**بسم الله الرحمن الرحيم
القول المختار في وجوب اتحاد
المسلمين في الصيام والإفطار.
الأستاذ أبو المغتز بالله الأشقر
لقد كثُر حديث المسلمين قديماً وحديثاً، في أمر الصيام والإفطار، وهل يجب على المسلمين أن يتوحدوا صياماً وإفطاراً وإن تباعدت أقطارهم؟ أم أن لكل بلد رؤيته، ولا يُلزم برؤية غيره؟
وأدلى كلٌ بدلوه، مستدلاً بالأحاديث التي تؤيد رأيه وما ذهب إليه، ولأنني أرى أن هذه المسألة ليست من الاجتهاد في شيء، فهي تصادم النصوص الصريحة الصحيحة، لذلك آثرتُ الكتابة في موضوعها.
وبعد هذه المقدمة أقول وبالله التوفيق (اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) وأقول أنه لا بد من التذكير بأنه ليس كل خلاف جاء معتبراً، إلا خلافاً له حظٌ من النظر، فلو أراد إنسان أن يجمع من كتب الفقه ومن أقوال الفقهاء وآرائهم، ما يتعارض والنصوص الصريحة الصحيحة لجمعَ المجلدات، وما ذلك إلا لأنهم ?ببساطة- بشر، ويصح عليهم ما يصح على البشر سائر البشر، فليس كل خلاف في مسألة من مسائل الفقه محل اعتبار ونظر، وبخاصة تلك الآراء التي تخالف النصوص، وكما قيل لا اجتهاد مع النص، بمعنى أن المسألة اذا جاء نص فيها لا يحتمل تأويلاً ولا اجتهاداً، تعين المصير إلى النص دون الالتفات إلى ما قيل في المسألة من أقوال، فالقول مثلاً بأن الربا لا يكون إلا في النسيئة قول خطأ، والقول بأن ليلة القدر قد تكون في غير رمضان هو قول خطأ، والقول بأن البيعة تصح بالتعيين هو قول خطأ، ومعنى أنها خطأ هو أنها أقوال جاءت مخالفة لنصوصٍ صريحةٍ صحيحةٍ قطعيةٍ في دلالتها لا تحتمل اجتهاداً ولا تأويلاً، فهي ليست من الاجتهاد في شيء، ولا قيمة شرعاً لها بغض النظر عن عدد قائليها ومكانتهم.
ولنعد الآن إلى المسألة محل النقاش لنبين أن القول فيها واحد ولا اعتبار لأي خلاف أو اجتهاد لمصادمتها للأدلة، ومنها:
الدليل الأول: قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.
وشهد في اللغة لها أربعة معانٍ:
الأول: بمعنى أخبر بالأمر، وذلك كقولنا: (شهد فلانٌ بكذا عند القاضي)
الثاني: بمعنى اطّلع وعاين، وذلك كقولنا: (شهدتُ فلاناً يصلّي)
الثالث: بمعنى حَضرَ، وذلك كقولنا: (شهد عليٌ رضي الله عنه بدراً)
الرابع: بمعنى علم، وذلك كقول الله تعالى: (ما كنتُ قاطعةً أمراً حتى تشهدون)
أما الأول، وهو شهد بمعنى أخبر، فلا تعلّق له بالآية من قريب أو بعيد.
أما الثاني فباطلٌ بالنقل والإجماع، وذلك لأنه يفيد بأن الصيام لا يجب إلا على من رأى الهلال رأي العين، فوجب على هذا الحمل أن يذهب المسلمون كلهم لرؤية الهلال.
وأما الثالث وهو القول بأن شهد بمعنى حضر، فهو قول لبعض العلماء، وهو حضر بمعنى كون المكلف حاضر (مقيم) أي ليس مسافراً، وهو قول صحيح، لكن لا شأن لنا به هنا في مسألتنا.
أما الرابع وهو أن شهد بمعنى عَلِم، فإن هذا المعنى الذي يتعين المصير والذهاب إليه، وذلك لأن هذا هو المعنى الذي قام به عليه الصلاة والسلام {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}.
فكان هذا المعنى هو الذي بينه لنا ﷺ بقوله وفعله، فإنه ﷺ قد صام وأفطر برؤية غيره، فقد اكتفى بأن قال لمن شهد عنده بالرؤية (أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟) قال: نعم، وذلك لأن هذا من الشهادة في حكم شرعي وهي لا تُقبل إلا من مسلم، فلو جاء إنسان وتعلّق بقول الله تعالى بالقراءة المتواترة (وأرجلِكم) بكسر اللام ليستدل بها على جواز المسح على الرجلين دون غسلهما، مع عدم وجود خُفّ لقلنا له، بأن فهمه هذا معارض لفعله المتواتر ﷺ الذي نُقل عنه، ولا اجتهاد مع النص، وهكذا شأننا مع الآية، فإن فعله ﷺ رفع الخلاف في فهمها والمقصود منها.
الدليل الثاني: قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}.
والأهلة هي اثنا عشر هلالاً، والشهر هو ما بين الهلالين، فإذا رؤي الهلال في بلد صح لنا أن نقول بأن الشهر الفلاني دخل ويصبح ميقاتاً لنا في صيامنا وحجنا، ولَعمري، لو أن رجلاً خرج علينا بقوله أنه يرى أن ليلةالقدر ?وهي الليلة التي نزل فيها القرآن، والتي جاء القرآن القطعي الدلالة والثبوت بأنها ليلة واحدة- عدة ليال وليست ليلة واحدة آخذاً باختلاف المطالع، وبأن يوم النحر ?العيد- وهو العاشر من ذي الحجة، هو يوم الوقوف بعرفة وليس عيداً، لكان لقوله قيمة واعتبار ?على أصولكم وقولكم باختلاف المطالع- وهذا القول فاسد كما لا يخفى، ولا أدل على فساده من أنه لم يقل به أحد من المسلمين فضلاً عن علمائهم.
الدليل الثالث: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.
والرد إلى الله معناه الرد إلى كتابه، بمعنى أن يكون المُحكَم قاضياً على المتشابه، والناسخ قاضياً على المنسوخ، وهكذا… فلا محل مثلاً للاستدلال بآية الوصية في الميراث مع نسخها بآية المواريث، ونسخ ثبوت الواحد للعشرة بثبوت الواحد للاثنين بقوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ}، وغير ذلك كثير.
أما الرد إلى الرسول فإنّ المقصود منه، أنه يتعيّن على المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف عند فعله وقوله الذي بينه لنا ﷺ، ومن ذلك أنه ﷺ لرفع الإشكال والإجمال في حديث(صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته…) بين لنا ذلك بفعله فقد صام وأفطر برؤية غيره.
الدليل الرابع:
قوله ﷺ: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدّة ثلاثين).
وهذا الحديث من أصرح ما جاء في ضرورة اتحاد المسلمين في صومهم وفطرهم، وذلك أنّ قوله ﷺ: (صوموا، أفطروا) إما أن يكون للحاضرين معه أو لمجموع أمته، ولا يحتمل لغةً غير هذا.
أما الاحتمال الأول فباطل ولم يقل به أحد، ذلك أنّ خطاب الرسول ﷺ خطاب لأمته كلها لا يخص به فرد أو مجموعة، إلا أن يأتي دليل يدل على التخصيص، فلم يبقَ إلا ان الخطاب لأمته غير مخصص.
هذا في قوله: (صوموا وأفطروا)، أما قوله: (فإن غُمَّ عليكم) فإنَّهُ قد علّق الأمر بأداة الشرط (إن) فكأنه قال: (صوموا إلا أن يُغم عليكم الهلال)، وهو لم يغمّ علينا برؤية بعضنا، وكذلك فإنّ الفعل الماضي (غُم) هو فعل ماضٍ مبني للمجهول، وكأن القول أصبح: (أيها المسلمون إذا رأى الهلال أي واحد منكم فيلزمكم برؤيته الصيام والإفطار).
الدليل الخامس: أنَّ أُمَّ الفَضْلِ بنْتَ الحَارِثِ، بَعَثَتْ كُريباً إلى مُعَاوِيَةَ بالشَّامِ، قالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الهِلَالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، ثُمَّ ذَكَرَ الهِلَالَ، فَقالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الهِلَالَ؟ فَقُلتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فلا نَزَالُ نَصُومُ حتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلتُ: أَوَلَا تَكْتَفِي برُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ.
فهذا الحديث والذي استدل به القوم على أنه حجة لهم -وليس الأمر كذلك-، فإن كُريباً قد سأل ابن عباس ?رضي الله عنه- أَوَلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه..؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ.
هذا الحديث مشتمل على موقوف ومرفوع، فأما الموقوف فهو عدم قبول ابن عباس خبر كريب، وعدم موافقته معاويةَ في صيامه وإفطاره، وأما المرفوع فهو (هكذا أمرنا رسول الله ﷺ).
فإنَ الحديث ليس فيه ذكر لاختلاف المطالع ولا لكلِّ بلدٍ رؤيته بل إن كل ذلك من التقوّل على الحديث وتحميله ما لا يحتمل، سيما أنَ الحديث ورد مبيَّناً مُفسَّراً من رواية كُريب نفسه وهو الحجة والفصل.
قال البيهقي في سننه: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد بن شريك حدثنا ابن أبي مريم انبأنا محمد بن جعفر أخبرني محمد بن أبي حرملة أخبرني كُريب أنه سمع ابن عباس يقول: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نصوم لرؤية الهلال ونفطر لرؤية الهلال فإن غُمَّ علينا أن نكمل الثلاثين).
فهذا هو حديث كُريب نفسه، اختصره بعض الرواة بقوله: (هكذا أمرنا رسول الله ﷺ) ولم يزد.
والواقع أنَ ابن عباس قال مفسِّراً، ويدل ذلك على أنّ الراوي لحديث كريب الذي احتجوا به هو نفس الراوي لهذا الحديث المُفسَّر وهو محمد بن أبي حرملة، ويدل على هذا أن مسلماً في روايته ساق الحديث دون أن يقول لمن نُقل له أن رآه (إن مطلعنا غير مطلعكم، ولكل بلدٍ مطلع) كما ادعاه القوم، ولا دليل عليه.
الدليل السادس: روى البيهقي من طريق ورقاء بن عمر عن عبد الأعلى الثعلبي عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: (كنت مع البراء بن عازب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما بالبقيع فنظر إلى الهلال، فأقبل راكبٌ، فتلقاه عمر، فقال: من أين جئت؟، قال: من المغرب، قال أهَللتَ؟ (أي هل رأيت الهلال) قال: نعم، قال عمر: الله أكبر، إنما يكفي المسلمين الرجل).ورواه الدارقطني والحاكم وأبو يعلى، قال ابن حجر في المطالب العالية: (ورجاله ثقات).
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهِم من الحديث خلاف ما نُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو الفهم الذي ندين الله به، ولا نرى غيره، وحجتنا الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة.
وهنا مسألة هامة ذكرها علماء الفلك في جامعة الملك عبدالعزيز، قالوا بعد كلام طويل: (وإذا أخذنا بالقول الشرعي بأنه إذا اشترك بلد مع آخر بليل، فإنه يؤخذ برؤية البلد الآخر ويصومان ويفطران معاً، وعلى هذا الأساس فإن جميع بلدان العالم الإسلامي يجب أن تصوم وتفطر في يوم واحد لأنها جميعاً تشترك مع بعضها البعض بليل).
وأخيراً فإن القول باختلاف المطالع ذريعةٌ للحكام المتلاعبين بالدين، النابذين له وراء ظهورهم، لكي يفرقوا الأمة تبعاً لإبراز شخصياتهم على غيرهم من الحكام ?وإن رُؤي الهلال- بحجة أنهم لم يروه في بلادهم التي قسمها الكافر المستعمر بعد احتلالها، وإلا فأيُّ دين وأيُّ فقه هذا الذي جعل الحكم الشرعي تابعا للحكام، فاليمن مثلاً كانت مطلعين قبل الوحدة ثم أصبحت بإذنٍ من الكافر مطلعاً واحداً، والضفة الغربية كان مطلعها مع الشرقية قبل فك الارتباط ثم بعد فك الارتباط وأوسلو أصبحت مطلعاً واحداً، وقل مثل ذلك في سيناء قبل كامب ديفيد.
فليتق الله هؤلاء الذين يتسمُّون بالعلماء الذين ما فعلوا ذلك إلا ليرضوا حكامهم الذين يرسخون التقسيم في بلاد المسلمين، فهم لم ينظروا للأمر إلا مطاوعةً لسايكس وبيكو، وليس مطاوعة للحكم الشرعي.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير/ ولاية الأردن:
الأستاذ أبو المعتز بالله الأشقر.
29 رمضان 1441 هجري
الموافق 22/5/2020 ميلادي**
