عرض مشاركة واحدة
قديم 04-23-2012, 05:12 PM   #6
حاتم الشرباتي
صاحب الموقع
 
الصورة الرمزية حاتم الشرباتي
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 15,394
افتراضي 12 16


خلق الإنسان في نظر الإسلام
لقد كرّم الله الإنسان وجعله أرقى المخلوقات على الإطلاق، كرّمه بالعقل وحُسْن الخَلق والخُلُق وحسن الصورة وجمالها. . وَهَبَه العقل المميز بين الحق والباطل. . . وبناء عليه فقد كَلَّفَهُ بالعبادة وغيرها من الواجبات، قال تعالى: [ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم][[1]]وليس الإنسان في وجهة النظر الإسلامية أيًّ من النظرات الثلاثة التي عرّفه بها الفكر البشري:

1. ليس الإنسان حيواناً ولا متطوراً من أصلٍ وضيع كما يدعي الماديون في علومهم الاجتماعية.
2. ليس الإنسان آثماً بحكم الوراثة كما تدعي بعض الديانات.
3. ليس الإنسان مجبور التناسخ كما تدعي البوذية والهندوكيّة.

لا، ليس الإنسان أياً من تلك الأوصاف التي يلصقونها به والتعاريف التي يعرفونه بها، بل هو الإنسان المخلوق في أحسن تقويم المستخلف في الأرض الممتاز عن كل ما خلق الله في الكون، الإنسان الذي كرّمه الله بالعقل والتمييز وفتح له أفاق الحياة وامتحنه بهدايته النجدين، قال تعالى: [وهديناه النجدين][[2]][إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا][[3]].

وكما يقرر الإسلام أنّ الإنسان هو مادة مخلوقة مميزة، وأنّ الفرد ليس من صنع المناخ أو البيئة أو العادات وأنه ليس مجرد ظاهرة اجتماعية في وجوده المادي أو طفرة[[4]] متطورة، بل هو مخلوق له كيانه الذاتي مرتبط مع الجماعة بنظام فريد في نفس الوقت، ممتن عليه بالعقل المدرك الذي يمكنه من تمييز الخبيث من الطيب. لذا فقد حَمَّلَهُ الله الأمانَة وَكَلَّفَهُ بالرّسالة والعِبادَة وأمَرَهُ بالتّفكر والتعمق والاستنارة والكياسة والفطنة، وحثّه على إعمال العقل في الموجودات وفي نفسه للاستدلال من خلال ذلك [بصفته مخلوقاً عاقلاً مميزاً] على وجود الخالق المدبر ليكون هذا الإيمان الآتي عن إعمال العقل والتفكر بالمخلوقات: ثابتاً وراسخاً وقطعياً.

إنّ الإسلام يقدّم الإنسان في أجمل صورة وأبدعها، فهو في نظره ليس حيواناً وليس آثماً بحكم الوراثة كما أنه ليس شيطاناً ولا ملاكاً وليس ثالث ثلاثة... إنّه ليس أي من تلك الأوصاف، بل هو الإنسان المخلوق في أحسن صورة وأصح قامة وأجمل قد، خليفة الله في الأرض الذي سُخٍرَت لمنفعته المخلوقات جميعاً وذُللت له ألأرض بجبالها وأنهارها وبحارها وقفارها. وبهذا يكون الإسلام قد وضعه في موضعه الصحيح اللائق به. وفي ذلك قوله تعالى: [ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم][[5]][ خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم][[6]][وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين] [[7]][ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلا].

لقد منّ الله على الإنسان إذ وهبه العقل كما وهبه السّمع والبصر والفؤاد، فهداه النجدين وعلّمه وأدبه وأرشده مُحسناً التعليم والتأديب والإرشاد. وبهذا فقد هيأه لحمل الأمانة وللخلافة في الأرض، قال تعالى: [وعلّم آدم الأسماء كلها][[8]][وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة][[9]].


وبناء على ما حباه الله من نعمة العقل والإدراك والتمييز، وبما أنّه أرفع المخلوقات شأناً عند خالقها، وبعد أن دعاه إلى أن ينعم النظر والتدقيق في الموجودات جميعها وما حولها وما يتعلّق بها من سُنَن وقوانين وأمور حياة ليستدل بها على وجود الله تعالى كخالق ومدبر لهذا الكون، فلا بدّ أن يحصل من إنعام النّظر والتأمل والتفكر في الموجودات والقوانين إيمان راسخ هوإيمان المستنير المتيقن الذي نظر ونظر وفكر وفكر بعمق واستنارة ثم وصل إلى القطع والجزم واليقينبالله تعالى ليكون ذلك اعتقادا جازماً لايخالطه أدنى شك أو ارتياب، لأن الإسلام قد أعطاه البراهين الدامغة مصحوبة بالأجوبة المقنعة لكل استفساراته فعمد إلى حل العقدة الكبرى التي هي عقدة الإيمان عنده حلاً يوافق الفطرة فيملأ العقل قناعة والقلب طمأنينة. وبما أنّ الإنسان قد توصل بالدليل العقلي القطعي أنه مخلوق لخالق وأنّ هذا الخالق هو موجب الوجود ومدبره، وجب أن يكلف بالمهمة الشاقة: قال تعالى: [ إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ][[10]].

وبناء على حمل الأمانة وحتى يتمكن الإنسان من الاستمرار في ذلك والنجاح فيه فقد سَخّّرَ الله تعالى كل المخلوقات له من جماد وحيوان، قال تعالى: [ الله الذي سخّر لكم البحر لتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ][[11]][ ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطّيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا][[12]].

[ وذلك أنّ الله تعالى الخالق الحق قد ميّز الإنسان بأن حباه العقل، فهو بالعقل قد تفرّد عن سائر المخلوقات، وهذا التفرّد لم يخلقه الله عبثاً ولا باطلاً ولا عشوائياً بلا قصد وإنما خلقه بالحق لأمر عظيم وجليل، وهو تهيئة الإنسان لتلقي التكليف الإلهي دون مخلوقات الله جميعاً وجعل العقل مناط التكليف، وجعله قادراً على إدراك هذا التكليف والقيام بتبعاته سيما وأنّ في هذا العقل صفة الاعتزاز بالذّات، ولهذا فإنّه عندما عُرِضَ عليه التكليف كما عُرِضَ على سائر المخلوقات لم يتوانَ في القبول منطلقاً من اعتزازه وثقته بنفسه وقدرته، فَقَبِلَ التّكليف واستَعّدَّ لتحمل تبعاته، وفي ذلك قوله تعالى من سورة الأحزاب: [ إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوماً جهولا][[13]]ولولا اعتزاز الإنسان بعقله وثقته بنفسه وبقدرته لأحجم عن القبول، ولأدخل نفسه في موكب الكون السّائر بطاعة الله تعالى والانقياد له دون هذا التكليف. ولكن الله علاّم الغيوب وقد خلق العقل وخلق قدراته وشاء له أن يقبل التّكليف، فقد خلقه في حالة تمكنه من حمل هذا العبء إن هو أراد، فانطلق من قاعدة الانقياد والطاعة لله، فإن هو فعل ذلك بقي في موكب الحق بل واستحق أن يتسنّم الذّروة فيه، وإلا خَرَجَ عَنهُ إلى غَضَب الله وعِقابه.

إنّ عقل الإنسان انطلق من قاعدة الانقياد والطاعة لله، فعندما عُرِضَ عليه الإسلام قَبِلَهُ واستسلم لخالقه بالطاعة، فكان عقلاً مستنيراً مُدْرِكاً لمسؤولياته ناهضاً لتحمل تبعات ما قَبِلَهُ، هذا العقل هو عقل الإنسان المسلم، وهو بهذا القبول قد بقي ضِمن موكب الكون الحق بل كان رائداً فيه.
ومن العقل من أعماه الاعتزاز بالنفس وبقدرته فلم ينطلق من قاعدة الانقياد لله والطاعة له، وإنما استكبر وتطاول وَجَمَحَ بِهِ الغُرور، وهذا العقل هو عقل الإنسان الكافر، فأتعَسَ صاحبه وأورده موارد التَّهلكَة، فخرج هذا الكافر بِاستكباره وتطاوُله وَجُموحه على موكب الكون إلى غَضَب الله وَعِقابه. إذ أنّ الأرْضَ ومن فيها ومن عليها، والشّمس وضوءها والقمر ونوره وسائر الأجرام التي نعرفها وندركها وتلك التي قصرت عقولنا عن معرفتها وإدراكها: كلها بلا استثناء تسير معاً في موكب كوني خاضع مطيع، يُسَبّح الله ويسجد له وينقاد إليه ويطيعه، ولم يتخلف عنه سوى الإنسان الكافر وعقله، فهو وحده النّشاز في هذا النّسق الكوني البديع، يُصاحبه ويرافقه إبليس والكفار من الجن، قال تعالى: [ ألم تَرَ أنّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ في السموات والأرض والشّمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدّواب وكثير من النّاس وكثير حقَ عليه العذاب ومن يُهِنِ الله فما له من مكرم إنّ الله يفعل ما يشاء ][[14]].
إنّ مفارقة الكفار لهذا الموكب الكوني هذه المفارقة والمباينة وصفها ربّ العزة الخالق تعالى بأقبح وصف وأرذله بقوله تعالى من سورة التّوبة: [ إنّما المشركون نجس][[15]] ولم يرد في الآيات القرآنية ذكر النّجاسة إلا مرة واحدة فَحَسْب : هي هذه المرة أطلقها سبحانه وتعالى على الكفار المشركين ، وحيث أنّ الكون مخلوق على الطهارة فإنّ وصف الكفار بالنجاسة لأبلغ دلالة على مغايرتهم لما عليه هذا الكون وخروجهم على خطّه ومنهاجه مما يستوجب نبذهم تماماً كما تُنْبَذُ النجاسات ، فالكفار من الإنس ومثلهم من الجان هم حالة النُشوز في هذا الكون.

لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يُفاضل بين مخلوقاته، فقد فضّل الإنسان على سائر المخلوقات، فأنه قد جعل مخلوقاته في الأرض والسموات مسخرة لهذا الإنسان الكريم، فالموكب الكوني الحق تسير فيه مخلوقات الله بالحق ما عدى الكفار من الإنس والجان، في مقدمة هذا الموكب وعلى قمته الإنسان المسلم المؤمن بالله الخالق][[16]].

__________________
حاتم الشرباتي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس