ صفوت الشوادفي

الحمد لله الذي بنعمتِه تتمُّ الصالحات، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، إمامِ الصائمين والقائمين، والعاكفين والصالحين.

وبعد:

فقدْ أظلَّنا شهرٌ كريم مبارَك، كتَبَ الله علينا صيامَه، وسنَّ لنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قيامَه، فيه تُفتح أبوابُ الجنة، وتُغلق أبوابُ الجحيم، وتُغلُّ فيه الشياطين، مَن صامه إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، ومَن قامَه إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألْف شهر، مَن حُرِم خيرَها فقد حُرِم، وقد بارَك الله في هذا الشهر، وجعل فيه من الخصائص واللطائف، والعِبرَ ما ليس في غيره من الشُّهور.

فمِن لطائفه وعجائبه أنَّه أسرع قادم، وأسرع ذاهب، فإنَّ شهور السنة - وهي جزءٌ من عمر الإنسان - تَمرُّ مرَّ السَّحاب، ولا نشعر بذلك إلاَّ بقدوم رمضان لسرعة عودته بعد رحيله.

وهو أسرعُ ذاهب؛ لأنَّه ما أن يبدأ حتى ينتهي، وتمرُّ أيامُه ولياليه مرورَ النسيم تشعر به ولا تراه.

وأعجب من ذلك كثرةُ دموع التائبين التي تنهمِر في ليل رمضان، كأنَّها سيلٌ جارٍ، أين كانت هذه الدُّموع الغزيرة عبرَ شهور كثيرة قد مضت وانقضت؟ لقد حبستْها المعاصي، وسجَنَها القلْب القاسي، ثم أطلقتها التوبة فسالتْ وانحدرت من مآقيها؛ لتنقذَ العين من عذاب الله؛ لأنَّها بَكَتْ من خشية الله؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((عينانِ لا تمسهما النار: عينٌ بَكَتْ من خشية الله، وعين باتتْ تحرس في سبيل الله))؛ رواه الترمذي (1639).

وفي رمضان يُقبِل المسلمون في المشارِق والمغارب على القرآن، في اللَّيْل والنهار، ويتنافسون على تلاوتِه في الصلاة، وفي غير الصلاة، يدفعهم إلى ذلك رجاءُ رحمةِ الله، والخوف من عذاب الله.

كما يختصُّ رمضان دونَ غيره من الشُّهور بكثرة التائبين والعائدين إلى الله، فهو شهرٌ تَوجَل فيه القلوب، وتدمع العيون، وتَقشعِرُّ فيه الجلود، وهذه الصِّفات الثلاثة كانتْ ملازمةً للجيل الأوَّل في كلِّ شهور العام، كما أنَّ هذه الصفاتِ قد جعلها الله - عز وجل - علامةً صادقة على الإيمان؛ فقال - سبحانه وتعالى - عن الصفة الأولى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2].

وقال في الثانية: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23].

وقال عن الثالثة: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83]، وقد أثْمَر هذا الإيمانُ الراسخ، واليقين الكامل عندَ السلف الصالح مجموعةً من الخِصال التي يحبُّها الله ورسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والتي لا تجتمع أبدًا إلاَّ في مؤمن صادق، ويجمعها عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - في قوله: “ينبغي لحامِل القرآن أن يُعرَف بليله إذِ الناسُ نائمون، وبنهاره إذ الناس مُفطِرون، وبحُزنِه إذ الناس يفرحون، وببكائِه إذ الناس يضحكون، وبصمتِه إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون”.**

**ليلة القدر خير من ألف شهر

بقلم : الأستاذ فرج الشهاوي

قال تعالى : “إِنَّا أَنْزَلْنَاه فِيْ لَيْلَةِ القَدْرِo وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِo لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍo تَنَزَّلُ الملاَئِكَةُ وَالرُّوْحُ فِيْهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلّ أَمْرٍo سَلاَمٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرo” تحدّثتِ الآيات عن نزول القرآن الكريم ، وعن فضل ليلة القدر على سائر الأيام والشهور ، لما فيها من الأنوار القدسية والتجلّيات الربّانية والنفحات ، التي يفيض بها البارئ ? جلّ وعلا ? على عباده الصائمين ، تكريمًا لنزول القرآن ، وكما تحدّثت عن نزول الملائكة الأبرار حتى مطلع الفجر ، وبأنها ليلة عظيمة رفع الله قدرها ، وأن العبادة فيها خير من ألف شهر. كما أجمع المفسرون أنها منحة ربّانية للأمة الإسلامية ولرسولها عليه الصلاة والسلام .

ما أسباب هذه المنحة الربّانية ؟

وقد رُوِيَ يومًا لرسول الله ? صلى الله عليه وسلم ? ، أن رجلاً من الأمم السابقة على الإسلام ظلّ يجاهد في سبيل الله ألف شهر، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم مهمومًا؛ لأن أمته قصيري الأعمار، قليلي الأعمال !!! فدعا ربّه، وقال: “يا ربّ جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارًا وأقلّها أعمالاً”، فأعطاه الله ليلة القدر، وقال: “ليلة القدر لك ولأمتك خير من ألف شهر جاهد فيها ذلك الرجل” رواه “ابن عباس”، وقال “مجاهد”: عملها وصيامها خير من ألف شهر .

لماذا سُمِّيَتْ بـ “ليلة القدر”؟

وسُمِّيَتْ بـ “ليلة القدر”، لعظم قدر ما وقع فيها من بدء نزول القــرآن ، وبعثة النبي “محمد” ?صلى الله عليه وسلم ? برسالة الإسلام كخاتمة للرسالات السماوية، أو لرفع الله ثواب الصائمين وثواب العبادات فيها إلى الألف في غيرها ، ولما جعل الله فيها من الفيض الربّاني وما فيها من التجلّيات ومن هذه النفحات الربّانية .

فيا سعد من أحياها بالقيام وبقراءة القرآن الكريم وبذكر الله فيها حتى تفيض على الذاكرين البركات وتتجلّى عليهم الرحمات ، قال تعالى: “فَاذْكُرُوْنِيْ أَذْكُرُكُمْ وَاشْكُرُوْا لِيْ وَلاَ تَكْفُرُوْنَ”، كما أن فيها حكمة الصوم الصبر والحكم .

ما الحكمة من إخفاء ليلة القدر ؟

من مأثور الأقوال عن إخفاء ليلة القدر في شهر رمضان أو في العشرة الأواخر من رمضان ؛ لأن الله أخفى أمورًا في أمور، لحكم جليلة ولمصالح عظيمة لكي يجتهد العباد في العبادات وفي الطاعات:

قال رسول الله ? صلى الله عليه وسلم ? “إن لله في أيام دهركم نفحات ، ألا فتَعرَّضوا لها ، فلعلّ أحدكم تصيبه نفحة ، فلا يشقى بعدها” . ومعنى التعرّض لها أنها فضل من المنعم على عباده ، ولعلّ أَنّ ليلةَ القدر من أعظم ما يفيض الله به على أمة الإسلام، قال الله عنها : “حـٰـم * وَالكِتَابِ المُبِيْن * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِيْ لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِيْنَ * فِيْهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيْمٍ”.

? فأخفى الله ليلة القدر في ليالي رمضان ؛ ليجتهد الصائمون في كل لياليه .

? وأخفى الله ساعةَ الإجابة في يوم الجمعة وليلها؛ لنداوم الدعاء فيهما معًا .

? وأخفى الله الصلاةَ الوسطىٰ في الصلوات الخمس ؛ لنحافظ على كل الصلوات .

? وأخفى الله اسمَه الأعظم ، الذي إذا دُعِيَ به أجاب ؛ لندعوه بكل أسمائه الحسنى .

? وأخفى الله رضاه وثوابه في طاعته وعبادته ؛ لنحرص على العبادات كلها .

? وأخفى الله غضبَه في معاصيه ؛ لكي ينزجر العباد عن كل معاصيه .

? وأخفى الله وَلِيَّهُ في عباده الصالحين ؛ لنحسن الظن بكل الصالحين من عباده .

? وأخفى الله يوم القيامة ؛ ليكون العباد في خوف واستعداد ليومها .

? وأخفى الله عن الإنسان أجله ؛ ليكون الإنسان دائمًا في خوف من حساب ربه .**

**انتصارات شهر رمضان العظيم .

غزوة بدر

وأول انتصار عظيم كان يوم السابع عشر من رمضان فى السنة الثانية من الهجرة فلقد التقى النبى صلى الله عليه وسلم ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من أصحابه على غير استعداد لحرب ضد ألف من صناديد كفار مكة أهل الحرب المعروفين والمستعدين بكل قوة والذين خرجوا كما قال تعالى: " بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله. " وأقبلوا كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: “بحدهم وحديدهم يحادون الله ويحادون رسوله”. يريدون ليطفئوا نور الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره وانجلت المعركة عن نصر مظفر للمسلمين وهزيمة ساحقة للمشركين ليعلن للدنيا كلها أن نصر الله آت ودين الله ماض.

غزوة الخندق

في الأيام التالية لرمضان مباشرة، من العام الخامس للهجرة، أي في شوال الشهر الذي يعقب رمضان مباشرة، أي أنه يحمل في إهابة البصمات الإيمانية الحية والمناخ العقدي الصافي لرمضان، وقعت غزوة الخندق التي انتصر فيها المؤمنون، على معاقل الشرك العربي واليهود >الأعداء التاريخيين للأمة.وذلك عندما تجمعوا في تشكيل حربي أطلق عليه مصطلح >الأحزاب< وفقاً للوصف القرآني? لذا لم يخطئ أحد الباحثين، عندما ذهب إلى أن هذه الغزوة، تعتبر بمثابة الانبثاق الحقيقي للحضارة الإسلامية ـ كحاضرة كونية متفردّة في سماتها الربانية والبشرية ـ من رحم التاريخ، وهذا يعني أن الالتزام بمعطياتها يمثّل ضرورة إيمانية? ولعل أهم ملمح بارز يُجسّد أبعاد الانتصار الحربي في هذه المعركة، هو أن مستقبل الأمة الإسلامية جغرافياً وتاريخياً، بل وحتى حضارياً، قد تقرر في غزوة الخندق، وذلك من خلال استشراف الرسول صلى الله عليه وسلم بثاقب بصره ـ على ضوء هدي السماء ـ لما ينتظر هذه الأمة فيما يستقبلها من أيام، وذلك عندما لاحت له معالم هذا المستقبل المشرق، أثناء تفتيت الصخرة الصلدة التي اعترضت الصحابي الجليل سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ صاحب فكرة الخندق التي كانت جديدة على العقل العربي ـ بيده الشريفة، فبدت أمامه كل الأراضي التي فتحها المسلمون بعد انتقاله للرفيق الأعلى كالعراق والشام ومصر.إلى آخره، بل إنه صلى الله عليه وسلم قد بشَّر أمته بفتح القسطنطينية وفتح روما ـ إن شاء الله ـ ومن هنا نرى أن هذا الانتصار الإيماني والحربي لأمتنا الإسلامية على أعدائها، قد وقع في تلك الأيام المباركة التي أسهمت إشعاعات رمضان الروحية في تكوينها وإضفاء طابع من الدينامية المتفجرة والحيوية الحضارية عليها?

فتح مكة

ومن انتصارات رمضان العظيمة فتح مكة الذى أعز الله به دينه ورسوله وجنده وأنقذ به بلده الأمين وطهر فيه بيته الحرام الذى جعله هدى للعالمين من دنس الكفار والمشركين.

فبعد أن غدرت قريش ونكثت العهد الذى أبرمته فى صلح الحديبية بمساعدتها قبيلة بكر على قبيلة خزاعة حليفة المسلمين فكان لابد من نجدة خزاعة وإذلال الشرك والمشركين. ولعشر خلون من شهر رمضان المبارك سنة 8 هـجرية غادر الرسول والمسلمون المدينة متجهين الى مكة فى عشرة آلاف من الصحابة الكرام وقسم الرسول المسلمين الى فرق ورسم لكل فرقة خطة دخول مكة ولم يلق الجيش المسلم آى مقاومة ودخل الرسول مكة منتصرا وطهر البيت من الأوثان وأذن بلال من فوق الكعبة وصفح النبى الكريم عن أهل مكة وأعدائه. وأمر النبى بهدم اللات ? والعزى ? ومناة - … وتم القضاء على الوثنية معركة القادسية

معركة القادسية

لعل أبرز المعارك التي انتصرت فيها أمتنا إبان العصر الراشدي، هي معركة القادسية، التي وقعت في رمضان سنة (16هـ) بين المسلمين والفرس وكان قائد المسلمين الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وبلغ جيش المسلمين فيها نحو عشرة آلاف، وكان قائد الفرس رستم ذا الحاجب، ويتكون جيشه من مئة وعشرين ألف مقاتل، وقد مات المثنى بن حارثة قبل المعركة، ومن القادة الذين كانوا يساعدون سعد بن أبي وقاص، المغيرة بن شعبة، وقيس بن هبيرة، وطليحة بن خويلد، الذي كان قد ادَّعى النبوة ثم تاب وأناب، وقبيل المعركة تم اتصال بين المسلمين والفرس بغية الوصول إلى اتفاق بمنع الحرب، ولكن هذا الاتصال لم يسفر عن نتيجة، فقامت المعركة، وهي من المعاركة الهامة في تاريخ الحروب بين المسلمين والفرس فرَّ فيها رستم وعشرات الآلاف من جنوده، وغنم فيها المسلمون مغانم كثيرة، وقد استمرت المعركة عدة أيام (4)

إن معركة القادسية كانت بمثابة المعركة الحربية الحاسمة، التي ساعدت الأمة الإسلامية الفتية ـ آنذاك ـ على أن تنعطف انعطافة جديدة في مسيرتها التاريخية، وذلك كانعكاس طبيعي لانتصارها الظافر هذا على الحضارة الفارسية، التي كانت تهيمن هيمنة كاملة على الجناح الشرقي للوجود البشري آنذاك، وبالتالي تسنَّى لأمتنا في هذه الموقعة الحاسمة تغيير ملامح التاريخ البشري، وذلك بعد أن استطاع المسلمون في هذه المعركة أن ينهوا الوجود الفارسي وسيطرته على تلك المناطق الهامة من العالم حينئذ، وفي موقعة القادسية تبلوَر أيضاً مدى الإعجاز الفريد للجانب العقدي الذي فجَّر ينابيعه الثرَّة الفيّاضة الإيمان الصادق في نفسية أمتنا الإسلامية، وذلك عبر الحوار الذي دار بين ابن من أبناء الحضارة البازغة >الإسلامية<، وممثل لتلك الحضارة الغاربة >الفارسية<، وهذان المتحاوران هما: الصحابي ربعي بن عامر رضي الله عنه، ورستم قائد الفرس، وذلك عندما دخل ربعي بن عامر على رستم، ودار بينهما الحوار التالي:

قال رستم لربعي بن عامر: ما الذي جاء بكم إلى هنا؟! قال: جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة<?**

**شهر رمضان: كيف نصومه ونصونه؟

الكاتب: د. محمد عمر دولة

مقدمة:

ما يكادُ يُذْكَرُ لفظُ (الصِّيام)؛ إلا ذهب بنا الخيالُ إلى معاني الكفِّ عن الشرابِ والإمساك عن الطعام ولعلَّ سببَ ذلك غلبةُ الاستعمال للألفاظ اللغويّة في معانٍ شرعيّةٍ مخصوصةٍ: كما غلب استعمال الصلاة وهي الدعاء في الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود، وغاب معنى النمو في الزكاة، ومعنى القصد في الحج؛ حتى صار طلبُ المعاني اللغويّة في بعض الأحيانِ يحتاج إلى تأمُّلٍ ذِهنيٍّ وبحثٍ لغويٍّ!

علاقة اللغويّات بالشرعيّات:

لا شكَّ أنّ طالبَ العلمِ يُدركُ العلاقةَ بين المعاني الشرعيّة والأصولِ اللُّغويّة التي نُقِلَتْ منها؛ وذلك لأنه ـ لشدَّة عنايتِهِ بالمصطلحاتِ الشرعيّةِ ومعرفتِهِ بمعاني النصوصِ ـ قد اعتاد ذهنُهُ على حَمْلِ الألفاظِ على معانيها الشرعيّة، وإن كان يَلْحَظ بذوقِهِ ومعرفتِهِ بعضَ إشاراتها اللغويّة!

وهذا ما يُعَبِّرُ عنه الأصوليُّون ـ والفقهاءُ في بعضِ فُرُوعِهِمْ ـ بقولِهم: “عند إطلاق لفظ الطَّهارة في لفظ الشارع أو كلام الفقهاء ينصرف إلى الموضوع الشرعيِّ دون اللّغويِّ. وكذلك كل ما له موضوعٌ شرعيٌّ ولغويٌّ؛ إنما ينصرف المطلقُ منه إلى الموضوعِ الشرعيِّ: كالوضوء والصلاة والصوم والزكاة والحج ونحوه؛ لأنّ الظاهر من صاحب الشرع التكلُّم بموضوعاته”.

المعاني اللغويّة للصوم:

ذكر اللغويُّون للصَّوْم نحواً من عشرةِ معانٍ، تتنوَّع في متعلَّقاتِها، وتتفق في مُشتقّاتِها! كما قال العلامة ابن فارس: “الصادُ والواوُ والميمُ: أصلٌ يدلُّ على إمساكٍ ورُكودٍ في مكان”. وقال ابنُ عبد البر: “معناه الإمساكُ عما كان يصنعه الإنسانُ من حركةٍ أو كلامٍ أو أكلٍ أو شربٍ أو مشيٍ ونحو ذلك من سائر الحركات”، وقال النووي رحمه الله: “الصيام هو في اللغة الإمساك ويستعمل في كل إمساك”. وقال الكاساني: “هو الإمساك المطلق وهو الإمساك عن أي شيء كان”.

  1. فمن ذلك: الإمساكُ عن الكلام، كما قالوا في قوله تعالى حاكياً عن مريم عليها السلام: (إنِّي نذرتُ للرحمن صوماً) : فقد ذكر المفسِّرون في أحد وَجْهَي التفسير أنه الصمتُ والإمساكُ عن الكلام، قال القرطبي: “الذي تتابعتْ به الأخبارُ عن أهل الحديثِ ورُواةِ اللغةِ أنَّ الصومَ هو الصمت؛ لأنَّ الصومَ إمساكٌ، والصمتُ إمساكٌ عن الكلام”. وعزاه العلامة الشنقيطي إلى “قول الجمهور”.

  2. ركودُ الرِّيح؛ إذْ “يقال: صامت الريح: إذا أمسكت عن الهبوب”.

  3. استواء الشمسِ انتصافَ النهار؛ كأنها ركدتْ عند تدويمها، وكذلك يقال: (صام النهارُ) قال امرؤ القيس:

فدعْها وسَلِّ الهَمَّ عنك بجَسْرَةٍ ذَمولٍ إذا صام النهارُ وهجَّرا!

وفسّره ابن عبد البر بقوله: “معناه إذا أمسكت الشمس عن الجري، واستوت في كبد السماء”. وقال الجوهري: “صام النهارُ صوماً: إذا قام قائم الظهيرة واعتدل”. وقال السرخسي: “صام النهار: إذا وقفت الشمس ساعةَ الزوال”. وقال الزبيدي: “صام النهارُ إذا اعتدل”.**

**رمضان شهر التكافل

الكاتب: حاتم ناصر الشرباتي

شهر رمضان له ميزة خاصة عند المسلمين، لأنّ أبرز الفرائض فيه الصوم ، والصوم عبادة من العبادات التي فرضها الله على عباده بميزة خاصة … لذلك كان قوله سبحانه و تعالى في حديثه القدسي " كل عمل بن آدم له إلا الصوم فهو لي و أنا أجزى به" ، و كان قول الرسول الكريم “لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك” فكان لشهر رمضان الكريم منزلة خاصة بين الشهور عند الله سبحانه و تعالى بنزول الوحى بالقرآن على نبى الله محمد صلى الله عليه و سلم فيقول الله تعالى فى كتابه الكريم " {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }البقرة185 " و لأن الله فضل هذا الشهر الكريم و فرض فيه عبادة الصوم على أمة محمد صلى الله عليه و سلم فلقد حبب خلقه فيه فترى المسلمين فى هذا الشهر جميعهم على قلب رجل واحد و حتى أولئك الذين يقصرون فى بعض العبادات تجدهم فى هذا الشهر الكريم حريصون على فريضة الصوم و على التقرب إلى الله سبحانه و تعالى …

والمعلوم ان الله سبحانه و تعالى حين فرض الفروض على عباده لم يفرضها بعلة فالعبادات لا تعلل ، والحقيقة التي لا تمارى أن جميع الفروض قد فرضها الله تعالى بحكمة أرادها قد ندركها وقد لا ندركها، فكان من حكم فرض الصوم أن يدرب الله عباده على طاعته و الامتثال لأوامره فتكثر الصدقات، لذا ترى الناس و هم يتسابقون فى فعل الخيرات من فرائض ومندوبات فى ذلك الشهر الكريم و ترى الناس و قد رقت قلوبهم و أصبحوا أكثر تكافل ومودة و رحمة. وفي الصوم تهذيب للنفس و إخماد للشهوات فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم فى حديثه الصحيح “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج و من لم يستطع فعليه بالصوم فإنه وجاء”.

ويمتاز شهر رمضان، أنه شهر المواساة والتراحم والتكافل بين المسلمين، حيث حثّ الإسلام على الصدقة في هذا الشهر توثيقا لرابطة المسلمين بعضهم مع بعض، وسدا لحاجة الفقراء والمساكين. فعن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا” (أخرجه الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن صحيح فقوله صلى الله عليه وسلم “من فطّر صائما” أي أطعمه وسقاه عند إفطاره دعوة إلى الترابط والتكافل والمواساة. فالترابط يظهر من خلال زيارة الأهل والأصحاب وما تنتجه الزيارة من ود ومحبة وتمتين لأواصر الرحم والصحبة. وأما التكافل والمواساة فيظهران في العطف على الفقراء بإطعامهم وما يمثله ذلك من مساعدة لهم على أداء الفريضة وإشعارهم بالأخوة في الدين وأنهم جزء من المجتمع غير منسي. ). والحقيقة، أن الغرض الأسمى من وراء قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من فطر صائما كان له مثل أجره”، هو حث الناس على إطعام الفقراء خاصة، وإن دخل في عموم الطلب إفطار الصائم مطلقا ولو كان غنيا. ذلك أن الفقراء في رمضان أحوج من غيرهم إلى لقمة تسد رمقهم وتقويهم على عبادة الصيام والقيام. فليس المقصود من الحديث، كما فهم بعض الناس، أن نفطّر الغني، أو نتخذ من رمضان مناسبة نظهر فيها الكرم والجود على الأهل والأصحاب وإن كانوا من الأغنياء، ونترك الفقير الجائع الذي لا يجد ما يأكله، فإن هذا لا يجوز. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به” (الطبراني في الكبير).

وفي الحديث الشريف كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ ، فَـ لَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ) رواه البخاري

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ ) رواه البخاري و مسلم

وفي الحديث الشريف كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ ، فَـ لَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ) رواه البخاري

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ ، وَذَلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ ]

وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ ، لاَ يَدْخُلُهُ إِلاَّ الصَّائِمُونَ ] رواه البخاري

وهناك أحاديث ثلاثة متفقٌ على صحتها فقد رواها البخاري و مسلم في صحيحهما ..

( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ

وعنه أيضاً [ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ]

وأخيراً [ عنه أيضاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ]

ويقول عليه الصلاة والسلام يقول الله عز وجل ( كل عمل بن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فانه لي و أنا أجزى به ترك شهوته و طعامه و شرابه من أجلى للصائم فرحتان فرحة عند فطره و فرحة عند لقاء ربه و لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك .. الصيام جنة فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث و لا يصخب فان سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم ..)

عن أبي أيوب رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر ] رواه مسلم

و روى أحمد النسائي عن ثوبان مرفوعاً : [ صيام شهر رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة ]

وعن أبي هريرة رضى الله عنه مرفوعاً : [ من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر ] رواه البزار و غيره.

وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال خرج من ذنوبه كـ يوم ولدته أمه ]

فندعوه تعالى أن يتقبل منا الصيام والقيام والطاعات في الشهر الفاضل وأن يمن علينا فيه بقيام دولة الخلافة الراشدة التي تعيد لهذا الشهر نوره وبهائه وتظهر التكافل الحقيقي فيه، اللهم آمين.

نشر وكالة معا الاخبارية " الثلاثـاء 03/08/2010 الساعة 18:44

www.maannews.net

**إنها: قيام ليل، وصيام النهار، وحُزْن وندم على التفريط والإسراف على النَّفْس، وبكاء من شدَّة الخوف، وصمت يحفظ من الزَّلَل، ويدعو إلى التفكُّر والتدبُّر، وخشوع محاط بذُلِّ العبودية لله رب العالمين.

ويجتمع في رمضانَ من صنوف البِر، وأوجه الخير أنواعٌ كثيرة وافرة، وكلُّها أبواب مفتوحة على الجنة، مفضية إلى رضوان الله، ومع كثرة الأبواب ووفرتها، فإنَّ المسلم قد يطرق بابًا واحدًا، ويغفل عن بقيتها، فيَحرِم نفسه، ويُضيِّع عمره هباءً!

قد يصوم ولا يقوم، أو يقوم ولا يتصدَّق، أو يتصدَّق ولا يقرأ القرآن، أو يصوم بطنُه ولا تصوم جوارحُه، أو يصوم النهارَ ولا يصوم الليل، فيمتنع عن الحلال نهارًا (الأكل والشرب)، ويُفطر على المعاصي ليلاً (الدخان والفيلم)، وإذا غلَبَك شيطانك في رمضان، فإنَّك لن تغلبَه ? غالبًا - في غيره؛ إلاَّ أن يشاء الله.

ومِن أعظم القربات، وأجَلِّ الطاعات التي غفل عنها الغافلون: تقديمُ النصيحة للمسلمين، ودعوتُهم إلى الخير، وتعليم جاهلهم، وتذكير غافلهم، فإنَّ الدالَّ على الخير كفاعلِه، وقد كان السَّلَف الصالح - رضي الله عنهم - يَرَوْن النصيحةَ والموعظة أعظم أجرًا، وأبقى نفعًا من الصدقة.

كتب عمر بن عبدالعزيز - رضي الله عنه - إلى القرضي: أمَّا بعد، فقد بلغني كتابُك تعظني، وتذكُر ما هو لي حظٌّ، وعليك حقٌّ، وقد أصبتَ بذلك أفضلَ الأجر، إنَّ الموعظة كالصدقة، بل هي أعظمُ أجرًا، وأبقى نفعًا، وأحسن ذخرًا، وأوجب على المؤمن حقًّا، لكلمةٌ يَعِظُ بها الرجل أخاه؛ ليزدادَ بها في هدًى رغبةً خيرٌ من مال يتصدَّق به عليه، وإن كان به إليه حاجة، ولَمَا يُدرِك أخوك بموعظتك من الهُدى خيرٌ ممَّا ينال بصدقتك من الدنيا، ولأن ينجوَ رجل بموعظتك من هلكة خيرٌ من أن ينجوَ بصدقتك من فقر.

وفي رمضان تُقبِل الأمَّة الإسلامية بكلِّ شعوبها على الله إقبالاً، لو استقامتْ عليه لنَصَرَها الله على أعدائها، وأوْرَثها سعادةَ الدنيا، ونعيمَ الآخرة.

لكنَّ الواقع يشهد أنَّ كثيرًا من المسلمين يكون مع الطاعات في كرٍّ وفرٍّ، فهو بين الإقبال والإدبار، فهل من عودة صادقة، واغتنام لفرصة سانحة، قبلَ أن تتمنَّى ساعةً واحدة من ساعات الدنيا، فلا تُعطاها؛ {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ} [المؤمنون: 99 - 100].

وإنَّ أكثرَ شيءٍ في الأحياء الغفلة، وأكثرَ شيء في الأموات النَّدم على ما فاتَ، فيا أيُّها المقبولُ، هنيئًا لك بثواب الله - عزَّ وجلَّ - ورضوانه، ورحمته وغفرانه، وقَبوله وإحسانه، وعفوه وامتنانه.

ويا أيُّها المطرود، بإصراره وطغيانه، وظلمه وغفلته، وخسرانه، وتماديه في عِصيانه، لقد عَظُمتْ مصيبتك، وخسرت تجارِتُك، وطالتْ ندامتُك، فأدرِكْ نفسك قبلَ أن تكون من القائلين: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 24].

فنسأل الله العظيمَ ربَّ العرْش العظيم أن يتقبَّل منَّا صيامَنا وقيامنا، وركوعَنا وسجودنا، وسائرَ أعمالنا الصالحات، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد، وآله وصحبه.**

**ليلة القدر خير من ألف شهر (2)

تحديد ليلة القدر في خلافة “عمر” ? رضي الله عنه ?

في خلافة “عمر بن الخطاب” رُؤِيَ اختلاف الآراء في تحديد ليلة القدر ، بأنها في شهر رمضان، ثم قالوا : بأنها في العشر الأواخر من رمضان ، ثم قالوا: بأنها في ليالي الآحاد التي هي ليلة: 21-23- 25- 27- 29، ثم توقّفت آراء الصحابة، فأراد “عمر” دقة التحديد، وكان “عمر” ? رضي الله عنه ? يمتاز بأنه من أصحاب “الإلهامات”، وممن يعرفون بأصحاب الحاسة السادسة ، فأرسل إلى الصحابي الجليل “عبد الله بن عباس”، وكان لا يزال شابًا في ريعان الشباب. إلاّ أنه كان يلازم رسول ا لله ? صلى الله عليه وسلم ? ملازمة العين لأختها ، وكان يجهّز له ماءَ وضوئه، ويصبّ عليه إذا أراد الوضوء ليل >راد >نها في العشر الأواخر من رمضان ، ثم قالوا: بأنها في، وفي ليلة باردة وجد الماء شديد البرودة ، فأوقد النار وأدفأ ماء الوضوء. وبعد أن توضأ رسول الله ? صلى الله عليه وسلم ? سَرَّهُ تصرّف “عبد الله” في إدفائه الماء، فرفع يديه ودعا له “اللهم فَقِّه في الدين وعلِّمه التأويل”، فاستجاب الله لرسوله ? صلى الله عليه وسلم ? فكان عبد الله يحفظ ما يقرأ ولو لمرة واحدة، وكان إذا حفظ لاينسى ، واشتهر برواية الحديث ، وفي تفسير القرآن ، وفي الفقه ، وكل علوم الإسلام ،حتى قالوا عنه بأنه: حبر أمة الإسلام الذي لا ينسى .

تحديد ليلة القدر في “27” رمضان

فطلب “عمر” من “عبد الله بن عباس” عن رأيه في تحديد ليلة القدر، فقال : يا أمير المؤمنين: إن السموات سبع ، والأرضين سبع ، وفاتحة الكتاب سبع، نَزَل القرآن الكريم على أحرف سبع، وتطورات خلق الجنين في بطن أمه سبع ، والطواف حول الكعبة سبعة أشواط، والسعي بين الصفا والمروة سبع ، ورمي الجمار سبع، ونحن نسجد على سبع، ويأكل الإنسان من حبوب سبع . وظلّ يُعَدِّد من أمور الحياة مع الإنسان على سبع . ولذلك فإني أرى أن ليلة القدر هي “ليلة 27 رمضان” ، فكبّر من حضر من كبار الصحابة وشيوخ وعلماء المسلمين ، حتى ارتجت جنبات المدينة كلها تأييدًا لرأي “ابن عباس” وسعدوا برأي “ابنٍ عباس” ، وقال “عمر” مؤيدًا ومشاركاً له : لقد فطنت لما لم نفطن إليه ، ومنذ إقرار “ابن عباس” وتأييد الصحابة رضي الله عنه وهي في ليلة 27.

كيف نحيي ليلة القدر ؟

فعلينا أن نحيي ليلة القدر بالتفرّغ الكامل للعبادة وبالصلاة وبالقيام ، وأن نتوب إلى الله توبةً نصوحًا عما وقع منّا من أخطاء ، وأن نردّ ما علينا من حقوق إلى أصحابها ، وأن نكثر من قراءة القرآن الكريم ، وأن نكثر من الاستغفار، ومن ذكر الله تعالى، وأن ننصرف عن مشاهدة الملاهي والتلاهي في تلك الليلة العظيمة، داعين الله راجعين إليه منيبين سائلين الله من كلّ قلوبنا ، بأن نكونَ من العُتقاء والمقبولين في تلك الليلة ، ليلة الغفران وقبول التوبة ، فهي يا أخي القارئ ! ليلة الفيض الربّاني، والعبادة فيها خير من عبادة “ألف شهر” خالية من ليلة القدر، أي 3/831 عامًا لعابد متفرّغ، فيا سعد من أحياها بحقها ، ويا خسارة من غفل عنها وضيَّعها!!

“إن للّه في أيّام دهركم نفحات”

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إن لله في أيّام دهركم نفحات ، ألا فتعرّضوا لها ، فلعلّ أحدكم تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبدًا” ، ومعنى التعرّض لها أن يجتهد فيها كلّ جهده ، وأن يخلص النيّة لله واثقًا من وعد ربه ومن فضله ومن فيضه ، وأنّها ليلة تشرق فيها الأرض بنور ربها، حيث يتجلّى الله على عباده في تلك الليلة : ألا هل من مستغفر فأغفر له .. ألا هل من تائب فأتوب عليه ، ألا هل من داع فألبيّ دعاءه ، ويباهي اللهُ الملائكة بعباده الصائمين العابدين .

ليلةُ القدر هي جوهرة الليالي والأزمان

ليلةُ القدر هي جوهرة الليالي، وسيِّدة الزمان، وأكبرُ منحة ربّانيَّة للأمّة الإسلامية . فمن أراد الله له التوفيق والسعادة فيجب عليه أن يتخلّى فيها عن مشاغل الدنيا وملاهيها ، وأن يتّجه إلى الله بكل قلبه ونفسه وكيانه نادمًا على ما فات عازمًا على الخير كلّ الخير فيما هو آت ، وأن نؤدّي ما علينا من زكاة وصدقات ، وأن نصلَ أرحامنا وغيرهم من الضعفاء ومن الأيتام ؛ لأنّ الصدقةَ على القريب المحتاج لها ضعف ثوابها على غيره . وعلينا أن نتّجه إلى الله بكل حواسنا وبكل إحساسنا ؛ لأنّ الثواب والأجر سيكون لمن أخلص فيها وصدق.**

**انتصارات شهر رمضان العظيم (3).

موقعة حطين

من أيام رمضان المشهودة أيضا موقعة حطين فلقد تجمع الصليبيين الذين جاءوا من أوروبا طمعا فى خير الشرق وفى أرض الشام وفلسطين أقاموا القلاع كما حصنوا المدن الساحلية وحشدوا جيشا عظيما قوامه 70 ألف من المشاة والفرسان وأخذوا يعيثون فى الأرض طغيانا وفسادا وعملوا على إذلال المسلمين والتنكيل بهم.وجاء صلاح الدين الأيوبى فوحد صفوف المسلمين وجمع جيشا من كل البلاد بقيادة مصر وبنى خطة حكيمة مستعينا ومتجها الى الله ودخل فى معركة فاصلة واستمر لهيب المعركة مستعرا حتى انقشع غبارها عن هزيمة منكرة للصليبيين وتم نصر المسلمين فى شهر رمضان العظيم وتهاوت قلاعهم فلم تغن عنهم شيئا وامتلأت أيدى المسلمين منهم بالأسرى. وأمتلأت منهم الأرض بالجثث.

معركة عين جالوت

ظهر جنكيز خان فى شمال الصين ومن وراءه جاء هولاكو يقود جيوشا جرارة من التتار التى تقدمت فى البلاد تقتل وتخرب وتدمر كل شىء الأخضر واليابس دمرت الحضارة ودور العبادة ةأصبحت خطرا على البشرية جمعاء واندفعت هذه الجيوش الهمجية فى ايران والعراق وجاءت بغداد فهدمت القصور وسفكت الدماء وحرقت الكتب ودمرت كل شىء وقدر القتلى بمليونين وثمانمائة ألف من المسلمين ولم يتركوا الأخضر ولا اليابس وبدأت مدن الشام تتساقط فى أيديهم حتى وصلوا الى غزة وزاد غرور التتار وتوحشهم .ولكن الله جعل عبدا من عباده الصالحين يتصدى لهم هو سيف الدين قظز فى مصر وجاءت رسل التتار نذر الخراب سنة 658 هجرية وسلموا قظز إنذارا. فكان جواب قظز أن أمر بقتلهم وكانوا خمسة عشرا رسولا وتعليق رؤوسهم على أبواب القاهرة وبدأ بتجهيز جيشاً مصرياً قوياً ومن كل المسلمين بدأه باصلاح دينهم والاتجاه الى الله ورد الحقوق ونشر العدل ورفع الظلم وتقديم النفس والنفيس فى سبيل الله ودعى المسلمين من كل مكان أن يتحدوا ويتجهزوا معه فى جيش واحد لقتال جحافل التتار وتخليص بلاد المسلمين.

وزحف جيش المسلمين الى عين جالوت وفى 15 رمضان من سنة 685 هجرية وجه الجيش الاسلامى هجوما قويا شديدا على جموع التتار وتم سحقهم سط نداءات القائد المظفر قطز والمسلمون: وا إسلاماه وا إسلاماه.وانتهى اليوم الخالد بانصار عظيم للمسلمين وتم كسر شوكة التتار وبذلك تم انقاذ البشرية كلها من هذه الشعوب البربرية المتوحشة سفاكة الدماء. حرب العاشر من رمضان / السادس من اكتوبر

معركة العاشر من رمضان

ومن ملاحم رمضان الخالدة نصر العاشر من رمضان فبعد أن احتل اليهود سيناء الحبيبة والجولان والضفة والقدس وغزة فى 5 يونيو 1967 م وأخذوا يتغنون بأسطورة جيشهم الذى لا يقهر ويذلون العرب من أدناهم الى أقصاهم وعاشت مصر والعرب بل المسلمين جميع 6 سنوات من المذلة والهوان ولكن مصر اعادة بناء جيشها وجهزته بالعتاد وخيرة الشباب وبالتخطيط الجيد مع الشقيقة سوريا وبارادة صلبة قوية وايمان قوى عظيم وبخطة دقيقة محكمة فجاءت اسرائيل والعالم كله الساعة الثانية بعد الظهر وفى رمضان 1393هـ انطلقت أكثر من 220 طائرة تدك خط بارليف الحصين ومطارات العدو ومراكز سيطرته وفى نفس الوقت سقطت أكثر من عشرة آلاف وخمسمائة دانة مدفعية وتعالت صيحات الله أكبر وتم عبور القناة واقتحام حصون العدو وتحطيمها واندحر العدو وهزم شر هزيمة ورجعت أرض سيناء كاملة بعد ذلك نتيجة لهذه الحرب المجيدة وهذا الشهر العظيم شهر عزة المسلمين والذلة لأعداء الحق أعداء الدين، وقد استغل فرعون مصر أنور السادات هذا الانتصار العظيم الذي حطم زعم الحكام العرب أن جيش اليهود لا يُقهر في الخيانة العظمى، بزيارة القدس في ظل الاحتلال وخطابه أما م الكنيست اليهودي ومن ثمّ ابرام صلح مع يهود.

منقول**

**انتصارات شهر رمضان العظيم (2).

فتح الأندلس

استكملت الحضارة الإسلامية رسم ملامح خريطتها الجغرافية الكبرى، بعدما تمَّ فتح الأندلس في (رمضان 92هـ ـ يوليو 711م) في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك، إذ استطاع قائده الفذّ طارق بن زياد فتح تلك البلاد ـ التي كانت تسمى بشبه الجزيرة الإيبيرية ـ وضمها إلى كيان الدولة الإسلامية، وتكمن في الفتح الإسلامي للأندلس معجزة الإسلام، فالإسلام كدين وحضارة يحقق به الإنسان المسلم ـ وبقدرة الله ـ المعجزات? وفي الواقع أن هذا التقدم في فتح الأندلس، لا يعني بأي حال من الأحوال أنه كان فتحاً سهلاً، بل لقد تمَّ ـ بهذا الشكل ـ بذلك النوع المتميز من الأجناد، أجناد العقيدة الإسلامية ـ في أجواء رمضان العابقة بشذى الإيمان والمضمَّخة بندى الإسلام? فبدا سهلاً، إلى حد أن وصفه نفر من الإسبان بأنه كان نزهة عسكرية، كله كان هو كذلك أمام هذا النوع من الجند أصحاب العقيدة الإسلامية، فهم قد استهانوا بالصعاب وبذلوا النفوس رخيصة من أجل رفع شأن الإسلام وحضارته الحقة، ومن هنا نرى أن الفتح نفسه لم يكن يحتوي على نزهة أو ما يماثل شكلها، وإذا كان هذا الوصف مقبولاً، فأمام هذا النوع من الجند، كانت التضحيات كثيرة والجهد كبير، والدروب شاقة، والمناخ شديد، والجو غريب، والأرض صخرية عنيفة، وكان مستوى العقيدة أعلى من ذلك وأكبر، فانساب الفاتحون في شوطهم بهذه السرعة، فبدت للآخرين كأنها نزهة، لكنها روحية من أجل إعلاء كلمة الله في الأرض، وهي مجلبة لراحة المؤمن وفرحته بنصر الله إن عاش وبجنته إن استشهد(5)? وفي هذا يقول عز من قائل: (هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين) التوبة:52? ولقد نتج من هذا الفتح المبين، أن انطلقت أمتنا الإسلامية انطلاقتها الحضارية في رمضان، ووصل إشعاعها إلى أوروبا المظلمة آنذاك،

بلاد السند

ففي رمضان استطاعت الأمة الإسلامية أن تثبت هذه الوثبة الحضارية، وبالتالي انتقلت وثباتها التالية إلى مناطق شتى من العالم، وصل إليها الإسلام بفضل الفتوحات الإسلامية التي تمت إبان العصر .

وفي نفس الشهر كان محمد بن القاسم الشاب الذي كان تحت سن العشرين يشق جبال السند ومعه قلة باسلة من الشباب المسلم منهم من حملته السفن ومنهم من كان يمتطي ظهور الخيل وكانت المعركة الفاصلة مع داهر ملك السند الذي خرج على رأس جيش من ركاب الأفيال ليبث الرعب في قلوب الفرسان ولكن الخيل كانت أشد صمودًا ودخل الإسلام بلاد السند ومنها إلى بلاد الأفغان على يد هذا الفاتح الشاب.

فتح عمورية

في سنة مائتين وثلاث وعشرين للهجرة، وفي شهر رمضان المبارك اقتحم المعتصم بالله العباسي حصون عمورية في مائة وخمسين ألفاً من جنوده.. وكانت عمورية غرة في جبين الدهر، والدرة والتاج في تأريخ الإسلام.. ولقد نقل إلى الخليفة أن امرأة مسلمة من العفيفات قد وقعن في يد جند من جنودالروم، فلما هم بسبيها نادت: وامعتصماه.. وامعتصماه.. فهز النداء نخوته، وأثار رجولته، وقال: لبيك.. لبيك.. فنهض المعتصم، ولبس لامته وتقلد سلاحه، وركب حصانه، وصاح بالنفير وهو على أبواب قصره.. وأقسم ألا يعود إليه إلا شهيداً محمولاً على الأعناق، أو ظافراً منتقماً للمدينة الغالية المنكوبة، والمرأة المسلمة المغصوبة.. وفي أرض المعركة قاتل الجيش المسلم الروم.. ولم تغب شمس يوم السابع عشر من شهر رمضان سنة مائتين وثلاث عشرين للهجرة إلا وكانت المدينة العريقة العتيدة قد فتحت أمام جيوش المسلمين المنتصرة.. وشوهد المعتصم بن الرشيد يدخل مدينة “عمورية” على صهوة جواده الأصهب .. وقد نكس رأسه خضوعاً لله وشكراً على نعمائه.. وعاد المعتصم الظافر إلى بغداد بعد هذا الفتح الكبير**

**أمّا اختلاف المطالع الذي يتذرع به بعضهم فهو من باب تحقيق المناط ، الذي بحثه العلماء السابقون، للواقع الذي كانوا يعيشونه، حيث كان المسلمون لا يتمكنون من إبلاغ رؤية الهلال إلى جميع أنحاء دولة الخلافة المترامية الأطراف في يوم واحد، لأنّ وسائل الإعلام التي كانت موجودة يومئذٍ كانت قاصرة عن ذلك. وقد احتج بعض هؤلاء بما رُوي عن كُريب «أنّ أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، فقال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستُهل عليّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال لكنّا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» فهذا ليس دليلاً شرعياً، وإنما هو اجتهاد لابن عباس في قوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» وابن عباس لم يأخذ برؤية أهل دمشق الهلال، لأنّ أهل المدينة المنورة لم يروه في اليوم نفسه.

وهذا الاجتهاد مخالف لصريح الحديث الذي رُوي عن جماعة من الأنصار، قال: «غُمَّ علينا هلال شوال فأصبحنا صياماً، فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله أن يفطروا، ثم يخرجوا لعيدهم من الغد» فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يفطروا في يوم حسبوه من رمضان بسبب رؤية غيرهم هلال شوال في غير المدينة المنورة، فالركب رأوا الهلال قبل وصولهم المدينة بيوم.

وأمّا اليوم، فوسائل الإعلام المتوفرة عند جميع الدول قادرة على نقل خبر رؤية الهلال إلى جميع العالم في بضع ثوان، فيلزم المسلمين الصيامُ أو الإفطارُ حال سماعهم خبر ثبوت رؤية الهلال من أيّ مكان على الأرض، سواء ثبتت الرؤية مباشرة أو بالعين البصرية أو بواسطة آلة مُكبِّرة أو مُقرِّبة. والرؤية المعتبرة هي الرؤية البصرية، ولا اعتبار للحسابات الفلكية إذا لم تثبت الرؤية بالعين البصرية، إذ لا قيمة شرعية للحسابات الفلكية في إثبات الصوم والإفطار، لأنّ السبب الشرعي للصوم أو الإفطار هو رؤية الهلال بالعين لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له».

وقوله صلى الله عليه وسلم : « فإن غُمَّ عليكم» أي إن لم تروه بأعينكم. وأما قوله صلى الله عليه وسلم «فاقدروا له» لا تعني الرجوع للحسابات الفلكية، وإنما تعني ما بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين».

أيها المسلمون: إنّ عدم توحيد رؤية الهلال ما هي إلا مشكلة من مشكلات عديدة تواجه المسلمين بسبب غياب دولة الخلافة، التي ترعى شؤونهم بأحكام الإسلام، وتوحدهم في ظلّ راية لا إله إلا الله محمد رسول الله. فعلى المسلمين التقيد بالحكم الشرعي في صيامهم وإفطارهم وكل أعمالهم، وإن لم يتقيد حكامهم به، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن بلغهم خبر رؤية مسلم هلال رمضان من أيّ مكان على الأرض، وجب عليهم الصيام، وإن بلغهم خبر رؤية مسلم هلال شوال من أيّ مكان على الأرض، وجب عليهم الإفطار.

أمّا الحلُّ الجذري الصحيح لجميع مشكلات المسلمين فإنّه بأيديهم، وهو العمل الجادّ مع العاملين المخلصين لاستئناف الحياة الإسلامية بإعادة دولة الخلافة، وتنصيب خليفة يوحد دولهم، ويطبق شرع الله عليهم، فيحملون معه رسالة الإسلام بالجهاد إلى الناس كافّة، لتكون كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، وبذلك يعيشون حياة عزٍّ وكرامة في الدنيا، وينالون رضوان الله وثوابه في الآخرة.

قال تعالى: ( وقل اعملوا فسيرى اللّـهُ عملَكُم ورسولُه والمؤمنون، وستُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغيبِ والشهادةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بما كنتم تعملون ) .

منقوووووول**

** الصَّومُ صِيانةٌ:

ليس الصيامُ لَعَمْرِي تَركاً للطعام والشراب فحسب؛ ولكنّه هَجْرٌ لشهواتِ النفسِ في ذاتِ الله، وتركٌ لكلِّ قبيحٍ ابتغاءَ مرضاةِ الله؛ فهو حِفظٌ للجوارحِ مِن النظرِ الحرام، والسمعِ الحرامِ، والقولِ الحرام. ولله درُّ القحطاني، حيث قال:

حَصِّنْ صِيامَكَ بالسُّكوتِ عن الخَنا أطْبِقْ على عَينَيك بالأجفانِ!

لا تَمْشِ ذا وَجْهَينِ ما بين الوَرَى شرُّ البريَّةِ مَنْ لَهُ وَجْهَانِ!

لا تَحْسُدَنْ أَحَداً عَلَى نَعْمائهِ إنَّ الحسودَ لِحُكْمِ ربِّك شانِ!

لا تَسْعَ بين الصاحبَيْنِ نميمةً فلأجلِها يتباغضُ الخلانِ!

ورحم الله ابنَ الجوزي حيث عبَّرَ أحْسَنَ التعبيرِ عن اللّذَّةِ التي يجدها الإنسان الذي يأتي الطاعات وينتهي عن المحرَّمات دِيانةً وصيانةً؛ فإنَّ حلاوةِ الإيمان أعظمُ عند أصحاب الأنفسِ الزكِيَّاتِ مما يجده السفهاءُ الذين حُرِمُوا لذَّةَ الكفِّ عن الشهوات! فقد قال رحمه الله: “باللهِ عليكَ.. تَذَوَّقْ حلاوةَ الكفِّ عن المنهِيِّ؛ فإنها شجرةٌ تُثْمِرُ عِزَّ الدنيا وشرفَ الآخرة؛ ومتى اشتدَّ عطشُك إلى ما تهوى؛ فابسطْ أناملَ الرجاء إلى من عنده الرِّيُّ الكامل، وقُلْ: قد عِيلَ صَبْرُ الطبعِ في سِنِيِّهِ العِجافِ؛ فاجْعَلْ ليَ العامَ الذي فيه أُغاثُ وفيه أعْصِر!” وما أحسنَ ما قيل:

لا تَجْعَلَنْ رَمَضَانَ شَهْرَ فُكاهَةٍ كَيْمَا تُقضَّى بالقَبِيحِ فُنونُهُ!

واعْلَمْ بأنَّكَ لَنْ تَفُوزَ بأجْرِهِ وتصُومَهُ حَتَّى تَكُونَ تَصُونهُ!

عن المشكاة الإسلامية


معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3/323. دار الكتب العلميّة. تحقيق عبد السلام محمد هارون.

المغني 1/6. دار الكتب العلميّة بيروت.

معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3/323.

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر 7/173. الفاروق الحديثة للطباعة القاهرة. ط2. 1422 هـ.

المجموع شرح المهذَّب للنووي 6/245. دار الفكر. ط1. 1407 هـ.

بدائع الصنائع 2/75. للكاساني. دار الكتاب العربي بيروت. ط2. 1402 هـ.

مريم 26.

والوجه الآخر مال إليه ابن كثير وابن عاشور، وهو “أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتِهم؛ يحرم عليهم الطعامُ والكلام” تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/159. جمعية إحياء التراث الإسلامي. ط5. 1420 هـ، والتحرير والتنوير لابن عاشور 16/90. دار سحنون تونس.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11/98. مكتبة الغزالي دمشق.

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 3/410. دار الفكر بيروت. ط 1415 هـ.

المبدع لابن مفلح 3/3. المكتب الإسلامي. بيروت. 1400 هـ.

ويُروَى كذلك : “فدعْ ذا”، كما في لسان العرب لابن منظور 5/255دار صادر بيروت. ط6. 1417 هـ.

ناقة جَسْرَة: ماضية، أو طويلة ضخمة. لسان العرب لابن منظور4/136.

الذَّمِيل: ضربٌ من السير. معجم مقاييس اللغة لابن فارس 2/360.

المرجع السابق 3/323.

التمهيد لابن عبد البر 7/174.

الصحاح للجوهري 7/1970. دار العلم للملايين بيروت. ط2. 1399 هـ.

المبسوط 3/54. دار المعرفة بيروت. 1406 هـ.

تاج العروس للزبيدي 8/373. دار الفكر بيروت.

القاموس المحيط للفيروزبادي 4/141. دار المعرفة بيروت.

معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3/323.

المجموع شرح المهذَّب للنووي 6/245. دار الفكر. ط1. 1407 هـ.

معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3/323.

بدائع الصنائع 2/75. للكاساني. دار الكتاب العربي بيروت. ط2. 1402 هـ.

الصحاح للجوهري 5/1970.

المَرَس: الحبل؛ سُمِّيَ لتمرُّس قواه بعضها ببعض، والجمعُ أمراسٌ. معجم المقاييس لابن فارس 5/310.

تاج العروس للزبيدي 8/373.

أساس البلاغة للزمخشري ص 365. دار صادر بيروت. 1399 هـ.

القاموس المحيط للفيروزبادي 4/141.

القاموس المحيط 4/141.

المرجع السابق.

أساس البلاغة للزمخشري ص 365.

بَكْرَةُ البئر: ما يُستَقى عليها. لسان العرب 4/80.

تاج العروس 8/373.

الصحاح للجوهري 5/1970، ولسان العرب 4/80.

أساس البلاغة ص 356.

الصحاح للجوهري 5/1970.

القاموس المحيط 4/141.

المغني لابن قدامة 3/3.

المجموع 6/245.

الذخيرة للقرافي 2/485. دار الغرب الإسلامي بيروت. ط1. 1414هـ.

بلغة السالك لأقرب المسالك لأحمد الصاوي 1/430. وبهامشه الشرح الصغير للدردير. الدار السودانيّة للكتب. ط1. 1418 هـ.

بدائع الصنائع 2/75. للكاساني. دار الكتاب العربي بيروت. ط2. 1402 هـ.

سبل السلام للصنعاني 2/217. جمعية إحياء التراث الإسلامي. ط2. 1420 هـ.

المبسوط 3/54. دار المعرفة بيروت. 1406 هـ.

البقرة 183-185.

فتح الباري 4/592-593.

المغني لابن قدامة 3/3.

المجموع شرح المهذَّب للنووي 6/249.

المجموع 6/248.

المبدع 3/3.

الإنصاف في معرفة الرّاجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد لعلي بن سليمان المرداوي 3/269. دار إحياء التراث العربي. بيروت.

منار السبيل لإبراهيم بن محمد بن ضويان 1/209. مكتبة المعارف. الرياض. 1405 هـ.

الروض المربع للبهوتي 1/409. مكتبة الرياض الحديثة. الرياض. 1390 هـ.

حاشية ابن عابدين (ردّ المحتار على الدر المختار) 2/369. دار الفكر بيروت. ط2. 1368 هـ.

نونيّة القحطاني ص 71.

صيد الخاطر لابن الجوزي ص 105. مؤسسة الكتب الثقافية بيروت. 1420 هـ.

بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك لأحمد الصاوي 1/453.

اللهم تقبل الطاعات

:noc:

**رمضان شهر الإسلام والفرقان

فهنيئا لمن اغتنم نفحاته

هلّ علينا شهر رمضان من جديد، فكل عام وانتم بخير، وأعاده الله على الأمة الإسلامية وقد أعزها الله بالنصر والتمكين ومنّ عليها بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وجعل هذا الشهر المبارك فاتحة خير لها وبوابة لعزها وسؤددها.

إن رمضان شهر تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتصفد فيه الشياطين ومردة الجن، فهنيئاً لمن صام نهاره وقام ليله والتزم بشرع ربه دون أن يحيد عنه قيد أنملة وسعى لتطبيقه.

رمضان شهر يفوح منه عطر النصر وعبق الفتوحات وعزة المسلمين، فهنيئاً لمن كان رمضان دافعاً له للعمل لإعادة الأمة لسالف عهدها وسعى لتمكينها بإقامة دولتها.

إن رمضان شهر القرآن وشهر الدعوة له ولتطبيقه، فهنيئاً لمن حمل الدعوة في سبيل إقامة حدود القرآن وحروفه.

إن رمضان فرصة لا بد للأمة من اغتنامها على خير وجه، فرصة لتنشغل به بقضاياها المصيرية لا لتنشغل عنها بغيرها، فرصة لتتقرب فيه إلى العلي القدير بأجل الفروض وأعظم الواجبات، وهو بلا منازع في زماننا فرض العمل لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، لأن بها وحدها يقام الإسلام وتطبق جميع أحكامه، وبها وحدها يجمع الله شمل الأمة من بعد شتاتها، وبها وحدها يُحمل الإسلام رسالة خير وهدى للبشرية جمعاء .

إن رمضان منذ شرع الله أحكامه كان شهر عمل للإسلام وحمل دعوته لا لمجرد الصيام فحسب، فرمضان كان له التكريم والفضل والتشريف بفضل القرآن وشرفه، فكان رمضان شهر الدعوة لهذا القرآن، شهراً لإقامة حدود القرآن وحروفه، لا لمجرد تلاوته وترتيله،

فرمضان شهر دعوة وحمل لرسالة الهدى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ).

فهل لنا أن نحقق معنى الهدى والفرقان دون أن نقيم للقرآن دولة؟! وكيف لنا أن ننشر الهدى للبشرية دون أن تحمله دولة؟! كيف لنا أن نجعل الناس يعبدون الله بحق فنقيم فيهم الحدود ونطبق عليهم الشرع دون دولة؟!

بل كيف لنا أن ندافع عن حرمات المسلمين التي تنتهك في كل أصقاع المعمورة وليس آخرها الاعتداء على رفات الصحابة وشتم رسول الله عليه السلام من قبل شرذمة من المستوطنين اليهود دون دولة؟! وكيف لنا أن نوقف عبث العابثين ? من الحكام وزمرهم- بقضايا المسلمين بل وبأحكام دينهم وشعائرهم دون دولة؟! وكيف لنا أن نحرر بلاد المسلمين المحتلة دون دولة؟!

إن واجب الأمة أن تدرك بأن لا خلاص لها إلا بدولة الخلافة، وأنها لن تقيم شعائر دينها بحق إلا في ظل دولة الخلافة، وأنها لن تطبق شرع ربها بحق إلا بدولة الخلافة، وأن لا عزة لها إلا بدولة الخلافة، ولا جُنّة ولا وقاية لها إلا بدولة الخلافة،

فليكن رمضان إذاً نقطة تحول في العمل لإقامة الخلافة على مستوى الأمة، وليكن رمضان هذا منطلقاً للعمل للخلافة لكل واحد منا فمن كان متلبساً بالعمل فليزدد ومن كان تاركاً له غافلاً عنه فليلحق بالركب وليغذ السير وليسرع الخطى، ومن كان محارباً أو يسعى لعرقلة العمل للخلافة، فليرعو فهو خير له.

فإلى اغتنام رمضان على خير وجه بالتقرب إلى الله والعمل لإقامة الخلافة لإعزاز الأمة ندعوكم أيها المسلمون.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ }

منقول**

مقاصد الصوم

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين ،وبعد:
قالوا في مقاصد الصوم التماسا لعلل ما أنزل الله بها سلطان، الا البند الأول الذي يصب في خانة التقوى أي ( تحقيق قيمة روحية ):
1ـ تحقيق التقوى بعبودية الله ـ عزَّ وجل ـ:
2ـ تزكية النفس:
3ـ تذكر المحرومين ومواساتهم:
4ـ حفظ الصِّحَّة:
5ـ تقوية الإرادة وتحقيق الصبر:
6ـ التدريب على الدقَّة والنظام واحترام المواعيد:
7ـ تجديد الطاقة ، وتوجيه الهمَّة نحو العمل:
والصحيح المعتبر شرعاً إنّ الأنظمة الاسلامية هي أحكام شرعية تتعلق بالعبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات والمعاملات والعقوبات. فالأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات لا تعلل. قال صلى الله عليه وسلم : ( حُرّمت الخمرة لعينها )، وأما الأحكام الشرعية المتعلقة بالمعاملات والعقوبات فإنها تعلل، لأنّ الحكم الشرعي فيها بُني على علة كانت سببا لوجود الحكم، وقد أعتاد قوم كثيرون أن يعللوا جميع الأحكام بالنفعية، متأثرين بالقيادة الفكرية الغربية والحضارة الغربية التي تجعل النففعية البحتة أساساً لكل الأعمال، وتجعل مزجها مع المادة الضابط للأعمال، وعلى هذا فإنّ الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات لا تعلل، لأنّ لا علة لهذه الأحكام، وانما تؤخذ كما وردت بالنص، ولا تبنى على علة مطلقا، فالصلاة والصيام والحج والزكاة وكيفية الصلاة وعدد ركعاتها ومشاعر الحج وأنصبة الزكاة وما شاكل تؤخذ توقيفا كما وردت، وتتلقى بالقبول والتسليم بغض النظر عن علتها، بل لا نلتمس لها علة، وكذلك تحريم الميتة ولحم الخنزير وغير ذلك لا نلتمس له غلة أبداً، بل من الخطأ والخطر أن نلتمس علة له، لأنّه لو التمست علة لأحكام تلك الأشياء لترتب على ذلك أنّه لو زالت العلة زال الحكم، لأنّ العلة تدور مع المعلوم وجودا وعدما. فلو فرضنا أن علة الوضوء النظافة، وعلة الصلاة الرياضة، وعلة الصوم الصحة، … وهكذا: لترتب على ذلك أنه في حال عدم وجود العلة لا يوجد الحكم، مع أنّ الأمر ليس كذلك. ولهذا كان التماس العلة خطر على الحكم وعلى القيام به، فوجب أن تؤخذ أحكام العبادات كما هي دون التماس العلة لها.
وأمّا الحكمة فإنّ الله وحده الذي يعلمها، وعقلنا لا يمكنه ادراك حقيقة حقيقة ذات الله، فلا يدرك حكمته. أمّا ما وردت به النصوص من حكم كقوله تعالى ( إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) وكقوله ( ليشهدوا منافع لهم ) وغير ذلك من حكم نصت عليها النصوص ، فانه يقتصر فيها على النص وتؤخذ منه ولا يقاس عليه، وما لم يرد بحكمته نص لا نلتمس له حكمة، كما لا نلتمس له علة.
ومن هنا يتبين أن المقصود من العبادات تحقيق القيمة الروحية ليس الا،ويجب أن يقتصر بها على هذه القيمة المقصودة منها دون غيرها، ولا يجوز بيان ما في العبادات من فوائد ومنافع، لأنّ هذا البيان خطر عليها يسبب النفاق في المتعبدين ويجر لترك العبادات حين لا تظهر فوائدها ولا تبرز منافعها.
فمقاصد الصيام هو تحقيق القيمة الروحية فقط امتثالا لأمر الله.
والله أعلم
ولنا عودة باذنه تعالى
.

**رمضان والصيام

قال تعالى : {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه …} ( البقرة : 185 ) .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ، وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين )) رواه البخاري ومسلم واللفظ له.

وفي لفظ آخر لمسلم والنسائي (( فتحت أبواب الرحمة ))، زاد النسائي في رواية (( فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ ، مَنْ حُرمَ خَيرَهَا فقد حُرِم )) يعني من حُرِم إحياؤها بالعبادة فقد حُرِم الأجر العظيم الذي أعده الله لذلك .

فضل صيام رمضان وقيامه

عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه )) أخرجه البخاري ، وابن ماجه ، والترمذي واللفظ له، زاد في رواية : ((وما تأخر ))، قال الحافظ في الفتح: أخرجه أحمد عن عبادة بن الصامت من وجهين بإسناد حسن .

وقال الحافظ المنذري : انفرد بهذه الزيادة قتيبة بن سعيد عن سفيان وهو ثقة ، وإسناده على شرط الصحيح ، وزيادة الثقة مقبولة كالحديث المستقل ، وفي رواية للترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه وابن حبان ، والبيهقي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه : (( ولله عتقاء من النار ، وذلك كل ليلة )).

وعند أحمد ، وابن ماجه ، والطبراني ، ورجاله ثقات ، عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً : (( ولله عند كل فطر عتقاء من النار ))، أي بعد إتمام صوم كل يوم ، تعجيلاً منه بإعطاء الأجر عند تمام العمل .

وللبخاري ، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( قال الله تعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جُنَّة -( يعني وقاية من المعاصي أو حصن منيع من النار ) - فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يَرفُثْ ولا يَصْخَبْ فإن سَابَّهُ أحدٌ أو قاتله فَلْيقل : إنِّي امرُوٌ صائمٌ ، والذي نفسُ محمدٍ بيده لَخُلُوفُ فَمِ الصائم أطيب عند الله من رِيح المِسْك ، وللصائم فرحتان يفرحهما ، إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي ربه فرح بصومه )) . واللفظ لمسلم.

الصيام والقرآن يشفعان

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام أي ربّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه ، قال : فيشفعان )) ، أخرجه الإمام أحمد ، والطبراني ورجاله رجال الصحيح ، وأخرجه الحاكم وقال : على شرط مسلم.

وأخرج البخاري ، ومسلم ، والنسائي - واللفظ للبخاري - عن ابن عباس رضي الله عنهما (( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أَجْوَدَ الناسِ ، وكان أَجْوَدَ ما يكونُ في رَمَضَانَ حين يَلْقَاهُ جبريلُ ، وكان يلقاهُ في كل ليلةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارسُهُ القرآن ، فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أجودُ بالخيرِ مِنَ الريح المُرْسَلَةِ )).

الترغيب في تفطير الصائمين وما ورد في الدعاء لفاعله

عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه مرفوعاً : (( مَنْ فَطَّر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجورهم شيئاً )) رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان.

وعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه مرفوعاً : (( مَنْ فطر صائماً أو جهز غازياً فله مثل أجره )) ، أخرجه البيهقي ، وبمعناه الإمام أحمد ، وأخرج الطبراني مثله عن عائشة ، والديلمي عن علي.

وأخرج ابن ماجه : (( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفطر عند سعد بن عبادة فدعا له فقال: أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامكم الأبرار وصلّت عليكم الملائكة)).

التحذير مِمَّا يؤثر على ثواب الصائمين

  1. عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )) أخرجه البخاري ، وأبو داود ، وابن ماجه ، واللفظ للبخاري.

  2. وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (( الصيام جُنًةٌ من النار كجُنَّةِ أحدكم في القتال ما لم يخرقها بكذب أو غيبة )) أخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه.

  3. عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً : ((رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورُبَّ قائم حظه من قيامه السهر )) أخرجه الطبراني ورجاله موثوقون.

  4. وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر )).أخرجه البغوي في المصابيح وحسّنه.

عن كتاب “الوجيز في أحكام الصيام”، للشيخ عبد الله الحدَّاد باعلوي الشافعي**

الصِّيام بغير صلاة

عبد الحكيم فماز

اعتادت طائفة من النّاس صوم شهر رمضان المبارك، لكن بدون صلاة، فيتركون أهمّ وأجلّ رُكن في الإسلام وهو الصّلاة. وكأنّهم يصومونه تقليداً للآباء والأجداد، أو أنّهم يصومون لأنّهم يكرهون مخالفة النّاس، أو يخافون لومهم وعتبهم عليهم إنْ هُم أفطروا فجعلوا خشية النّاس كخشية الله أو أشدّ خشية.

والله عزّ وجلّ يقول: ‘‘فويلٌ للمُصلِّين الّذين هُم عن صلاتهم ساهون’’. والويل هو العذاب أو واد في جهنّم، وهذا لمَن سَهَا عن صلاته فتركها وأهملها تكاسلاً حتّى فات وقت أدائها، فإذا كان الويل لهذا المهمل للصّلاة، فماذا سيكون مصير التارك للصّلاة نهائيًا؟

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا حَظّ في الإسلام لمَن لا صلاة له. فالإسلام جزء لا يتجزّأ، والمسلم العاقل لا يقبَل لنفسه إطلاقًا أن يتقيّد بجانب من الإسلام، ثمّ يتحلّل من جانب لآخر، لأنه يكون في هذه الحالة كمَن يعترض على الله جلّ جلاله.

لقد صوّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسس الإسلام حين قال: ‘‘بُني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله وإقام الصّلاة وإيتاء الزّكاة وصوم رمضان وحج البيت لمَن استطاع إليه سبيلاً’’. والصّلاة ذاتها هي أهم الفرائض والعبادات، ولذلك تحدّث عنها الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بأنّها عماد الدِّين، مَن أقامها فقد أقام الدِّين، ومَن هدّمها فقد هدّم الدِّين، فكيف يرتضي عاقل لنفسه أن يصوم ويزكّي وهو يهمل ما هو أعظم وهو الصّلاة.

الخبر 16-08-2011م

**فهارس أبحاث في الصيام

** العلاقة بين التعريفين:

لعلَّ من الظهور بمكانٍ تقرير أنّ الصوم في اللغة والشرع يتفقان في عموم الإمساك، ويزيد الصوم في الشرع أشياءَ مخصوصةً وشرائطَ مخصوصةً كما تقدَّم؛ فالعلاقة بين المعنيَيْن إذنْ عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلَقٌ؛ هذا بالنسبة إلى أصلِ الاشتقاق، وأما المعاني اللغوية الخاصة: كالإمساك عن الكلام أو الجري أو الأكل فعلاقتها بالصوم الشرعيِّ عمومٌ وخصوصٌ وَجهيٌّ؛ لأنّ المعنى اللُّغويَّ الخاصَّ ينفرد كذلك بوجهٍ عن الصوم الشرعيِّ.

وقد عبَّر أبو بكر السرخسي رحمه الله عن الاشتراك بين المعنى اللغويِّ والشرعيِّ بقولِهِ: “الصومُ في اللغة: هو الإمساكُ… وفي الشريعة: عبارةٌ عن إمساكٍ مخصوصٍ: وهو الكفُّ عن قضاءِ الشهوتين: شهوة البطن وشهوة الفرج، من شخصٍ مخصوصٍ: وهو أن يكون مسلماً طاهراً من الحيض والنفاس، في وقتٍ مخصوصٍ: وهو ما بعد طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس، بصفة مخصوصة: وهو أن يكون على قصد التقرب؛ فالاسم الشرعيُّ فيه معنى اللغة”.

أدلّة وجوب صيام رمضان:

لا يخفى على طالبِ العلم أنَّ الدليلَ على وجوبِ صومِ شهر رمضان قولُهُ تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا كُتَِب عليكم الصِّيامُ كما كُتِب على الذين من قبلِكم لعلّكم تتقون أيّاماً معدوداتٍ فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعِدَّةٌ من أيّامٍ أُخَر وعلى الذين يُطيقونه فِدْيةٌ طعامُ مسكين فمن تطوَّعَ خيراً فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون شهرُ رمضانَ الذي أُنزِل فيه القرآنُ هُدى للناسِ وبيِّناتٍ من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فلْيَصُمْهُ). والدليلُ من السنة حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما في الصحيحين: (بُنِيَ الإسلامُ على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاةِ، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت). وقد ترجم البخاري: [باب وجوب صوم رمضان، وقول الله تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا كُتَِب عليكم الصِّيامُ كما كُتِب على الذين من قبلِكم لعلّكم تتقون)]، وأورد في الباب حديث الأعرابي: (أخبرْنِي ما فرَضَ الله عليَّ من الصيام؟ قال: شهر رمضان؛ إلا أن تطَّوَّعَ!) وحديث عائشة: (أنَّ قريشاً كانت تصوم يومَ عاشوراء في الجاهليّة؛ ثم أمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بصيامِهِ حتى فُرِضَ رمضان…).

وأما الإجماع فمنعقدٌ على وجوبه،كما قال ابن قدامة: “أجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان”، وقال النووي: “كَوْنُ صومِ رمضانَ ركناً وفرضاً مجمعٌ عليه، ودلائل الكتاب والسنة والإجماع متظاهرةٌ عليه”.

متى فُرِض صومُ رمضان؟

فُرِضَ صومُ رمضانَ في السنة الثانية من الهجرة؛ فصام النبي صلى الله عليه وسلم تسعا. قال النووي رحمه الله: “صام رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضانَ تسع سنين؛ لأنه فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وتوفى النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة”. وقد نقل جماعاتٌ من الفقهاء الإجماعَ على ذلك مثل ابن مفلح في المبدع والمرداوي في الإنصاف وابن ضويان في منار السبيل ومنصور بن يونس البهوتي في الروض المربع.

مدرسةُ الصومِ:

أخي المسلم لا شكَّ أنَّ الصيامَ مدرسةٌ تربويّةٌ عظيمةٌ ـ كما قرَّرَ ابنُ عابدين ـ فهو “من أعظم أركانِ الدين، وأوثقِ قوانينِ الشرع المتين؛ به قَهْرُ النفسِ الأمَّارةِ بالسُّوء، وأنه مُرَكَّبٌ مِن أعمالِ القلبِ، ومِن المنعِ عن المآكلِ والمشاربِ والمناكحِ عامَّةَ يَومِهِ؛ فهو أجملُ الخصال”**

**4) وُقوف الفرس عن الجري أو الأكل، قال الفيروزبادي: “مصامُ الفرس ومصامته: موقفُه”، واستشهد ابنُ فارس على ذلك بقول الشمّاخ:

إذا ما استاف منها مصامةً"

وقال النووي: “يقال: صام: إذا سكت، وصامت الخيل: وقفت”، وقال ابن فارس: "يُقال للقائم: صائم، قال النابغة:

خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تحت العجاجِ وخيلٌ تعلك اللُّجُما!"

قال الكاساني في بدائع الصنائع: “أي ممسكة عن العلف وغير ممسكة”.

قال الزبيدي: "أنشد الجوهري لامريء القيس:

كأنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقتْ من مصامِها بأمراسِ كتّانٍ على صُمِّ جَنْدَلِ"

  1. دوام الماء: قال الزمخشري: “صام الماءُ وقام ودام بمعنىً، وماءٌ صائمٌ وقائمٌ ودائمٌ”.

  2. سكون الإنسان عند الموت: كما قال الفيروزبادي: “صام مَنِيَّتَه: ذاقَها”.

  3. الأرض اليابسة: قال الفيروزبادي: “أرض صَوامٌ كسَحاب: يابسةٌ لا ماء فيها”.

  4. ذَرْق النَّعام: قال الفيروزبادي: " صام النعامُ: رمى بذَرْقِهِ وهو صومُهُ" وبيَّن الزمخشري ذلك بقوله: “صامت النعامة والدجاجة؛ وذلك لوِقْفتِها عند ذلك، أو لسكونِها بخروج الأذى”.

  5. وقوف البَكْرَة: قال الزبيدي: "بَكْرَةٌ صائمةٌ: إذا قامت ولم تدرْ، وأنشد الجوهري:

شَرُّ الدِّلاءِ الوَلْغَةُ المُلازِمَهْ والبَكَراتُ شَرُّهنَّ الصائمَهْ!

وقد فسَّرها الجوهري وابن منظور بأنها “التي لا تدور”.

  1. الكَفُّ عن المعاشرة بين النساء الرجال: قال الزمخشري: "شاخ؛ فصامت عنه النساء، قال أبو النجم: فصِرْنَ عنِّي بعد فِطْرٍ صُيَّما! ".

  2. شجرة الصوم: قال الجوهري: “الصومُ شجرٌ في لغة هُذَيْل”، وقال الفيروزبادي: “صام الرجل: تظلَّل بالصوم: لشجرةٍ كريهة المنظر”.

الصومُ في الشرع:

لقد عرّف الموفق بن قدامة الصوم بأنه “في الشرع عبارةٌ عن الإمساكِ عن أشياء مخصوصة في وقتٍ مخصوصٍ”، وعرَّفه النووي بأنه “في الشرع إمساكٌ مخصوصٌ عن شيءٍ مخصوصٍ في زمنٍ مخصوصٍ من شخصٍ مخصوصٍ”.

وقال شهاب الدين القرافي: “هو في الشرع: الإمساكُ عن شَهْوَتَي الفم والفرج أو ما يقوم مقامهما؛ مخالفةً للهوى في طاعة المولى في جميع أجزاء النهار بنيّةٍ قبل الفجر، أو معه إن أمكن فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد”. واختاره الصاوي في (بلغة السالك لأقرب المسالك).

وقال الكاساني في بدائع الصنائع: “هو الإمساك عن أشياء مخصوصة: وهي الأكل والشرب والجماع بشرائط مخصوصة”.

التعريف المختار:

لعلَّ الإمام الصنعاني مِمَّنْ عرّف الصيامَ تعريفاً جامعاً؛ حيث وُفِّقَ إلى مُراعاة الناحية التربويّة في التعريف؛ فقد ذكر أنَّ الصيامَ “إمساكٌ مخصوصٌ: وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماعِ ـ وغيرِهما مما ورد به الشرع ـ في النهار على الوجه المشروع؛ ويتبع ذلك الإمساك عن اللغو والرفث وغيرهما من الكلام المحرَّم والمكروه؛ لورود الأحاديث بالنهي عنها في الصوم زيادةً على غيره في وقتٍ مخصوصٍ بشروطٍ مخصوصةٍ”.**